Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
( رسالة الامام الفشيرى الى جماعة الصوفية ببلدان الاسلام )
فعلقت(١) هذه الرسالة إليكم. أكرمكم الله . وذكرت فيها بعض سير شيوخ
هذه الطريقة فى آدابهم، وأخلاقهم ، ومعاملاتهم، وعقائدهم بقلوبهم(٢)، وما
أشاروا إليه من مواجيدهم (٣)؛ وكيفية ترقيهم (٤) من بداتهم إلى نهاتهم ؛ لتكون
لمربدى هذه الطريقة قوة ، ومنكم لى بتصحيحها شهادة (٥). ولى فى نشر هذه الشكوى
سلوة (٦) ، ومن الله الكريم فضلا ومثوبة .
وأستعين بالله سبحانه فيما أذكره ؛ وأستكفيه؛ وأستعصمه(٧) من الخطأ فيه ،
وأستغفره وأستعينه (٨). وهو بالفضل جدير، وعلى ما يشاء قدير .
(١) علقت : جمعت وألقت.
(٢) ومعتقداتهم فى قلوبهم .
(٣) مواجيدهم: ما يجده قلوبهم من الإلهامات الإلهية.
(٤) انتقالهم من كمال إلى كمال أعلى منه .
(٥) شهادة: إقرار بأنه صحح طريق السلف ؛ بايضاح ماكانوا عليه .
(٦) سلوة: بغضاً لأولئك الزاعمين المدعين.
(٧) استكفيه واستعصمه ، اطلب منه الكفاية والعصمة والحفظ .
(٨) وفى نسخة أخرى، وأستهفه)» أو أطلب منه العفو عن الخطأ.

الباب الأول
أقطاب الصوفية
وعلم التوحيد
أول فرض فرضه
*
الله على خلقه
٠٠٠٠ هو المعرفة

٢٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فصـل
فى بيان اعتقاد هذه الطائفة فى مسائل الأصول(١)
إعلموا ، رحمكم الله ، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول
٦ صحيحة (٢) فى التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع (٣) ودانوا (٤) بما وجدوا عليه
السلف وأهل السنة: من توحيد ليس فيه تمثيل(٥) ولا تعطيل(٦)، وعرفوا ما هو
حق القدم (٧). وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم (٨) .
ولذلك قال سيد هذه الطريقة ((الجنيد))(١)، رحمه الله: (( التوحيد إفراد القدم
من الحدث)) (١٠) .
(١) أصول علم التوحيد ومسائله المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، ومايجب اه وما يجوز، وما يستحيل فى حقه .
(٢) قال الشيخ العروسى فى حاشيته ((نتائج الأفكار القدسية)): إن الدين بستان والشريعة سياجه، والطريقة رياضه،
والحقيقة ثمراته، فمن لا شريعة له لا دين له، ومن لا طريقة له لا شريعة له، ومن لا حقيقة له لا طريقة له)). ثم قال: ((إن طريقة
الصوفية تشتمل على عشرة أشياء : أحدها حقيقة التصوف، وهى ترجع إلى صدق التوجه إلى اللّه تعالى، والثانى : أن مدار ذلك
على إفراد القلب والقالب لله وحده، والثالث: أنه من الدين بمنزلة الروح من الجسد، والرابع: أن نظر الصوفى فى وجه الكمال
والنقص ، والخامس : أن ننظر الفقبه فيما يسقط الحرج، والأصولى، فبما يصح به الإيمان وبثبت، فنظر الصوفى أخص من نظرهما
ولذلك صح إنكارها عليه، ولا يصبح إنكاره على أحدهما، ((فصوفى الفقهاء خير من فقيه الصوفية)). والسادس : إظهار شرف
التصوف ودليله : برهاناً ونصاً، والسابع: أن الفقه شرط فى صحته، فلذلك قدم عليه ؛ والثامن ذكر
الاصطلاح واختصاصه بكل فن على حسبه ، والتاسع مفاتيح الفتح فيه أربعة أحكام : المبادى ؛ وصدق الرغبة فى الوصول،
والتشوف للحقائق، وعدم التقيد بالمنقول مع التحقيق. والعاشر: أنه طريق عجيب وغريب ومبناه على اتباع الأحسن دائماً ،
فى العقائد على اتباع السلف، وفى الأحكام على الفقه، وفى الفضائل على مذهب المحدثين، وفى الآداب على مابه صلاح القلوب».
(٣) البدع جمع بدعة، وهى مايجرى على أصول الشريعة من نص الكتاب أو الحديث، أو الاجماع، أو القياس.
(٤) اتخذوا ما وجدوا عليه السلف من الاعتقادات والأعمال ديناً لهم.
(٥ ) تمثيل : تشبيه بحادث من الحوادث .
(٦) تعطيل: أى بنى الصفات فراراً من تعدد القدماء كما ذهب إليه جماعة ((المعطلة)).
(٧) أى اعتقدوا بما يجب فى حقه تعالى وما يجوز وما يستحبل؛ والمراد بالقدم: القديم، وهو الله سبحانه وتعالى.
(٨) التزموا الخضوع والافتقار إليه سبحانه، واتخذوا العبودية شعاراً، فلم ينازعوا فى شىء من أحكام الربوبية.
والموجود عن العدم ، وهو : الحادث الذى وجد بعد أن لم يكن .
(٩) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادى الخزاز، مولده ووفاته ببغداد (( ٢٩٧ هـ = ٩١٠ م)) وعرف بالخزاز
لأنه كان يعمل الخز، قال أحد معاصريه : مارأت عيناى مثله؛ الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والشعراء لفصاحته ، والمتكلمون
لمعانيه ، وهو أول من تكلم فى علم التوحيد ببغداد . وقال ابن الأثير فى وصفه: إمام الدنيا فى زمانه ؛ وعده العلماء شيخ مذهب
التصوف، لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصوناً من العقائد الذميمة محمى الأساس من شبه الغلاة ، سالماً من كل
مايوجب اعتراض الشرع .
(١٠) أفراده سبحانه من الحدث: أى الحدوث، وذلك إنما يتم بعد معرفة ما يجب له تعالى، وما يجوز وما يستحيل .

٢٥
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ، ولائح الشواهد .
كما قال أبو محمد الجربرى(١)، رحمه الله،: ((من لم يقف على علم التوحيد
يشاهد من شواهده زت به قدم الغرور فى مهواة من التلف)) يريد بذلك: أن من
ركن إلى التقليد ، ولم يتأمل دلائل التوحيد ، سقط عن سنن (٢) النجاة ، ووقع فى
أسر الهلاك .
ومن تأمل ألفاظهم ، وتصفح كلامهم ، وجد فى مجموع اقاوبلهم ومتفرفاتها
ما يثق - بتأمله - بأن القوم لم يقصروا فى التحقيق (٣) عن شأو(٤)، ولم يعرجوا فى
الطلب على تقصير .
ونحن نذكر فى هذا الفصل جملا من متفرقات كلامهم فيما يتعلق بمسائل
الأصول .
ثم تحرر على الترتيب بعدها ما يشتمل على ما يحتاج إليه فى الاعتقاد على وجه
الإنجاز والاختصار ، إن شاء الله تعالى .
سمعت : الشيخ أنا عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمى (٥)، رحمه الله،
تقول : سمعت عبد الله بن موسى السلامى يقول: سمعت ابا بكر الشلى (٦) تقول.
(( الواحد: المعروف قبل الحدود(٧) وقبل الحروف)) وهذا صريح من الشلى أن
القديم - سبحانه - لا حد لذاته (٨)، ولاحروف لكلامه .
سمعت أنا حاتم الصوفى ، يقول: سمعت أبا نصر الطوسى يقول: سئل روم (٩)
عن أول فرض افترضه الله عز وجل على خلقه ما هو ؟ فقال : المعرفة ؛ لقوله جل
(١) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن حسن الجريرى، من كبار أصحاب الجنيد توفى سنة ٣١١ ه".
(٢) سنن طريق.
(٣) أى التحقيق للعقائد .
(٤ ) شأر : غاية .
(٥) من علماء المتصوفة ولد سنة (٣٢٠ ٨ = ٩٤٢م) وتوفى سنة (٤١٢ ٨ ١٠٢١ م) مولده ووفاته فى نيسابور ،
له عدة كتب منها: ((حقائق التفسير)) وهو مختصر على طريق أهل التصوف، و(( طبقات الصوفية)) و(أدب الصحبه)) و («الفتوة».
(٦) أبو بكر دلف بن جحدر الشبلى، بغدادى المولد والنشأة توفى سنة ٨٣٣٤ وتفقه على مذهب الإمام مالك؟ وصحب - الجنيد.
(٧) الحدود: الجهات . والحروف : الأصوات .
(٨) لا حد لذاته : لا جهة تحويه .
(٩) رويم هو أبو رويم بن أحمد، مات سنة ٣٠٣ هـ ببغداد، وكان عالما بالقرآن عارفاً بالتضوف.

٢٦
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
ذكره: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (١))). قال ابن عباس: إلا ليعرفون (٢)
وقال الجنيد : إن أول ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة (٣): معرفة المصنوع
صانعه (٤) ، والمحدث كيف كان إحداثه ، فيعرف صفة الخالق من المخلوق ، وصفة
القديم من المحدث ، ويذل لدعوته ، ويعترف بوجوب طاعته ؛ فان من لم يعرف ؟
مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه .
أخبرنى محمد بن الحسين ، قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الرازى: يقول: سمعت
آبا الطيب المراغى يقول: للعقل دلالة(٥)، وللحكمة(٦) إشارة ، وللمعرفة شهادة ؛
فالعقل بدل والحكمة تشير . والمعرفة تشهد : أن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء
التوحيد .
وسئل الجنيد عن التوحيد، فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته:
أنه الواحد ، الذى لم يلد ، ولم يولد . بنفى الأضداد ، والأنداد ، والأشباه ،
بلاتشبيه. ولاتكييف، ولا تصوير ولا تمثيل(٧) (( ليس كمثله شىء وهو السميع
للنصير))(٨).
أخبرنا محمد بن أحمد بن يحيى الصوفى ، قال : أخبرنا عبد الله بن على التميمى
الصوفى ، يحكى عن الحسين بن على الدامغانى ، قال : سئل أبو بكر الزاهر اباذى،
عن المعرفة ، فقال : المعرفة: اسم ، ومعناه وجود تعظيم فى القلب يمنعك عن التعطيل
والتشبيه .
وقال أبو الحسن البوشنجى(٩)، رحمه الله،: التوحيد : أن تعلم أنه غير مشبه
للذوات ، ولا منفى الصفات .
(١) آية ٥٦ من سورة الذاريات.
(٢) فهو تعالى إنما خلق العالم ليستدل به عليه، كما قال تعالى ((وفى أنفسكم أفلا تبصرون)) ولهذا قيل ((أعرفكم بنفسه
أعرفكم بربا )).
(٣) عقد الحكمة : اعتقادها .
(٤) بصفاته الى تميز بها عن سائر الممكنات.
(٥) براهين يستدل بها على وحدانية الله سبحانه .
(٦) الحكمة هى العلم بحقائق الأشياء.،، وأوصافها، وخواصها، وأحكامها وارتباط الأسباب بالمسببات. والعمل
. مقتضى ، ذلك كله .
٠٠
( ٧) أى أن التوحيد هو اعتقاد الوحدة لله تعالى اعتقاداً ناشئاً عن نظر، نافياً الضد والند ، بلا كيف ولا صورة .
(٨) آية ١١ من سورة الشورى .
(٩) أبو الحسن على بن أحمد بن سهل البوشنبى. توفى ٣٤٨ ٨ بنيسابور.

٢٧
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
أخبرنا للشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله تعالى، قال: سمعت محمد
ابن محمد بن غالب قال : سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الأسفنجانى بقولك ، قال :
الحسين بن منصور : (١) ألزم الكل الحدث (٢)؛ لأن القدم له . فالذى بالجسم
ظهوره (٣) فالعرض يلزمه، والذى بالأداة(٤) اجتماعه(٥) فقواها تمسكه(٦) والذى يؤلفه
وقت بفرقه وقت ، والذى يقيمه غيره فالضرورة تمسه (٧). والذى الوهم يظفر به (٨)
فالتصوير يرتقى إليه ؛ ومن آواه محل أدركه أين (٩) ، ومن كان له جنس طالبه
مکیف(١٠) .
إنه سبحانه لا يظله فوق (١، ولا نقله تحت (١٢)، ولا يقابله جد (١٣) ولا يزاحمه
عند (١٤)، ولا يأخذه (١٥) خلف، ولا يحده أمام، ولم يظهره قبل ولم يفنه بعد (١٦).
ولم يجمعه كل . ولم يوجده كان (١٧) ، ولم يفقده ليس .
وصفه : لا صفة له (١٨). وفعله : لاعلة له (١٩)؛ وكونه: لا أمد له (٢٠). تنزه عن
(١) هو الحلاج: أبو مغث الحسين بن منصور. فبلسوف متعيد زاهد؛ أصله من بيضاء فارس ؛ نشأ فى العراق.
ظهر أمره سنة ٢٩٩ هـ وتوفى سنة ٣٠٩هـ كثرت الوشايات به إلى المقتدر العباسى فسجن وعذب وهو صابر.
(٢) أحكم بأن جميع المخلوقات حادثة.
(٣) فالحادث الذى يدرك بالجسم.
(٤) بالأداة : بالأسباب ، كالحياة، وغيرها .
(٥) اجتماعه ، أى: اجتماع حواسه الظاهرة والباطنة .
(٦) أى قوى هذه الأسباب نمسكه عن التفرق .
(٧) أى والذى يكون وجوده بغيره ، فشدة الافتقار إلى ذلك الغبر لارمة له لزوماً ذاتياً.
(٨) يتخيله الذهن ويتعلق به .
(٩) أى ومن ثبت له التحيز والمكان جاز أن يسأل عنه بلفظ ((أين))، التى يسأل بها عن المكان.
(١٠) أى سائل ((بكيف)) التى يسأل بها عن الحال، وعن تمييز أنواع الجنس الواحد:
(١١) فوق: علو، أى ليس فوقه شىء.
(١٢) لا يحمله سفل، لأن ذلك تحيزٍوهو من عوارض الأحسام والله منزه عن ذلك .
(١٣) حد : جهة.
(١٤) عند: محل.
(١٥) يأخذه: يحده ويحصر".
(١٦) بل هو ظاهر قبل وجود الخلق وبعده .
(١٧) لا يقال فى حقه تعالى وجد فى وقت كذا. لحدوث الزمان والحقي - تعالى - أزلى قديم. ولثبوت قدمه لا يقبل، الانتقام
( وهذا معنى قوله لا يفقده ليس ) .
(١٨) أى لا كيفية له ولا يمكن إدراك حقيقة وصفه حتى يكيف ويصور ..
(١٩) علة : غرض وباعث.
(٢٠) وجوده لا نهاية له .

٢٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية الامام القشيرى )
أحوال خلقه . ليس له من خلقه مزاج ، ولا فى فعله علاج(١) . باينهم بقدمه ، كما
بابنوه بحدوثهم.
إن قلت: منى (٢)، فقد سبق الوقت كونه(٣) . وإن قلت: هو ، فالهاء والواو
خلقه . وإن قلت . أمن ، فقد تقدم المكان وجوده .
فالحروف آياته (٤). ووجوده إثباته (٥). ومعرفته توحيده (٦). وتوحيده تمييزه
من خلقه . ما تصور فى الأوهام فهو بخلافه ، كيف نحل به ما منه بدأه ؟ أو بعود
إليه ما هو انشأه ؟ لا تماقله(٧) العيون، ولا تقابله الظنون (٨). قربه كرامته(٩)، وبعده
إهانته، علوه من غير توقل (١٠). ومجيئه من غير تنقل (١١).
هو الأول (١٢)، والآخر (١٣)، والظاهر (١٤)، والباطن، القريب البعيد، الذى
ليس كمثله شىء وهو السميع البصير .
سمعت أباحاتم السجستانى (١٥) يقول: سمعت أبا نصر الطوسى السراج يحكى
عن يوسف بن الحسين ، قال : قام رجل بين يدى ذى النون المصرى (١٦)، فقال:
أخبرنى عن التوحيد : ما هو ؟ فقال هو: أن تعلم قدرة الله تعالى فى الأشياء
بلا مزاج، وصنعه للأشياء لاعلاج، وعلة كل شىء صنعه(١٧)، ولا علة !صنعه.
(١) معالجة موسايط وأسباب للايجاد .
(٢) متى: أى متى وحد .
(٣) كونه : وجوده .
(٤) أى مادة آياته ودلائله المنزلة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
(٥) لا يكى مجرد الاعتقاد بوجوده، بل لا بد من إقامة الأدلة على ثبوته.
(٦) .حرفته بصفات وليدة توحيده .
(٧) لا تماقل العيون: لا تراه بالمفل.
(٨) لا تدرك، الأوهام والعقول؛ لقصور الحادث عن إدراك القديم حل شأنه.
(٩) قرب من عبده إحسان ك وإكرام .
(١٠) علو، على عبده على جلاله وعظمة، لا علو مكان .
(١١) خىّ فضله ونزول أمره من غير حركة أو انتقال.
(١٢) قبل كلى شى بلا بداية .
(١٤ ) بآثار قدرته .
(١٣) بعد كل شى بلا نهاية .
(١٥) هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمى توفى سنة ٢٤٨ (، من أهل البصرة، عالم له نيف وثلاثون كتاباً .
(١٦) هو أبو الفيض ذو النون المصرى الإخميمى. عالم صوفي، ورع توفى سنة ٢٤٥ هـ.
(١٧) فترته أو جدت الكائنات فلا صانع غيره .

٢٩
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
وليس فى السموات العلا ، ولا فى الأرضين السفلى مدبر غير الله ، وكل ما تصور
فى وهمك فالله بخلاف ذلك .
وقال الجنيد : التوحيد : علمك وإقرارك بأن اللّه فرد فى أزليته (١) لا ثانى معه
ولاشىء نفعل فعله .
وقال أبوعبد الله بن خفيف : الإيمان : تصدبق القلوب ما أعلمه الحق من
الغيوب (٢).
وقال أبو العباس السيارى (٢): عطاؤه على نوعين: كرامة، واستدراج، فما
أبقاه عليك فهو كرامة ، وما أزاله عنك فهو استدراج فقل : أنا مؤمن إن شاء الله
تعالى . وأبو العباس السيارى كان شيخ وقته .
سمعت الأستاذ أنا على الدقاق ، رحمه الله ، يقول : غمز رجل رجل أبى العباس
السيارى . فقال: تغمز رجلا ما نقلتها قط فى معصية الله عز وجل !!.
وقال أبو بكر الواسطى(٤): من قال ((أنا مؤمن بالله حقاً قيل له : الحقيقة تشير (٥)
إلى إشراف ، وإطلاع ، وإحاطة ؛ فمن فقده بطل دعواه فيها .
١٠
يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إن المؤمن الحقيقى: من كان محكوماً له بالجنة (٦).
فمن لم يعلم ذلك من سر حكمة الله تعالى (٧)، فدعواه: بأنه مؤمن حقاً غير صحيحة .
سمعت الشيخ أنا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول :
سمعت أبا الحسن العنبرى يقول : سمعت سهل بن عبد الله التسترى (٨) تقول: بنظر
إليه ، تعالى ، المؤمنون (٩) بالأنصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.
(١) منفرد فى أزليته، لأنه كان ولا شئٍّ معه .
(٢) أى جزم القلوب وتصديقها بحقية الذى أعلمه الحق لنبيه من الأحكام والشرائع الى كانت نعد قبل البحثه مما غاب عن
(٣) ستأنى نرجمته.
الخلق ، ولم تعلم إلا بوساطته صلى الله عليه وسلم .
(٤) هو أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطى؛ عالم كبير من خراسان من كبار اتباع الحنبد توفى بمرو سنه ٣٢٠ هـ.
(٥) نشير: تستلزم. والمراد من العبارة أن الإيمان المجرد عن النظر الصحيح المؤدى إلى التصديق بكل ماجاء من عند الله
لا ينفع وأن من لم يحصل له اعتقاد صحيح مستند إلى نظر قوى بطلت دعواه بأنه مؤمن بالله حقاً .
(٦) لاستناده إلى البرهان القوى الذى أوصله إلى الإيمان الحقيقى.
(٧) بأن نطق بالإيمان بلسانه مع خلو قلبه عن معانيه فدعواه غير صحيحة؛ إد النطق باللسان مع خلو القلب عن معانى
الإيمان لا يكفى فى الخروج من أسر الجهالات والضلالات .
(٨) صوفى ورع، لقى ذا النون وأخذ عنه الأكابر طبقة بعد طبقة، توفى بالبصرة سنة ٢٨٣ ٠.
(٩) فى الآخرة لقوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .
م-

٣٠
كتاب الشعب ( الرسالة القسيريه للامام القيرى )
وقال أبو الحسين النورى(١): شاهد الحق القاوب، فلم يرقلبا الشوق إليه من
قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة.
سمعت الإمام أبا بكر محمد بن الحسن بن فورك (٢)، رحمه الله تعالى يقول:
سمعت محمد بن المحبوب - خادم أبى عثمان المغربى - بقول: قال لى أبو عبان المغربى
يوماً :
ما محمد ، لو قال لك أحد : أين معبودك؟ إيش تقول ؟ .
قال : قلت : أقول حيث لم بزل (٣) .
قال : فان قال. أين كان فى الأزل (٤)؟ إش تقول ؟.
قال : قلت : أقول حيث هو الآن ، يعنى : أنه كما كان ولا مكان فهو الآن
كما كان(٥).
قال . فارتضى منى ذلك ، ونزع قميصه وأعطانيه .
سمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رحمه الله تعالى، يقول: سمعت أبا عتمان
المغربى ، يقول . كنت أعتقد شيئاً من حديث الجهة (٦)، فلما قدمت بغداد زال
ذلك عن قلبى (٧)، فكتبت إلى أصحابنا بمكة : أنى أسلمت الآن إسلاماً جديداً .
سمعت محمد بن الحسين السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت أبا عمان المغربى
تقول ، وقد سئل عن الخلق ، فقال: قوالب وأشباح تجرى عليهم احكام القدرة (٨).
وقال الواسطى: لما كانت الأرواح والأجساد قادنا باللّه (٩)، وظهرتانه لابدواتها،
كذلك قامت الخطرات والحركات بالله لابذوانها ، إذ الحركات والخطرات فروع
(١) هو: أبو الحسن أحمد بن محمد النورى. بغدادى المواد والمنشأ . من أقران المجنبد، قال الخطيب البغدادي: هو أعلم
العرافين بلطائف القوم. توفى سنة ٢٩٥ هـ.
(٢) الأنصارى الأصبهانى، من كبار الصوفيه وفقهاء الشافعية. ىوفى على مقربة من نسابور ودفن بها سنة ٤٠٦.
(٣) أى على الحالة والصفة اللائفين به فيما لا يزال من الرمن التجدد .
(٤) على أى صفة كونه فى القدم ؟
(٥) لا مكان له ولا زمان .
(٦) أى كنت أمل إلى القول بالجهد له تعالى وأنه تعالى على العرش .
(٧) حد أن سمع كلام المحققين والبراهين الدالة على تنزيهه عن الجهة .
(٨) تصرفهم قدرة الله ولا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً .
(٩) وجدت بقدرته .

٣١
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
الأجساد والأرواح(١). صرح بهذا الكلام أن أكساب العباد(٢) مخلوقة لله تعالى، وكما
أنه لاخالق للجواهر إلا اللّه تعالى، فكذلك لاخالق للأعراض إلا اللّه تعالى.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله ، يقول : سمعت محمد
ابن عبد الله بقول: سمعت أبا جعفر الصيدلانى يقول: سمعت أبا سعيد الخراز(٣)
تقول : من ظن أنه بذل الجهد (٤) بصل إلى مطلوبه فمتعن (٥)، ومن ظن أنه بغير الجهد
بصل فتمن .
وقال الواسطى : المقامات (٦) أقسام قسمت (٧)، ونعوت أجريت ، كيف تستجلب
محركات ؟ أو تنال بسعادات؟ (٨).
وسئل الواسطى عن الكفر بالله أو لله، فقال: الكفر والإيمان، والدنيا والآخرة:
من اللّه، وإلى اللّه، وبالله، وللّه: من اللّه إبتداء وإنشاء، وإلى الله مرجعاً وانتهاء،
وباللّه بقاء وفناء ، ولله ملكاً وخلقاً .
وقال الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد ، فقال : هو اليقين .
1
فقال السائل : بين لى ما هو ؟
فقال : هو : معرفتك ، أن حركات الخلق وسكونهم ، فعل الله عز وجل ،
وحده ، لا شريك له . فاذا فعلت ذلك فقد وحدته .
(١) الحركات تابعة للأجسام، والخواطر نابعة للأرواح، والأرواح والأجسام موجودة بقدرة الله، وهى أصل،
والحركات والخواطر فرع، وماثبت للأصل من كونه وجد بقدرة الله يثبت كذلك الفرع .
(٢) أكساب العباد : أفعالهم البدنية والقلبية .
(٣) هو: أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز، من بغداد توفى سنة ٢٧٧ هـ. شيخ الصوفية. عارف بالله، صحب ذا النون
المصرى وغيره من أقطاب الصوفية له كتاب ((الطريق إلى الله)) وغيره . .
(٤) الجهد : بفتح الجيم وضمها : الطاقة .
(٥) منعن: متعب نفسه، مجهد لها. وقال الشيخ العروسى ((إن الوصول بمعنى القرب من رحمته سبحانه وتعالى، لا يلزم
ترتبه على العمل، بل الاعتبار بما سبق به القضاء الأزلى، مما لا إطلاع لنا عليه ، وحينئذ فلا يصبح الاعتماد على خير العمل ،
ولا القنوط من شره، الجهل المقدر. فعلى العبد الامتثال مع التفويض إليه تعالى. وغاية الأمر أن الاستقامة على الأعمال الخيرية علامة على
حسن العاقيه .
(٦) المقامات : الطرق الموصلة إليه تعالى كالزهد والورع وغيرهما .
(٧) قسمت : قدرت بتقدير الله.
(٨) ومادامت الأعمال والحركات لا توصل إلى الدرجات العالية؛ فاللازم فى حق العبيد القيام بمقتضى الأمر والنهى
مع تفويض القبول وعدمه إلى الله تعالى ؛ حتى يدوم لهم الخوف والرجاء اللذان بهما تتحقق لهم العبودية.

٣٢
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى)
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه، يقول : سمعت عبد الواحد بن على ، يقول :
سمعت القاسم بن القاسم بقول : سمعت محمد بن موسى الواسطى يقول : سمعت
محمد بن الحسين الجوهرى يقول : سمعت ذا النون المصرى يقول ، وقد جاءه رجل
فقال : ادع الله لى فقال :
إن كنت قد أيدت فى علم الغيب (١)بصدق التوحيد ، فكم من دعوة مجابة قد
سبقت لك ، وإلا فان النداء لا ينقذ الغرقى (٢) .
وقال الواسطى : ادعى فرعون الربوبية على الكشف(٣)، وادعت المعتزلة
على الستر ، تقول : ما شئت فعلت (٤).
وقال أبو الحسين النورى : التوحيد: كل خاطر يشير إلى الله تعالى ، بعد أن
لا تزاحمه خواطر التشبيه .
· وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت
عبد الواحد بن بكر ، يقول : سمعت هلال بن أحمد تقول . سئل أبو على
للروذبارى (٥) عن التوحيد ، فقال :
التوحيد : إستقامة القلب باثبات مفارقة التعطيل ، وإنكار التشبيه ، والتوحيد فى
كلمة واحدة . كل ما صوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه ، لقوله تعالى
(( ليس كمثله شىء، وهو السميع البصير)) (٦).
وقال أبو القاسم النصر اباذى (٧) : الجنة باقية بابقائه ، وذكره لك ، ورحمته ،
ومحبته لك باق ببقائه . فشتان بين ما هو باق ببقائه ، وبين ما هو باق بابقائه (٨).
(١) أى فى علم الله .
(٢) أى وإن لم تكن مؤيداً فى علم الغيب، فمجرد الدعاء لا ينتج حصول المطلوب بعينه، كمجرد نداء الغريق بدون اتخاذ
الأسباب لإخراجه من الغرق .
(٣) أى بصريح العبارة حيث قال ((أنا ربكم الأعلى)).
(٤) المعتزلة. ذهبوا إلى أنهم خلقوا أفعالهم الاختيارية، وقالوا، ماشئنا فعلنا)، والحق نه لا يفعل مايشا إلا الحق سبحانه وتعالى
(٥) هو: أبو على أحمد بن محمد الروذبارى، أقام بمصر ومات بها سنه ٣٢٢ هـ وولد ببغداد. كان إماما من أئمة الصوفية
وأعلم أهل زمانه بها .
(٦) آية ١١ من سورة الشورى .
(٧) هو: أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر اباذي، كان محدثاً زاهداً ورعاً وكان فى علم التصوف إماماً، مات
بمكة سنة ٣٦٦ هـ .
(٨) الجنة: وما أعده الله فيها للمؤمنين، كل ذلك من الذى يبقي بابتاء الله تعالى له. ومحبة الله، وذكره لعهده، من الذي
بيتى ببقاء الذات : مالكان أفضل وأشرف من الأول .

٣٣
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
وهذا الذى قاله الشيخ أبو القاسم النصراباذى ، هو غاية فى التحقيق ؛ فان أهل
الحق قالوا صفات ذات القديم سبحانه . باقيات ببقائه تعالى . فنبه على هذه المسألة وبين
أن الباقى باق ببقائه. بخلاف ما قاله مخالفو أهل الحق (١)((فخالفوا الحق)).
أخبرنا محمد بن الحسين ؛ قال : سمعت النصراباذى يقول : أنت متردد بين
صفات الفعل وصفات الذات ، وكلاهما صفته تعالى، على الحقيقة، فإذا هيمك (٢)
فى مقام التفرقة قرنك بصفات فعله ، وإذا بلغك إلى مقام الجمع قرنك بصفات ذاته .
وأبو القاسم النصراباذى كان شيخ وقته .
سمعت الإمام أبا اسحق الاسفراننى ، رحمه الله ، يقول : لما قدمت من بغداد
كنت أدرس فى جامع نيسابور مسألة الروح ، وأشرح القول فى أنها مخلوقة ، وكان
القاسم النصراباذى قاعداً متباعداً عنا ؛ يصغى إلى كلامى ، فاجتار بنا بعد ذلك يوماً -
بأيام قلائل ، فقال لمحمد الفراء : إشهد أنى أسلمت جديداً على يد هذا الرجل ، وأشار
إلى (٣) .
سمعت محمد بن الحسين السلمى ، يقول : سمعت أبا حسين الفارسى يقول :
سمعت ابراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول : متى يتصل من لاشبيه له
ولانظير له بمن له شبيه ونظير ! ؟ هيهات هذا ظن عجيب إلا بما لطف اللطيف من
حيث لادرك ، ولا وهم ولا إحاطةٌ إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان .
أخبرنا محمد بن الحسين ، رحمه الله تعالى ، قال : سمعت عبد الواحد بن بكر
يقول : حدثنى أحمد بن محمد بن على البردعى ، قال : حدثنا طاهر بن اسماعيل
الرازى ، قال : قيل ليحيى بن معاذ: أخبرنى عن اللّه عز وجل .
فقال : إله واحد .
فقيل له : كيف هو ؟
فقال : ملك قادر .
(١) من أنه لا يبقى شى" ببقائه. والغرض مما قاله الشيخ: أنه ينبغى للعبد أن يكون مشتغلا بنيل ذكر الله له. ومحبته له
وشرف منزلته عنده ، دون مايخلقه له من كرامة دنيوية أو أخروية .
(٢) هيبك : فرق قلبك ووزعه .
(٢) لأنه كان يعتقد قدم الروح؛ فلما سمع منه أدلة معدرتها صرح بذلك التصريح السابق.

٣٤
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فقيل : أبن هو ؟
فقال : هو بالمرصاد .
فقال السائل : لم أسألك عن هذا ..
فقال : ما كان غير هذا كان صفة المخلوق . فأما صفته فما أخبرتك عنه .
وأخبرنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت أبا بكر الرازى بقول : سمعت أبا على
الروذبارى يقول : كل ما توهمه(١) متوهم بالجهل أنه كذلك فالعقل يدل على أنه
بخلافه .
وسأل ابن شاهين الجنيد عن معنى : مع (٢) .
فقال : مع ، على معنيين: مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة (٣)، قال الله تعالى :
((إننى معكما أسمع وأرى)) "(٤).
ومع العامة بالعلم والإحاطة (٥)، قال تعالى: (( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو
رائعهم)) (٦).
فقال ابن شاهين : مثلك يصلح أن يكون دالا للأمة على الله .
وسئل ذو النون المصرى عن قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)).
فقال : أثبت ذاته ونفى مكانه ، فهو موجود بذاته ، والأشياء موجودة بحكمه،
كما شاء سبحانه .
وسئل الشبلى(٧) عن قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)). فقال:
الرحمن لم يزل (٨)، والعرش حدث والعرش الرحمن استوى (٩). وسئل جعفر
(١) توهمه : تخبله. وكل تخيل بالنسبة للّه تعالى إنما هو وهم.
(٢) فيما فيه المعية من اللّه بالنسبة إلى خلقه، نحو قوله تعالى ((وهو معكم أينما ننم)) وفوا)) ((إن الله مع الذين انقوا)).
( ٤ ) آية ٤٦ من سورة طه.
(٣) الكلاءة : الحفظ ..
(٥) وبهذا التفسير ظهر استحالة ان يكون معنى ((المعية)) المصاحبة أو المجاورة أو المداناة.
(٦) آيه ٧ من سورة المجادلة .
(٧) هو: أبو بكر دلف بن جحدر الشبل، بغدادى المولد والمنشأ، ولد سمه ٢٤٧ هـ وتوفى سنة ٣٣٤ هـ، صحب الجنيد،
وكان إمام زمانه علماً وورعا ومعرفة .
(٨) أي قديم .
(٩) أى والعرش بقدرة الرحمن استوى، فهو تعالى مستغن عنه وعن غيره، وإنما خلقه إظهاراً لعظمته، لا مكاناً لذاته،
لتعاليه عن ذلك .

٣٥
( أقطاب التصوف وعلم التوحيد )
ابن نصير عن قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) فقال: استوى علمه بكل
شى فليس شىء أقرب إليه من شىء. وقال جعفر الصادق(١): من زعم أن اللّه فى
شىء ، أو من شىء ، أو على شىء ، فقد أشرك ، إذ لو كان على شىء لكان محمولا،
ولو كان فى شىء لكان محصوراً ، ولو كان من شىء لكان محدثاً (٢).
وقال جعفر الصادق أيضاً فى قوله ((ثم دنا فتدلى)»: من توهم أنه بنفسه دنا جعل
تم مسافة، إنما التدانى أنه كلما قرب منه بعده عن أنواع المعارف (٣) إذ لا دنو ولا بعد .
ورأيت بخط الأستاذ أبى على أنه قيل لصوفى : أين الله؟.
فقال : أسحقك اللّه .. تطلب مع العين أمن ؟.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى ، قال : سمعت أبا العباس بن الخشاب
البغدادى يقول : سمعت أبا القاسم بن موسى يقول : سمعت محمد بن أحمد يقول :
سمعت الأنصارى (٤) بقول : سمعت الخراز يقول :
حقيقة القرب : فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى .
سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن على الحافظ بقول : سمعت
أما معاذ القزوبنى يقول: سمعت أبا على الدلال بقول : سمعت أبا عبد الله بن قهرمان
يقول : سمعت إبراهيم الخواص (٥) بقول :
إنهيت إلى رجل ، وقد صرعه الشيطان ، فيجعلت اوذن فى أذنه ، فنادانى
الشيطان من جوفه : دعى أقتله ؛ فانه يقول : القرآن مخلوق .
وقال ابن عطاء(٦): إن اللّه تعالى لما خلق الآحرف جعلها سرا له ، فلما خلق
(١) هو: أبو عبد الله، جعفر، بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين الهاشمى، سادس الأمة الأثنى عشر عند الإمامية،
كان من التابعين وعنه أخذ جماعة منهم: أبو حنيفة ومالك وجابر بن حيان ولد سنه ٨٠ هـ وتوفى سنة ١٤٨ هـ.
(٢) سئلت أم سلمة رضى الله عنها عن قوله ((الرحمن على العرش استوى)) فقالت: الكف غير معقول ، والاستواء غير
مجهول ، والإيمان به واجب ، والجحود له كفر .
وسئل عنه الإمام مالك رضى الله عنه فقال: ((الاستواء منه غير مجهول والكيف به غير معقول . والإيمان به سنة والسؤال
عند بدعة )) .
(٣) قرب منه بقلمه ومناحاته، بعدت عنه أنواع المعارف الدنيوية الحسية: الاشتغاله بمولاه لا بما عداه.
(٤ ) هو: أحمد بن عمر بن محمد الأنصارى المرسى.
(٥) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص، لازم الجنيد، وتوفى سنة ٢٩١ هـ.
(٦) أحمد بن عطاء الروذباري .

٣٦
كتاب الشعب ( الرسالة المشيرية الامام القشيرى )
آدم عليه السلام بث فيه ذلك السر (١)، ولم ببث دلت السر فى احد من ملائكته،
فجرت الأحرف على لسان آدم عليه السلام بفنون الجريان وفنون اللغات ، فجعلها
اللّه صوراً لها (٢). صرح ابن عطاء القول بأن الحروف مخلوقة .
وقال سهل بن عبد اللّه: إن الحروف لسان (٣) فعل، لا لسان ذات؛ لأنها
فعل (٤) فى مفعول (٥) .
قال : وهذا أبضاً تصريح بأن الحروف مخلوقة .
وقال الجنيد فى جوابات مسائل الشاميين : التوكل عمل القلب ، والتوحيد
قول القلب ، قال : هذا قول أهل الأصول ، إن الكلام. هو المعنى الذى قام بالقلب
من معنى الأمر والنهى ، والخبر ، والاستخبار .
وقال الجنيد فى جوابات مسائل الشاميين أيضا : تفرد الحق يعلم الغيوب ، فعلم
ما كان ، وما يكون ، وما لابكون : أنّ لو كان كيف كان يكون .
وقال الحسين بن منصور : من عرف الحقيقة فى التوحيد سقط عنه (٦): لم ،
وكيف .
أخبرنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت
جعفر بن محمد يقول : قال الجنيد : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة فى
میدان التوحيد .
وقال الواسطى : ما أحدث الله شيئاً أكرم من الروح . صرح بأن الروح مخلوقة .
قال الأستاذ الإمام زين الإسلام أبو القاسم (٧) ، رحمه الله: دلت هذه الحكايات
على أن عقائد مشايخ الصوفية توافق أقاويل أهل الحق (٨) فى مسائل الأصول.
وقد اقتصرنا على هذا المقدار خشية روجنا عما أثرناه من الإنجاز والاختصار .
(١) علمه إياه .
(٢) أى أصبحت هذه الحروف قوالب المعانى على حسب اختلاف اللغات .
(٣) أى دالة.
(٤ ) أى مخلوف من جملة ماخلق .
(٥) أى فى مختلف اللغات .
(٦) أى سقط عنه الاعتراض على ما يشاهده، ولم يمع منه سؤال بلم كان كذا ؟، أو كيف كان كذا ؟.
(٨) أهل السنة والجماعة.
(٧) القشيرى .

الباب الثانى
بيان عقائد أقطاب
التصوف فى مسائل التوحيد
لا يجرى فى سلطانه
*
الا ما يشاء .. ولا
يحصل فى ملكه غير ما
سبق به القضاء ..

٣٨
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
فصـل
قال الأستاذ زين الإسلام أبو القاسم ، أدام الله عزه :
وهذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم فى مسائل التوحيد
ذكرناها على وجه الترتيب .
قال شيوخ هذه الطريقة ، على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ، ومجموعاتها ،
ومصنفاتهم فى التوحيد :
إن الحق، سحانه وتعالى: موجود، قديم (١)، واحد(٢)، حكم (٣)، قادر (٤)
عليم (٥) ، قاهر (٦)، رحيم، مريد، سميع، مجيد، رفيع (٧) ، متكلم ، بصير ،
متكبر (٨) قدير، حى، أحد، باق(٩)، صمد(١٠).
وأنه عالم تعلم ، قادر بقدرة، مربد بارادة، سميع تسمع، تصير بصر،
متكلم بكلام ، حى بحياة ، ناق ببقاء .
وله بدان هما صفتان ، يخلق بهما ما شاء ، سبحانه ، على التخصيص .
وله الوجه (١١). وصفات ذاته (١٢) مختصة بذاته، لا يقال هى هو، ولا هى أغيار
له، بل هى صفات أزلية (١٣)، ونعوت سرمدية (١٤)، وأنه إحدى الذات، ليس بشبه
شيئا من المصنوعات ، ولا بشهه شىء من المخلوقات ، ليس بجسم ، ولا جوهر
ولا عرض ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور فى الأوهام ، ولا يتقدر فى العقول ،
ولا له جهة ولا مكان ، ولا بجرى عليه وقت وزمان ، ولا يجوز فى وصفه ريادة
ولا نقصان ، ولا يخصه هيئة وقد (١٥)، ولا يقطعه (١٦) نهاية وحد، ولا يحله حادث،
(١) قديم : لا أول لوجوده.
(٣) حكيم: يضع الشىء فى موضعه.
(٥) عليم: لا يعزب عن علمه شىْ.
(٧) رفيع : عظيم ..
(٩) باق : باق على الدوام فلا يلحقه العدم .
(٢) واحد : لا ثانى له فى الألوهيه .
(٤) قادر: لا يعجزه شىْ.
(٦) قاهر : غالب .
(٨) متكبر : متعظم ومتعال على غيره.
(١٠) صمد : مقصود .
(١١) الوجه. الذات ، وفى نسخة : الوجه الجميل .
(١٢) كالعلم والقدرة، مختصة بذاته لا تتجاوزه إلى غيره ؛ لأنها قديمة، وغيره حادث والقديم لا يتعلق بالحادث .
(١٤) أو صاف دائمة .
(١٣) أزلية: قديمة، نسبة إلى الأزل وهو القدم.
(١٥) هيئة وقد : كيفية ومقدار .
: (١٦) يقطعه : يعدد

٣٩
( اعتقاد الأقطاب فى علم التوحيد )
ولا يحمله على الفعل باعث (١) ، ولا يجوز عليه لون ولا كون ، ولا ينصره مدد
ولاعون ، ولا يخرج عن قدرته مقدور ؛ ولا بنفك عن حكمه مفطور (٢)،
ولا يعزب (٣)عن علمه معلوم، ولاهو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم. لايقال
له : أين ، ولاحيث ، ولا كيف (٤)، ولا يستفتح له وجود: فيقال: متى كان :
ولا ينتهى له بقاء: فيقال إستوفى الأجل والزمان . ولا يقال : لم فعل ما فعل؛ إذ لا علة
لأفعاله(٥) ، ولا يقال ماهو، إذ لاجنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله(٦). يرى لاعن
مقابلة ، ويرى غيره لاعن مما قلة ، ويصنع لاعن مباشرة ومزاولة . له الأسماء
الحسنى ، والصفات العلا ، يفعل ما يريد ، وبذل لحكمه العبيد ، لا يجرى فى
سلطانه إلا ما يشاء ، ولا يحصل فى ملكه غير ما سبق به القضاء ، ما علم أنه يكون
من الحادثات أراد أن يكون . وما علم أنه لا يكون ، مما جاز أن يكون : أراد أن
لا يكون . خالق أكساب العباد : خيرها وشرها . ومبدع ما فى العالم من الأعيان
والآثار : قلها وكترها . ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه .
ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، بما لا سبيل لأحد
باللوم والاعتراض عليه ، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بالمعجزات
الظاهرة ، والآيات الباهرة ، بما أزاح به العذر ، وأوضح به اليقين والنكر ،
وحافظ بيضة (٧) الإسلام بعد وفاته ، صلى الله عليه وسلم، بخلفائه الراشدين ، ثم
حارس الحق وناصره ما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه ، عصم الأمة
الحنيفية عن الاجماع على الضلالة، وحسم مادة (٨) الباطل بما نصب من الدلالة ،
وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله: ((ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))(٩)
فهذه : فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز . وبالله التوفيق .
(١) لأنه منزه عن الغرض والعلة إن كانت أفعاله لا تخلو من حكمة .
(٢) مفطور: مخلوق .
(٣) يعزب: يغيب.
(٤ ) لأنه منزه عن المكان والكيفية .
(٥) لا يسأل عما يفعل.
(٦) أشكاله : أمثاله.
(٧) عزه وجماعته .
(٨) مادة : أصل ومنشأً.
(٩) آية : ٣٣ من سورة التوبة.

الباب الثالث
فى ذكر مشايخ الطريقة
وسيرهم وأقوالهم فى
تنظيم الشريعة

٤٣
كتاب الشعب ( الرسالة القشيرية للامام القشيرى )
باب
فى ذكر مشايخ هذه الطريقة (١)
وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة (٢)
إعلموا ، رحمكم الله تعالى ، أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لم يتسم أفاضلهم فى عصرهم بتسمية علم ، سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ؛ إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم : الصحابة .
ولما أدركهم أهل العصر الثانى سمى من صحب الصحابة : التابعين . ورأوا فى
ذلك أشرف سمة (٣) . نم قيل لمن بعدهم : أتباع التابعين .
ء
ثم اختلف الناس ، وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية
بأمر الدين : الزهاد والعباد .
ثم ظهرت البدع ، وحصل التداعى (٤) بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فهم
زهاداً .
فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم (٥) مع الله تعالى ، الحافظون قلوبهم
عن طوارق الغفلة، باسم ((النصوف)).
واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة .
ونحن نذكر فى هذا الباب أسامى جماعة من شيوخ هذه الطريقة ، من الطبقة
الأولى إلى وقت المتأخرين منهم ، ونذكر جملا من سيرهم ، وأقاويلهم ، بما يكون
فيه تنبيه على أصولهم وآدابهم إن شاء الله تعالى .
(١) أى الطريقة المعنوىه المعبر بها عن القيام بوظائف العبادات، والمتوصل بها إلى المقامات : كالزهد والورع وغير هما.
(٣) سمة : علامة .
(٢) الشريعة: ما شرعه الله اعباده من الدين.
( ٤ ) التداعى : التنازع .
(٥) الدائمون على الاشغال بالعبادة مع المراقبة، ٠« يخرج لهم نفس إلا حاسبوا أنفسهم عليه.