Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِّرِيْمِ
اليَومِّ الأَخْـ
عناصر الموضوع
مفهوم اليوم الآخر
١٥٦
اليوم الآخر في الاستعمال القرآني
١٥٧
أسماء اليوم الآخر
١٥٨
أوصاف اليوم الآخر
١٦٣
الأدلة القرآنية على البعث بعد الموت
١٧٠
١٩٠
أبرز أحداث اليوم الآخر
٢١٤
المآل والمصير
المُجَلَّدَ السَّادِس وَالثّلاثُنْ
حرف الياء
مفهوم اليوم الآخر
أولًا: المعنى اللغوي
بداية لا بد من إعطاء معنى لغوي للفظتي: (اليوم) و(الآخر)؛ لكون مصطلح الدراسة
مركب منهما، وذلك بالرجوع إلى معجمات اللغة.
اليوم لغةً: تدور دلالة اليوم غالبًا في المعجمات اللغوية على الزمن المقيد أو المطلق،
فالياء والواو والميم: كلمةٌ واحدةٌ، هي اليوم المعروف، وهو غالبًا عند العرب في كلامها
يدل على النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد تطلقه على الليل والنهار كليهما. وقد
يستعمل اليوم في اللغة للدلالة على مطلق من الزمان أي: الوقت الحاضر من الزمان (١). وقد
يراد به ((الوقت مطلقًا، ومنه الحديث: (تلك أيام الهرج)(٢) أي: وقته))(٣). ومن معاني اليوم
لغة أيضًا: الدهر، ويستعمل أيضًا بمعنى: الدولة وزمن الولايات، وبمعنى: الوقائع. ويستعار
عند العرب للشدة والأمر العظيم (٤).
الآخِرِ لغةً: خلاف الأول والمتقدم ونقيضهما، وهو من الفعل أخرته فتأخر،، يقال: جاء
آخرًا، أي: أخيرًا، والجمع: أواخر، والآخر من أسماء الله تعالى قال تعالى: ﴿هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخُ
وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾ [الحديد: ٣].
والآخِر: هو الباقي بعد فناء خلقه كله الذي ليس بعده شيءٌ(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
فقد تطور من معناه اللغوي وأخذ منه في معنى مناسب له في الكلام. ولليوم الآخر
تعريفات عدة عند العلماء متقاربة.
ويمكن تعريفه بأنه اليوم الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسمي بذلك؛ لأنه
آخر انقراض الدنيا وآخر أيامها ولا يوم بعده، فهو آخر الأوقات المحدودة الذي لا حد
للوقت بعده (٦).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤٦٣/١٥، لسان العرب، ابن منظور ٦٤٩/١٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الفتن، باب النهي عن السعي في الفتنة، رقم ٤٢٥٨، ٣١٤/٦.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٦٤٩/١٢.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٤٥/٣٤، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٩/٦.
(٥) انظر: تهذيب اللغة ٢٢٧/٧، تاج العروس ٣٤/١٠.
(٦) انظر: العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين، حسين بن غنام، ص ٥٧.
جَوْسُور
القرآن الكريم
١٥٦
اليوم الآخر
اليوم الآخر في الاستعمال القرآني
ورد (اليوم الآخر) في القرآن الكريم (٢٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اليوم الآخر
٢٨
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]
اليوم: اسم لما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والآخر: خلاف الأول وبعده،
و(اليوم الآخر) في الاستعمال القرآني: اسم يطلق على يوم القيامة، ولم يخرج في الاستعمال
القرآني عن هذا المعنى (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢١، ص٧٧٥ - ٧٨٠،
المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة ص٣٤-٣٥، باب الياء ص ١٤٤٢ - ١٤٤٨.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٤١٣/٥-٤٢١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي،
ص٦٣٦، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٣٥٩/٤-٣٦٠.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الياء
أسماء اليوم الآخر
للإحاطة بدلالة اليوم الآخر في التعبير
القرآني لابد من دراسة الألفاظ التي وردت
في القرآن الكريم تدل على اليوم الآخر
وتشير إليه من قريب أو بعيد، وإذا نظرنا في
القرآن الكريم نرى كثرة في الألفاظ الدالة
عليه وتعددها بشكل لافت، وكل ذلك تقرير
لحقيقة هذا اليوم وبيان ماهيته، ومما يجليه
أمام العيان عن طريق وحي الألفاظ الدالة
عليه.
وتوارد هذه الألفاظ في القرآن الكريم
التي هي بعضها أسماء له، وتنوعها وكثرتها
يدل على عظيم قدره وهوله وشدته ویبین
شدة أهوال ذلك اليوم وتأثيره في الناس
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ
ج
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ
تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ
سُكَرَى وَمَا هُمْ بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللّهِ
شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١-٢].
بالإضافة إلى ذلك فإن كثرة أسمائه
وأوصافه تدل على أهميته وشرفه؛ لأن
كثرة الأسماء والأوصاف الدالة على الشيء
الواحد تدل على شرف المسمى وكماله
غالبًا، قال الفيروز آبادي (ت ٨١٧هـ):
((اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف
المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما
تری أن کثرة أسماء الأسد دلت على كمال
قوته، وكثرة أسماء يوم القيامة دلت على
كمال شدته وصعوبته، وكثرة أسماء الداهية
دلت على شدة نکایتها، وكذلك كثرة أسماء
الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته،
وكثرة أسماء النبي -عليه الصلاة والسلام-
دلت على علو رتبته، وسمو درجته،
وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه،
وفضيلته؟!))(١).
والقرآن الكريم عندما يستعمل هذه
الألفاظ للدلالة عن ذلك اليوم العظيم،
فإن كل لفظ منها يجلي صفة من صفاته
وأهواله، و((كلها تشير إلى انفراط عقد هذا
الكون المنظور، واختلال روابطه وضوابطه
التي تمسك به في هذا النظام البديع الدقيق،
وتناثر أجزائه بعد انفلاتها)»(٢) من هذه
الروابط والضوابط التي تضبطها بقدرة
الله وإرادته. كما أن تعددها وتجمعها على
صعيد واحد يقرب إلى الأذهان والقلوب
على نحو من التوكيد صورة ذلك اليوم
على الكون والانسان وأهواله وشدته،
فيحدث الاستجابة النفسية التي يهدف إليها
القرآن، والملاحظ أن هذه الألفاظ أغلبها قد
جاءت في سور مكية التي من أبرز أهدافها
(١) بصائر ذوي التمييز ٨٨/١.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٦٧٩/٦.
١٥٨
جوب
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
[النساء: ٨٧].
تأسيس أصول الدين والعقيدة السليمة أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾
في القلوب، وهي توحيد الله تعالى في
ألوهیتە وربوبيته للکون والخلائق جمیعاً،
وفي مقدمتها: الإنسان الذي كرمه الله
أيما تكريم وفضله على كثير ممن خلق
تفصيلاً، لذلك كان من «صفات السور
المكية وبخاصة السور القصيرة منها أنها
ذات أسلوب وإيقاع قویین شدیدین في
وقعهما يعملان على قرع القلوب بحقائقها
التي تؤديها))(١)، ومنها هذه الألفاظ الدالة
على اليوم الآخر التي ترد كثيرًا في مطالع
هذه السور وفي آياتها فتلفت الانتباه لفتًا
قويًا في تلقي المعاني والأصول الكبرى
للدين الحنيف، وسنتناول في هذا الموضع
بالتفصيل أسماء اليوم الآخر والألفاظ
ذات الصلة به؛ لنحاول أن نجلي للمتلقي
ونكشف له عن المعنى الذي ينطوي وراءها
قدر الإمكان:
١. القيامة.
جاء هذا اللفظ للدلالة على اليوم الآخر
في سبعين آية من آيات القرآن الكريم، وهو
من أجلى الأسماء والصفات لذلك اليوم
وأشهرها. ولم يرد هذا الاسم إلا مركبًا (يوم
القيامة) من ذلك قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ وَمَنْ
(١) انظر: التعبير الفني في القرآن، بكري شيخ
أمین، ص ٢٥٢.
وقوله: ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى
وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ
كُلَّمَا خَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وغيرها من الآيات الكريمة. والقيامة
لغة: مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث؛
للمبالغة، وسمي بذلك؛ لما يقوم فيه من
الأمور العظام التي بينتها النصوص. ومن
ذلك قيام الناس لرب العالمين (٢).
٢. الساعة.
من الألفاظ الدالة على ذلك اليوم العظيم
أيضًا: الساعة، وورد هذا اللفظ تسعًا وثلاثين
مرة في خمس وثلاثين آية من آيات القرآن
الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ
لَئِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ
الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ
يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ
رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾
[الحج: ١].
وغيرها من الآيات. وأطلق لفظ الساعة
على اليوم الآخر؛ إما لقربه، أو لأنه يأتي
بغتة، أو في لحظة، أو في ساعة معينة وإذا
باليوم الآخر قد قام، والناس غير منتبهين.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٨/٢.
www. modoee.com
١٥٩
حرف الياء
قال القرطبي رحمه الله: ((والساعة بالألف بالتاء، وأوثر التعبير بلفظ (الواقعة) على
وزن (فاعلة)؛ ليدلَّ على العموم والشمول
والشدة والمبالغة (٣).
واللام عبارة فى الحقيقة عن الوقت الذي
أنت فیه، وهو المسمی بالآن، وسميت به
القيامة إما لقربها، فإن كل آت قريب. وإما
أن تكون سميت بها تنبيهًا على ما فيها من
الكائنات العظام التي تصهر الجلود. وقيل:
إنما سميت بالساعة؛ لأنها تأتي بغتة في
ساعة))(١).
٣. الواقعة.
يأتي لفظ الواقعة للدلالة على اليوم
الآخر في موطنين من القرآن الكريم فقط،
وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
الََّ لِوَقْضِهَا كَاذِبَةُ خَافِضَةٌ رَافِعَةُ ))
إِذَا رُبَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا
(٥) فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًّا( ٢) وَكُنُ أَزْوَجَا ثَلَثَةً ﴾
[الواقعة: ١-٧].
والموطن الثاني في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
تُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (٢) وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجَبَالُ
فَدُكَّنَا دَّكَّةً وَحِدَةٌ ، فَيَؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾
[الحاقة: ١٣ - ١٥].
وسمي بالواقعة؛ لتحقق كونه ووجوده؛
لأنه يقع لا محالة، أي: إذا وقعت التي لا
بد من وقوعها، ووقوع الأمر نزوله(٢).
ولفظ (الواقعة) من الأسماء التي انتقلت
من الوصفية إلى الاسمية؛ لأنها ختمت
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة،
القرطبي ص ٥٤٦.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٥٥/٤.
٤. الحاقة.
جاءت ﴿اَلْحَاقَّةُ﴾؛ للدلالة على اليوم
الآخر ثلاث مرات في موطن واحد عند
قوله تعالى: ﴿اَلْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ) وَمَا أَدْرَكَ
مَا الْحَاقَّةُ ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْفَارِعَةِ﴾ [الحاقة:
١-٤].
سمي بذلك؛ («لأن فيها يتحقق الوعد
والوعيد؛ ولهذا عظم تعالى أمرها فقال:
﴿وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الْخَافَّةُ﴾)»(٤). أو أنها: ((سميت
بذلك لأن فيها الثواب والجزاء)) (٥).
إضافة إلى ذلك أن في إطلاق لفظ
﴿الْحَاقَّةُ﴾ على اليوم الآخر دلالة على
العموم والشمول والشدة والمبالغة في إثبات
المعنى، وهو اسم على وجه التخصیص ليوم
القيامة، أي: إنها تحق الحق في ذلك اليوم
الذي لا يحيط به العلم والإدراك.
٥. الغاشية.
جاء لفظ ﴿الْغَشِيَةِ﴾ للدلالة على اليوم
الآخر في موضع واحد في قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
وسمي بذلك؛ لأنه يغشى الناس بأفزاعه
(٣) انظر: معاني الأبنية في العربية، فاضل
السامرائي ص ١٢٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٨/٨.
(٥) معاني القرآن، الفراء ١٧٩/٣.
١٦٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
أنَّ الكفارَّ تغشاهم النار، وتحيط بهم من
فوقهم ومن تحت أرجلهم، كما قال تعالى:
يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ
أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥].
أو سمي بذلك؛ لأنه يغشى الناس من كلِّ
جهة أو بسبب مشاهده المفزعة تغشى الناس
فجاءة، ولا يخفى ما لهذا اللفظ من تصوير
للهول الذي يحلّ بالخلق يوم القيامة، وفي
ذلك تهويل له في القلوب، ففيه إثبات
لشاهده ودليله فهو يغشى الناس بعذابه
ويلبسهم أهواله، قال الزمخشري رحمه
الله: ((﴿اَلْفَشِيَةِ﴾ الداهية التي تغشى الناس
بشدائدها وتلبسهم أهوائها)» (١).
٦. القارعة.
ورد هذا اللفظ للدلالة على اليوم الآخر
أربع مرات في موطنين الأول في قوله تعالى:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤].
والثاني تكرر اللفظ فيه ثلاث مرات
في سورة القارعة وذلك في قوله تعالى:
﴿اَلْفَارِعَةُ ، مَا الْفَارِعَةُ ، وَمَا أَدْرَتِكَ
مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١-٣].
وسمي بالقارعة؛ لأنه يقرع القلوب
والأسماع بفنون الأهوال والأفزاع لعظيم
ما ينزل بهم من البلاء عندها، ويقرع
الكون بالدمار والتحطيم وتتغير فيه معالم
(١) الكشاف ٧٤١/٤.
وأهواله وشدائده ويغمهم، ومن معانيه الكون كله، يقال: أصابتهم قوارع الدهر،
أي: أهواله وشدائده(٢)، وأصل القرع:
((الضرب بشدة وقوة، تقول العرب: قرعتهم
القارعة وفقرتهم الفاقرة(٣): إذا وقع بهم
أمر عظيم)) (٤)، ويعمق هذا الإيحاء الإيقاع
المنبعث من حروف ﴿اَلْفَارِعَةُ﴾ (القاف
والراء والعين) المعروفة بقوتها وشدتها.
٧. الآزفة.
ورد هذا اللفظ في موضعين الأول
مضافًا إلى اليوم في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ
يَوْمَ الْأَزِقَةِ إِالْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر:
١٨].
والثاني مجردًا في قوله تعالى: ﴿أَرِفَتِ
الْأَزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧].
وسمي اليوم الآخر بـ ﴿اَلْأَزِفَةُ﴾ لأزوفه،
أي: لقرب وقوعه، وضيق وقته؛ لأن الأزف:
ضيق الوقت (٥).
واليوم الآخر قريب جدًّا، وكلُّ آت فهو
قريب وإن بعد مداه. وهو بعد ظهور علاماته
أكثر قربًا. ولا يخفى ما للفظ ﴿اَلْأَزِفَةُ﴾
من تعظيم لشأنه وتفخيمه فهي قد ((اقتربت
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٧/ ٤٣٦.
(٣) فقرتهم الفاقرة: أصابتهم مصيبة أو داهية
كسرت فقار ظهورهم.
انظر: لسان العرب ٥/ ٦٢، مادة فقر.
(٤) صفوة التفاسير، الصابوني ٥٦٨/٣.
وانظر: لسان العرب ٢٦٥/٨ مادة قرع.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٥.
www. modoee.com
١٦١
حرف الياء
كاسحة جارفة، وهي الطامة والقارعة التي وقيل: ﴿الرَّحِفَةُ﴾: الأرض والجبال، من
قوله: ﴿يَوْمَ تَرَجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل:
١٤].
جاء النذير يحذركم إياها، أو هو العذاب
الذي لا يعلم إلا الله نوعه وموعده، ولا
لَيْسَ لَهَا مِن
يملك إلا الله كشفه ودفعه: ﴿
دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾))(١).
٨. الراجفة والرادفة.
ورد هذان اللفظان في موضع واحد في
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَّجُفُ الرَّحِفَةُ ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
٢ قُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاجِفَةُ ، أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ﴾
[النازعات: ٦-٩].
وهما يصوران على نحو شديد ما يقع
من الهول والاضطراب في الكون حينئذ،
فسمي بالراجفة؛ لأن فيه تهتز السموات
والأرض ويضطرب نظامهما ويدمر كلّ
شيء فيهما، أما تسميته بالرادفة؛ لأنها تتبع
الراجفة، وقيل: هما النفختان في الصور،
قال الزمخشري رحمه الله: ((﴿الرَّجِفَةُ﴾
الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال،
وهي النفخة الأولی وصفت بما يحدث
بحدوثها، ﴿يَنْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ أي: الواقعة التي
تردف الأولى، وهي النفخة الثانية. ويجوز
أن تكون الرادفة من قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى
أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ﴾
[النمل: ٧٢].
أي: القيامة التي يستعجلها الكفرة
استبعادًا لها، وهي رادفة لهم؛ لاقترابها.
(١) في ظلال القرآن ٣٤١٨/٦.
و﴿الرَّادِفَةُ﴾: السماء والكواكب؛ لأنها
تنشق وتنتشر كواكبها على أثر ذلك»(٢).
٩. الصاخة.
ورد لفظ ﴿الصَّلَنَّةُ﴾ في موضع واحد
في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلَفَّةُ ٢٣ يَوْمَ
يَقِرُّ الْمَرّهُ مِنْ أَخِ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ ، وَصَحِينِهِ، وَبِهِ
٦ لِكُلِّ أَمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٣-
٣٧].
وسمي اليوم الآخر بالصاخة؛ (الشدة
صوتها؛ لأنها تصخ الآذان، أي: تصمها فلا
تسمع))(٣)، فهذا اليوم العظيم يصحُّ الناس
فيه صحًّا بأهواله الشديدة، ومما يعزز هذا
المعنى ويعمقه جرس اللفظ، فهو جرس
شدید («یکاد یخرق صماخ الأذن، وهو یشق
الهواء شقًّا، حتى يصل إلى الأذن صائًّا
ملحًا))(٤).
١٠. الطامة الكبرى.
جاء لفظ ﴿الطَامَةُ الْكُبْرَى﴾؛ ليدل على
اليوم الآخر في موضع واحد في قوله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَةُ الْكُبْرَى ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ
مَا سَعَى ﴾ [النازعات: ٣٤-٣٥].
وسمي بـ ﴿الطَّاقَةُ الْكُبْرَى﴾؛ لتفظيعه في
(٢) الكشاف ٤/ ٦٩٣.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤٦٦/٥.
(٤) في ظلال القرآن ٣٨٣٤/٦.
١٦٢
جَوَبُور
القرآن الكريم
اليوم الآخر
قلوب السامعين وتهويله في نفوسهم، فهو
يَطُمُّ بأهواله ودواهيه الخلق لعظمه، قال
البغوي رحمه الله: «وسميت القيامة طامةً؛
لأنها تطم على كلِّ هائلةٍ من الأمور، فتعلو
فوقها وتغمر ما سواها، والطامة عند العرب:
الداهية التي لا تستطاع))(١). وبناء ﴿اَلكَانَةُ﴾
وجرسها الإيقاعي يصوران هذا المعنى
ويقربانه، فهي تدل على العموم والشدة
والمبالغة؛ لأنها من الأسماء التي ختمت
بتاء التأنيث، فانقلبت من الوصفية إلى
الأسمية (٢).
١١. الآخرة.
ورد لفظ الآخرة في القرآن الكريم مائة
وخمس عشرة مرة، من ذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَّا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِآلْآَخِرَةِ هُّ
يُقُِونَ﴾ [البقرة: ٤].
وقوله تعالى: ﴿لَّابَلْ تُّونَ الْعَلِلَةَ وَتَذَرُونَ
الْأَخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠-٢١].
وغيرها من الآيات. و((سميت آخرة؛
لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية
لها آخرةً. وقد یجوز أن تكون سمیت آخرة؛
لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا
(دنيا)؛ لدنوها من الخلق)»(٣).
(١) فتح القدير ٤٥٩/٥.
(٢) معاني الأبنية في العربية، ص ١٢٢ - ١٢٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤٥/١.
أوصاف اليوم الآخر
تناولنا فيما سبق أسماء اليوم الآخر
والألفاظ ذات الصلة به، والآن نتناول
أوصاف هذ اليوم في التعبير القرآني؛ لتتضح
ملامح هذا اليوم العظيم من خلال هذه
الأوصاف.
والناظر في القرآن الكريم يجد أنَّ الله
تعالى وصف اليوم الآخر بأوصاف كثيرة
متنوعة، وهذه الأوصاف تبين حقيقته، فهي
بمثابة التعريف به وبيان ماهيته، وسنحاول
الوقوف على معنى الوصف ودلالته
ومناسبته لليوم الآخر في القرآن الكريم ما
استطعنا إلى ذلك سبيلاً:
١. يوم الدين.
يعد هذا الوصف ﴿يَوْرِ آلتينِ﴾ من أشهر
أوصاف اليوم الآخر، وقد ورد في ثلاثة عشر
موضعًا من كتاب الله تعالى، من ذلك قوله
تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الّذِينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْيَوْلَنَا هَذَا يَوْمُ الَّذِينِ
[الصافات: ٢٠].
وغيرها من الآيات الكريمات. وأصل
الدين في لغة العرب: الجزاء والحساب،
(يقال: كما تدين تدان، المعنى: كما تعمل
تعطى وتجازى)) (٤).
ومن هنا كان المراد من يوم الدين: يوم
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٧/١.
www. modoee.com
١٦٣
حرف الياء
الحساب والجزاء الذي يحاسب ويجازي
الله فيه العباد على أعمالهم وأفعالهم في
الدنیا.
٢. يوم الحساب.
وصف هذا اليوم بـ﴿يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ في
القرآن الكريم في أربعة مواضع ثلاثة منها
في سورة ص والآخر في سورة غافر، منها
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عِّلْ لَنَا قِطِّنَا قَبْلَ يَوْمِ
اِْسَابِ﴾ [ص: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِّ عُذْتُ
بِرَتِ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبٍِ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
اَلْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
فيه يحاسب الله تعالى العباد على أعمالهم
خيرها وشرها والنعم التي أنعمها عليهم
فيها في أبدانهم ومطاعمهم، وغير ذلك من
النعم، قال القرطبي: ((يوم الحساب معناه أنَّ
الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم
من إحسان وإساءة، ويعدد عليهم نعمه، ثم
يقابل البعض بالبعض فما يشفَّ منها على
الآخر حكم للمشفوق بحكمه الذي عينه
للخير بالخير وللشر بالشرِ))(١).
٣. يوم الجمع.
جاء وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمَ الْجَمْع﴾
في موضعين من كتاب الله تعالى، الأول:
في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا
(١) التذكرة بأحوال الموتى ص ٥٦٢.
عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ
اَلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧].
والثاني: في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُوْ
◌ِيَوْمِ الْجَمَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩].
ووصف الله تعالى هذا اليوم العظيم
بیوم الجمع؛ لأنه تعالی في هذا اليوم يجمع
الخلائق كلها أولها وآخرها للحساب، قال
الرازي رحمه الله: ((وفي تسميته بيوم الجمع
وجوهُ: الأول: أن الخلائق یجمعون فیه، قال
تعالى: ﴿يَوْمَ عَجْمَعُكُتْ لَوْمِ الْجَمَعِ﴾ [التغابن: ٩].
فيجتمع فيه أهل السموات مع أهل
الأرض، الثاني: أنه يجمع بين الأرواح
ووصف هذا اليوم بيوم الحساب؛ لأن والأجساد، الثالث: يجمع بين كلّ
عاملٍ وعمله، الرابع: يجمع بين الظالم
والمظلوم)» (٢).
٤. يوم الفصل.
وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمُ اَلْفَصْلِ﴾ في
ستة مواضع من الكتاب الكريم، وذلك في
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُتُم بِه
تُكَّذِّبُونَ ﴾ [الصافات: ٢١].
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ
وقوله:
[الدخان: ٤٠ ].
أَجْمَعِينَ ﴾
وغيرها من الآيات الكريمات. والفصل:
البون ما بين الشيئين والجبلين وهو
المفصل، ويطلق أيضًا ويراد به القضاء بين
الحق والباطل، يقال: أمرٌ فيصلٌ وفاصلٌ،
(٢) مفاتيح الغيب ٢٧/ ٥٨٠.
جَوَسُورَةُ النَّقتيبة
القرآن الكريم
١٦٤
اليوم الآخر
أي: قاطعٌ (١).
ووصف اليوم الآخر بيوم الفصل؛ لأنه
اليوم الذي يفصل فيه بين عباده الأولين
والآخرين بأعمالهم فيما كانوا فيه يختلفون،
وفيما كانوا فيه يختصمون، قال تعالى: ﴿ إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].
إضافة إلى ذلك أنه اليوم الفاصل الذي
يبين الحق فيه من الباطل (٢).
٥. يوم البعث.
ورد وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمِ الْبَعْثِ
مرتين في موضع واحد من كتاب الله تعالى
في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ
لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا
يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الروم: ٥٦].
وأصل البعث: إثارة الشيء وتوجيهه،
يقال: بعثته فانبعث، ويختلف بحسب
اختلاف ما علق به. ويوم البعث هو يوم
الخروج من القبور(٣).
قال ابن منظور: ((والبعث أيضًا: الإحياء
من الله للموتى؛ ومنه قوله تعالى:
بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ﴾: أي: أحييناكم.
وبعث الموتی: نشرهم لیوم البعث. وبعث
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٣٢٤.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٩/٤.
(٣) انظر: المفردات، الراغب ص ١٣٢.
الله الخلق يبعثهم بعثًا: نشرهم»(٤).
فهو يوم عظيم للخلق بعد الموت
وانقضاء الدنيا يوم يبعثهم الله من قبورهم
للحساب والجزاء، فينبئهم الله تعالى بما
عملوه في الدنيا.
٦. يوم التلاق.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمَ
النَّلَاقِ﴾ إلا مرة واحدة، وذلك في قوله
تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلِّى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى
مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥].
ووصف اليوم الآخر به من عدة وجوه
منها أنه يوم عظيم يلتقي به الخلق كلهم
الأولون والآخرون، حتى يلتقي فيه آدم
عليه السلام بآخر ولده، وفيه يلتقي الخالق
بالمخلوق، ويلتقي فيه أهل السماء بالأرض،
والظالم بالمظلوم، بالإضافة إلى أنه يوم
تتلاقى فيه الأرواح بالأجساد، وأنَّ كلَّ عامل
سيلقى ما عمله من خير وشر ويجازى عليه
وغيرها(٥).
٧. يوم التغابن.
جاء وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمُ النَّغَابُنِ
مرة واحدة فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
يَجْمَعُكُمْلِيَوْمِ الْجَّعِ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِتَائِهِ ﴾ [التغابن: ٩].
و(التغابن) على وزن تفاعل من الغبن
(٤) لسان العرب ١١٧/٢، مادة بعث.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٣٥/٧ - ١٣٦.
www. modoee.com
١٦٥
حرف الياء
وهو: ((أن تبخس صاحبك في معاملة بينك العظيم فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ
كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤].
وبينه بضربٍ من الإخفاء))(١).
أما في سبب وصفه بيوم التغابن؛ لأنه في
ذلك اليوم يظهر الغبن والتفاوت بين الخلق
من أربعة وجوه:
أحدها: أنه ليس من كافر إلا وله منزل
وأهل في الجنة، فيرث ذلك المؤمن، فيغبن
حينئذ الكافر.
والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار.
والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم؛
لأن المظلوم کان في الدنیا مغبونًا، فصار في
الآخرة غابتًا.
والرابع: أنه يوم يظهر فيه غين الكافر
بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في
الإحسان (٢).
٨. يوم التناد.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمَ النَّنَادِ﴾
إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ
النَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢].
والتناد: مصدر تنادى القوم، أي: نادى
بعضهم بعضًا، ويوم التناد وصف لليوم
الآخر، وصف بذلك؛ لكثرة ما يحصل
من نداء في ذلك اليوم، فالله تعالى ينادي
المشركين؛ توبيخًا لهم في ذلك اليوم
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٠٢.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٣٩٣.
جَوَسُولَة التَّق
القرآن الكريمِ
والناس يومئذ ينادي بعضهم بعضًا في
هذا اليوم، فينادي أصحاب الأعراف رجالًا
يعرفون بسيماهم في النار، وینادي أصحاب
الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار
أصحاب الجنة، وينادي أهل النار بعضهم
بعضًا؛ للاستغاثة، أو يتصايحون فيه بالويل
والثبور. والملائكة تنادي الخلق ينادون إلى
المحشر، وتنادي أصحاب الجنة إلى غير
ذلك مما يقع في هذا اليوم من التنادي (٣).
٩. يوم الخلود.
ورد وصف اليوم الآخر بـ ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾
مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في
قوله تعالى: ﴿أَدْ خُلُوهَا بِسَلٍَّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾
[ق: ٣٤].
ووصف اليوم الآخر بيوم الخلود؛ لأن
الناس یصیرون إلى دار الخلود، فالمؤمنون
مخلدون في الجنان والكافرون مخلدون في
النار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُواْبِعَايَتِنَآ
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة:
٣٩].
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَيَّتْ وُجُوهُهُمْ
وقال:
فَفِى رَحَمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران:
١٠٧](٤) .
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٢٠/١٢.
(٤) انظر: القيامة الكبرى، عمر الأشقر ص ١٩.
١٦٦
اليوم الآخر
يوم الحسرة.
٠١
لم يرد وصف اليوم الآخر ب﴿يَوْمَ
الْخَسْرَةِ﴾ إلا مرة واحدة في القرآن الکریم،
في قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
اُلْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
ووصف هذا اليوم بيوم الحسرة؛ لشدة
تحسر العباد فيه وندمهم على ما فرطوا فيه
من الصالحات في الدنيا. والحسرة: الغمّ
على ما فات والندم عليه، قال تعالى عن
حال المقصر في الاخرة: ﴿بَحَسْرَنَ عَلَى مَا
فَرَّطَتُ فِى جَتْبٍ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦](١).
١١. يوم الخروج.
وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ مرة
واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالی:
﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾
[ق: ٤٢].
والخروج: مأخوذ من خرج يخرج
خروجًا إذا برز من مقره أو حاله. ووصف
هذا اليوم بيوم الخروج؛ لأنه يوم الخروج
من القبور، فالخلق يخرجون من قبورهم
للحساب؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ
سِرَاءَ كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣](٢).
١٢. يوم الوعيد.
لم يرد وصف اليوم الآخر بـ﴿يَومُ
اٌلْوَعِيدِ﴾ إلا مرة واحدة في القرآن الكريم،
(١) انظر: المفردات، الراغب ص ٢٣٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٢٧٨.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتُفِخَ فِ الصُّورِّ ذَلِكَ
يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾[ق: ٢٠].
ووصف هذا اليوم بيوم الوعيد؛ لأنه
اليوم الذي يحصل فيه الوعيد للكافرين
الذي توعدهم الله به في الدنيا، ((وإضافة
يوم إلى الوعيد من إضافة الشيء إلى ما
يقع فيه، أي: يوم حصول الوعيد الذي كانوا
توعدوا به، والاقتصار على ذكر الوعيد؛ لما
علمت من أنَّ المقصود الأول من هذه الآية
هم المشركون»(٣).
١٣. اليوم الموعود.
وصف اليوم الآخر بـ(اليوم الموعود)
مرة واحدة في القرآن الكريم، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَاَلْيَوْمِ الْوْعُودِ﴾ [البروج: ٢].
ووصف هذا اليوم بالموعود؛ لأنه تعالی
وعد بوقوعه بعد زوال الدنيا، واجتماع
الخلق فيه، ومحاسبتهم على أعمالهم
کلھا (٤).
١٤. يوم الوقت المعلوم.
وصف اليوم الآخر بـ﴿يَوْمِ اَلْوَقْتِ
الْمَعْلُومِ ﴾ مرتين في القرآن الكريم وذلك في
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) إِلَى
يَوْمِ اَلْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧-٣٨].
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ [ص:
٨٠-٨١].
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٧/٢٦.
(٤) انظر: تفسير القرآن الكريم، جزء عم، ابن
عثيمين ص ١٢٥.
www. modoee.com
١٦٧
حرف الياء
ووصف اليوم الآخر بيوم الوقت
المعلوم؛ لأن الله تعالى عنده علمه وحده (١).
هذه أشهر أوصاف اليوم الآخر في
القرآن الكريم، وقد وردت أوصاف أخرى
كثيرة تدلُّ على أنَّ المراد منها هو اليوم
الآخر، اشتقها العلماء من الآيات ومعانيها
من ذلك:
يوم عسير في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يُوميدٍ
يَوْمُّ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩].
ويوم عظيم في قوله تعالى: ﴿قُلّ
إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَهْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام: ١٥].
ويوم كبير في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُرْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمِنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن
تَوَلَوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾
[هود: ٣].
ويوم أليم في قوله تعالى: ﴿فَأَخْتَلَفَ
الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمَّ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [الزخرف:
٦٥].
ويوم عبوس قمطرير في قوله تعالى:
﴿إِنَّا غَخَافُ مِن تَّيِّنَا يَوْمَّا عَبُوسًا قَطَرِيرًا﴾
[الإنسان: ١٠].
ويوم مشهود في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِی
ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ
(١) انظر: مفاتيح الغيب ١٤١/١٩.
١٦٨
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
[هود: ١٠٣].
ويوم عقيم في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَقَّ تَأْنِيَهُمُ
السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ
عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥].
ویوم یکشف عن ساق في قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢].
ويوم جعل الولدان شيبًا في قوله تعالى:
﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ
شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
ويوم لا بيع فيه ولا خلة في قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ
مِّن قَبْلٍ أَن يَأْتِ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا
شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:
٢٥٤].
ويوم لا ريب فيه في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ
إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيةٍّ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: ٩].
ویوم تجد کل نفس ما عملت من خیر
محضرًا وما عملت من سوء في قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ
خَيْرٍ تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ
نَفْسَهُ، وَاللهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:
٣٠].
اليوم الآخر
ویوم تبیض وجوه وتسود وجوه في
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَةٌ
وُجُوَّةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا
كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
ويوم يجمع الله الرسل في قوله تعالى:
يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ
قَالُواْ لَا عِلَّمَ لَنََّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾
[المائدة: ١٠٩].
ويوم ينفع الصادقين صدقهم في قوله
تعالى: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَِّدِقِينَ
صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَِّى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِهَا أَبْدًا رَضِىَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ
اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].
ويوم يقول نادوا شركائي في قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢].
ويوم ينفخ في الصور في قوله تعالى:
يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَتَخْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِدٍ
زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢].
ويومكم هذا في قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ
اَلِْنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنذِرُ ونَكُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَّا وَغَرَّتْهُمُ
اٌلَوَةُ الدُّنْيَاوَشَهِدُواْ عَلَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
كَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
ويوم يأتي في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ
لَا تَكَلَّمُ نَفْسُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ
وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥].
ويومهم الذي في قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ
يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَقَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى
يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف: ٨٣].
ويوم يحمى عليها في نار جهنم في
قوله تعالى: ﴿ یَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِی نَارِ
جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
وَتُهُورُهُمّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٥].
ويوم يلقونه في قوله تعالى: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ
نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا
أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].
ويوم مجموع له الناس في قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةٌ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَّ
ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ
مَشْهُودٌ ﴾ [هود: ١٠٣].
إلى غير ذلك من الأوصاف التي جلت
معالم هذا اليوم المهول ورسمت معالمه.
واليوم الآخر لما عظم أمره وكثرت أهواله،
سماه الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة،
ووصفه بأو صاف كثيرة، وهذا شائع في كلام
العرب، فهم كلما عظم شأن الشيء عندهم
تعددت أسماؤه وصفاته، فالشيء الحقير ما
له إلا اسم واحد فقط، لكن الشيء العظيم
www. modoee.com
١٦٩
حرف الياء
له أسماء كثيرة، فـ(السيف) لما عظم عندهم
موضعه وتأكد نفعه لديهم وموقعه جمعوا
له خمسمائة اسم مثل المهند، والصارم،
والمسلول، والبتار وغيرها، و(الأسد)
کذلك جمعوا له أسماء كثيرة مثل: لیث،
وغضنفر؛ لأنه أسد(١).
الأدلة القرآنية على البعث بعد الموت
البعث كما سبق ذكره هو إحياء الأجساد
وعودة الأرواح إليها، بعد نفخة الصور
الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاةً
عراةً غرلًا، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى
رَيْكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقُّ بَلْ
زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨].
والبعث ركن ثابت في الإيمان باليوم
الآخر، وقد أثبته القرآن الكريم في كثير من
المواضع، واستدل على وقوعه وتحققه
وعالجه بشتى الطرق والأساليب، وأثبته
بالأدلة النقلية عن طريق آياته التي توجب
الإيمان به، والأدلة العقلية من خلال
الاستدلال بآيات الله تعالى الكونية في
الأرض على إثبات البعث بعد الموت،
وجاء تركيز القرآن الكريم على هذه القضية؟
لأن كفار مكة كانوا ينكرونها، ويعتقدون أن
لا حياة بعد الموت كما حكى عنهم القرآن:
﴿وَقَالُواْمَا هِىَ إِلََّ حَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ
إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِ مِرْيَةٍ مِّنْ لِّقَآءِ
رَبِّهِمُّ أَلَاّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:
٥٤].
واستدلوا بعدم البعث بعد الموت
واستبعدوه بعدم حدوث شيء لآبائهم كما
(١) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة حكى عنهم القرآن من ذلك في قوله تعالى:
ص٥٤٤.
١٧٠
جوسين
القرآن الكريم
اليوم الآخر
﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الآخِرَؤُ بَلْ هُمْ فِ شَئِ
مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
٦٧
أَوِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّآَ
أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٦-٦٨].
فرد عليهم القرآن الكريم ظنهم الفاسد
وشكهم بالبعث والحساب بقوله تعالى:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ أَنْ يُبْعَثُوْ قُلْ بَى وَرَبِّ لَنُعَنُنَّ ثُمّ
لَنْنُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيْرٌ﴾ [التغابن: ٧].
وتوعدهم بالعذاب الأليم مثل قوله
تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ
عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ كُلَّمَا خَتْ
زِدْنَهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ
بِعَايَئِنَا وَقَالُواْ أَهِذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَا أَعِنَّا لَمَبْعُوتُونَ
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ
٩٨
خَلْقًا جَدِيدًا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا
كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٧ -٩٩].
وحاججهم في كثير من المواضع،
وأثبت البعث والحساب بالأدلة العقلية
-كما سيأتي بيانها بالتفصيل - كقوله تعالى:
﴿يَوْمَ نَطَوِى السَّمَاءَ كُطَيّ السِّجِلِ لِلْكُتُبِّ
كَمَابَدَأَنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَاً
فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وسنتناول فيما يأتي معالجات القرآن
الكريم لشبهات منكري البعث، وإيراده
الأدلة العقلية والنقلية على إثباته ووقعه لا
محالة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وعلى
النحو الآتي:
أولًا: الأدلة العقلية:
أورد القرآن الكريم أدلة عقلية كثيرة
تثبت البعث والحساب، وسلك في ذلك
لإثباتها مسالك مختلفة في طريقة العرض
والاستدلال، ومن هذه الأدلة العقلية:
١. قدرة الله المحيطة بكلِّ شيء.
من الأدلة العقلية التي ساقها القرآن
الكريم في آياته لإثبات عقيدة البعث بعد
الموت هي قدرة الله المحيطة بكلِّ شيء،
فالله تعالى خالق الكون كله ومنه الإنسان،
وهو القادر على إحيائه بعد موته وهو أهون
علیه، ولقد جاءت آيات كثيرة تدلُّ على ذلك
يقترن فيها الرد على منكري البعث بالتذكير
بقدرة الله تعالى على ذلك منها تعرضها
لشكِّ الكافرين بالبعث والحساب، فترد
عليهم، وتثبت من خلال الطبيعة كتاب الله
المنظور تعالى صدق الوعد الذي یکذبونه،
منوعة في عرض الأدلة تنويعًا عجيبًا وصولًا
إلى إثبات البعث ودفع شبه منکریه.
والله تعالى له القدرة المطلقة، فهو
سبحانه على كلُّ شيء قدير، وما دامت له
القدرة المطلقة تعالى، فإن مقتضى ذلك
أن يقدر على إحياء الموتى، فضرب لهم
سبحانه الأمثلة بأمور مشاهدة من الحياة
www. modoee.com
١٧١
حرف الياء
هي نظیر بعث الأجساد وحشرها، من ذلك
قوله تعالى: ﴿أَخْسَبُ اَلْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُلَّى)
يَكُ نُطْفَةٌ مِّن مَِّّ يُمْنَ ا ثُ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (®
◌َتْعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذِّكَرَ وَالْأُنْفَعِ ) أَلَسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى
أَنْ يُحْصَ المؤَقَّى﴾ [القيامة: ٣٦-٤٠].
ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِِّ
إِن نَّشَأْ غَخِْفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَتِهِمْ
كِسَفَّا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ لِّكُلِّ عَبْدٍ
مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].
ففي الآية ((دلالة واضحة على قدرة الله،
فكيف يستبعد عليه إعادة تلك الأجسام
الضعيفة بعد تفرقها، وهو القادر على خلق
هذه الآيات العظيمة، من السماء والأرض،
ذلك هو دليل البعث؛ لأنه يدلُّ على كمال
القدرة، ومن المقدور عليه إعادة خلق
الإنسان وإيجاده مرة أخرى، وقد قرن
هذا الدليل بالتهديد حيث قال: ﴿إِن نَّشَأْ
نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفَّا مِنَ
السَّمَآءِ﴾.
ثم بين تعالى أن المنتفع بتلك الآيات
کلُّ من یرجع إلى ربه، ویتوب إليه، لا من
يتمادى في عناده وتعصبه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾))(١).
(١) مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث، علي
الفقيهي، بحث منشور في مجلة الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة، السنة الثالثة
عشر، العدد ٥٠، ٥١ ربيع الآخر، رمضان
ومن الآيات التي دلت على قدرته تعالى
في إحياء الموتى وبعثهم وحاججت منكري
البعث قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ
الَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَّوْمٍ مَعْلُومِ ) ثُمَّ إِنَّكُمْ
أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ، لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ
فَالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْسَِيمِ
فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلْهِ ) هَذَا نُزُلُمْ يَوْمَ الِدِينِ
٥٤
نَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ) أَفَرَهَيْتُم مَّا
تُمْنُونَ (٨) (ءَأَتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ
فَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَّكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى
أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَنُنَشِئَكُمْ فِمَا لَا تَعْلَمُونَ
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
أَفَهَ يْتُم مَّا تَحُقُونَ آ ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ, أَمْ نَحْنُ
الَّرِعُونَ ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ
تَفَكَّهُونَ ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُوُمُونَ ()
ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ
أَفَرَّ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ◌َ
اٌلْمُزْنِأَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا
فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) أَقْرَهَيْتُمُ النَّارَ أَلَّتِى تُورُونَ )
ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧ ◌َحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةٌ وَمَتَعًا لِلْمُقْوِينَ (٧) فَسَبِّحْ يِأَسْمِ
رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٩ -٧٤].
وقد تضمنت هذه الآيات أربعة أدلة
حسية ومشاهدة من واقع الإنسان وحياته
على جواز البعث وإمكانه: الأول: ماء
الرجل (المني) في قوله تعالى: ﴿أَفَرَّهَيْتُم
مَّا تُمْنُونَ﴾، والثاني: إنبات النبات في
١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م، ص ٦٨.
١٧٢
جوبي
القرآن الكريمِ
اليوم الآخر
قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُم مَّا تَحُونَ آ ءَأَنْتُمْ الناس بأعينهم، والتي فيها دلالةٌ على البعث
يأتي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾؛ ليوضح
الصورة التي كانوا ينكرونها ويقربها إليهم
عن طريق التشبيه، إذ شبه سبحانه إحياء
الإنسان وبعثه بعد موته، بإحياء الأرض
وإنباتها بالغيث بعد طول الييس والجدب،
وهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى (١).
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ
تَزْرَعُونَهُ { أَمْ فَحْنُ الزَّرِعُونَ
حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٣) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) بَلَّ
نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، والثالث: إنزال المطر في قوله
تعالى: ﴿أَفَرَّ يْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ () ،َأَنْتُمْ
أَنْزَ لْتُوهُ مِنَ الْمُزْنِأَمَ ثَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ وسيأتي بيان
هذه الأدلة.
ومن أَجَلٌّ الآيات التي بينت قدرة الله
على البعث وحاججت منكريه قوله تعالى:
﴿قَّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَبُواْ أَنْ جَاءَهُم
◌ُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عجِبُ
٢) أَذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) قَدْ
عَلِيْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِندَنَا كِتَبَّ حَفْظُ
٤
﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِأَلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِّ أَمْرٍ
مَّرِيج ٥ أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى السَّمَاِ فَوَقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِن فُوجِ ) وَالْأَرْضَ
مَدَدِّنَهَا وَأَلْغَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِنْ كُلِ ذَفِج
بَهِيجِ ن تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ شُنِيبٍ ٥
وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ
وَحَبَّ لَْصِيدِ ) وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَّا طَلَعٌ
نَّضِيدٌ ) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا
كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ
١٣
الرَّسْ وَثَمُودُ (٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ لَ
وَأَصْحَبُ الْأَبْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَنَّ وَعِدِ
﴿ أَفْصِيْنَا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِّ بَلْ هُرْ فِ لَبْسِ مِّنْ خَلْقٍ
جَدِيدِ﴾ [ق: ١ - ١٥].
وبعد سوق كل هذه الأدلة التي يراها كلُّ
وخروج الإنسان من قبره للبعث يكون
بنزول الماء من السماء أيضًا، كما جاء في
الحديث الصحيح: (ثم ينزل الله من السماء
ماءً فینبتون کما ینبت البقل، ليس من الإنسان
شيءٌ إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب
الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)(٢).
ومن الأدلة على إمكانية البعث بيان قدرة
الله تعالى على إخراج الأشياء من أضدادها.
فإذا كانت الحياة ضد الموت، والبعث ضد
الفناء، فإن الله تعالى الذي يخرج الضد
ممن ضده قادر على إحداثه، كما ورد في
قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ
فِي أَلَيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَنَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اَلْمِيْتَ
مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن قَشَآَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل
عمران: ٢٧].
فالله هو الذي يخرج الإنسان الحي من
النطفة، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان
(١) انظر: الإبداع البياني، الصابوني ص٣١٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، البخاري،
كتاب التفسير، باب (يوم ينفخ في الصور)،
رقم ٠١٦٥/٦،٤٩٣٥
www. modoee.com
١٧٣
حرف الياء
الحي، وكذلك الأنعام والبهائم، فالنطفة الإلهية، ولكنه سبحانه يضرب الأمثال لنا
ميتة ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًّا، ومن بما نعقله وندركه، وقد ورد هذا الاستدلال
الإنسان الحي تخرج النطفة الميتة، ومن
ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَيٍّ
وَالنَّوَىِّ يُخْرِجُ الَّْ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ
الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَنَّ تُؤْفَكُونَ ﴿ فَلِقُّ الْإِصْبَاحِ
وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًاً
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٦].
٢. القادر على الأكبر قادر على الأصغر.
من الأساليب القرآنية لإثبات البعث
والحياة بعد الموت الاستدلال بأن من خلق
الأدنی والأصغر أولى، والله تعالى من جملة
خلقهما هو أعظم من خلق الناس، ومن ذلك
لفت النظر إلى خلق السموات وما فيهما من
الشمس والقمر وسائر الكواكب والأرض
وما فيها من جبال رواسي شامخات وأنهار
وسهول وهضاب وغيرها، على ما اشتملت
عليه من العظمة التي تعلو على خلق الإنسان
أضعافا مضاعفة.
فكيف يقال للذي خلق هذا الخلق خلق الإنسان أقلَّ شأنًّا من خلق السموات
العظيم بأنه لا يستطيع أن يخلق ما دونها
ویعیده بعد موته؟
وهذا في حق الخلق، أما في حق الله
الخالق فالكل في قدرته، سواء کبر المخلوق
أم صغر، فخلق السموات والأرض كخلق
أصغر شيء، فالكلُّ سواء في ميزان القدرة
في آيات كثيرة من القرآن الكريم تبين في
مجملها أن خلقهما أعظم من خلق الإنسان.
ومن الآيات الدالة قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمُّ بَلَ وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ( إِنَّمَّآ
أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ
(٣ فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيِّدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١-٨٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ
الأعلى والأكبر والأعظم، فقدرته على خلق فِيّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن فِ
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيةٍ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبرُ
٥
مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: ٥٦-٥٧].
فاستدلَّ ربنا تعالى باقتداره على خلق
السموات على اقتداره على إعادة الأروح
إلى الأجساد عند البعث بعد الموت؛ لأن
والأرض، ومن ثَمَّ فإن الله تعالى القادر على
خلق السموات والأرض لا يعجزه خلق
الإنسان -الذي هو جزء من هذا الكون-
وإعادته.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم يدمج
الله تعالى الاستدلال على البعث بالتحدي
١٧٤
جوديير
القرآن الكريم