Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
يُونِسْ عَليْه السَّلام
عناصر الموضوع
التعريف بيونس عليه السلام
٢٢٠
ذكر يونس عليه السلام في القرآن الكريم
٢٢٤
٢٢٥
دعوة يونس عليه السلام
٢٢٦
يونس عليه السلام وقومه
٢٣٦
يونس عليه السلام والحوت
٢٤١
الدروس المستفادة من قصة يونس
المُجَلَّدَ السَّادِس وَالثّلاثُنْ

حرف الياء
التعريف بيونس عليه السلام
أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام:
هو (يونس بن متى بن إيحان بن بانومر بن عوريا بن معققا بن أمصيا بن نواسر بن حزالي
بن یهورم بن یوسقط بن أسا بن راخیعم بن سليمان بن داود بن أتسي بن عوید بن عمی ناذب
بن رام بن حضرون بن قارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام» (١).
واسمه في العبرانية: (يونان بن أمتاي)، وهو من سبط (زبولون)، ويجوز في نونه في
العربية الضم (يونس)، والفتح (يونس)، والكسر (يونس).
ولد في بلدة (غاث إيفر) من فلسطين. وهو أحد عباد بني إسرائيل وزهادهم(٢). أرسله
الله تعالى إلى أهل (نينوى) من بلاد آشور، وهي على شاطئ دجلة من أرض الموصل(٣).
وكان أهلها يومئذٍ خليطًا من الآشوريين واليهود الذين كانوا في أسر الآشوريين، ولما دعاهم
إلى الإيمان أبوا، وتوعدهم بالعذاب، ولكنَّ تحقق العذاب تأخر عنهم، فخرج مغاضبًا،
وذهب إلى (يافا)، فركب سفينة للفينيقيين؛ لتذهب به إلى (ترشيش)، وهي مدينة غرب
فلسطين إلى غربي صور، وهي على البحر، وأقرب ما قيل فيها: إنها من مراسي برقة في
تونس؛ لأنه قيل في تاريخ تونس: إن اسمها كان قبل الفتح الإسلامي لها ترشیش. وعندما
كان يونس عليه السلام في السفينة هال البحر عليها، فثقلت، وخاف الناس غرقها، فاقترعوا،
وكان يونس عليه السلام ممن خاب في القرعة، فرمي في البحر، والتقمه الحوت، فنادى
يونس عليه السلام: ﴿أَن ◌َّا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
فاستجاب الله تعالى له، وأرسله مرة أخرى إلى أهل نينوى، وآمنوا، وكان عددهم يزيد
على مائة ألف (٤).
وذكره الله عز وجل في القرآن الكريم باسمه (يونس) في أربعة مواضع(٥)، وهي
كالآتي: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا
(١) تفسير مقاتل بن سليمان، ٤/ ٣٨٠.
(٢) انظر: درج الدرر، عبد القاهر الجرجاني ١/ ٥٤٠.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم، ١٩٨٧/٦، النكت والعيون، الماوردي، ٦٦/٥.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٤٢/٧.
(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٧٥.
جَوَسُور
٢٢٠
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

يونس عليه السلام
دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام:
٨٦].
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزِّيِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩].
كما ذكره بلقبه (ذي النون) مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ
أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
وذكره أيضًا بـ (صاحب الحوت) مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿فَاضِرٌ ◌ِِّكْرِرَيْكَ وَلَا تَكُنْ
كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْنَادَى وَهُوَمَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].
وفي سبب تسمية يونس عليه السلام بلقب ذي النون قولان:
الأول: بمعنى صاحب الحوت؛ لابتلاعه له، فالنون من أسماء الحوت.
الثاني: إن يونس عليه السلام رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته(١)؛ لئلا تصيبه العين،
أي: سودوها (٢).
ثانيًا: زمانه عليه السلام:
بعث الله تعالى يونس عليه السلام إلى أهل نينوى عاصمة الآشوريين بعد خراب بيت
المقدس، وذلك في حدود القرن الحادي عشر قبل الهجرة(٣)، فكانت مدته في أول القرن
الثامن قبل الميلاد (٤).
وورد في تحديد وترتيب نبوته بين الأنبياء والرسل قول هشام بن محمد بن السائب عن
أبيه: ((أول نبي بعثه الله -تبارك وتعالى- في الأرض إدريس واسمه أخنوخ، ثم انقطعت
الرسل حتی بعث الله نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وقد کان سام بن نوح نبيًّا، ثم
انقطعت الرسل حتى بعث الله إبراهيم نبيًّا واتخذه خليلًا، وهو إبراهيم بن تارخ وأسم تارخ
(١) النونة: هي حفرة الذقن.
انظر: فقه اللغة وسر العربية، أبو منصور الثعالبي، ص ٧٣.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣ /٤٩٦.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٤/٦.
(٤) انظر: المصدر السابق، ٣٤٢/٧.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الياء
آزر، ثم بعث إسماعيل بن إبراهيم فمات بمكة، ثم إسحاق بن إبراهيم فمات بالشام، ثم لوطٌ
وإبراهيم عمه، ثم يعقوب وهو إسرائيل بن إسحاق، ثم يوسف ابن يعقوب، ثم شعيب بن
یوبب، ثم هود بن عبد الله، ثم صالح بن أسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب ثم
الخضر وهو خضرون، ثم داود بن إیشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم إلیاس،
ثم ذا الكفل واسمه عويدنا من سبط يهوذا ابن يعقوب، قال: وبين موسى بن عمران ومريم
بنت عمران أم عيسى ألف سنةٍ وسبعمائة سنةٍ وليسا من سبطٍ، ثم محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب النبي صلى الله عليه وسلم)»(١).
ثالثًا: مكانته عليه السلام:
إن ليونس عليه السلام مكانة رفيعة عند الله عز وجل، فقد ذكره الله تعالى في جملة الأنبياء
الكرام، فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِتْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى
إِنْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ
وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣].
والمعنى: أن الله عز وجل أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الحجج والآيات
الدالة على صدق نبوته ورسالته، كما أوحى إلى النبيين المذكورين في الآية، ومن جملتهم
نبي الله يونس عليه السلام، وخصه الله تعالى بالذكر مع دخوله في عموم لفظ (النبيين)؛
تشريفًا له، وإظهارًا لفضله، هو وسائر الأنبياء المسمون بأسمائهم (٢). ويذكر السعدي رحمه
الله في سبب تخصيص هؤلاء الأنبياء -الذين منهم يونس - عليه السلام بالذكر، فقال: ((وفي
ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم في التنويه بهم، والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم مما
يزداد به المؤمن إيمانًا بهم، ومحبة لهم، واقتداءً بهديهم، واستنانًا بسنتهم، ومعرفة بحقوقهم
فكلُّ محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه، والرسل -وخصوصًا هؤلاء
المسمون - في المرتبة العليا من الإحسان)) (٣).
كما أثنى الله عز وجل على يونس عليه السلام، ومدحه بتفضيله على عالم زمانه بالنبوة
والرسالة (٤)، فقال تعالى: ﴿وَ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾
(١) الدر المنثور، السيوطي، ٧٤٨/٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١/ ٦٢٠، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٥٥/٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢١٤.
(٤) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٥١٩/١، البحر المديد، ابن عجيبة، ١٤١/٢.
٢٢٢
◌َرُ النَّفِيَّة
جَوَسُو
القرآن الكْرِيْمِ

يونس عليه السلام
[الأنعام: ٨٦].
كما أثنى جلَّ جلاله عليه في قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩].
فهو من جملة الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى لدعوة الناس إلى توحيده عز وجل،
وإفراده وحده بالعبادة.
كما أثنى الله عز وجل عليه بقوله: ﴿فَأَجْنَبَهُ رَبُُّ، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠].
أي: استخلصه واصطفاه لدعائه، واختاره لنبوته، فجعله من الكاملين في الصلاح،
وعصمه من الذنب، وهذا الاجتباء كان بعد التقام الحوت له - كما سيأتي بيانه لاحقًا-، حيث
رد إليه نبوته، وقبل توبته، وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون(١).
هذا وقد مدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يونس عليه السلام، فقال: (لا ينبغي
لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى)(٢)، وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحه
للحديث: «خص یونس بالذکر لما یخشی علی من سمع قصته أن یقع في نفسه تنقیصُ له،
فبالغ في ذكر فضله؛ لسد هذه الذريعة))(٣).
وعليه فلا ينبغي لأحد من الناس أن يتصور نقصًا في شخصية يونس عليه السلام، فما
تعرض له من عقوبة دنيوية متمثلة في التقام الحوت إياه، إنما كان لسببٍ وحكمةٍ ستظهر في
ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالی.
(١) انظر: فتح البيان، صديق حسن القنوجي ٢٧٨/١٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٤١٦، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإن يونس
لمن المرسلين)، ١٥٩/٤.
(٣) فتح الباري، ٦/ ٤٥٢.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الياء
ذكر يونس عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر يونس عليه السلام في القرآن الكريم (٤) مرات، في (٤) سور.
وقد سميت سورة من سور القرآن الكريم باسمه: سورة يونس.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
يونس
٩٨
الصافات
١٣٩-١٤٨
٢٢٤
النفسية
قَضوري
جَوَسُـ
القرآن الكريم

يونس عليه السلام
دعوة يونس عليه السلام
ذكرنا أنَّ الله تعالى فضَّلَ يونس عليه
السلام على عالم زمانه، وكلفه بالنبوة،
وخصه بالذكر مع جملة من الأنبياء الكرام
سموا بأسمائهم من باب التشريف لهم،
وبيان فضلهم.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً
إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ
وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا () وَرُسُلًا
قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا
رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].
والمعنى: أنَّ الله تعالى قد أوحى إلى
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بتكليفه
بالنبوة، ودعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة
المتمثلة في توحيد الله عز وجل، وإفراده
وحده بالعبادة دون غيره من الأصنام
والأوثان، فهذه العقيدة نفسها هي التي
أوحى الله تعالى بها إلى جميع الأنبياء
السابقين من: نوح، وإبراهيم، وإسماعيل،
وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وعيسى،
وأيوب، ويونس، وهارون، وسليمان،
وداود، وموسى عليهم السلام أجمعین، كما
أوحى بهذه العقيدة إلى غيرهم من الرسل
الذين ذكر الله تعالى أخبارهم لنبينا محمد
صلى الله عليه وسلم، وكذلك أوحى إلى
رسل آخرین لم یخبره بأحوالھم.
ثُمَّ بِيَّنَ الله عز وجل مهمة هؤلاء الأنبياء
والرسل، فهم يبشرون الطائعين بالجنة،
وينذرون العاصین بالنار. ثم ذكر الله تعالى
الحكمة التي من أجلها أرسل هؤلاء الأنبياء
والرسل وبعثهم، وهي متمثلة في قطع
الحجة على من يقول: لو أرسل إلي رسول
لآمنت وأطعت. فقطع الله تعالى حجة البشر
هذه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب السماوية
معهم؛ لتدلهم على المنهج السديد،
والطريق المستقيم الذي يجب أن يسير عليه
البشر؛ ليصلوا إلى الله جل جلاله، فيفوزوا
برضوانه وجنانه، وكان الله تعالى ولا يزال
عزیزًا في ملکه، وحکیمًا في صنعه(١).
ويتبين من هذا أن رسالات الأنبياء في
القواعد والأصول العامة للعقيدة والأخلاق
هي واحدة لا تتغير، ولا تتبدل، فالأنبياء
جميعًا متعاونون متناصرون فيما بينهم، كلٌّ
منهم يكمل رسالة أخيه النبي السابق في
الدعوة إلى التوحيد.
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم لم يشر
(١) انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي،
٢٤٢/١، صفوة التفاسير، الصابوني،
١/ ٢٩٥.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الياء
إلى حوار دعوي دار بين يونس عليه السلام
وقومه، بل اکتفی بییان أن يونس عليه السلام
من جملة الأنبياء والمرسلين، فقال الله عز
وجل: ﴿وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:
١٣٩].
ومعلومٌ أن مهمة المرسلين هي تبليغ
دعوة الله تعالى إليهم، وأنهم يبشرون من
أطاع الله تعالى، واتبع رضوانه بالخيرات،
وينذرون من خالف أمره، وكذب رسله
بالعقاب والعذاب. فيونس عليه السلام
عندما أرسله الله تعالی إلی قومه، دعاهم إلى
توحيد الله جل جلاله، ونبذ ما كانوا عليه من
شرك، وعبادة للأصنام. ففى دعوته حاول
إخراجهم من ظلمات الشرك والمعصية إلى
نور التوحيد والطاعة، وإنقاذهم من براثن
الجهل والعمى إلى نور الهداية والإيمان.
يونس عليه السلام وقومه
بعث الله عز وجل يونس عليه السلام
إلى الآشوريين الذين أسسوا حضارة عظيمة
عرفت باسمهم، ونسبت إليهم، ويقع
موطنهم حول نهر دجلة في العراق، ولهم
مدن كثيرة ومشهورة، منها مدينة نينوى التي
هي بلد نبي الله يونس عليه السلام، كما ورد
في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
حين ذهب إلى الطائف يدعو أهلها قبيلة
ثقيف إلى الإسلام، كما يلتمس النصرة
منهم، لكن قبيلة ثقیف قابلوا النبي صلى الله
عليه وسلم، وردوا عليه بكل غلظة وقسوة
وجفاء.
حينئذٍ طلب منهم النبي صلى الله عليه
وسلم أن يكتموا خبر مقدمه صلى الله عليه
وسلم إليهم عن قريش، ولكنهم لم يجيبوه
أيضًا إلى ذلك، فلم يكن منهم إلا أن طلبوا
من سفهائهم، وعبيدهم، وصبيانهم أن
يسبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ويضربوه
بالحجارة، حتى أدموا قدميه الشريفتين،
و کان زيد رضي الله عنه يقيه ويحميه بنفسه
حتى شج هو في رأسه عدة شجاج.
ولما بلغ التعب والنصب من النبي صلى
الله عليه وسلم مبلغه، ذهب ليستظل تحت
شجرة عنب، وكان ابنا ربيعة ينظران إلى
النبي صلی الله عليه وسلم وهو يشكو إلى
٢٢٦
جوبي
قَضوري
النفسية
القرآن الكريم

يونس عليه السلام
الله تعالى ما ألم به، فتحركت الشفقة في
قلبي ابني ربيعة، فبعثا غلامًا نصرانيًّا لهما
يدعى عداس؛ ليرسل إليه قطفًا من عنب.
فلما وضع عداس العنب بين يدي النبي
صلی الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله
عليه وسلم: بسم الله، ثم أكل، فتعجب
عداس من النبي صلی الله عليه وسلم، وقال
له: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه
البلاد، فسأله النبي صلی الله عليه وسلم:
من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ فأجاب
عداس: أنا رجل نصراني من نينوى، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: من قرية الرجل
الصالح يونس بن متى؟ فسأل عداس: وما
یدریك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: ذلك أخي، كان نبيًّا،
وأنا نبيٌّ، فما كان من عداس إلا أن أکب
على قدمي النبي صلى الله عليه وسلم
الشریفتين اللتين تدمیان مما فعله به صبيان
بني ثقيف، وقبلهما، وقبل رأسه الشريفة،
ويده الشريفة (١).
ونعود إلى نينوى التي هي مدينة آشورية،
وتعتبر من قرى مدينة الموصل العراقية
الحالية، وقامت حضارة الآشوريين على
القسوة والظلم والحرب، فكانوا يأخذون
الجزية من جيرانهم، ويبسطون نفوذهم على
(١) فقه السيرة النبوية، محمد سعيد رمضان
البوطي، ص ١٠٠، بتصرف.
الشعوب المجاورة لهم. هذا عن الحالة
السياسية والاجتماعية، أما عن حالتهم
الدينية، فكانوا يعبدون الأصنام التي كانوا
يصنعونها بأيديهم، وأطلقوا عليها أسماء
مدنهم، فجعلوا الصنم الأكبر، الذي يدعونه
إلههم، هو آشور، وبه یسمی ملیکھم، و کانوا
يتوجهون بالعبادة وألوانها إلى الملك آشور،
كما كانوا يتقربون إليه بالعطايا الجزيلة؛
ليمنحهم رضا الرب، فيسيرون على ما
یأمرهم به، وما ینهاهم عنه(٢).
هذه طبيعة القوم الذين أرسل إليهم
يونس عليه السلام، والذي من الطبيعي أن
يدعوهم إلى إفراد الله تعالی بالعبادة، ونبذ
ما هم عليه من الشرك والظلم والعدوان.
ولكن ذكرنا سابقا أن موطن يونس عليه
السلام کان في فلسطین، فمتی کلفه الله عز
وجل بالنبوة إلى هؤلاء القوم؟ وهل كان هذا
التكليف قبل ابتلاع الحوت إياه؟ أم بعده؟
فاختلف أهل التفسير في هذه المسألة
المتمثلة في قوله: عز وجل ﴿ وَذَا الُّونِ إِذ
ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لََّ إِلَهَ إِلَّّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّى
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
اختلفوا بناءً على معنى ﴿مُغَضِبًا﴾ على
(٢) دعوة الرسل عليهم السلام، أحمد غلوش،
ص٢٥٥، بتصرف.
وانظر: قصة الحضارة، ول ديورانت،
٢٤٦/٢-٢٧٧.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الياء
قولين:
القول الأول: إن يونس عليه السلام لما
كان يسكن هو وقومه في فلسطين، غزاهم
ملك، وسبى منهم تسعة أسباط ونصف،
وبقي سبطان ونصف، ومعلومٌ أن بني
إسرائيل كانوا اثني عشر سبطًا، وكان الله
تعالی أوحی إلیهم أنه إذا أسرکم عدوکم،
أو أصابتکم مصيبة، فادعوني استجب لكم،
ولكنهم نسوا هذا، فأسروا.
فأوحى الله تعالی إلی نبي من أنبيائهم أن
يذهب إلى الملك حزقيل، ويطلب منه أن
یوجه ویرسل نبيًّا قويًّا أمینًا إلى هؤلاء الغزاة
الآشوريين -الذين تم الحديث عنهم قبل
قليل-؛ ليخلص منهم بني إسرائيل، ويعود
بهم.
فطلب الملك مشورة ذلك النبي في
النبي الذي سوف يرسله، فأشار علیه بیونس
علیه السلام، عندئذٍ أرسل الملك إلى يونس
عليه السلام ليطلب منه الذهاب لتخليص
بني إسرائيل من الأسر، فقال يونس عليه
السلام: هل أمرك الله تعالى بإرسالي إليهم؟
قال الملك: لا، فقال يونس عليه السلام:
فهل سماني لك؟ قال: لا، فرد يونس عليه
السلام: فههنا أنبياء غيري، فألحوا علیه حتى
خرج مغاضبًا للملك، فوصل بحر الروم،
فوجد قومًا يهيئون أنفسهم للركوب في
السفينة، فركب معهم.
وأثناء سير السفينة في البحر، فإذا بالرياح
تھیج بالسفینة، فتلجلج وتضطرب، وكادت
السفينة تغرق، فقال رئيس القوم: إن في
السفينة رجلًا عاصيًا، أو عبدًا آبقًا؛ لأننا لم
نعهد على السفينة هذا الاضطراب إلا وفيها
رجل عاصٍ، وإذا كان هذا فإننا نقترع، فمن
تقع عليه القرعة، فإنه يلقى في البحر، فغرق
رجل واحد خير من غرق السفينة بمن فيها.
فاقترعوا ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت
القرعة تخرج علی یونس علیه السلام، فقال
يونس عليه السلام: أنا الرجل العاصي،
والعبد الآبق، وألقى بنفسه في البحر فابتلعه
الحوت.
وبعد نبذ الحوت له، أمره الله تعالى أن
يذهب إلى هؤلاء القوم، فأتاهم، وأخبر
ملكهم أن الله تعالى أرسله إليهم؛ ليرسل
معه بني إسرائيل الذين سباهم، ووقعوا في
أسره، فقال له: ما نعرف ما تقول، ولو علمنا
أنك صادق لفعلنا، ولقد أتیناکم في دیارکم،
وسبيناكم، فلو كان كما تقول، لمنعنا الله
عنکم.
فظل يونس عليه السلام ثلاثة أيام
يدعوهم إلى أن يخلوا أسر بني إسرائيل،
فرفضوا وأبوا، فأوحى الله تعالى إليه أن
يبلغهم أنهم إذا لم يؤمنوا فسيوقع عليهم
العذاب، فبلغهم، وأبوا مرة أخرى، فخرج
يونس عليه السلام من عندهم.
٢٢٨
◌َرُ النَّفْسِيَة
جَوَسُبـ
القرآن الكريمِ

يونس عليه السلام
فلما فقدوه ندموا على فعلتهم هذه،
فانطلقوا يبحثون عنه فلم يجدوه، ولم يعثروا
عليه، ثم ذكروا أمره لعلمائهم، فقال العلماء
لهم: انظروا في طلبه، فإن كان في المدينة،
فخبر إنزال العذاب علیکم لیس بصحیح،
وإن كان خارج المدينة، فخبره إنزال العذاب
علیکم صحیح.
فلما بحثوا عنه مرة أخرى، قيل لهم: إنه
خرج من المدينة بالعشي. عندئذٍ آیس القوم
من العثور عليه، فأغلقوا أبواب المدينة،
وجلسوا ينتظرون الصبح، فلما انشق الصبح
ورأوا العذاب ينزل عليهم من السماء، شقوا
جيوبهم، ووضعت الحوامل ما في بطونها،
وصاح الصبيان، وثغت الأغنام والأبقار،
فرفع الله تعالى عنهم العذاب، فبعثوا إلى
يونس عليه السلام، فآمنوا به، وبعثوا معه
(١).
بني إسرائيل.
.
ويلاحظ من هذا القول أن يونس عليه
السلام خرج من المدينة مغاضبًا مرتین:
الأولى: عندما غاضب الملك حزقيل.
والثانية: بعدما رفض قومه دعوة الله عز
وجل، وخوفهم بعذاب الله تعالى، فيكون
غضبه من أجل الله تعالی.
وبناءً على هذا القول، کان تكلیف یونس
عليه السلام بالرسالة إلى قومه بعد نبذ
الحوت له.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧٨/٢٢.
القول الثاني: إن يونس عليه السلام عندما
كلف بالرسالة إلى أهل نينوى، وبلغهم دعوة
الله عز وجل، كذبوه، ورفضوا قبول دعوته،
وهددهم يونس عليه السلام بعذاب الله
تعالى إن لم يستجيبوا، فلما كشف عنهم
العذاب، ورفع بعدما توعدهم به، خرج
مغاضبًا.
وعلى هذا القول يكون معنى غضب
يونس عليه السلام من أجل الله عز وجل (٢).
ويكون المعنى المناسب لقوله تعالى في
حقِّ الأنبياء المعصومين من الخطأ ﴿فَظَنَّ
أَنْ لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ -على اختلاف القولین-
كما قال الزحيلي في تفسيره: «أي: ظنَّ أننا
لن تلزمه بالذهاب إلى القوم الذين أرسل
إليهم، ولا نلجئه إلى تبليغ رسالة الله تعالی
إليهم، والمراد أنه تأول الأمر، وهو أمر
الذهاب إلى قومه على أنه أمر إرشاد لا أمر
وجوب، ولا إثم في مخالفته)»(٣).
وذكر العلماء ثلاثة أسباب في غضب
يونس عليه السلام من قومه وخروجه من
المدينة، وهي كالآتي:
الأول: أن يونس عليه السلام توعد قومه
بالعذاب، ولكن الله تعالى رفعه عنهم. فكان
یونس علیه السلام قد أخبرهم خبرًا کاذبًا،
فاستحی أن یکون بین قوم جربوا علیه کذبًا،
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤٩٦/٣.
(٣) التفسير المنير، ١١/ ٢٧٠.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الياء
فخرج لهذا السبب.
الثاني: أنه كان من عادة القوم قتل
الكاذب؛ ولذلك خرج(١).
الثالث: أن يونس عليه السلام عندما
أخبرهم أن العذاب نازل عليهم بعد مدة،
فلما أشرفت المدة على الانتهاء تابوا وآمنوا،
فخرج غضبانًا من عدم تحقق ما أنذرهم
به(٢).
وبما أنَّ الله عز وجل لم يخبرنا عن
السبب الحقيقي لغضب يونس عليه السلام،
فهذا يعني أنه ليست هناك فائدة تعود علينا
من ذكره لنا، ولكن المهمَّ أن يونس عليه
السلام أحدث ذنبًا، فعاقبه الله تعالى عليه
بالتقام الحوت إياه.
وبعد هذه الإطالة، فإن أكثر العلماء
ذهبوا إلى أن غضب یونس علیه السلام کان
بعد أن أرسله الله تعالی إليهم، فعاقبه الله عز
وجل هذه العقوبة الدنيوية، وجعل الحوت
يلتقمه(٣).
وأشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى
في قوله عز وجل: ﴿فَلَوْلًا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ
فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّقْنَهُمْ إِلَى
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧٩/٢٢، فتح
القدير، الشوكاني، ٤٩٦/٣.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
٠١٣٠/١٧
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٧٩/٢٢.
صَوَّسُولَة
القرآن الكريم
حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٨].
والمعنى: أنه لم تكن هناك قرية آمن
أهلها عند معاينتهم العذاب، ورؤيتهم إياه
بأم أعينهم، فينفعهم إيمانهم هذا إلا قوم
يونس عليه السلام، فإنهم آمنوا عند رؤيتهم
العذاب الذي توعدهم به نبیھم یونس علیه
السلام، وأخبرهم أنه آتيهم بعد ثلاثة أيام،
ومع ذلك لم يستجيبوا، فلما رأوا العذاب
نازلاً عليهم، تابوا، وتضرعوا إلى الله تعالى،
وآمنوا.
فكشف الله تعالى هذا العذاب عنهم
في الدنيا، ونفعهم هذا الإيمان؛ لأنَّ الله
عز وجل علم إخلاصهم وصدقهم في هذا
الإيمان، وأنه لم يكن لمجرد رفع العذاب
عنهم، والعودة إلى ما كانوا عليه من شرك
وضلال، ثم متعهم الله تعالى بالحياة الدنيا
مع إيمانهم إلى حين انقضاء آجالهم التي
کتبها الله عز وجل علیھم(٤).
واختلف العلماء في قوم يونس عليه
السلام هل رأوا العذاب عيانًا أم لا؟ على
رأيين:
الرأي الأول: ذكر الزجاج أن العذاب لم
يقع بهم، إنما رأوا العلامة التي تدل على
العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم
الإيمان(٥).
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٤٦٥/٢.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، ٣٤/٣.
٢٣٠

يونس عليه السلام
((قلت: قول الزجاج حسنٌّ، فإن المعاينة
التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب
كقصة فرعون؛ ولهذا جاء بقصة قوم يونس
على أثر قصة فرعون؛ لأنه آمن حین رأی
العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم یونس تابوا
قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه السلام:
(إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (١))(٢).
الرأي الثاني: أن قوم يونس رأوا العذاب
عيانًا، بدليل قوله تعالى في الآية: ﴿كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾، وكشف العذاب لا
یکون إلا بعد وقوعه، أو قرب وقوعه. وأکثر
العلماء قالوا بهذا الرأي (٣).
وروي عن بعض الصحابة - رضوان الله
تعالى عليهم -: ((أن يونس بعثه الله تعالى به مصدقين. وارتفعت أصوات الرجال
إلی قومه، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى،
وترك ما هم فيه من الكفر فأبوا، فدعا ربه
فقال: يا رب قد دعوتهم فأبوا. فأوحى الله
تعالى إليه: أن ادعهم، فإن أجابوك وإلا
فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام.
فدعاهم فلم یجیبوه، فأخبرهم بالعذاب،
فقالوا: ما جربنا عليه كذبة مذ كان معنا، فإن
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، رقم ٤٢٥٣، كتاب
الزهد، باب ذكر التوبة، عن عبد الله بن عمرو،
٣٢٢/٥.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب، رقم ١٢٢/٣،٣١٤٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ٣٨٤/٨.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٤٦٥/٢.
وعقب القرطبي على كلام الزجاج قائلًا: لم يلبث معكم وخرج من عندكم، فاحتالوا
لأنفسكم. فلما کان بعض اللیل خرج یونس
من بينهم، فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة
وسوادًا في السماء كهيئة النار والدخان،
فظنوا أنَّ العذاب نازل بهم، فجعلوا يطلبون
يونس فلم يجدوه، فلما كان آخر النهار أيسوا
من يونس، وجعل يهبط السواد والحمرة،
فقال قائل منهم: إن لم تجدوا يونس عليه
السلام فإنکم تجدون رب یونس، فادعوه،
وتضرعوا إليه.
فخرجوا من القرية إلى الصحراء،
وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا
بين كل إنسان وولده، وبين كل بهيمة
وولدها، ثم عجوا (٤) إلى الله تعالى مؤمنين
والنساء والصبيان، وخوار البهائم وأولادها،
واختلطت الأصوات، وقربت منهم الحمرة
والدخان، حتى غشي السواد سطوحهم،
وبلغهم حر النار. فلما عرف الله تعالى منهم
صدق التوبة، رفع عنهم العذاب بعدما كان
غشيهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ
قَرْيَةُ ءَامَنَتْ﴾))(٥).
وأخيرًا، فإنه لا يخفى ما في هذه الآية من
تخويف وتهديد ووعيد لكفار مكة خاصة،
ولجميع الكفار إلى يوم القيامة، أنهم إن
(٤) عجوا بالدعاء: إذا رفعوا أصواتهم.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٨/٤.
(٥) تفسير السمر قندي، ٢/ ١٣٣.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الياء
لم يستجيبوا للهداية ونور الحق، فسيحيق
بهم عذاب الله عزَّ وجلَّ، وحينئذٍ لا ينفعهم
إيمانهم عند نزول العذاب، ويصدق هذا
المعنى أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلًا كَانَتْ قَرْيَةٌ
ءَمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُواْ
كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّقْنَهُمْ
إِلَی حینٍ ﴾ [يونس: ٩٨].
فالله تعالى يتوعد الكافرين به،
والمخالفين رسله، والمكذبين بآياته
وحججه الدالة على صدق الأنبياء والرسل
الذين بعثوا فيهم، ويتوعد الصادين عن سبيل
الله عز وجل، ماذا ينتظرون كي يستجيبوا
ويؤمنوا؟ هل ينتظرون ملك الموت لما يأتي
إليهم، ويقبض أرواحهم مثل فرعون الطاغية
عندما أدركه الغرق قال: ﴿مَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَّهَ
إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[يونس: ٩٠].
أو تأتيهم ملائكة العذاب كما أتت الأقوام
السابقة فأهلكتهم عن بكرة أبيهم، مع أن
إيمانهم حينئذٍ لا ينفعهم، أم يطلبون إتيان
الله عز وجل معاينةً کما طلبه بنو إسرائيل
من نبيهم موسى عليه السلام عندما قالوا:
﴿يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّ نَى اَللّهَ جَهْرَةً﴾
[البقرة: ٥٥].
أم ينتظرون أن تأتي أشراط الساعة
الكبرى وعلاماتها - كطلوع الشمس من
مغربها، وغير ذلك- حتى تلجئهم على
الإيمان؟ فإنه إذا أتت علامات الساعة
الکبری، فلن ينفع إيمانٌ صاحبه لم یکن آمن
قبل ظهور علامات الساعة الکبری، أو كان
صاحبه مؤمنًا قبل ذلك، ولكنه لم یکسب
هذا الإيمان عملًا خيرًا صالحًا مقبولًا عند
الله جل جلاله؛ وذلك لأن باب التوبة يغلق
حينئذٍ(١).
ويؤكد هذا ما جاء عن النبي محمد
صلى الله عليه وسلم حين قال: (لا تقوم
الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا
طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك
حين: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما
بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن
"الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا
يطعمه، ولتقومنَّ الساعة وهو يليط حوضه
فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع
أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها)(٢).
ومعنى (وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما
فلا یتبایعانه، ولا یطویانه): أي: عرض البائع
الثوب على المشتري ليشتريه، فلا يتم هذا
(١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي،
١/ ٢٨٢، الفواتح الإلهية، نعمة الله
النخجواني، ٢٩٠/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٦٥٠٦،
عن أبي هريرة، كتاب الرقاق، باب طلوع
الشمس من مغربها، ١٠٦/٨.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
٢٣٢

يونس عليه السلام
البيع؛ لقيام الساعة، وتقوم أيضًا (وقد فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَضَيْرٌ ◌ِِّكْرِ رَيْكَ وَلَا
تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:
٤٨].
انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه): أي
انصرف الرجل بلبن ناقته، فلا یشربه، وتقوم
أيضًا (وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه): أي:
الرجل يصلح حوضه فلا يسقي منه، وتقوم
أيضًا (وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا
يطعمها): أي: الرجل يرفع لقمته إلى فيه
لیأکلها، فلا یکون له ذلك؛ لأن قيام الساعة
قد حال بينه وبين أكلها فجأة، فهي أسرع من
دفع اللقمة إلى الفم(١).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يجب
انتظار وقوع علامات الساعة الكبرى، فلكل
امرئٍ منا له ساعته التي سوف يحين فيها
أجله، فينبغي على كل مرءٍ منا أن يجدد التوبة
مع الله عز وجل دائمًا، ویکثر من الاستغفار،
ويخلص في القول والعمل، ويكثر أيضًا من
العمل الصالح؛ لیزید من رصيده الإيماني،
فینفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى
الله تعالی بقلب سلیم.
ونعود إلى يونس عليه السلام، فإنه لم
يصبر على قومه كما ينبغي، بل تعجل في
الغضب منهم، وفارقهم دون أن يأمره الله
تعالى بذلك. لأجل هذا الأمر نهى الله تعالى
نبينا محمدًا صلی الله عليه وسلم أن يكون
مثل يونس عليه السلام في هذا الجانب،
(١) انظر: شرح وتعليق الدكتور مصطفى البغا
على الحديث في كتاب صحيح البخاري،
١٠٦/٨.
وحكم الله تعالى في رسله يتمثل في
ثلاثة أمور کما بينها الماتريدي، حیث قال:
(«أحدها: ألا يدعوا على قومهم بالهلاك،
وإن اشتد أذاهم من ناحیتهم حتى يؤذن
لهم. والثاني: ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد
بهم البلاء إلا بإذن الله تعالى، والثالث: ألا
يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم.
ثم من وراء هذا عليهم أمران: أحدهما: أنهم
أمروا ألا يغضبوا إلا لله تعالى، والثاني: ألا
یحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم، بل
يحزنوا لمكان أولئك القوم؛ إشفاقًا عليهم
منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب
بتکذیبهم الرسل، فهذا هو حکم ربهم»(٢).
فالله عز وجل نهى نبيه محمدًا صلى
الله عليه وسلم أن یکون حاله مشابهًا لحال
يونس عليه السلام في عدم صبره الصبر
المطلوب، وذهابه مغاضبًا ربه حتى ركب
البحر، فثقلت السفينة، واقترع أهلها، وألقي
به في البحر، وابتلعه الحوت، فحاله هذه
هي التي أوصلته وأدت به إلى حبسه في بطن
الحوت(٣).
وقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:
(٢) تأويلات أهل السنة، ١٠/ ١٥٧.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٨٨١.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الياء
((قول -تعالی ذکره- لنبيه محمد صلى
الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء
ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين
بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدین،
وامض لما أمرك به ربك، ولا يثنك عن
تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم
لك. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنكَصَاحِپالمُتِ﴾ الذي
حبسه في بطنه، وهو يونس بن متى صلى الله
عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ
ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: ﴿إذنادى
وَهُوَمَگظُومٌ﴾ يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد
أثقله الغمُّ وكظمه))(١).
شبهة:
وتتمةً لهذه السطور، فقد زعم بعض
الحاقدين والطاعنين في القرآن الكريم
أن القرآن أساء إلى أنبياء الله الكرام، وأنه
انتقص من قدرهم وشأنهم، ومن ضمن
هؤلاء الأنبياء يونس عليه السلام، فقالوا:
كيف يعصي يونس أمر ربه؟ وكيف يظنُّ أنَّ
الله القادر على كل شيء لن يقدر عليه؟ هل
شكَّ يونس في قدرة الله؟
وعندما أرسله الله إلى أهل نينوى لم
يذهب إليهم، بل ذهب إلى البحر، واستدلوا
على زعمهم هذا بقوله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ
ذَهَبَ مُّغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِي الْقُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وأجاب السقار على هذه الشبهة، فقال:
«والجواب: أن القارئ لن يجد كتابًا عند
أمة من الأمم يعظم الأنبياء كما عظمهم
القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي
ينزه الأنبياء عن الكبائر والنقائص، فضلًا
عن الكفر والشرك بالله تعالى. وقد فضل
الله يونس مع إخوانه الأنبياء على العالمين:
﴿وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوَطَأْ وَكُلًا
فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦].
وإنما أتي القائل لهذه الشبهة من سوء
فهمه للآية، فليس مقصودها أن یونس ظن
أنه معجز الله بهربه، بل المعنى أنه ظَنَّ
أن الله لن يقدر عليه، أي: لن يضيق عليه
ويلومه في ترك قومه حين لم يستجيبوا
لدعوته، فهي كقول الله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
أي: ضيق عليه، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ
يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].
وهذا المعنى منقول عن ابن عباس رضي
الله عنهما وعن غيره من التابعين. وحفاظًا
علی منزلة يونس بن متى في قلوب المؤمنين
نھی النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيل
المرء نفسه على هذا النبي الكريم: (لا ينبغي
لعبد أن يقول إنه خیر من يونس بن متى)(٢).
وفي رواية: (من قال: أنا خير من يونس
(١) جامع البيان، ٢٣ / ٥٦٢.
(٢) سبق تخريجه.
٢٣٤
القرآن الكريم

يونس عليه السلام
بن متی فقد كذب)(١).
فثبت بذلك براءة القرآن من فرية الإساءة
إلى يونس عليه السلام»(٢).
كما رد علي بن نايف الشحود على هذه
الشبهة، فذکر رد الإمام ابن حزم إذ قال: «أما
إخبار الله تعالى أن يونس ذهب مغاضبًا
فلم یغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه
غاضَبَ ربَّهُ، فمن زاد هذه الزيادة كان قائلاً
على الله الكذب، وزائدًا في القرآن ما ليس
فيه، هذا لا يحلّ ولا يجوز أن يظنَّ بمن له
أدنى مسكة من عقل أنه یغاضب ربه تعالى
فکیف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء، فعلمنا
يقينا أنه إنما غاضب قومه ولم يوافق ذلك
مراد الله عز وجل فعوقب بذلك وإن كان
یونس علیه السلام لم يقصد بذلك إلا رضا
الله عز وجل))(٣).
وذکر القرطبي في قوله تعالى: ﴿ وَذَا
التُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُّغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ
عَلَيْهِ فَتَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
حيث قال: ((قيل: معناه استزله إبليس
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٦٠٤،
عن أبي هريرة، كتاب تفسير القرآن، باب (إنا
أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح)، ٦/ ٥٠.
(٢) تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين، ص
١٤٨.
(٣) الفصل في الأهواء والملل والنحل، ٤/ ١٣.
ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه
بمعاقبته. وهذا قولٌ مردودٌ مرغوبٌ عنه؛
لأنه کفرٌ. روي عن سعید بن جییر حکاه
عنه المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر
الثعلبي وقال عطاءٌ وسعيد بن جبيرٍ وكثيرٌ
من العلماء معناه: فظنَّ أَنْ لَنْ نُضيِّقَ عليه.
قال الحسن: هو من قوله تعالى: ﴿اَللّهُ
يَسُطُ اَلْرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦].
أي: يضيق. وقوله ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾
[الطلاق: ٧].
قلت: وهذا الأشبه بقول سعیدٍ والحسن.
وقَدَرَ وقُدِرَ وقَتَرَ وقُتِرَ بمعنى، أي: ضيق.
وهو قول ابن عباسٍ فيما ذكره الماوردي
والمهدوي. وقيل: هو من القدر الذي هو
القضاء والحكم، أي: فظن أن لن نقضي
عليه بالعقوبة، قاله قتادة ومجاهدٌ والفراء.
مأخوذٌ من القدر وهو الحكم دون القدرة
والاستطاعة)» (٤).
ثم عقب الشحود بقوله: ((فكلمة ﴿نَقْدِرَ
عَلَيْهِ﴾ لا تشير ههنا إلى معنى الاستطاعة،
فهذا ما لا يظنه آحاد الناس فضلاً عن نبيِّ،
وإنما تشير إلى معنى التضييق، فيونس عليه
السلام لما دعا قومه للتوحيد، ونفروا منه
آذوه، تركهم غضبانًا لله، ولم يظن أن الله
يحاسبه ويضيق عليه لذلك، وإنما حاسبه
الله؛ لأنه لم یصبر عليهم، وخرج منهم قبل
(٤) الجامع لأحكام القرآن، ٣٣١/١١.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الياء
الإذن، كما قال تعالى: ﴿فَاضِرٌ ◌ِِّكْمِرَیِكَ وَلَا
تَكُنْ كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَّكْظُومٌ﴾، وقد نبه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا
الأمر، وحذر من أن يسيء إنسان الظن بنبي
الله يونس فقال عليه الصلاة والسلام: (لا
يقولنَّ أحدكم إني خير من يونس)(١).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال،
يعني الله تبارك وتعالى: (لا ينبغي لعبدٍ لي،
وقال ابن المثنى: لعبدي، أن يقول: أنا خيرٌ
من يونس بن متى عليه السلام)(٢).
وقال عليه الصلاة والسلام: (ومن قال أنا
خير من يونس بن متى فقد كذب)(٣).
وهذا من تعظيم رسول الله صلى الله
عليه وسلم لشأن إخوانه الأنبياء ودفاعه
عنهم عليهم صلوات الله أجمعين)) (٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٤١٢،
عن عبد الله، كتاب أحاديث الأنبياء، باب
قول الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين)،
١٥٩/٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٦٢٣٥،
عن أبي هريرة، كتاب أحاديث الأنبياء، باب
فضائل يونس عليه السلام، ١٠٢/٧.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام،
٦/٨.
يونس عليه السلام والحوت
يعد هذا المشهد هو الأطول ذكرًا في
القرآن الكريم من مشاهد قصة يونس عليه
السلام في القرآن.
وَإِنَّ ◌ُونُسَ لَمِنَ
يقول الله عز وجل:
الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
١٤٠
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ، فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ
وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
١٤٣)
لَّلَبِثَ فِى بَطْنِ إِلَى يَوْمِ يُّبْعَثُونَ () فَنَبَذْنَهُ
بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيرٌ () وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن
١) وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
١٤٦
يَقْطِینِ
(١٨) فَامَنُواْ فَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [الصافات:
١٣٩-١٤٨].
ذكرنا فيما سبق أن يونس عليه السلام
ارتكب ذنبًا كبيرًا على الأنبياء أمثاله، وهو
خروجه وهروبه من المدينة التي بعثه الله
تعالى إلى دعوة أهلها إلى الحق من غير
ـذَا
إذنٍ من الله عز وجل، فقال تعالى:
اَلْتُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
والمعنى المناسب
فی
حقَ
لهذه الآية
الأنبياء المعصومين من الخطأ: ((فظن أن لن
نضيق عليه، أي: ظن أننا لن نلزمه بالذهاب
إلى القوم الذين أرسل إليهم، ولا نلجئه
إلى تبليغ رسالة الله تعالى إليهم، والمراد:
أنه تأول الأمر، وهو أمر الذهاب إلى قومه
جَوْسُورَةُ النَّفْتَّ
القرآن الكريمِ
٢٣٦

يونس عليه السلام
على أنه أمر إرشاد لا أمر وجوب، ولا إِثم
في مخالفته، كما تأول الفقهاء كتابة الدين
المأمور به في قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدْنٍ
إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
على أنه أمر ندب وإرشاد، ففهم الأمر
على هذا الوجه))(١).
ذكر الرازي اختلاف المفسرين في معنى
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْخُونِ﴾،
وبين أن ما قالوه لا يجوز على الأنبياء، فقال
بعضهم: إن يونس عليه السلام أبق وهرب
من الله تعالى، وذكر الرازي بطلان هذا
القول، فقال: ((وهذا بعيد؛ لأن ذلك لا يقال
إلا فیمن یتعمد مخالفة ربه، وذلك لا يجوز
على الأنبياء.
واختلفوا فيما لأجله صار مخطئًا، فقيل:
لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل، فلم يقبل
ذلك التکلیف وخرج مغاضبًا لربه، وهذا
بعيد سواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو
بلسان نبي آخر، وقيل: إن ذنبه أنه ترك دعاء
قومه، ولم یصبر علیھم. وهذا أيضًا بعيد؛
لأن الله تعالى لما أمره بهذا العمل فلا يجوز
أن يتركه))(٢).
ثم ذكر أنَّ الأقرب في معنى الآية وجهان:
((الأول: أن ذنبه كان لأن الله تعالی
وعده إنزال الإهلاك بقومه الذين كذبوه
(١) التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ١١/ ٢٧٠.
(٢) مفاتيح الغيب، ٢٦/ ٣٥٦.
فَظَنَّ أنه نازل لا محالة، فلأجل هذا الظن
لم يصبر على دعائهم، فكان الواجب عليه
أَنْ يستمرَّ على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم
الله بالعذاب وإن أنزله، وهذا هو الأقرب؛
لأنه إقدام على أمر ظهرت أماراته، فلا یکون
تعمدًا للمعصية، وإن كان الأولى في مثل
هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظنّ، ثم انكشف
ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظنِّ؛
لأجل أنه ظهر الإيمان منهم، فذلك معنى
قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾.
الثاني: أن يونس كان وعد قومه بالعذاب،
فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور
عنهم فقصد البحر وركب السفينة، فذلك
هو قوله: ﴿إِذْأَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾))(٣).
وبعد ذلك قصد يونس عليه السلام
البحر، وركب السفينة المملوءة بالركبان
والأمتعة، فثقلت السفينة واضطربت، فقال
الملاحون: إن بيننا عبدًا آبقًا من سيده.
فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركاب في البحر،
وكأنهم لم يجدوا في هذا الأمر مزيةً لأحد،
فالكل سواء، فاقترعوا، فخرجت القرعة
علی یونس علیه السلام ثلاث مرات، عندئذٍ
قال يونس عليه السلام: أنا العبد الآبق، وزج
بنفسه في الماء، ﴿فَلْنَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ وابتلعه،
وكان فى وقت التقام الحوت إياه ملامًا على
فعلته، وهي مغاضبته لربه عز وجل، فكان
(٣) مفاتيح الغيب، ٣٥٦/٢٦.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الياء
مستحقًّا للوم من الله تعالى؛ لأنه غادر قومه
وخرج من غیر إذنه تعالی، أو غادر قبل أن
يوجهه الله تعالى إلى قوم آخرين(١).
وفي الحديث: (دعوة ذي النون إذ هو في
بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ
إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه لم يدع بها
وهذا يرشدنا إلى عدم التصرف بأمرٍ قبل مسلمٌ ربه في شيءٍ قط إلا استجاب له)(٣).
معرفة حكم الله تعالی فیه (٢).
ثم ذكر الله عز وجل أنه لولا أنَّ يونس
علیه السلام کان من المسبحین قبل حدوث
هذه الحادثة له، أي: في وقته السابق بكثرة
عبادته لله تعالى، وتسبيحه، وتحميده، أو
أنه کان من المسبحين في بطن الحوت كما
أخبر الله عز وجل عنه حيث قال: ﴿قَنَادَى
فِيِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
فبدأ يونس عليه السلام بالتوحيد:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾، ثم بالتنزيه والتسبيح:
سُبْحَانَكَ﴾، ثم بالاستغفار والإقرار
بالذنب: ﴿إِنّ كُنتُ مِنَ الظَّكْلِمِينَ﴾،
فاجتمعت عليه ظلمات ثلاث: ظلمة الليل،
وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، ونادى:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ
مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: تنزهت يا رب عن
النقص والظلم، وقد كنت من الظالمين
لنفسي، وأنا الآن من التاثبين النادمين،
فاكشف عني هذه المحنة.
(١) انظر: التفسير المنهجي، د.صلاح الخالدي،
٤٦/٨.
(٢) انظر: المصدر السابق، أ. د. أحمد شكري،
٢٣٢/٦.
فلولا تسبيح يونس لجعل بطن الحوت
مقبرة له عليه السلام، وللبث في بطنه إلى
يوم القيامة. ﴿فَلَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود،
أي: امتنع جعل بطن الحوت قبرًا ليونس
عليه السلام؛ لوجود كثرة تسبيحه؛ لأن
العادة أن يهضم في بطن الحوت كسائر
أنواع الطعام والغذاء، ويروى أن الله تعالى
أوحى إلى الحوت أن لا یکسر له عظمًا، ولا
یقطع منه وصلًا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (لما أراد الله - تبارك وتعالى- حبس
يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى
الحوت ألا تخدشن له لحمًا، ولا تکسرن
له عظمًا، فأخذه، ثم أهوى به إلى مسکنه من
البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع
یونس حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا فأوحى
الله -تبارك وتعالى - إليه، وهو في بطن
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٤٦٢، عن
سعد بن أبي وقاصٍ، ٦٦/٣، والترمذي في
سننه، رقم ٣٥٠٥، أبواب الدعوات، باب ما
جاء في عقد التسبيح باليد، عن سعد بن أبي
وقاص، ٥٢٩/٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٣٧/١، رقم ٣٣٨٣.
٢٣٨
جوسين
القرآن الكريمِ