Indexed OCR Text

Pages 21-31

اليقين
وقال الجمل في حاشيته: ((قال ابن به)).
عباس: لما نزلت هذه الآية ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةً
عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠]، قال أبو جهل لقريش:
ثكلتكم أمهاتكم! محمد صلى الله عليه
وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم
الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا
بواحد منهم؟! فقال أبو الأشد: أنا أكفيكم
منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة
على بطني، واكفوني أنتم اثنين. فأنزل الله
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَالنَّارِ إِلََّ مَلَكَةً﴾﴾))(١).
يعني: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْصَبَ النَّارِ﴾ أي: خزنتها
﴿إِلَّا مَلَئِكَةَ﴾ لأنهم أقوى الخلق بأسا،
وأشدهم غضبا لله؛ لیباینوا جنس المعذبين،
فلا يستروحون لهم.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: تعالى يعطى ذلك العدد القليل قوة تفي
من مشركي قريش. أي: إلا عدة من شأنها
أن يفتتن بها الكافرون، فيجعلوها موضع
(٢).
البحث والهزء
.
قال الكعبي: ((المراد من الفتنة الامتحان
حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص
بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه.
قال: وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان
العظيم ٢٩٤/٨. بتلخيص، الدر المنثور
٣٣٣/٨.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٩/٢٩، الدر
المنثور، السيوطي ٣٣٣/٨، السيرة النبوية،
ابن هشام ٣٣٥/١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٤/١٥. ملخصًا.
وقال الإمام الرازي: ((وإنما صار هذا
العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين:
الأول: أن الكفار كانوا يستهزئون،
ويقولون: لم لا يكونون عشرينبدلاً من تسعة
عشر؟! وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟
والثاني: أن الكفار كانوا يقولون: هذا
العدد القليل کیف یکون وافیا بتعذيب أکثر
العالم من الجن والإنس؟!
وأجيب عن الأول بأن هذا السؤال لازم
على كل عدد يفرض، وأفعال الله تعالى لا
تعلل، فلا يقال فيها: لم كان هذا العدد؟ فإن
ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه.
وأجيب عن الثاني بأنه لا يبعد أن الله
بذلك، فقد اقتلع جبريل وحده مدائن قوم
لوط على أحد جناحيه، ورفعها إلى السماء
ثم قلبها، فجعل عاليها سافلها .. وأيضًا
فأحوال القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا،
وليس للعقل فيها مجال)).
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ﴾ أي: رسالة
النبي -صلوات الله علیه-؛ لإنبائه من وعید
الجاحدين المفسدين ما لديهم مصداقه (٣).
أي: ليتيقن أهل الكتاب من صدق
محمد، وأن هذا القرآن من عند الله؛ إذ
یجدون هذا العدد في كتبهم المنزلة ﴿وَيَزْدَادَ
(٣) محاسن التأويل ٣٥٦/٩. باختصار وتصرف.
www. modoee.com
٢٧

حرف الياء
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَنَا﴾ أي: ويزداد المؤمنون وسلم وصدق كتابه وهو القرآن، وليزداد
المؤمنون إيمانا على إيمانهم. ولتزول كل
ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا
الكتاب، وعلى قلوب المؤمنين (٣).
تصدیقًا لله ورسوله بما یشهدون من صدق
أخبار نبيهم صلی الله عليه وسلم وتسليم
أهل الكتاب لما جاء في القرآن موافقًا
التوراة والإنجيل(١).
والاستيقان: قوة اليقين، فالسين والتاء
فيه للمبالغة. والمعنى: ليستيقنوا صدق
القرآن حیث یجدون هذا العدد مصدقا لما
في کتبهم.
والاستیقان من شأنه أن يعقبه الإيمان إذا
صادف عقلًا بريئًا من عوارض الكفر كما
وقع لعبد الله بن سلام، وقد لا يعقبه الإيمان
لمکابرة أو حسد أو إشفاق من فوات جاه
أو مال کما کان شأن كثير من اليهود الذي
قال الله فيهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمَّ
وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْنُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٤٦].
الاستیقان لهم(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْنَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على قوله: ليستيقن ..
وهو مؤكد لما قبله، من الاستيقان وازدياد
الإيمان، ونفيٌ لما قد يعتري المستيقن من
شبهة عارضة. أي: فعلنا ما فعلنا؛ لیکتسب
أهل الكتاب الیقین من نبوته صلی الله عليه
(١) صفوة التفاسير ٤٥٤/٣.
(٢) التحرير والتنوير ٣١٥/٢٩. ملخصًا.
جوية
لِلْعُرآن الكَرِيمِ
وفي التعبير بالاستيقان في جانب أهل
الكتاب وبازدياد الإيمان في جانب المؤمنين
مراعاة لمقتضى الحال في كل من الفريقين
فأهل الكتاب والمقصود به من أهل الكتاب
هنا هم أولو العلم منهم الذين سلموا من
الهوى المضل الذي أفسد على كثير من
علمائهم دينهم- هؤلاء يبعث فيهم هذا
الخبر الجديد الذي جاء به القرآن یقینا بأن ما
يتلقاه محمد هو وحي من عند الله. هذا إلى
ما كان عندهم من علم بهذا النبي المبشر به
فی کتبهم والمبينة صفاته فيها ..
وأما المؤمنون فهم مؤمنون بصدق
الرسول، من قبل نزول هذه الآیات ومن بعد
من آيات الله جدیدًا، يثبت إيمانهم ويزيدهم
قوة استبصار لمعالم الحق .. وهؤلاء
المؤمنون هم الذين آمنوا إيمانا خالصا من
شوائب الشك والارتياب (٤).
ولذلك اقتصرت الآية على حصول نزولها .. ولكنهم يزدادون إيمانًا كلما تلقوا
وهكذا فإن قراءة القرآن وتدبره بعناية
ترسخ اليقين وتقوي منه، وتؤكد صدق
القرآن ونبوة المصطفى صلى الله عليه
(٣) التفسير الوسيط ١٨٣/١٥. بتصرف.
(٤) التفسير القرآني للقرآن ١٥/ ١٢٩٧.
٢٨

اليقين
وسلم. فالإخبار عن المغيبات عن طريق
القرآن الكريم من شأنه أن تجعل الإيمان
في قلوب المؤمنين الصادقين يزداد رسوخا
وثباتا، فمن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبین
له طريق الحق.
ولذا يقول النبي المصطفى فيما يرويه
أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (لا تحاسد إلا في اثنتين: رجلٌ
آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل والنهار،
يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت
كما يفعل ورجلٌ آتاه الله مالًا ينفقه في حقه،
فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت كما
يفعل)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القرآن،
باب تمني القرآن والعلم رقم ٧٢٣٢.
ثمرات اليقين
لليقين ثمرات بينها القرآن ومن أهمها ما
يأتي:
أولًا: الرضا بحكم الله:
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
لقد أتت الآية تذم اليهود ومن يتبع
أحوالهم بالطبع - لأن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب كما على ذلك جمهرة
المفسرين- وتشنع عليهم في سعيهم نحو
حكم الجاهلية والرفض والتكبر لحكم
الله، وتبين لنا الآية أن اليقين والإيمان
الحقيقي من علاماته الرضا بحكم الله في
کل الأحوال وفي كل الأمور ونبذ كل حكم
يخالف حکم الله ورسوله.
وقد قيل في سبب نزول الآية: إنه كانت
بين بني النضير وقريظة - وهما حيان من
اليهود- دماء وذلك قبل أن يبعث الله
محمدا صلى الله عليه وسلم، فلما بعث
وهاجر إلى المدینة تحاكموا إليه فقالت بنو
قریظة: بنو النضير إخواننا؛ أبونا واحد ودیننا
واحد وكتابنا واحد، فإن قتل بنو النضير منا
قتیلا أعطونا سبعین وسقا من تمر، وإن قتلنا
منهم قتيلا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا،
وأرش جراحتنا على النصف من جراحتهم،
فاقض بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلى
www. modoee.com
٢٩

حرف الياء
الله عليه وسلم: (فإني أحكم أن دم القرظي الحكم الإلهي بحكم الهوى والجهل (٤).
وفاء من دم النضيري، ودم النضيري وفاء من
دم القرظي، ليس لأحدهما فضل على الآخر
في دم ولا عقل ولا جراحة). فغضبت بنو
النضير، وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك لنا
عدو، وإنك ما تألو في وضعنا وتصغيرنا.
فأنزل الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ﴾(١).
فيقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود
-الذين احتکموا إليك، فلم يرضوا بحكمك
إذ حکمت فيهم بالقسط- (حكم الجاهلية)،
-يعني: أحكام عبدة الأوثان من أهل
الشرك- وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة
الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق
الذي لا يجوز خلافه؟!(٢).
فحکم الجاهلية کما قال ابن عباس: «ما
كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام،
وتحريفهم إياها عما أمر الله به))(٣).
فهذا استفهام معناه الإنكار على اليهود، حكمه(٧).
حیث هم أهل کتاب وتحلیل وتحريم من
ويختارون علیه حكم الجاهلية، وهو مجرد
الهوى من مراعاة الأشرف عندهم، وترجيح
الفاضل عندهم في الدنيا على المفضول،
وفي هذا أشد النعي عليهم حيث تركوا
ثم قال تعالى ذكره موبخا لهؤلاء الذين
أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا
فعلهم ذلك منهم: ومن هذا الذي هو
أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله - تعالى
ذكره- عند من کان یوقن بوحدانية الله ويقر
بربوبيته؟
وبتعبير آخر: أي حكم أحسن من حكم
الله، إن کنتم موقنین أن لگم ربًّا و کنتم أهل
توحیدٍ وإقرار به؟(٥)
فاللام في قوله: ﴿لَقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛
للبيان، كاللام في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هذا
الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم
الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله ولا أحسن
حكما منه (٦).
قال العلماء: فمن أيقن تبين عدل الله في
فالقوم الموقنون هم الذين يتدبرون
الله تعالى، ومع ذلك يعرضون عن حكم الله الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم
فیعلمون أن لا أحسن حکمًا من الله سبحانه
وتعالی، فیرضون به ويقومون بتنفیذه دون
تردد أو تكاسل؛ لأن ذلك نابع من إيمان
حقيقي لا تردد فیه.
(١) زاد المسير ١/ ٥٥٧. لباب التأويل ٥٢/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٩٤/١٠.
(٣) لباب التأويل ٢/ ٥٢.
(٤) البحر المحيط ٢٨٧/٤
(٥) جامع البيان، الطبري ٣٩٤/١٠.
(٦) الكشاف ١/ ٦٤٢.
(٧) زاد المسير ١/ ٥٥٧.
٣٠
القرآن الكريم

اليقين
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هو تسفيه لأهل الكتاب،
وفضح لجهلهم وضلالهم، إذ يعدلون عن
شرع الله ويخرجون عن حکمه إلى شريعة
الجاهلية وأحكام السفاهة والضلال. وذلك
من حماقة عقولهم، وسفه أحلامهم؛ إذ إنه
لا یعرف فرق ما بین أحكام الله وأحكام غیر
الله إلا من أخلی قلبه من نزعات الهوى،
وصفى مشاعره من وساوس النفاق، ونظر
إلى الله بقلب سليم، فعرفه حق معرفته،
وقدره حق قدره، ورأى أن هدى الله هو
الهدى، وأن من اتبع غیر سبیله ضل وهلك،
ومن سلك سبيله رشد وسعد(١).
ثانيًا: الثبات على الأعمال الصالحة:
يقول تعالى في آخر آية في سورة الحجر:
﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:
٩٩].
فقوله: ﴿حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِيْنُ﴾ أي:
الموت، قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور.
وسمي يقينًا؛ لأنه موقن به، فمعنى الآية:
أعبد ربك أبدًا، ولو قيل: اعبد ربك، بغير
توقيت، لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون
مطيعًا، فلما قال: ﴿حَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أمر
بالإقامة على العبادة ما دام حيًّا (٢).
وللإمام ابن عطية كلام وجيه في قول
(١) التفسير القرآني للقرآن ١١١٣/٣.
(٢) زاد المسير ٢/ ٥٤٧ بتصرف.
الجمهور السابق، فيقول: ((وليس اليقين من
أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري
فيه عاقل، فسماه هنا یقینا تجوزا، أي: يأتيك
الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية
معناها مدة حياتك)»(٣).
والتعبير بـ ﴿رَبَّكَ﴾ فيه إشارة إلى أن
مقام الربوبية يقتضي العبادة الخالصة له،
وقد حدد سبحانه وتعالى نهاية العبادة بقوله:
﴿حَتَّى يَأَنَكَ الْيَقِيْنُ﴾ (٤).
فليس المراد به ما زعمه بعض الملحدين
مما يسمونه بالكشف والشهود، وقالوا: إن
العبد متی حصل له ذلك سقط عنه التكليف
بالعبادة، وهي ليست إلا للمحجوبين، ولقد
مرقوا بذلك من الدين وخرجوا من ربقة
الإسلام وجماعة المسلمين (٥).
فالحق يشير إلى وجوب المداومة على
العبادة وجميع أنواع الأعمال الصالحة
وصنوف الطاعة والخير إلى أن يأتي أمر الله
ووعده الذي لا شك فيه ولا ريب (٦).
وهذا مثل قوله: ﴿وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوة
وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
أي: أبدًا، ولو لم يقل: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّ﴾
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٦/٣.
(٤) زهرة التفاسير ٤١١٩/٨.
(٥) فتح القدير ٣٢٩/٧.
(٦) وعن العلاقة بين العبودية واليقين ينقل
القشيري عن شيخه الدقاق قوله: «العبادة لمن
له علم اليقين، والعبودية لمن له عين اليقين،
والعبودة لمن له حق اليقين)) الرسالة ص ٩٩.
www. modoee.com
٣١

حرف الياء
لكان بصلاة واحدة وزكاة مرة يؤدي ما قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع
فعلى جنب)(٤).
وصاه به(١).
فالمؤمن الحقيقي تكون عبادته لله
ليست عبادة مؤقتة أو مرتبطة بزمان معين
أو مكان معين أو عبادة ليسر أو عسر، بل
عبادة الموقن الحقيقي عبادة دائمة وفي كل
الأوقات والأزمان والأمکان. ففائدة قوله:
﴿حَتَّى يَأْنِیَكَ الْيَقِينُ﴾ بعد قوله: ﴿ وَاعْبُدْ
رَبَّكَ﴾ أنه إذا عبد مرة خرج عن موجب
الأمر، فقال: ﴿حَّ يَأْنَكَ الْبَقِینُ ﴾؛ ليدوم
عليها إلى أن يموت (٢).
وهذا الكلام يشير إلى حقیقتین ثابتتين:
الحقيقة الأولى: وجوب العبادة طوال
الحياة حتى الممات.
والحقيقة الثانية: فيه إشارة إلى أن العبادة
تزيد اليقين فيزداد المؤمنون إيمانا على
إيمانهم، ولله غيب السماوات والأرض
وإليه مرجع الأمور(٣).
ويستدل من هذه الآية الكريمة، وهي
قوله: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَّى يَأْنَكَ اَلْيَقِيْنُ﴾،
على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على
الإنسان ما دام عقله ثابتا، فيصلي بحسب
حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن
عمران بن حصين رضي الله عنهما أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (صل
(١) الهداية ٦/ ٣٩٤٢.
(٢) تفسير السمعاني ١٥٦/٣.
(٣) زهرة التفاسير ٤١١٩/٨.
ويستدل بها على تخطئة من ذهب من
الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة،
فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط
عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال
وجهل، فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا
هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم
بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم،
وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة
ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين
الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت،
كما قدمناه. ولله الحمد والمنة والحمد لله
على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو
المسؤول أن يتوفانا على ذلك.
ثالثًا: الثقة في وعد الله ووعيده:
يقول تعالى في آخر سورة الروم
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ
الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].
يختم الله سبحانه سورة الروم، بأمر النبي
صلى الله عليه وسلم بالصبر على هؤلاء
الجاهلين من المشركين، أي: فاصبر على
أذاهم وعلی جهالاتهم، فإن وعد الله تعالی
بنصرك علیھم حق لا شك في ذلك.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب، إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنبٍ رقم
١١١٧.
٣٢
القرآن الكريمِ

اليقين
فجملة ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ ﴾ تعلیل للأمر
بالصبر وهو تأنيس للنبي صلى الله عليه
وسلم بتحقيق وعد الله من الانتقام من
المكذبين ومن نصر الرسول صلى الله عليه
(١)
وسلم(١).
وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنُنَا
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ {(٢) وَإِنَّ
جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ.
[الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
﴿وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ﴾ أي: ولا يزعجنك
ويحملنك على عدم الصبر الذين لا يوقنون
بصحة ما تتلو عليهم من آيات، ولا بما
تدعوهم إليه من رشد وخیر. فقد ختمت
السورة الكريمة بالوعد بالنصر، كما افتتحت
بالوعد به للمؤمنين الصادقين: ﴿وَعْدَ اللَّهِلَا
يُخْلِّفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الروم: ٦](٢).
وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن
رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل
ضعيف الیقین ضعيف العقل خفيفه. فالأول
بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور، فالله
المستعان(٣).
بهذه الآية تختم السورة الكريمة، وهى
تحمل إلى النبي الكريم دعوة من الله
سبحانه وتعالى إلى الصبر على ما يلقى
(١) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٠٣/١١،
بتلخيص.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٤٥.
من قومه من مكاره، مستعينا على الصبر
واحتمال المكروه، بما وعده ربه من نصر
لدين الله الذي يدعو إليه، ومن تمكين
له وللمؤمنين معه في هذه الدنيا، ومغفرة
من الله ورضوان فى الآخرة، هذا إلى ما
يلقى هؤلاء المشركون الضالون من خزي
وخذلان فى الدنيا، وعذاب شديد في
الآخرة (٤).
ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفََّّكَ الَّذِينَ
لَا يُوقِنُونَ ﴾ إشارة لافتة إلى ما قد یرد على
النبي -صلوات الله وسلامه عليه- من تلك
الخواطر التي تساور بعض النفوس من
المؤمنين الذين اشتدت عليهم وطأة البلاء
وطال بهم الانتظار لملاقاة ما وعدهم الله
من نصر، ففى ساعات الضيق والعسرة قد
يتسرب إلى بعض المؤمنين شيء من القلق،
وربما شيء من الشك والريب، ذلك أن
للنفس البشرية حدًّا من الاحتمال والصبر
على المكاره إذا بلغته زايلتها القدرة على
الاحتمال، وآذنها الصبر بالرحيل، وعندئذ
تنحل العزيمة، ويضعف اليقين، وتبرد
حرارة الإيمان.
وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ
أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ
مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّءُ وَزُلْزِلُواْ حَقّ
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾
(٤) التفسير القرآني للقرآن ١١/ ٥٤٩.
www. modoee.com
٣٣

حرف الياء
[البقرة: ٢١٤].
فهذه حال تعرض المؤمنين، ولن الخير لا يكون إلا بجهود الدعاة إلى الله
یعصمهم منها إلا التحصن بالإيمان، واللیاذ
باليقين الذي يدفع كل شك في قدرة الله
وفي تحقيق ما وعد المؤمنين به من نصر
وعافية مما هم فيه من بلاء(١).
والآية إذ تدعو المؤمنين إلى أن يكونوا
من الموقنين بالله والمستيقنين بنصره فإنها
تدعو النبي إلى أن يثبت في موقفه من
الإيمان بربه والثقة فیما وعده به، حتى ترتد
عنه العوارض التي تعرض له داخل نفسه
أو خارجها، حين تجده جبلا راسخا، لا
تصادف أية خفة في أي جانب منه .. وقد كان
صلوات الله وسلامه عليه على هذا اليقين
الذي تزول الجبال ولا يزول .. حتى ليقول
لعمه أبى طالب وقد جاء يدعوه إلى مهادنة
قومه على أن يحتكم بما شاء فيهم من مال
أو سلطان، فيقول: (والله يا عم، لو وضعوا
الشمس في يميني والقمر في شمالى على أن
أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه)(٢).
وإذا كان هذا الخطاب بالصبر موجها
للنبي صلى الله عليه وسلم فإن المراد به
أمته، فعلى الأمة أن تصبر في تبليغ الدعوة
الإسلامية لكل أمم الأرض، وأن تثبت في
بيان أصول الدعوة إلى الإيمان؛ لأن حبل
(١) المصدر السابق ١١/ ٥٥٠.
(٢) المصدر السابق ١١/ ٥٥١.
الخیر متصل دائم إلى يوم القيامة، وحبل
تعالى. ولا يضير الداعية إلى ربه أن يقف
الكافر الجاحد موقف العناد والتكبر، أو
السخرية والاستهزاء؛ لأن هذه هي مواقف
الجهلة المستبدين، الذين لا يصغون لنداء
العقل والوجدان والتأمل في مشاهدات
الكون الدالة على وجود الله وسلطانه وقدرته
وتوحيده وتفرده بالخلق والإيجاد (٣).
رابعًا: الإمامة في الأرض:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةٌ
يَهْدُونَ بِأَمِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا
يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
قال الزمخشري: ((وجعلنا الكتاب المنزل
علی موسى عليه السلام هدىّ لقومه وجعلنا
منهم أئمةً یهدون الناس ویدعونهم إلى ما
في التوراة من دين الله وشرائعه لصبرهم
وإيقانهم بالآيات.
وكذلك لنجعلن الكتاب المنزل إليك
هدی ونورا، ولنجعلن من أمتك أئمة يهدون
مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة
الدين وثبتوا عليه من اليقين)» (٤).
فتشير الآية إلى ما من الله به على بني
إسرائيل؛ إذ جعل منهم أئمة يهدون بأمر
الله، والأمر يشمل الوحي بالشريعة؛ لأنه
(٣) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٠١٥/٣.
(٤) الكشاف ٢٠١٥/٣.
٣٤
جوبي
القرآن الكريمِ

اليقين
أمر بها، ويشمل الانتصاب للإرشاد، فإن
الله أمر العلماء أن يبينوا الكتاب ويرشدوا
إليه فإذا هدوا فإنما هدوا بأمره وبالعلم الذي
أتاهم به أنبياؤهم وأحبارهم، فأنعم الله
علیھم بذلك لما صبروا وأيقنوا لما جاءهم
من كتاب الله ومعجزات رسولهم(١).
وفي هذا تعريض بالبشارة لأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم
يكونون أئمة لدين الإسلام وهداة للمسلمين
إذا صبروا على ما لحقهم في ذات الله من
أذى قومهم وصبروا على مشاق التكليف
ومعاداة أهلهم وقومهم وظلمهم إياهم،
وتقديم ﴿إَِايَتِنَا﴾ على ﴿يُوقِنُونَ﴾
للاهتمام بالآيات(٢).
وفي الآية، إشارة إلى ما ينبغي أن يكون
المرشد عليه من الأوصاف، وهو الصبر
على مشاق العبادات وأنواع البليات،
وحبس النفس عن ملاذ الشهوات، والإيقان
بالآيات، فمن يدعي الإرشاد وهو غير
متصف بما ذكر فهو ضال مضل (٣).
ويؤخذ من فحوى الآية أن بني إسرائيل
لما نبذوا الاعتصام بالكتاب ونبذوا
الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وفقدوا الاستيقان بحقية الإيمان
فغيروا وبدلوا سلبوا ذلك المقام، وأديل
(١) التحرير والتنوير ٢٣٧/٢١.
(٢) المصدر السابق.
(٣) روح المعاني، ١٣٩/١١.
عليهم انتقامًا منهم. وتلك سنته تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا
◌ِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
ففي طي هذا الترغيب ترهيب وأي
ترهيب (٤)!
خامسًا: الانتفاع بهداية القرآن ورحمته:
قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدًى
وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠].
يبين الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان
واليقين بالقرآن وما فيه من شرع الله يجعل
صاحبه يدرك الفلاح في الدنيا والآخرة.
يعني: هذا القرآن المشتمل على شرائع
الله الخالدة إلى يوم القيامة هو دلائل
وبراهين للناس جميعا فيما يحتاجون إليه
من أحكام الدين، وهاد إلى الجنة من عمل
به، ورحمة من الله في الدنيا والآخرة لقوم
من شأنهم الإيقان وعدم الشك بصحته
وتعظيم ما فيه. وإنما خص الموقنين بذلك؛
لأنهم المنتفعون به(٥).
فلا شك أن هذا القرآن واتباع الشريعة
بصائر لقلوب الناس، كما جعل روحًا وحياة
لها، فإن من تمسك بالكتاب والسنة وأمعن
فيهما النظر وعمل بمقتضاهما فتحت
بصيرته، وحبي قلبه، وهدى من الضلالة
ورحم من العذاب. ولا يتحقق ذلك كله إلا
(٤) محاسن التأويل ٨/ ٤٣.
(٥) التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٩/٢٥.
www. modoee.com
٣٥

حرف الياء
لأصحاب اليقين الثابت الذي لا يتزعزع ولا إلى أن هذا القرآن وما فيه من بصائر للناس
(١)
يتزحزح(١).
وإنما کان هدي؛ لأنه طریق نفع لمن اتبع
إرشاده، فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة
إلى المقصود. وإنما كان رحمة؛ لأن في
اتباع هديه نجاح الناس أفرادا وجماعات
في الدنيا؛ لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم،
وفي الآخرة؛ لأنه سبب نوالهم درجات
النعيم الأبدي. وكان بصائر؛ لأنه يبين
للناس الخير والشر، ويحرضهم على الخير
ويحذرهم من الشر، ويعدهم على فعل
الخير ويوعدهم على فعل الشرور، فعمله
عمل البصيرة (٢).
وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون؛
لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا
يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته. وذکر
لفظ (قوم)؛ للإيماء إلى أن الإيقان متمكن
من نفوسهم، كأنه من مقومات قوميتهم التي
تميزهم عن أقوام آخرين (٣).
وإنما خص الموقنين بأنه لهم هدى
ورحمة؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بما فيه
دون من كذب به من أهل الكفر فإنه عليهم
عمى (٤).
فقوله تعالى: ﴿لَقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ إشارة
(١) البحر المديد ٣٠٩/٥، بتصرف.
(٢) التحرير والتنوير ٣٥٠/٢٥.
(٣) المصدر السابق.
(٤) المراغي ٢٥/ ١٥٢.
جميعا وهدى ورحمة لهم لا يرد مورده ولا
پرتوي من هذا المورد إلا من جاء إليه بقلب
سليم، مهيأ لاستقبال الخير وتقبله(٥).
سادسًا: الفلاح في الدنيا والآخرة:
خص سبحانه وتعالى أهل اليقين
بالفلاح، فقال: ﴿وَلَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَّاً
أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقُونَ (٥) أُوْلَكَ عَلَى هُدَى
مِن ◌َّيْهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤ - ٥].
والفلاح: الظفر بالبغية وإدراك الأمل(٦)،
ويكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة.
والمفلحون هم: ((الفائزون بالجنة والباقون
فيها))(٧).
يقول ابن كثير رحمه الله: ((يقول الله
تعالى: ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المتصفون بما تقدم
من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق
من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل
إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان
بالدار الآخرة، وهو مستلزم الاستعداد لها
من الأعمال الصالحة وترك المحرمات على
نور وبيان وبصيرة من الله تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة)
(٨). («وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى
(٥) التقسير القرآنى للقرآن ٢٤١/١٣.
(٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٨٦/١.
(٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٨٢.
(٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٨٢.
٣٦
جوب
القرآن الكريم

اليقين
الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك
السبيل فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار
التي تفضي بسالكها إلى الهلاك))(١).
موضوعات ذات صلة:
الإيمان، التقوى، الشك، الظن
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٠.
www. modoee.com
٣٧