Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ يُوسُفُ عَلَيْهُ السَّلام عناصر الموضوع التعريف بيوسف عليه السلام ٨٤ ذكر يوسف عليه السلام في القرآن الكريم ٨٨ صفاته وأخلاقه عليه السلام ٨٩ يوسف عليه السلام وتعبير الرؤى ١٠٢ يوسف عليه السلام مع والده ١٠٧ يوسف عليه السلام وإخوته ١١٧ يوسف عليه السلام في السجن ١٢٩ يوسف عليه السلام في الملك ١٣٥ الدروس المستفادة من قصة يوسف ١٤٦ المُجَلَّدَ السَّادِسْ وَالثّلاثُونْ ٩٥ يوسف عليه السلام وامرأة العزيز حرف الياء التعريف بيوسف عليه السلام أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام: هو نبي الله: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم جميعًا الصلاة والسلام، قال النووي رحمه الله: وفي يوسف ست لغاتٍ ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه (١). وهذا نسب معلوم مشهور وقد دل عليه القرآن والسنة وكفى بهما. أما القرآن ففي قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكَ وَعَلَّ مَالٍ يَعْقُوبَ كُمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيَكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ وَإِنْصَّإِنَ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف: ٦]. وقوله على لسان يوسف عليه السلام: ﴿وَأَتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وأما في السنة: فحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام)(٢). وهو أحد أولاد يعقوب عليه السلام الاثني عشر ذكرًا. أما أبوه: فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، ويعقوب عليه السلام: هو إسرائيل(٣) أبو بني إسرائيل الذي ينسبون إليه (٤). وكان أبوه من أنبياء الله الصالحين الذين اصطفاهم الله واجتباهم وأثنى عليه مع جملة من إخوانه الأنبياء فقال: ﴿ وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَّ إِنَّهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ( إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ ﴿ وَإَِهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْبَارِ ﴾﴾ [ص:٤٥-٤٧]. (١) شرح صحيح مسلم، النووي ١/ ٩٤، ٢/ ١٨٦، ٠١٣٤/١٥ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٩٠، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين). (٣) إسرائيل: اسمٌ عجميٌ ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، وقد ذكروا أنه مركبٌ من إسرا: وهو العبد، وإيل: اسمٌ من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وذلك باللسان العبراني، فيكون مثل: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وقيل: معنى إسرا: صفوةٌ، وإيل: الله تعالى، فمعناه: صفوة الله. انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٢٧٧. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٣٣٠. ٨٤ جوية القرآن الكريم يوسف عليه السلام وقال عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤]. وقال: ﴿ فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: ٤٩ -٥٠]. وَحَعَلْنَهُمْ أَيَّةً وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَّا جَعَلْنَا صَلِحِينَ () يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوْمِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَّنَا عَبِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٢ - ٧٣]. وقد أعطاه الله علمًا وبصيرة في تعبير الرؤى، وقال عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨]. وأما أمه: فلم يرد ذكر اسمها في الكتاب أو السنة، والصحيح أنها عاشت وحضرت أحداث قصته خلافا لمن قال بوفاتها قبل ذلك، وهذا هو الذي يدل عليه ظاهر القرآن حيث قال في رؤياه في بداية قصته: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [يوسف: ٤]. وفسرت الشمس بأمه، وقال سبحانه في نهاية قصته: ﴿فَلَمَّادَ خَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَإِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ ﴾ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ٩٩-١٠٠]. وإذا أطلق الأبوان فالمراد بهما الأب والأم حقيقة إلا إذا وجدت قرينة صارفة ولا قرينة ههنا. قال أبو جعفر ابن جرير الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن إسحاق بأن المراد بأبويه: أبوه وأمه؛ لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس والمتعارف بينهم في ((أبوين))، إلا أن يصح ما يقال من أن أم يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك بحجة يجب التسليم لها، فيسلم حينئذ لها (١). وقال الحافظ ابن كثير قال ابن جرير: ولم يقم دليلٌ على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها. وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق (٢). ثانيًا: زمانه عليه السلام: يوسف عليه السلام هو النبي الخامس المنحدر من سلالة الخليل إبراهيم عليه السلام، ويعتبر يوسف عليه السلام من أوائل أنبياء بني إسرائيل بل لعله أولهم بعد أبيه، لأن أباه يعقوب هو إسرائیل الذي تنسب إليه بني إسرائيل وأنبياؤهم من نسله، کموسى وهارون (١) جامع البيان، الطبري ٢٦٧/١٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٤١٢. www. modoee.com ٨٥ حرف الياء وزكريا ويحيى وعيسى وغيرهم، وقد جاؤوا بعد يوسف كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم حين قال في سياق قصة موسى عليه السلام مع فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِى سٍَّ مِّمَّا جَآءَ كُم بِّ حَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَاً ﴾ [غافر: ٣٤]. كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) وقد نشأ في حضن أبيه وعاصر إخواته وحصل منهم تجاهه ما قصه القرآن، وقد عاصر أيضًا أممًا أخرى، ودعاهم إلى الله تعالى، فقد نشأ في الشام، وانتقل إلى مصر حين بيع بها رقيقًا ظلما وعدوانًا، ثم استقر له بها المقام بعد أن من الله عليه بالبراءة والنجاة من تلك المحن، ورفع من قدره، وآلت إليه أمور الملك، وجاء بوالديه وإخوته فأقاموا معه بمصر، ولا زال بها حتى توفاه الله تعالى. ثالثًا: مكانته عليه السلام: يوسف عليه السلام نبي من أنبياء الله، اصطفاه الله واجتباه، ورفع مكانته، ومن ملامح ذلك: ١. أنه أنزلت في شأنه سورة كاملة سميت باسمه وهي سورة يوسف، وتكرر ذكر اسمه فيها أربعًا وعشرين مرة، ولم تذكر قصته في غيرها، ولم يذكر اسمه في غيرها إلا في سورة الأنعام وغافرٍ (١). ٢. أثنى الله تعالى عليه في هذه السورة ووصفه بالإخلاص وأضافه إليه في زمرة عباده فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. ٣. أثنى عليه في جملة من الأنبياء والمرسلين وقال عنهم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى قَوْمِّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ® كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحَاهَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَتُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ◌ِ وَزَّكَرِيَّا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّلِينَ [الأنعام: ٨٣-٨٦]، وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًاً وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ( فقوله: ﴿كَلَّ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾، وقوله: ﴿وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ يشمل جميع المذكورين من إسحاق إلى هنا (٢). ٤. لطف الله به وتولاه بعنايته في قصته والمحن التي مر بها؛ حيث حفظه في البئر وأمنه، (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢ / ١٩٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٣/٧. ٨٦ فَضْو مَوَسُولَة التَّقِينَ القرآن الكريمِ يوسف عليه السلام وهيأ له أن يكون في مصر في بيت العزيز مكرمًا، وعصمه من فتنة النساء، وصبره في السجن، وبرأه مما اتهم به، وأنجاه من السجن، وأعطاه الملك، وجمع شمله بأبيه بعد حین من الدهر، کما سيأتي تفصيل ذلك. ٥. قال النبي صلى الله عليه وسلم منوها بمكانته: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)(١). ٦. قوله صلى الله عليه وسلم هذا فيه ثناء على يوسف عليه السلام وبيانٌ لصبره وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قال: ﴿اثْنُوفِ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]. فلم يخرج يوسف صلى الله عليه وسلم مبادرًا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل؛ بل تثبت وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه ولتظهر براءته، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قاله تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف عليه السلام والله أعلم (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٧٢، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله عز وجل: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه)، ومسلم في صحيحه، رقم ١٥١، في الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب. (٢) انظر شرح صحيح مسلم، النووي ٢/ ١٨٥. www. modoee.com ٨٧ حرف الياء ذكر يوسف عليه السلام في القرآن الكريم ورد ذكر يوسف عليه السلام في القرآن الكريم (٢٧) مرة في سورتين (١). وأما قصته عليه السلام فقد ذكرت في سورة واحدة حملت اسمه عليه الصلاة والسلام. (١) المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، مركز تفسير، ٢/ ١٤٤٢. ٨٨ جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريمِ يوسف عليه السلام صفاته وأخلاقه عليه السلام أولًا: صفاته الخَلْقية: يوسف عليه السلام ميزه الله وأكرمه بجملة من محاسن الصفات الخلقية، وأكتفي بأبرزها وهو: جمال خلقته. فقد كان نبي الله يوسف عليه السلام من أجمل خلق الله ومن أحسنھم وجهًا، وصار جماله مضرب المثل (١)، وقد دل على جمال صورته القرآن والسنة. أما القرآن: فقد ذکر في قصته ما حصل من افتتان امرأة العزيز به بسبب جماله حتى راودته عن نفسه واستعانت عليه بالنسوة فلما رأينه ذهلن من جماله وقطعن أيديهن وهن لا يشعرن، وعبرن عن دهشتهن من جماله وشبهنه بالملائكة كما حكى ذلك القرآن حيث قال: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبُرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِ يَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّمَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. وأما السنة: فما أخرجه مسلم في صحيحه من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء، وفيه: (فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد اعطي شطر (١) وكان عمر رضي الله عنه يقول: جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة، يعني: في حسنه. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر ٠٠٢٣٨/١ الحسن) (٢). وقوله: (قد أعطي شطر الحسن) في معناه أقوال للعلماء، منها: أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام؛ لأن الله تعالی خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، فكان في غاية نهايات الحسن البشري (٣). ومنها: أن المراد أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه (٤). وسلم ومنها: أن المراد بـ (شطر الحسن): نصف جنس الحسن مطلقًا، أو نصف حسن جميع أهل زمانه (٥). وأيا ما كان المعنى المراد بشطر الحسن فالمقصود أن الله أعطاه جمالًا في الصورة. ثانيًا: صفاته الخُلُقية: نبي الله يوسف عليه السلام كان متحليًا بمحاسن الأخلاق و جميل الصفات وكريم الخصال كحال إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ومن خلال التأمل في سيرته یمکن استخلاص جملة من هذه الصفات، ومنها: ١. الإخلاص. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٦٢، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات. (٣) قصص الأنبياء، ابن کثیر، ص ٣٢٤. (٤) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٧/ ٢١٠. (٥) مرقاة المفاتيح ٩/ ٣٧٦٦. www. modoee.com ٨٩ حرف الياء وقد شهد له بذلك رب العالمين جل الله عليه وسلم، كما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الکریم، ابن الکریم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام)(٢). جلاله حين قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْهَ وَالْفَحْشَآءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وهو من أسباب عصمته من الفاحشة، ((فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما یمنعه عن محبة غیرہ، إذ لیس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطیب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبو دیته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له))(١). ٢. الكرم. وقد دل على ذلك القرآن الكريم، ونصت عليه السنة النبوية، فقد تجلى كرمه في السجن في تعامله مع السجناء وإحسانه إليهم حتى وصفوه بالإحسان وقالوا: ﴿إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]. وتجلی کرمه حین ولي الملك وصار يوزع القوت على الناس ويجود به عليهم وقال عن نفسه: ﴿أَلَاتَّرَوْنَ أَنّ أُوْ فِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩]. وحين عفا عن إخوته مع قدرته على الانتقام ولا يفعل ذلك إلا الكرام، وغير ذلك من صور کرمه. وقد شهد له بهذا الخلق رسول الله صلى (١) العبودية، ابن تيمية ص ١٢٣. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (قیل یا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم) فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خلیل الله) قالوا: لیس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وفي لفظ عند البخاري: قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: (أُكرمهم عند الله أتقاهم) قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: (فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خلیل الله)، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني؟) قالوا: نعم. قال: (فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)(٣). قال النووي: ((قال العلماء وأصل الكرم كثرة الخير، وقد جمع يوسف صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق مع شرف النبوة (٢) سبق تخريجه. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٥٣، في الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلًاً)، ومسلم في صحيحه، رقم ٢٣٧٨، باب من فضائل يوسف عليه السلام. ٩٠ العضو القرآن الكريمِ يوسف عليه السلام مع شرف النسب، و کونه نبيًا ابن ثلاثة أنبياء متناسلین أحدهم خليل الله صلى الله عليه وسلم، وانضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه، ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة، وحياطته للرعية، وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم، وإنقاذه إياهم من تلك السنين، والله أعلم (١)). و کرم یوسف عليه السلام کرم أصيل في النفس، موروث من أجداده، فجده الخليل عليه السلام هو مكرم الضيفان؛ وإذا كان الأصل طيبًا كان الفرع كذلك. ٣. الصدق. حتى صار من معه في السجن يخاطبه بقوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦]. أي: كثير الصدق في أقواله وأفعاله(٢). ((وإنما وصفه به عن خبرةٍ وتجربةٍ اكتسبها من مخالطة يوسف عليه السلام في السجن)» (٣). وشهدت له بذلك امرأة العزیز أمام الملا حين قالت: ﴿الْفَنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُّهُ عَن نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. ٤. الأمانة. وأعظم ما تجلت في كفه عن الفاحشة، وعدم خيانته لله تعالى ولا لزوج المرأة، وقد قالت امرأة العزيز عند ساعة البراءة: (١) شرح صحيح مسلم، النووي ١٥/ ١٣٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٥/١٢. ﴿الْقَنَّ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُّهُ, عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. ثم قالت: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ ﴾ [يوسف: ٥٢]. وكذلك أمانته في المال وقوله للملك ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآبِنِ الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٥]. ٥. العفة. في قصة يوسف عليه السلام يتجلى تمام عفته عليه السلام؛ حيث كف عن الشهوة المحرمة وعن جريمة الزنى مع توفر الأسباب والدواعي، بل بمجرد أن ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ﴾ ودون تردد ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣]. ولما أرادت أن تجبره على ذلك هرب منها ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ, مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥]. بل إنه لما تمالاً عليه النسوة اختار السجن على فعل الفاحشة ﴿قَالَ رَبٍّ اٌلْسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنّ كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِنَ فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: ٣٣-٣٤]. قال الحافظ ابن كثير: ((وهذا في غاية مقامات الکمالأنه مع شبابه وجماله و کماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال، والرياسة www. modoee.com ٩١ حرف الياء ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه))(١). بل من عجيب أمره أنه يدعى إلى الخروج من السجن فيأبى ويرفض الخروج إلا بعد وَقَالَ الْمَلِكَ ثبوت براءته وتطهير سمعته أَثْتُنِ يِهِ، فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْشَلَّهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اَلَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ يَكْدِ هِنَّ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٠]. فأي عفة هذه؟! ٦. العفو والصفح. وهذا من أعظم ما تجلى من خلق يوسف عليه السلام في قصته مع إخوته، فبعد كل الأذى الذي لحق به منهم: كالهم بقتله وإلقائه في البئر والتفريق بينه وبين أبيه، والتسبب في تلك المحن المتتالية: محنة البئر ومحنة الرق ومحنة فتنة المرأة ومحنة السجن؛ لكنه مع كل ذلك عفا عنهم وسامحهم وهو في موقع قوة ولو شاء أن ينتقم لانتقم ولكنه لم يفعل، بل قال تلك الكلمة العظيمة: ﴿ قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمّ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ﴾ [يوسف: ٩٢]. فضرب أروع الأمثلة في العفو والصفح. ٧. الصبر. تجلى ذلك في صبره على أذى إخوته وعفوه عنهم وقوله لهم مبينا فضل الصبر: ﴿قَالُواْ أَهِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَتَأْ يُوسُفُ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٠. وَهَذَا أَخِىّ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّنَا إِنَّهُ: مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٩٠]. وتجلى ذلك أيضًا في صبره عن المعصية وكف نفسه عن الشهوة مع توفر الأسباب والدواعي بل ووجود المغالبة، وفي صبره في السجن حتى عندما عفي عنه وطلب من الخروج من السجن لم يستعجل للخروج بل بقي حتی ثبتت براءته، وقد اثنی رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبره وقال منوها بشأنه: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)(٢). قال ابن الجوزي: قرأت سورة يوسف علیه السلام فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره، وشرح قصته للناس، ورفع قدره بترك ما ترك، فتأملت خبيئة الأمر، فإذا هي مخالفة للهوی المکروه، فقلت: واعجبًا! لو وافق هواه من كان يكون؟! ولما خالفه، لقد صار أمرًا عظيمًا، تضرب الأمثال بصبره، ويفتخر على الخلق باجتهاده، وكل ذلك قد كان بصبر ساعة، فيا له عزًا وفخرًا، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب (٣) ٨. الشكر. كان من صفاته عليه السلام شكر الله (٢) سبق تخريجه. (٣) صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص ٢٢٨. ٩٢ صَشَرُ النَّسيد القرآن الكريمِ يوسف عليه السلام على نعمه ورد الفضل إليه، تجلى ذلك في قوله للسجينين: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُزَقَانِ إِلَّا نَبَّأَتَكُمَا بِتَأْوِيلِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَّا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّ﴾ [يوسف: ٣٧]. وفي قوله: ﴿وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٥)﴾ [يوسف: ٣٨]. وفي قوله: ﴿﴿ رَبِّ قَدْءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]. ٩. التواضع. وهذا واضح من خلال الآيات السابقة ورده الفضل دائمًا إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ومن خلال تواضعه لوالديه، كما قال تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وعدم نسيانه للسجن حتى وهو في الملك حيث قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىِ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. ١٠. العلم. علم الوحي وعلم تعبير الرؤى وعلم سياسة الناس وغيره. قال عنه الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَا وَكَذَلِكَ نَّجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٢١- ٢٢]. ٢٢ وقال هو عن نفسه مخاطبًا الفتيين في السجن: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ: إِلَّا بَأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبٍِ﴾ [يوسف: ٣٧]. ١١. الإحسان. شهد له بذلك رب العزة جل وعلا حيث قال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًاً وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٢٢]. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٥٦]. ووصفه بذلك أهل السجن حين قالوا: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]. إِنَّا ووصفه بذلك إخوته حين قالوا: نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨]. ١٢. العدل. تجلى ذلك من خلال سياسته في الملك وعدله في توزيع الطعام بين الناس في سني الجدب وإعطائه لكل واحد حمل بعير لا يزيد عليه، ومن خلال قوله لإخوته لما طلبوا منه أن يأخذ واحدًا منهم بدلًا من أخيه الذي وجد المتاع في رحله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنََّ إِذَا تَظَلِمُونَ ()﴾ [يوسف: ٧٩]. ١٣. حفظ الجميل. حيث حفظ جميل العزيز وإحسانه إليه؛ www. modoee.com ٩٣ حرف الياء فلم يخنه من ورائه، وذكر ذلك لامرأته لما والأحاديث الواردة في شأنه، وأسأل الله راودته ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ, العفو والمغفرة عن أي خطإ أو زلل. رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف: ٢٣]. فقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ قصده العزيز، ((فذكر عنوان الربوبية هنا دون السيادة؛ لما فيه من الاعتراف بالمعروف والفضل، وهذا دليل على أن من المروءة ورفيع الأخلاق أن يحفظ الإنسان حق من أحسن إليه، فضلًا عن أن يخونه، والسياق دال على أن المراد هو من رباه وقال: أكرمي مثواه، لا خالقه؛ لأنه المتبادر إلى مفهوم المرأة المتلقية للخطابة)» (١). ١٤. الغيرة على دين الله. حتى إنه مارس الدعوة وهو داخل السجن، وقال منكرًا على من عبد غير الله ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَ أَزْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. ١٥. الأناة. وهذا واضح من خلال امتناعه عن الخروج من السجن- حين طلب منه ذلك- حتى تثبت براءته، وحين تأني في الإتيان بوالديه وضم الأسرة إليه؛ ليكون ذلك على أحسن حال وأنسب وقت، وغير ذلك. هذا ما بدا لنا من صفات يوسف وأخلاقه من خلال التأمل في قصته والآيات (١) ليدبروا آياته، ٣١١/٢. مَوَسُولَة البقية القرآن الكريم ٩٤ يوسف عليه السلام يوسف عليه السلام وتعبير الرؤى أولًا: تعليم الله إياه تعبير الرؤى: برع يوسف عليه السلام في تعبير الرؤى وتفسير الأحلام(١)، فكان إذا عبر الرؤيا وقعت كما عبرها، وقد كان ذلك بتعليم الله تعالى له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ اَلْأَرْضِ وَلِنُعَلِمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٢١]. ـه والده: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. رپِّقَدْءَاتْتَنِى وقال هو عن نفسه: مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ [يوسف: ١٠١]. فقد بين الله جل وعلا أنه علم نبيه يوسف عليه السلام من تأويل الأحاديث، وتأويل الأحاديث هو: تعبير الرؤيا (٢). قال القرطبي: وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وقيل: أحاديث الأمم والكتب (١) قال القرطبي: وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها، أي: الرؤى، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم، والطبع والإحسان، ونحوه أو قريبٌ منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٩/٩. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٠. ودلائل التوحيد»(٣). ثانيًا: رؤيا يوسف عليه السلام: تبدأ قصة يوسف عليه السلام ورحلته مع الرؤى من الرؤيا التي رآها في المنام وهو صغير؛ فكانت هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا والآخرة، وهكذا إذا أراد الله أمرًا من الأمور العظام قدم بین یدیه مقدمة، توطئة له، وتسهيلًا لأمره، واستعدادًا لما يرد على العبد من المشاق؛ لطفًا بعبده؛ وإحسانا إليه (٤). قال الطاهر ابن عاشور: وابتداء قصة يوسف عليه السلام بذكر رؤياه إشارةٌ إلى أن الله هيا نفسه للنبوءة فابتدأه بالرؤيا الصادقة كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها (أن أول ما بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)(٥). وفي ذلك تمهيدٌ للمقصود من القصة وهو تقرير فضل يوسف عليه السلام من طهارةٍ وزكاء نفسٍ وصبرٍ؛ فذكر هذه الرؤيا (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٩. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٩٣. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، ومسلم في صحيحه، رقم ١٦٠، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي برسول الله صلى الله علیه وسلم. www. modoee.com ٩٥ حرف الياء في صدر القصة كالمقدمة والتمهيد للقصة تعبير الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه أحاديث الأمم والكتب السماوية ونحوها. المقصودة، وجعل الله تلك الرؤيا تنبيهًا ليوسف عليه السلام بعلو شأنه ليتذكرها كلما حلت به ضائقةٌ فتطمئن بها نفسه أن عاقبته طيبةٌ(١). ولما رأى يوسف عليه السلام تلك الرؤيا قصها على والده يعقوب عليه السلام كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيُِّهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴾ [يوسف: ٤]. ففهم أبوه تأويل هذه الرؤيا، و أولها بأن الشمس: أمه، والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلی حال یخضعون له، ويسجدون له إكرامًا وإعظامًا، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته علیه بالعلم والعمل، والتمكين في الأرض، وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، الذین سجدوا له وصاروا تبعًا له فيها (٢). ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف: ٦]. أي: كما أراك ربك، هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدةً لك، فكذلك يختارك ويصطفيك لنبوته. ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ أي: من (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٨/١٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٩٣. ﴿وَيُنُِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بالنبوة، وما انضاف إليها من سائر النعم. ﴿وَعَلَّ مَالِ يَعْقُوبَ﴾ أي: يجعل فيهم النبوءة، إضافة إلى ماينالهم من النعم بسببك. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْهِيَمَ وَإِسْمَقَ﴾ حيث أنعم عليهما بإنعامات كبيرة أعظمها النبوة والرسالة، ((وعبر عنهما بالأبوين مع كون أحدهما جدًا وهو إبراهيم؛ لأن الجد أبٌّ))(٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ أي: بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في تدبيره فيضع كل شيء في موضعه فیکرم من هو أهل للإكرام، ويحرم من هو أهل للحرمان (٤). ولما بان تعبيرها ليوسف، نهاه أبوه أن يخبر بها إخوته؛ لئلا يحسدوه، وقال له: ﴿يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ کَیْدًا﴾ [یوسف:٥]. أي: حسدًا من عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف علیهم. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُّبِيرٌ﴾ [یوسف:٥]. أي: بین العداوة، لا يفتر عنه ليلاً ولا نهارًا، ولا سرًا ولا جهارًا، فالبعد عن (٣) فتح القدير، الشوكاني ٨/٣. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٠، تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٣، أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٥٩٤. ٩٦ القرآن الكريم يوسف عليه السلام الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى (١). ثالثًا: تعبيره لرؤيا صاحبي السجن: قال الشوكاني: «كأن يوسف عليه السلام قال: كيف يقع منهم؟! فنبهه بأن الشيطان يحملهم على ذلك،؛لأنه عدوٌ للإنسان مظهرٌ للعداوة مجاهرٌ بها))(٢). وظاهر الآية أن يوسف عليه السلام لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمر أبيه (٣)، قال السعدي: ((فامتثل يوسف أمر أبيه، ولم یخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم)» (٤). قال القرطبي: ((هذه الآية أصلٌ في ألا نقص الرؤیا علی غیر شفیقٍ ولا ناصحِ، ولا على من لا يحسن التأويل فيها)) (٥). وقد وقع تفسير هذه الرؤيا كما رآها يوسف عليه السلام بعد فترة من الزمن- وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه: ﴿وَخَرُوالَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَّتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقد قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: رؤيا الأنبياء وحيّ (٦). (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٧. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٥/١٢. (٤) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٦. (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦١٠/٢. من نماذج تعبير يوسف عليه السلام للرؤى وعلمها بها: ما كان من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن أثناء فترة وجوده في السجن؛ حيث إنهما رأيا منامًا فسألاه عن تعبيره لما رأيا عليه من سيما الصلاح، فكان من الأمر ما حكاه الله تعالى بقوله: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: شابان، فرأی کل واحد منهما رؤيا، فقصها على یوسف ليعبرها. فـ﴿قَالَ أَحَدُهُمَاْ إِنِّ أَرَبِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: أعصر عنبًا لیکون خمرًا. ﴿وَقَالَ الْآَخَرُ إَِّّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيلِ=﴾ أي: بتفسيره وما يؤول إليه أمرهما. ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن إلينا في تعبيرك لرؤیانا کما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه(٧). قال ابن کثیر: (والمشهور عند الأکثرین والذي يدل عليه ظاهر السياق: أنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره، خلافا لمن قال: ما رأى صاحبا یوسف شيئًا، إنما كانا تحالما ليجربا عليه)) (٨). (٧) انظر تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٧، أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٦١١. (٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢. www. modoee.com ٩٧ حرف الياء فأخبرهما بأنه عارف بتعبير الرؤى وأن ذلك بتعليم الله إياه ﴿قَالَ لَا يَأْتِيِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَ قَانِ: إِلَّا نَبَّأَتَكُمَا بِتَأْوِيلِ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف: ٣٧]. وفي هذه الآية ثلاثة أقوال لأهل التفسير كلها تحتملها الآية: القول الأول: أن يوسف عليه السلام قال للفتيين: ﴿لَا يَأْتِكُمَا﴾ أيها الفتيان في منامكما ﴿َطَعَامٌ تُزَقَانِهِ إِلَّا بَتَأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ،﴾ في يقظتكما ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ ویعنی بقوله: ﴿یتأويله.﴾: ما يؤول إليه؛ فهو یخبرهما أنهما مهما رأیا في نومهما من حلم، فإنه عارفٌ بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه (١). والقول الثاني: أنه وعدهما بأنه یعبر لهما رؤياهما غير بعيدٍ، وجعل لذلك وقتًا معلومًا لهما، وهو وقت إحضار طعام المساجين، يقول: لا يأتيكما غداؤكما، أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله -أي: بتأويل ما رأيتما في منامكما- قبل أن يأتيكما طعامكما، ووصف الطعام بجملة ﴿قُزَ قَانِ﴾ تصريحٌ بالضبط بأنه طعامٌ معلوم الوقت (٢). القول الثالث في الآية معناه: ﴿لَا يَأْتِكُمَا (١) انظرٍ جامع البيان، الطبري ١٦ / ١٠٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٢. (٢) انظر التحرير والتنوير ٢٧١/١٢، تيسير الکریم الرحمن، ص ٣٩٧. طعام﴾ في السجن إلا أخبرتکما بماهیته قبل مجيئه حلوًا وحامضًا وغيره كما قال عيسى عليه السلام: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَكَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩](٣). وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه، بل جعله عليه السلام مقدمةً قبل تعبيره لرؤياهما بيانًا لعلو مرتبته في العلم، وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظنٍ وتخمينٍ؛ وإنما قال يوسف عليه السلام لهما بهذا ليحصل الانقياد منهما له فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان بالله والخروج من الكفر(٤). ولذلك قال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِِّ﴾ [يوسف: ٣٧]. أي: هذا إنما هو من تعليم الله إياي (٥) . والأقرب القول الثالث: وهو أنه يخبرهما بماهية طعامهما وحقيقته قبل مجيئه إليهما وذلك بتعليم الله إياه، كحال عيسى عليه السلام. وقوله في الآية: ﴿طَعَامٌ تُزَقَانِهِ﴾ ﴾ يدل على أنه طعام حقيقة لا منامًا، والضمير في قوله:﴿إلَّا بتائگمابتأويلِ﴾﴾ يرجع إلى أقرب مذكور وهو الطعام. والله أعلم. ثم عبر لهما ما رأيا فقال: ﴿يَصَحِِّ (٣) نظر قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩١. (٤) فتح القدير، الشوكاني ٣٢/٣. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢. جَوَبُو عَرَ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ ٩٨ يوسف عليه السلام اُلْسِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١]. وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، فإنه يخرج من السجن ویسقي سيده الذي كان يخدمه خمرًا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، ولكنه لم يعينه لئلا يَحْزَنَ ذَاكَ؛ ولهذا أبهمه في قوله: ﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ﴾ وهو الذي رأی أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ [يوسف: ٤١](١). فإنه عبر عن الخبز الذي تأكله الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل تتمكن الطيور من أكله(٢). ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه، وهو واقعٌ لا محالة ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] لأن الرؤیا علی رِجْلٍ طائِرٍ ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا على رجل طائرٍ ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت)(٣) (٤). (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٨. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦١٨٢، والترمذي في سننه، رقم ٢٢٧٨ و ٢٢٧٩، أبواب الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا، وأبو داود في سننه، رقم ٥٠٢٠، كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٢/٢. رابعًا: تعبيره لرؤيا الملك: أيضًا من نماذج تعبير يوسف عليه السلام للرؤى وعلمه بها تعبيره لرؤيا الملك-ملك مصر - والتي كانت بتدبير الله تعالى؛ لتكون سببًا لرفعة شأنه وخروجه من السجن. وکان من تفاصیلها ما حكاه الله بقوله: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنْ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَاٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣]. جمع عجف، وهي المهازيل (٥). ﴿وَسَبْعَ سُتِبُّكَتِ خُضْرٍ وَأُخَرَ ياپستٍ﴾ وقد أهمه أمر هذه الرؤيا فقصها على علماء قومه وكبراء دولته، وسألهم عن تأويلها، قال: ﴿بَأَيُّهَا الْمَلَأُ اَفْتُونِ فِرُمْيَنِىَ إِن كُنتُمْ لِلرَّةِ يَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. فتحيروا ولم يعرفوا لها وجهًا ﴿قَالُوا أَضْغَاتُ أَعْلَهِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَِ بِعَلِينَ ﴾ [يوسف: ٤٤]. والأضغاث (٦): الأخلاط، أي: أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها،ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اْأَعْلَمِ بِعَلِينَ﴾(٧). (٥) جامع البيان، الطبري ١٦ /١٢٥. (٦) الأضغاث: جمع ضغث، والضغث أصله الحزمة من الحشيش، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها. انظر: جامع البيان، الطبري ١١٨/١٦. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٢٤، ٦٢٥، قصص الأنبياء، ابن كثير ص ٣٣١. www. modoee.com ٩٩ حرف الياء وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، بما ليس بعذر، ثم قالوا: ﴿وَمَا غَحْنُ پِتَأْوِيلِ آلاَهْلَمِ بِمَلِينَ﴾ أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس فإنا لا نعبرها. فجمعوا بين الجهل والجزم بأنها أضغاث أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا(١). ولما سمع الفتى - الساقي الذي نجا۔ هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذکر یوسف وعلمه بتأويل الرؤى، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى نَّهَامِنْهُمَا﴾ [يوسف:٤٥]. أي: من الفتيين، وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره عند ربه فنسي ﴿وَأَذَكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. أي: تذكر يوسف عليه السلام بعد وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار مدة من الزمن وهي بضع سنین، وتذکر ما جری له في تعبيره لرؤیاهما، وما وصاه به، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا، فطلب منهم إرساله إليه ليأتيهم بتأويل هذا المنام، وقال لهم: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيِ. فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥]. فأرسل إليه فجاءه وخاطبه قائلًا ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَيْعِ بَقَرَتٍ (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩. سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتِ خُضْرٍ وَأَخَرَ يَبِسَتٍ لَعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ٤٦]. فإنهم متشوقون لتعبيرها، وقد أهمتهم، فأجابه يوسف عليه السلام لما طلب وعبرها له فـ ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبً﴾ [يوسف: ٤٧]. أي: متوالیةً متتابعةً علی عادتكم(٢). والمعنى: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متوالياتٍ، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: ﴿فاحصدُمْ فَذَرُوهُ﴾ أي: اتركوه ﴿في سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧]. أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاتركوه في سنبله؛ ليكون أبقى له الذي تأكلونه، وليكن قليلاً قليلاً لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد ﴿مُمَّ يأْتِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات (سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨]. أي: مجدبات صعاب وهن سنون (٢) قال ابن عطية: والدأب، بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب يدأب، إذا لازم فعل شيءٍ ودام عليه مجتهدًا فيه، ويقال للعادة: دأبٌ. انظر: المحرر الوجيز ٤٠٥/١. ١٠٠ مَشَوالَرُ الْتَفْسَبِير لِلْقُرْآن الكَرِيمِ يوسف عليه السلام المَحْلِ ﴿يَأْكُنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ﴾ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]. أي: إلا يسيرًا مما تحرزونه وتدخرونه(١). فعبر يوسف عليه السلام السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر بأنهن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات، قال السعدي:«ولعل و جه ذلك - والله أعلم - أن الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك، وكانت البقر هي التي تحرث عليها الأرض، وتسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب، إلى سني الجدب (٢). ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ﴿عَامَّ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٤/٢، تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤٩/٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩. أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتكثر الغلات، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها (٣). قال ابن جرير: وهذا خبرٌ من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالةٌ على نبوته وحجة على صدقة (٤). وقال السعدي: ((ولعل استدلاله على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك؛ لأنه فهم من التقدير بالسبع الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها، ومن المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب جدًا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح»(٥). وكان ذلك سببًا في خروجه من السجن. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢٤/٢، قصص الأنبياء، ص ٣٣٢. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢٨/١٦. (٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٩. www. modoee.com ١٠١ حرف الياء يوسف عليه السلام مع والده وهذا الحب من يعقوب عليه السلام أولًا: مكانة يوسف عليه السلام عند لابنه يوسف دفع إخوته إلى حسده والتآمر والده: كان يوسف عليه السلام أحب إخوته إلى أبيه أثیرًا عنده مقربا لدیه، فكان يعقوب عليه السلام يحبه حبًا شديدًا ولا يقوى على فراقه؛ ((لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخُلُقِ والخَلْقِ، صلوات الله وسلامه عليه (١)». وقد نشأ يوسف عليه السلام في كنف والده، يشاوره في أموره ويسر إليه بما يحدث له، ومن ذلك قصة الرؤيا التي رآها؛ إذ رأى وهو صغيرٌ كأن أحد عشر كوكبًا، وهم إشارةٌ إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارةٌ عن أبویه قد سجدوا له، فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلةً عاليةً ورفعةً عظيمةً في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبواه وإخوته فيها، فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته؛ كيلا يحسدوه، ففعل (٢). وقد کانت محبته لیوسف وأخیه«أمرًا لا یملك صرفهعن نفسه؛ لأنه وجدانٌ ولكنه لم یکن يؤثرهما عليهم في المعاملات والأمور الظاهرية)) (٣). علیه؛ حتی فرقوا بينه وبين أبيه. ثانيًا: محنة الفراق: من أصعب المحن التي مرت على يعقوب عليه السلام: محنة التفريق بينه وبين حبه وفلذة كبده يوسف عليه السلام، حين تآمر عليه إخوته، وتحايلوا على أبيهم، وزعموا أنهم يريدون اصطحابه معهم للعب، وتعهدوا بحفظه، والنصح له، ولكن كان التخطيط غير ذلك، فذهبوا به وألقوه في البئر ورجعوا بدونه، زاعمين أنه أكله الذئب وبدأت رحلة المعاناة للابن والأب: أما الابن: فقد تعرض لأربع محن عظيمة، وهي محنة الإلقاء في البئر، ومحنة البيع رقيقًا ظلما وعدوانًا، ومحنة فتنة المرأة، ومحنة السجن؛ ولكن الله لطف به في هذه المحن كلها، ونجاه منها جميعها، و كانت عاقبته رفعة المنزلة في الدارين، وقد بين طريق الوصول إلى مثل ذلك حين قال: ﴿إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. وأما الوالد: فقد كان ألم الفراق بالنسبة له عظيما وكان وقعه عليه شديدًا، فلم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦١٢. (٢) قصص الأنبياء، ابن كثير، ص ٣٢٧. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/١٢. ١٠٢ القرآن الكريم