Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ اليَوَد د عناصر الموضوع التعريف باليهود ٤٠ اليهود في الاستعمال القرآني ٤٤ الألفاظ ذات الصلة ٤٥ نعم الله على بني إسرائيل ٤٧ انحرافات اليهود ٥٠ ٦١ تحريفات اليهود ٦٨ اليهود والعقوبات الإلهية المُجَلَّدَ السَّادِس وَالثّلاثُنْ حرف الياء التعريف باليهود قبل أن نبدأ الحديث عن اليهود وعن انحرافاتهم وضلالاتهم وطباعهم القبيحة كان حريًا بنا أن نميز بين مصطلحي اليهود وبني إسرائيل، حيث إن كثيرًا من الباحثين والكتاب يختلط الأمر عليهم، فيتحدثون عن اليهود وكأنهم هم بنو إسرائيل، وعن بني إسرائيل كأنهم هم اليهود أنفسهم، وهذا الأمر يجب أن يوضح منذ البداية. أولًا: التعريف بالیهود: اليهود: هم من ينتسبون إلى الديانة اليهودية. واختلفت الأقوال في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فمنها: قيل: إنهم سموا يهودًا؛ ((لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة)»(١) بنو إسرائيل: هم ذرية سيدنا يعقوب عليه السلام، فإسرائيل هو اسم سيدنا يعقوب. و((اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبدالله؛ لأن (إسرا) في لغتهم هو العبد و(إيل) هو الله، وقيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له. وهو اسم أعجمي غير منصرف»(٢). وقيل: إنهم سموا يهودًا نسبة إلى (يهوذا) الابن الرابع ليعقوب عليه السلام، قال البيروني: ((وإنما سموا باليهود نسبة إلى يهوذا أحد الأسباط، فإن الملك استقر في ذريته، وأبدلت الذال المعجمة دالًا مهملة؛ لأن العرب كانوا إذا نقلوا أسماء أعجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها)) (٣). وقيل: من التوبة والرجوع، ذكر ابن منظور في معجمه ((الهود: التوبة، هاد يهود هودًا: تاب ورجع إلى الحق فهو هائد، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَاهُدنآ إلیك ﴾[الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا ورجعنا إلیك، وهو قول مجاهد وسعید بن جبير وإبراهيم، ويهودا اسم للقبيلة وقالوا: (اليهود) فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يريدون اليهوديين، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٌ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، معناه: دخلوا اليهودية، وهود الرجل: حوله إلى اليهودية، وهاد ويهود إذا (١) بنو إسرائيل في القرآن والسنة، محمد سيد طنطاوي ص ١٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥١. (٣) تاريخ الملل والنحل، أمين الخولي ٤/٢. القرآن الكريمِ ٤٠ اليهود صار یهوديًا))(١). ثانيًا: الفرق بين بني إسرائيل واليهود: بنو إسرائيل: هم ذرية سيدنا يعقوب عليه السلام، فإسرائيل هو اسم سيدنا يعقوب. ((اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبدالله؛ لأن (إسرا) في لغتهم هو العبد و(إيل) هو الله، وقيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له. وهو اسم أعجمي غير منصرف»(٢). ولعل الفرق يتضح جليًّا بين مصطلحي اليهود وبني إسرائيل من خلال آيات القرآن الكريم: فلقد ذكر مصطلح (بني إسرائيل) إحدى وأربعين مرةً في القرآن الكريم، والمتتبع للآيات التي ذكر فيها بنو إسرائيل في القرآن الكريم يجد أن ذكرهم قد قصد به أزمان وأوقات مختلفة: فآية واحدة فقط تحدثت عن بني إسرائيل قبل زمن سيدنا موسى عليه السلام، بقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّ لِّبَنِى إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّ يلُ عَلَ نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوَرَنَّةُ قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَأَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ونصف الآيات التي ذكر فيها مصطلح (بني إسرائيل) قصدت الذين عاصروا سيدنا موسى عليه السلام، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِ إِسْرَّهِ يَلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَّا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وهناك بعض الآيات تحدثت عن بني إسرائيل بعد عهد سيدنا موسى عليه السلام، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَّ مِنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُو ◌ْلِنٍَِّ لَهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَِلُوَأَ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا تُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَدْرِنَا وَأَبْنَآيِنَا فَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقوله سبحانه: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَوَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]. كما أن هناك بعض الآيات التي تحدثت عن بني إسرائيل الذين عاصروا سيدنا عيسى (١) لسان العرب، ابن منظور ٣٩٧/١٥. (٢) فتح القدير، الشوكاني ١ / ٥١. www. modoee.com ٤١ حرف الياء عليه السلام، كقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِك ◌ِلَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [المائدة: ٧٢]. ومن الآيات ما تحدثت عن بني إسرائيل الذين عاشوا زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرَّمَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهَيَلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]. ولقد ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ((يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان، أنه يقص على بني إسرائيل - وهم حملة التوراة والإنجيل- أكثر الذي هم فيه يختلفون، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء إليهم القرآن بالقول الوسط الحق العدل، أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام عليه أفضل الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمُ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَّرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]))(١). وعن اختلاف بني إسرائيل بشأن عيسى عليه السلام قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِكُمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَّرْيَمْ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنصَارِىّ إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ شَخْنُ أَنْصَارُ اللِّ نَامَنَت ◌َطَايِفَةٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّمْ نَأَصْبَحُواْظَِينَ﴾ [الصف: ١٤]. ولقد ذكر ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية «الإخبار بأن بني إسرائيل افترقوا طائفتين، طائفة آمنت بعيسى وما جاء به، وطائفة كفرت بذلك، وهذا التفريع يقتضي كلامًا مقدرًا وهو ((فنصروا الله بالدعوة والمصابرة عليها)) فاستجاب بعض بني إسرائيل وكفر بعض، وإنما استجاب لهم من بني إسرائيل عدد قليل، فقد جاء في إنجيل ((لوقا)) أن أتباع عيسى كانوا أكثر من سبعين، والمقصود من قوله: ﴿فَمَنَت ◌َطَايِفَةٌ مِنْ بَفِي إِسْرَةِيلَ وَكَفَرَت ◌َطَآئِفَةً﴾ التوطئة لقوله: فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّمْ فَأَصْبَحُواْظَِينَ﴾، والتأييد النصر والتقوية، أيد الله أهل النصرانية بكثير ممن اتبع النصرانية بدعوة الحواريين وأتباعهم مثل بولس)» (٢). بناءً على ذلك، يتضح جليًّا أن بني إسرائيل قد انقسموا إلى قسمين ظاهرين بديانتين مختلفتين، وهما اليهودية والنصرانية، فنبي الله عيسى عليه السلام هو من بني إسرائيل وأرسل إليهم رسولًا مصدقا لما بين يديه من التوراة ومبشرًا بالنبي محمد صلى الله عليه (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٦. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٢/٢٨. ٤٢ جَوَسُولَةُ التَّقَ القرآن الكريم اليهود وسلم، کما أوتي الإنجيل فيه هدى ونور. فاختلف بنو إسرائيل بشأن سيدنا عيسى عليه السلام، فمنهم من آمن به وصدقه وناصره، ومنهم من لم يؤمن به وكذبه وحاول قتله: فالقسم الأول من بني إسرائيل هم النصارى الذين قاموا بعد ذلك بنشر دينهم للعالمين، وما زالت الحملات التنصيرية التي يقوم بها هؤلاء شاهدًا على حرصهم على نشر دين النصرانية أو المسيحية التي حرفت وحادت عن طريق الحنيفية السمحاء. والقسم الآخر من بني إسرائيل ((وهم الأغلب)) كذبوا عيسى عليه السلام وحاربوه وحاولوا قتله، فرفعه الله إليه، وهؤلاء بدورهم لم يقوموا بنشر دينهم كما فعل النصارى، بل حرصوا أشد الحرص على ألا يدخل في دينهم أحد، إلا أنه وفي فترات من التاريخ دخل الدین اليهودي مجموعة من الناس کیهود الخزر وغيرهم. لذلك نجد في وقتنا الحالي أن عدد النصارى أكثر بكثير من عدد اليهود، مع العلم أنهم مع بداية افتراقهم كان عدد بني إسرائيل الذين اتبعوا الديانة النصرانية أقل بكثير من عدد بني إسرائيل الذين اتبعوا الديانة اليهودية، لذا عندما يطلق الحديث عن بني إسرائيل يتبادر للذهن مباشرةً أنهم هم اليهود. www. modoee.com ٤٣ حرف الياء اليهود في الاستعمال القرآني وردت مادة (هود) في القرآن الكريم (٢١) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١١ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوّاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَِّ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ أَلْوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] الاسم (هود) ١ ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَّهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] الاسم (اليهود) ٩ ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: ٦٤] واليهود هم أتباع الديانة اليهودية، وهم من بني إسرائيل، وليس كل بني إسرائيل من اليهود. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٧٦٩. ٤٤ جوسين القرآن الكريم الهود الألفاظ ذات الصلة أهل الكتاب: ١ أهل الكتاب لغة: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب:من يدين به، وأهل الإسلام:من یدین به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل: زوجه وأخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره(١). والكتاب: كتبه كتبًا وكتابًا أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة والفرض والحكم والقدر(٢). ويراد به أيضًا الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي ﴿أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ فإنما أريد بالكتاب التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي ﴿أُوتُوا اُلْكِتَبَ﴾ أو (آتيناه الكتاب)(٣). وأهل الكتاب: ((من يجتمعون حوله، والمراد اليهود والنصارى)) (٤). أهل الكتاب اصطلاحًا: هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦](٥). قال الشهر ستاني: ((الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق مثل التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل المجوس»(٦). (١) انظر: لسان العرب، ٢٨/١١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٩٦٣، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٥٠/١. (٢) القاموس المحيط، ص١٢٨. (٣) انظر: المفردات، ٧٠١/١، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، ص٩٤٩- ٩٥٠. (٤) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٩٧. (٥) انظر: المغني، ابن قدامة، ٣٢٩/٩. (٦) الملل والنحل، الشهر ستاني، ص ٢٤٧. www. modoee.com ٤٥ حرف الياء الصلة بين أهل الكتاب واليهود: أهل الكتاب: هم أهل الديانات التي لها كتاب سماوي من يهود وهم أهل التوراة، ونصارى وهم أهل الإنجيل، فإذا اليهود بعض أهل الكتاب. بنو إسرائيل : ٢ بنو إسرائيل اصطلاحًا: إسرائيل لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران : ٩٣]. وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام، وكانوا اثني عشر سبطًا. قال تعالى: ﴿َسَلَّ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ كَمْ ءَاتَّيْنَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١](١). قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله)، لأن إسرا بمعنى: عبد، وإیل:اسم الله، أي: إنه مركب من كلمتين:إسراء وإيل، كما يقولون: بيت إيل(٢). الصلة بين بني إسرائيل واليهود: اليهودهم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٥١، معجم اللغة العربية المعاصرة، ٩١/١. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤٥٠/١. ٤٦ جَوَسُولَةُ التَّقِين الْقُرآن الكَرِيمِ الهود نعم الله على بني إسرائيل أنعم الله الكريم المنان على بني إسرائيل بنعم خصهم بها دون العالمين، وقوبلت هذه النعم بالجحود والاستكبار والفساد في الأرض، وتنوعت هذه النعم وتعددت، وسنذكر منها أربعًا: أولًا: التفضيل على عالمي زمانهم: من النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل نعمة التفضيل على عالمي زمانهم، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى في موضعين مختلفين من القرآن الكريم هذه النعمة، بقوله سبحانه: ﴿يَبَّنِيّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْتَتِىَ اُلَِّيّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِ فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]. والتفضيل على العالمين هنا تفضيل مرهون بزمان معين، وليس في كل الأزمنة والعصور، كما أن التفضيل هنا أيضًا جاء مذكرًا لبني إسرائيل بشكل عام واليهود في المدينة بشكل خاص بهذه النعمة التي أنعم الله بها على آبائهم من قبل، لکي يعودوا إلى الحق والصواب، ولاتباع ما أنزل إليهم من ربهم بقبول دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتفضيل على العالمين انتهى بسبب جحودهم وكفرهم ونقضهم للعهود وقتلهم للأنبياء، فكان الجزاء الغضب واللعنة على من كفر منهم. ولقد عبر الإمام البغوي عن هذا التفضيل المذكور في الآية بقوله: ((أي: عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، ولكن يحصل به الشرف للأبناء))(١). ثانيًا: أنبياء بني إسرائيل وكتبهم: أقام الله سبحانه وتعالى الحجة على الناس بأن أرسل الرسل؛ ليبلغوا رسالته، وأنزل معهم الكتب لتبين للناس طريق الهدى والصلاح في الدنيا والآخرة. يقول سبحانه: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. فلقد أنعم الله على بني إسرائيل بأن بعث فیھم رسلا من أنفسهم ومن أبناء جلدتهم، ابتداءً بيعقوب ويوسف ومن بعدهم موسى وهارون وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام جميعًا، فبلغوا رسالة ربهم لبني إسرائيل الذين بادروهم إما بالتكذيب وإما بالقتل. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيَّ إِسْرَءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَّ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [المائدة: ٧٠]. ولقد ذكر الخازن في تفسيره: «قوله عز (١) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٩٠. www. modoee.com ٤٧ حرف الياء وجل: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِثَقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ يعني أخذنا العهود عليهم في التوراة بأن يعملوا بما فيها من التوحيد والعمل بما أمرناهم به والانتهاء عما نهيناهم عنه، ﴿وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَا﴾ يعني لبيان الشرائع والأحكام ﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: بما يخالف أهواءهم ويضاد شهواتهم من ميثاق التكليف والعمل بالشرائع، ﴿فَرِيقًا كَذَّبُواْ﴾ يعني: من الرسل الذين جاءتهم، ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} يعني: من الرسل، فکان فیمن كذبوا عيسى ومحمد صلی الله عليه وسلم، وكان فيمن قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام، وإنما فعلوا ذلك نقضًا للميثاق وجراءة على الله عز وجل ومخالفة لأمره)) (١). أما الكتب التي أنزلت على بني إسرائيل فهي التوراة والزبور والإنجيل، ولقد قاموا بتحريف كتبهم وزوروها وكتموها. يقول سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنَّا قَلِيلًاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ثالثًا: النجاة من بطش فرعون وإهلاك عدوهم: من نعم الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل أن أنجاهم مع سيدنا موسى عليه السلام من بطش فرعون وجنوده، ففرق الله بهم البحر فنجاهم وأغرق الله فرعون وجنوده. يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ غَّنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَّادِ يُذَبِحُونَ أَيْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَّيَّكُمْ عَظِيمٌ ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٤٩ -٥٠]. والمتأمل في هاتين الآيتين يجد الوصف الرباني لبلاء بني إسرائيل من رب العالمين، حیث وصفه سبحانه بأنه بلاء عظيم، عظيم لما فيه من زيادة في العذاب، وليس أي عذاب، بل سوء العذاب، وهذا البلاء عظيم لما فيه من قتل وذبح للأبناء فلذات الأكباد، وحتى أمر استحياء النساء فيه بلاء عظيم أيضًا، لما تتكبده المرأة في حياتها من كدر وهم لفقدها لابنها بالقتل والذبح. وبعد أن وصف الله هذا البلاء بأنه عظيم بين سبحانه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، حين أنعم الله عليهم بمعجزة لم (١) لباب التأويل ٢/ ٧٦. ٤٨ القرآن الكريم الهود تحدث إلا مرة واحدة في التاريخ، حيث يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى ( وَإِّ لَغَفَّارٌ فرق الله البحر وجعله فرقين كل فرق لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ [طه: كالطود العظيم، وليس هذا فحسب بل أنعم ٨٠-٨٢]. الله عليهم بالنجاة، وبالسير بين الفرقين دون فرعون وقومه الذين طبق عليهم البحر فأغرقهم سبحانه وتعالى، کل ذلك وأنتم یا بني إسرائيل تشاهدون بأم أعينكم ما يحدث من نعم ومعجزات، ومع کل ذلك قابل کثیر من بني إسرائيل هذه النعم بالجحود، فعبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري، وخالفوا أمر ربهم ونبيه موسى عليه السلام. رابعًا: تفجير ينابيع المياه لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم: من النعم التي خص الله بها بني إسرائيل أن فجر لهم من الحجر ماءً نقيا؛ ليشربوا منه من بعد الظمأ، وأن الله أنزل عليهم المن والسلوى بعد أن نجاهم من فرعون وجنوده. يقول سبحانه: ﴿وَإِذٍ أَسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَا عَشْرَةَ عَيْنًّا قَدْ عَلِ كُلُ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمُ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اَللَّهِ وَلَا تَحْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]. ويقول سبحانه: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَّهِ يَلَ قَدْ أَنَّنَكُر مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَكُوْ جَاِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَظْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَنْ ونلاحظ من الآيات التي يذكر الله فيها بني إسرائيل بالنعم التي أنعمها عليهم أنه سبحانه يحذرهم من الفساد أو الطغيان، ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ تَطْفَوْاْفِيهِ﴾ فالنعم من الله تستوجب الحمد والشكر، ونعم الله علی بني إسرائيل كانت لمساعدتهم على تحكيم شرع الله في أنفسهم وفي الأرض، ولإقامة الحجة عليهم بأن وفر لهم كل السبل التي تعينهم على ذلك. رغم كل هذه النعم الواضحة البينة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل وخصهم بها دون العالمين قابل كثير من بني إسرائيل تلك النعم بالجحود والإنكار والجدال والاستكبار، وانحرف كثير منهم انحرافات مقيتة في العقائد والسلوك والأخلاق. [انظر: بنو إسرائيل: من نعم الله على بني إسرائيل] www. modoee.com ٤٩ حرف الياء انحرافات اليهود بین الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الانحرافات والضلالات التي اتصف بها اليهود، سواءً كانوا من نسل بني إسرائيل أو ممن تهود معهم، كما أن هناك آيات أخرى تحدثت مباشرة عن انحرافات اليهود الذين عاصروا النبي محمد صلى الله عليه وسلم. أولًا: انحرافات في العقيدة: ١. قولهم: إن الله فقير. لم يكتف اليهود بالتجرؤ على أنبيائهم فحسب، بل بلغ الكبر والغرور فيهم أن قالوا في حق الله ما لا يليق به سبحانه وتعالى، ونعتوه بالفقر، سبحانه وتعالى عما يقولون، فهو الغني الكريم الجواد جل في علاه، ولقد أخبر الله سبحانه في كتابه عن سماعه لَقَدْ لما افتراه اليهود بقوله سبحانه: اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيِّرُ وَنَحْنُ أَغْنِيَكَةُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اَلْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]. ذكر البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: (قالته اليهود لما سمعوا ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وروي ((أنه عليه الصلاة والسلام كتب مع أبي بكر رضي الله تعالی عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، فقال فنحاص بن عازوراء: إن الله فقیر حتی سأل القرض. فلطمه أبو بكر رضي الله عنه على وجهه، وقال: لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك. فشکاه إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت))(١)(٢) ٢. قولهم: يد الله مغلولة. أي جرأة تجرأ بها هؤلاء؟! وأي وقاحة وصلوا إليها بتجرئهم على الله سبحانه وتعالى، وبأبشع الأوصاف وأقبحها؟! كل هذا من أجل المال والنفقة، لقد تسرب حب المال في عروقهم، وتشبعت نفوسهم بالبخل والشح، فأخذوا يلقون التهم على الله سبحانه وتعالى الكريم المنان. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُمِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنِفِقُ كَيْفَ يَشَدَّةٌ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ مُفْيَنَا وَكُفْرَأْ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ كُلَّمَّاً أَوْقَدُواْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَْفَأَهَا اللّهَ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادَّ وَاَللّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. ذكر الإمام الطبري في تفسيره عن معنى الآية فقال: ((عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَقَالَتِ اَلْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤/ ١٩٤. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣١٧/١. ٥ القرآن الكريم اليهود آیدِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُوا ﴾، قالا: لیس یعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوا کبیرًا)»(١). يقول سيد قطب «وقد بلغ من غلظ حسهم وجلافة قلوبهم ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر، فاختاروا لفظًا أشد وقاحةً وتهجمًا وكفرًا، فقالوا: يد الله مغلولة! ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْبِمَا قَالُواْ ﴾ وكذلك كانوا، فهم أبخل خلق الله بمال)) (٢). كما جاء الرد علی بهتانهم و کفرهم سريعًا بقوله سبحانه: ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾، فالله سبحانه وتعالى هو الكريم الجواد المنعم الوهاب، ينفق ما يشاء لمن يشاء وكيف يشاء. أنزل على رسوله شيئًا من القرآن ازداد هؤلاء المفترون من اليهود طغيانًا وكفرًا، كما عاقبهم الله سبحانه بأن ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة. كما تعهد الله تعالى بأنه سيطفئ كل نار للحرب أراد اليهود أن يوقدوها، وختم سبحانه الآية بأن بين طبيعة هؤلاء اليهود التي لا ينفكون عنها، وهي: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِی الأَرْضِ فَسَادًا﴾ فلذلك الله لا یحبهم؛ لأن الله لا يحب المفسدين. ٣. قولهم: عزير ابن الله. استحق اليهود القتال من الله، وذلك بافترائهم على الله عز وجل الذي لم يلد ولم یولد، فافتروا علیه بأن عزیرًا ابن الله، وعزير هو حبر من أحبار بني إسرائيل أوتي حفظ التوراة وعلمها. قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ يُضَهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلَّ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَ يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. ذکر الطبري في تفسیره عن سبب نزول الآية: ((واختلف أهل التأويل في القائل: ﴿عُزَّيْرُ أَبْنُ اللَّهِ﴾، فقال بعضهم: كان ذلك كما بين الله سبحانه وتعالى أنه كلما رجلا واحدًا، هو فنخاص، ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اَللَّهِ﴾، قال: قالها رجل واحد، قالوا: إن اسمه فنحاص، وقالوا: هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنیآء﴾. وقال آخرون: بل کان ذلك قول جماعة منھم، ذکر من قال ذلك: حدثنا أبو (١) جامع البيان ١٠/ ٤٥٢. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٩٢٩/٢. www. modoee.com حرف الياء كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا وَالَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهٌ وَمَنْ يَلْعَنِ اَللَّهُ فَلَن ◌َّجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١- ٥٢]. محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولی زید بن ثابت قال، حدثني سعید بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلی الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشأس بن قیس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟! فأنزل في ذلك من قولهم: ﴿وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ﴾، إلى ﴿أَنَّى يُؤْنَكُونَ﴾))(١). وهناك قول ثالث ذكره الرازي في تفسيره حيث قال: ((والقول الثالث: لعل هذا المذهب کان فاشیا فیھم ثم انقطع، فحکی الله ذلك عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله عنهم أصدق)) (٢). ٤. إيمانهم بالجبت والطاغوت. وهذا كفر بواح، ونفاق کبیر، آمنوا بعبادة الأوثان والشيطان من دون الله، وفضلوا المشركين الكافرين على المؤمنين، وهم يعلمون علم الیقین بما آتاهم الله من الكتاب من هم الذين أهدى سبيلًا وطريقًا إلى الله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ (١) جامع البيان ٢٠١/١٤ - ٢٠٢. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/١٦-٢٨. جَبُور القرآن الكريمِ وعن سبب نزول هذه الآية يذكر الطبري في تفسيره: ((عن قتادة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في کعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ورجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشًا بموسم(٣)، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه فإنا أهل السدانة والسقاية، وأهل الحرم؟ فقالا: لا، بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه» (٤). فهكذا هم اليهود، من شدة كرههم وحقدهم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه آمن اليهود بالجبت والطاغوت وأقروا المشركين على شركهم نكايةً واستكبارًا، فاستحقوا بذلك لعنة الله عليهم وغضبه. ٥. عداوتهم لجبريل عليه السلام. من فرط الحقد الذي يكنه اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم والعداوة التي عادوها (٣) الموسم: مجتمع الناس، في سوق أو في حج أو غيرهما. (٤) جامع البيان ٨/ ٢٧٠. ٥٢ الهود له عليه الصلاة والسلام أن عادوا جبريل بما سيأتي من بعدهم من الكتب السماوية، عليه السلام أيضًا الذي بدوره أنزل القرآن إلا أنهم يخالفون هذا الأمر ويكفرون علی محمد صلى الله عليه وسلم بإذن ربه. يقول الله تعالى في حق اليهود: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَيُشْرَىْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِّهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧ -٩٨]. وهذه الآيات تخص اليهود، فلقد ذكر الطبري في تفسيره: ((أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم)) (١)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لذا فمن كان من اليهود أو غير اليهود عدوًا لله أو أحد من ملائکته أو رسله فإن الله عدوٌّ له. ٦. إنكارهم لإنزال الكتب والكفر بها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًالِّمَا مَعَهُمُ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]. وهذا تناقض عجيب من اليهود، إذ يقولون أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم من التوراة، ومع أن التوراة تأمرهم بأن يؤمنوا (١) جامع البيان ٢/ ٣٧٧. بتلك الكتب، ذكر الطبري معقبًا على الآية: صَدِّ قَالِمَا: ((وإنما قال جل ثناؤه: ـهَمْ لأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا، ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وبما جاء به مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام»(٢). ولقد جاء الاستفهام الاستنكاري من الله عز وجل، ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَثْبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ تدعون الإيمان وتدعون أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم من التوراة ومع ذلك تقومون بقتل أنبياء الله الذين أرسلوا إليكم مصدقين لما جاءكم في التوراة وعاملين بتعاليمها! ثانيًا: انحرافات في الأخلاق والسلوك: النوع الثاني من الانحرافات بعد تلك الانحرافات العقائدية هي الانحرافات الأخلاقية والسلوكية: انحرافات اليهود الأخلاقية والسلوكية: ١. حسدهم للمسلمين. النعمة التي تمنى اليهود زوالها من عند المسلمين هي نعمة الإسلام والهداية، فأكثر الیهود یعلمون علم الیقین أن هذا الدین دین (٢) المصدر السابق ٢/ ٣٥٠. www. modoee.com ٥٣ حرف الياء حق، وأن هذا الرسول محمدًا صلی الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، ولكنهم لم يتوقعوا أن يكون من غير ملتهم أو طائفتهم. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا ثَبِّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْيِِّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وعن سبب نزول هذه الآية يذكر الإمام الطبري في تفسيره: ((عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسداً، إذ خصهم الله برسوله صلی الله علیه وسلم، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾))(١). ٢. حرصهم على إضلال المؤمنين. لقد حرصت طائفة من أهل الكتاب على أن يردوا المسلمين عن دينهم وأن يخرجوهم عن ملة الإسلام، حتى لو كان هذا الخروج فيه شرك بالله، ولا زالت هذه الأمنية باقية إلى عصرنا هذا، فمکاید اليهود ومن دخل بدائر تهم من النصارى ترمي إلى إبعاد المسلمين عن دينهم، وإضلالهم، سواءً بالحملات التنصيرية أو بالإعلام الهابط الذي يبث سمومه وأفكاره الهدامة للفرد والمجتمع. قال تعالى: ﴿وَدَّت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [آل عمران: ٦٩]. ولقد أبدع سيد قطب في تعليقه على هذه الآية بقوله: ((وهذه الرغبة القائمة على الهوی والحقد والشر ضلال لا شك فيه، فما تنبعث مثل هذه الرغبة الشريرة الآثمة عن خير ولا عن هدى، فهم يوقعون أنفسهم في الضلالة في اللحظة التي يودون فيها إضلال المسلمین، فمن یحب إضلال المهتدين إلا ضال يهيم في الضلال البهيم)» (٢). ٣. كتمانهم لما أنزل الله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. توعد الله سبحانه وتعالى العلماء الذين يكتمون ما أنزل الله، ومع أن الآية نزلت في علماء اليهود والنصارى إلا أنها وبمفهومها الشامل تشمل كل عالم ((ولو كان مسلمًا)» یکتم ما وهبه الله من علم بكتابه. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَبِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ (١) المصدر السابق ٤٩٩/٢. جَوَسُولَةُ التَّقَة القرآن الكريمِ (٢) في ظلال القرآن ١/ ٤١٤. ٥٤ اليهود الَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وإن من أعظم ما أخفاه وكتمه علماء اليهود والنصارى في كتبهم أمر التبشير برسول الله محمد صلی الله عليه وسلم، وهذا فعلٌ شنيع استوجب لعنة الله عليهم ولعنة اللاعنين. يقول الإمام الطبري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾، علماء اليهود وأحبارها وعلماء النصارى، لكتمانهم الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتر کھم اتباعه وهم يجدونه مکتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)) (١). ٤. أخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل. قال تعالى: ﴿فَيُظُلٍّ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيْبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كثيرًا ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ ١٦٠ أَقْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. في هاتين الآيتين الكريمتين عقابان الذين هادوا، أحدهما في الحياة الدنيا والآخر في الحياة الآخرة، ففي الدنيا شمل العقاب کل الذين هادوا بتحریم طيبات من الطعام كان لهم حلالًا، وفي الآخرة سيكون العقاب للكافرين من الذين هادوا بأن أعد الله لهم عذابًا أليمًا، وما هذان العقابان (١) جامع البيان ٢٤٩/٣. إلا لما اقترفوه من آثام وذنوب، فقد ظلموا أنفسهم بنقضهم للعهود والمواثیق مع الله، وظلموا أنبياءهم بالتكذيب والعصيان، كما صدوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله كثيرًا، واستحلوا الربا وهو عليهم محرم، وأكلوا أموال الناس، وتعبير الأكل دليل النهم والطمع المتأصل فيهم، فلقد استباحوا أموال الناس وممتلكاتهم بالباطل والعدوان. وقال تعالى: ﴿وَتَرَّ كِرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِي آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتْ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٣ لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّبَِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ آلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِلْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢ -٦٣]. فكثير من أهل الكتاب وليس قليلهم يفعلون ذلك، وهم يسارعون ويتسابقون في الإثم والعدوان وأكل كل مال حرام، سواء بالسرقة أو الرشوة أو الربا، يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي («والمعنى: إن هؤلاء اليهود دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة، وعن تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت))(٢). ولقد طال التوبيخ من الله علماء النصارى واليهود؛ لامتناعهم عن الأمر بالمعروف (٢) التفسير الوسيط، د.محمد سيد طنطاوي ٤/ ٢١٢. www. modoee.com حرف الياء والنهي عن المنكر، وعلمهم بأن ما يفعله أنه أخبر أنهم لا يتمنونه بقوله تعالى: ﴿وَلَن هؤلاء لا يرضي الله سبحانه وتعالى. والربا وأكل أموال الناس عقيدة راسخة عند اليهود بالذات، فلقد جاءت تعاليم التلمود بذلك، بالنص الآتي: ((غير مصرح لليهودي أن یقرض الأجنبي إلا بالربا))(١). وأمر تعامل الیھود بالربا امتد إلى عصرنا الحاضر، متمثلًا بالبنوك الربوية التي يسيطر عليها اليهود في العالم، ويتحكمون من خلالها بالاقتصاد العالمي. ٥. حرصهم على الحياة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدّاً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِينَ وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ وَمِنَّ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّأَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍوَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَّ وَاللَّهُ بَصِيرًا بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤-٩٦]. الآيات: (قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ كانت اليهود تزعم أن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وولده، فنزلت هذه الآية، ومن الدليل على علمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق أنهم ما تمنوا الموت، وأكبر الدليل على صدقه (١) اليهودية، أحمد شلبي ص٢٦٩. يَتَمَنَّوْهُ﴾ فما تمناه أحد منهم، والذي قدمته أيديهم: قتل الأنبياء وتكذيبهم، وتبديل التوراة)(٢). ومع أن المشرکین لا یؤمنون بالآخرة، ويعتبرون حياتهم الدنيا هي الحياة، ولا حياة بعدها، ومع ذلك تجد هؤلاء اليهود هم أشد حرصًا منهم، بل هم أشد الناس حرصًا على حياة، وأي حياة تلك؟ لا يهم، المهم أنها حياة، بغض النظر عن كيفيتها أو صعوبتها، المهم أنها حياة، وهذا الحرص يفاجئك للوهلة الأولى، و خصوصًا أنهم يؤمنون بأن هنالك حياة أخرى، ولكن تلك المفاجأة تزول عند التأمل بما اقترفه هؤلاء من قتلهم للأنبياء وتكذيبهم لهم، ومن تجرئهم على الله، وغيرها من الأعمال المهينة التي ارتكبوها. ٦. جبنهم عند اللقاء في الحرب. ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن هذه الكتاب: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يقول الله سبحانه وتعالى في حق أهل يُقَِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]. ويوضح الدكتور محمد سيد طنطاوي معنى الآية بقوله: ((والمعنى: إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررًا يسيرًا لا يبقى أثره فيكم ما دمتم مستمسكين (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١١٦. جَوَسُولَة النَّقِينَ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٥٦ اليهود بدينكم، فإن قاتلوكم وأنتم على هذه الحال ٧. تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى. قال تعالى: ﴿لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَميعًا إِلَّا أمدکم الله بنصره، وألقي في قلوبهم الرعب فيولونكم الأدبار انهزاما منكم، ثم لا ينصرون عليكم بل تنصرون أنتم عليهم))(١). فِى قُرَىٍ تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآهِ جُدُرَّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَفَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]. فلقد عاش المسلمون ذلك في صراعهم مع أهل الكتاب، وخاصة ما تعلق الأمر منه بقتال اليهود، فيهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة قد ولوا الأدبار في المدينة في عصر النبي محمد صلی الله عليه وسلم، وكذلك فعل يهود خيبر، وفي أيامنا هذه يتكرر الأمر عندما يكون هناك عقيدة راسخة مؤمنة بالله وبنصره في مواجهة اليهود (٢). (١) التفسير الوسيط ٢١٧/٢-٢١٨. (٢) فمع كل ما يمتلكه اليهود من معدات وتجهيزات تقنية وعسكرية لم يتمكن اليهود من الانتصار على أهل فلسطين في غزة وفي مرتین مختلفتين: الأولى: ففي ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٨م شن الاحتلال الصهيوني اليهودي حربه التي أسماها الرصاص المصبوب والتي استخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بما فيها الأسلحة الفسفورية التي تصيب بحروق مؤلمة وقاتلة، ضد شعب أعزل وبحجة ضرب المجاهدين والقضاء عليهم، ولكن خيب الله ظنهم، وحربهم، فصمد المجاهدون الواثقون بنص الله، ومن ورائهم الشعب الصامد المتكل على الله، وأسموا هذه الحرب بحرب ((الفرقان)) أسوة بالغزوة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ((غزوة بدر)) ١، وبعد ٢٢ يومًا من القصف والعدوان جر العدو ذيله خاسئًا منهزمًا بتوفيق من الله ثم بصمود المجاهدين الأبطال الذين أطلقوا قرابة الألف صاروخ وقذيفة ضد الأعداء، وقتلوا منهم يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي: ((والجدر)) جمع جدار، وهو بناء مرتفع يحتمى به من يقاتل من خلفه، و بمعنی مجتمعین کلهم، أي أن هؤلاء اليهود وحلفاءهم من المنافقين لا يقاتلونكم مجتمعين كلهم في موطن من المواطن إلا في قرى محصنة بالخنادق وغيرها، أو يقاتلونكم من وراء الجدران التي يتسترون قرابة الخمسين قتيلًا، مع الإشارة بأن الأذى الذي أصيب به الشعب الصامد كان ثقيلًا نوعًا ما، لكنه في سبيل الله يهون، فلقد سقط قرابة ١٥٠٠ شهيد، وقرابة ٥٥٠٠ مصاب، ومع هدم لعدد من البيوت والمساجد. الثانية: فكانت في ١٤ نوفمبر ٢٠١٢ والتي أطلق عليها المجاهدون حرب ((حجارة السجيل))، والتي سقط فيها قرابة ١٦٠ شهيدًا، وقرابة ١٢٠٠ مصاب خلال ثمانية أيام فقط، ولكن رد المجاهدين كان مزلزلًا، فلقد قصفت كتائب القسام لأول مرة في تاريخ الصراع مع المحتل مدينة ((تل أبيب)) وموقعًا صهيونيًا آخر في مدينة القدس المحتلة بصواريخ بعيدة المدى، كما قصف المجاهدون الأبطال مئات القذائف الصاروخية التي لم تتوقف منذ بدء العدوان، كما استهدفوا طائرات وبارجات حربية أيضًا. المصدر: الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للإعلام. www. modoee.com ٥٧ حرف الياء بها؛ لأنهم يعجزون عن مبارزتكم، وعن اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. مواجھتکم وجها لوجه، لفرط رهبتهم منکم، وقوله تعالى: ﴿بأسھُم بَنَهُمْشَدِيدٌ ﴾ جملة مستأنفة، كأن قائلًا قال: ولماذا لا يقاتلون المؤمنين إلا على هذه الصورة؟ فكان الجواب: بأسهم بينهم شدید، أي: عداوتهم فیما بینهم عداوة شديدة، بحيث لا يتفقون على رأي، وقوتهم يستعملونها فيما بينهم استعمالًا واسعًا، فإذا ما التقوا بكم تحولت هذه القوة إلی جین وهلع (١). أما أمر قتالهم في القرى المحصنة أو من وراء جدر فهو أمر واقع ومشهود في زماننا هذا، فاليهود في فلسطين قد أقاموا جدارًا عنصريًّا فاصلاً طويلاً، يبلغ طوله ٧٠٠ كيلومتر، يفصل بين الضفة الغربية وبين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨، والحجة في بنائه هو حماية دولتهم المحتلة، وحماية مواطنيها المغتصبين من هجمات المجاهدين. ٨. يسعون في الأرض فسادًا. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَعْلُولَةٌ غُلَتْ أَيَدِيهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنِفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ ◌ُفْيَنَا وَكُفْرَا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَّةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الََّّ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ (١) التفسير الوسيط ٣٠٤/١٤-٣٠٥. وتعقيبًا على هذه الآية يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي عن اليهود: ((ويكتشف الكون كل فترة من الزمن أن الفساد الذي فيه إنما هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب مكائدهم، لذلك يصيبهم الحق بالكوارث كل فترة من الزمن؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وهذا السعي في الأرض بالفساد إنما یأخذ صورًا متعددة، مرة يأخذ شكل النظريات العلمية، ومرة يأخذ شكل التطرف في الأنظمة السياسية من رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة، وكل ذلك تخريب لحياة الناس»(٢). من طباع اليهود الدنية إشعال الحروب بين الناس، فلا تهنأ لهم نفس أن يروا الناس متحابين ومتراحمين، ولا تقر لهم عين أن تکون الأرض مستقرة دون حروب وفتن، ولقد شهد التاريخ عليهم بذلك، فلقد أشعل اليهود الفتن والحروب بين الأوس والخزرج في المدينة قبل البعثة، كما أن التاريخ المعاصر یشهد عليهم أيضًا. فهذا هتلر الزعيم الألماني في القرن الماضي يقول عنهم: ((فلقد أثبتت لي الأيام أنه ما من عمل مخالفٍ للأخلاق وما من جريمة بحق المجتمع إلا ولليهود ید (٢) تفسير الشعراوي ٦/ ٣٢٧٢. ◌َةُ النَّسِية جوبيع القرآن الكريمِ ٥٨