Indexed OCR Text

Pages 21-40

اليتم
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَىّ ◌ُلْمًا إِنَّمَا شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
[البقرة: ٢٢٠].
[النساء: ١٠].
وأنزل في آيات أخرى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
نُقْسِطُواْ فِي الْشَى فَأَنْكِحُواْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآَءِ
مَثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةً أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَّكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَحُولُواْ ﴾
[النساء: ٣].
وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ
اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى
اُلْكِتَبِ فِى يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ
مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيٍّ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِهِ، عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٢٧].
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْمَالَ اَلْيَنِيِمِ إِلَّا بِأَلَِّىِ هِىَ
أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى،
والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم،
فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت
معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، وبقوا
متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم
استعدوا للوعيد الشديد، وإن تركوا
وأعرضوا عنهم اختلت معيشة اليتامى،
فتحير القوم عند ذلك فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْيَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌّ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَاتُكُمَّ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ
فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم
بشرابهم.
وهذا هو سبب نزول الآية كما رواه
ابن عباس، قال: (لما نزلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ
مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.
وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا بَ
٣٤
[الإسراء: ٣٤]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرً ﴾ [النساء: ١٠].
انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه
من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل
له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله
أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك
لرسول الله صلی الله عليه وسلم فأنزل
الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْيَشَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ
مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ
(٢٢٠) ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فخلطوا طعامهم
بطعامهم وشرابهم بشرابهم)(١).
(١) أخرجه أبو داود في سننه رقم ٢٨٧١، ١١٤/٣
كتاب الوصايا، باب مخالطة اليتيم في الطعام،
والنسائي في سننه رقم ٣٦٦٩، ٢٥٦/٦
كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم
إذا قام عليه، والحاكم في المستدرك، رقم
٠١١٣/٢،٢٤٩٩
قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخر جاه.
ولم يتعقبه الذهبي.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الياء
وقد ذكر المفسرون في المراد بمخالطة
اليتيم وجوه:
أحدها: المراد: وإن تخالطوهم في
الطعام والشراب والمسكن والخدم
فإخوانكم، والمعنى: أن القوم ميزوا طعامه
عن طعام أنفسهم، وشرابه عن شراب
أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم، فالله
تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين،
والاجتماع في المسكن الواحد كما يفعله
المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن
العشرة والمؤالفة، والمعنى وإن تخالطوهم
بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز.
وثانيها: أن يكون المراد بهذه المخالطة
أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما یکون أجره مثل
ذلك العمل؛ والقائلون بهذا القول منهم من
جوز ذلك سواء كان القيم غنيًّا أو فقيرًا،
ومنهم من قال: إذا كان القیم غنيا لم يأكل
من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة
على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا
عليه بقوله تعالى: ومن كان غنيا فليستعفف
ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، وأما
إن كان القيم فقيرًا فقالوا: إنه يأكل بقدر
الحاجة ويرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله
من اليتيم(١).
(١) انظر: تفسير السمعاني ٢٢١/١، تفسير
الراغب الأصفهاني ٤٥٣/١، معالم التنزيل،
البغوي ٢٨٣/١، الكشاف، الزمخشري
٢٦٣/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠٤/٦
القول الثالث: أن يكون معنى الآية أن
يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على
سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة
والغبطة للصبي.
والقول الرابع: أن المراد بالخلط
المصاهرة في النكاح، على نحو قوله: ﴿وَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اٌلَى فَأَنْكِحُواْ﴾ [النساء: ٣]
وقوله عز من قائل: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ الْنِسَاءِ
قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ
اَلْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧].
وفي هذه الآية دليل على جواز أنواع
المخالطات، في المآكل والمشارب،
والعقود وغيرها، وهذه الرخصة لطف
من الله تعالى وإحسان، وتوسعة على
المؤمنين(٢).
ويمكن القول بأن الأقوال الأربعة
مرادة من تفسير الآية، ولا مانع من العمل
بها أو بأحدها بشرط نية الإصلاح والعمل
بمقتضى الأخوة في النظر في مصالح اليتيم
بالتقويم والتأديب وغيرهما؛ لكي ينشأ على
علم وأدب وفضل؛ لأن هذا الصنع أعظم
تأثیرًا فیه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل
فيه أيضًا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من
جهة التجارة، ويدخل فيه أيضًا معنى قوله
تعالى: ﴿وَمَاتُوْ اَلْنَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٥/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٠٥.
٣٨٦
القرآن الكريم

اليتم
بِاَلَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].
ومعنى قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ يتناول حال فقد كنت يتيما. فلا تظلمه ولا تأخذ حقه
المتكفل، أي: هذا العمل خير له من أن
یکون مقصرًا في حق اليتيم، ويتناول حال
اليتيم أيضًا، أي: هذا العمل خير لليتيم من
حيث إنه يتضمن صلاح نفسه، وصلاح
ماله، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح
اليتيم والولي (١).
ولهذا قال: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
المُصْلِح ﴾ أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد
أو الإصلاح، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ
إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله لضيق
عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم،
وخفف عنکم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي
هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
أَلْيَقِبِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما
بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانا(٢).
ثالثًا: التحذير من الإساءة لليتامى:
نهى الله سبحانه وتعالى صراحة عن
الإساءة إليهم كما في قوله جل شأنه: ﴿فَمَّا
اَلْيَقِيمَ فَلَا نَقْهَرْ ﴾ [الضحى: ٩].
(١) انظر: المصدر السابق ٦ / ٤٠٦.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٨٠/١،
أحكام القرآن، ابن العربي ٢١٥/١، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٣٥٧/٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٤٣٥/١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٩٩.
والمعنى: قال مجاهد: ((لا تحقر اليتيم،
وتتقوى به، وقال الفراء والزجاج: لا تقهره
على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، و کذا كانت
العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم،
وتظلمهم حقوقهم، وکان رسول الله صلى
الله عليه وسلم یحسن إلى اليتيم ويبره،
ويوصي باليتامى (٣).
ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره
والإحسان إليه، حتى قال قتادة: «كن لليتيم
کالأب الرحيم (٤).
قالت عائشة بنت الشاطئ: ((ونرى
الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية ﴿فَلَا نَقْهَرْ﴾
أعمق وأدق من أن يضبط بهذه التفسيرات
المحدودة، فلا الظالم، ولا التسلط بما
یؤذی، ولا منع الحق، ببالغ في التأثير ما
يبلغه قوله تعالى: ﴿فَلَانَقْهَرْ﴾ إذ يجوز أن
يقع القهر مع إنصاف الیتم، وإعطائه ماله،
وعدم التسلط عليه بالأذى؛ لأن حساسية
اليتم بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة
الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا
تنبه، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٨/٢٤،
التفسير الوسيط، الواحدي ٤ / ٥١١.
(٤) انظر: تفسير السمعاني ٦/ ٢٤٦ مفاتيح الغيب
الرازي ٢٠٠/٣١، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ١٠٠/٢٠، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ٤١٣/٨.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الياء
على ماله وحقه))(١).
ويبين لنا الله سبحانه وتعالى حقيقة
مزعجة للغاية تغيب عن بعض الناس،
حيث أخبرنا بأن إذلال اليتيم والاشتداد
عليه من الكفر والتكذيب بالدين؛ لقوله
تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالذِينِ
فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُ الْيَتِمَ ﴾
٥
[الماعون: ١- ٢]. يدفعه عن حقه دفعًا بعنف
وجفوة(٢).
أي: إن الذي یکذب بالدين هو الذي
يدفع اليتيم دفعًا بعنف أي: الذي يهين
اليتيم ويؤذيه. والذي لا يحض على طعام
المسكين ولا يوصي برعايته. فلو صدق
بالدين حقًا، ولو استقرت حقيقة التصديق
في قلبه ما كان ليدع اليتيم، وما كان ليقعد
عن الحض على طعام المسكين(٣).
وقد أخبر تعالى أنه یھین من لم یکرم
الیتیم.
قال تعالى: ﴿فَمَّا آلْإِنسَنُ إِذَا مَا أَبْثَلَئُهُ رَبُّهُ.
فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ ) وَأَمَّا إِذَا مَا
أَبْتَلَنَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ كَلَّ بَل
: [الفجر: ١٥- ١٧].
لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَقِيمَ)
قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير
(١) انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم ١/ ٥٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٢٩/٢٤،
التفسير الوسيط، الواحدي ٥٥٨/٤، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٣٤١/٥.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩٨٥.
الآية: ((يقول تعالى ذكره: بل إنما أهنت من
أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم، فأخرج
الكلام على الخطاب، فقال: بل لستم
تکرمون الیتیم، فلذلك أهنتكم» (٤).
فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على
المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى
بتقديره فيوسع على الكافر لا لكرامته،
ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم
المرء بطاعته ويهينه بمعصيته، وأن سبب
ذلك عدم إکرام اليتيم (٥).
قال الإمام الرازي: ((واعلم أن ترك إكرام
اليتيم على وجوه أحدها: ترك بره، وإليه
الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَُّّونَ عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ﴾ والثاني: دفعه عن حقه الثابت له
في الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ الَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا﴾
والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله:
﴿وَتُحِبُونَ الْمَالَ حُبََّ جَمًّا﴾ أي: تأخذون
أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم»(٦).
يمكن القول بأن النهي عن الإساءة إلى
الیتامی یفهم بطريق غير مباشر من كل ما
سبق ذكره بشأنهم: من الأمر برحمتهم
والإحسان إليهم، وكفالتهم، وإعطائهم من
الصدقة، وإصلاحهم ومخالطتهم، وكذلك
صون أموالهم والاتجار فيها وتزكيتها.
(٤) انظر: جامع البيان ٢٤/ ٤١٣.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٥١/٥.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب ١٥٧/٣١.
٣٨٨
القرآن الكريم

اليتيم
مال اليتيم
سيتناول هذا العنوان أمورًا تتعلق بمال
اليتيم وهي: حق اليتيم في التملك، ومصادر
أموال اليتامى، وحفظ ماله، التحذير من
أكل ماله، اختبار اليتامى في حسن التصرف
وإيتاؤهم أموالهم، وذلك فيما يأتي:
أولًا: حق اليتيم في التملك:
قرر القرآن الكريم حق اليتيم في تملك
المال، وبين وشدد في أحكام هذا المال في
عدد من الآيات الكريمة.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَقِيمِ إِلَّا
بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً
وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ
اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ إِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيمِ إِلَّا
بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال عز وجل: ﴿وَأَبْلُواْالْيَتَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمَّ
وَلَا تَأْكُلُوهَاْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفَ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ،
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى ◌ِاللَّهِ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
المفسرون لمال الیتیم وأحكامه من وجوب
حفظه وصونه، وتثمیره ودفعه للیتیم عند
بلوغه، وتحریم أكله، مما يدل على أن اليتيم
له حق تملك مال (١).
ثانيًا: مصادر أموال اليتامى:
هناك مصادر متعددة لأموال اليتيم
أهمها:
١. الميراث.
وهذا أكثر أسباب التملك للمال عند
اليتيم، وأوسعها انتشارًا، وأساس ذلك قوله
تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللّهُ فِي أَوْلَدِ كُمَّ لِلذَّكْرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأَنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وقوله تعالى: ﴿لَلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ
الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنَّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ
اْوَالِدَانِ وَالْأَقْبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْكُ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا ﴾ [النساء: ٧].
وهذه الآيات تبين أن لليتيم نصيبه في
ميراث من مات وخلف ورثة منهم اليتيم،
وأخبر الله تعالى أن ما خلفه الميت بين
ورثته، على حد سواء صغار ولد الميت
وكبارهم وإناثهم، إذا لم يكن له وارث
غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين (٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ /٢٢٤، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣٨/٣، التفسير
الوسيط، الواحدي ٣٣٧/٢، تفسير الراغب
الأصفهاني ١١٠٨/٣، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٢/ ٣٦٢.
وفي تفسير هذه الآيات تعرض (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١/٧، معاني
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الياء
٢. الصدقات والتبرعات.
وتعتبر الصدقة على اليتيم من أفضل
وجوه البر.
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ
مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَ
وَاْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ
اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢١٥](١).
وكذلك الهبات والوصايا والوقف تعتبر
من مصادر اليتيم المالية، سواء أكان ذلك
من الأفراد أو المؤسسات أو الجمعیات أو
الدولة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ
الْقُرْبَ وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوهُم مِّنْهُ
وَقُولُواْلَمُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨](٢).
٣. الزكاة.
إن اليتامى يدخلون في الفقراء دخولا
أوليا، بل هم الفقراء الصغار الذين يقدمون
على الفقراء البالغين؛ لكونهم عاجزين عن
التكسب والعمل، فيكون نصيب اليتامى
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٥/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٤٥٨/١، مفاتيح الغيب،
الرازي ٩/ ٥٠٨.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩١/٤، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤١٦/٢، الكشاف،
الزمخشري ٢٥٧/١، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٢٨٨/١. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤٢٨/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧٤٧/٣٠،
تفسير السمعاني ٦/ ٢٣٠، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر ٣٥٥/١.
داخلًا في سهم الفقراء والمساكين.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ
وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٠](٣).
٤. الفيء والغنيمة.
فلليتامى نصيبهم من الفيء، وهو عند
الفقهاء: هو ما يحل أخذه من أموال الكفار
بلا قتال كالخراج والجزية وهو لكافة
المسلمین ولا یخمس.
قال تعالى: ﴿مَّ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اَلْقُرْبَ وَاَلْبَنَّمَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اَلسَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ
اَلْأَغْنِيِّ مِنْكُمْ وَمَآ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: ٧] (٤).
وكذلك نصيبهم من الغنيمة بعد تخميسها
وهي المال الذي يناله المسلمون من عدوهم
بالسعي وإيجاف الخيل والركاب.
قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنٍ اُلْسَبِيلِ إِن كُنْتُمْ
ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ
يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
(٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٨٣/٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣١/٢.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٥/١٥.
٣٩٠
مَوْقَ الَرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم

اليتم
[الأنفال: ٤١].
أي: أن الخمس الذي للإمام يكون عليه.
خمسه لليتامى بنص هذه الآية(١).
٥. الكفالة المالية لليتيم.
وذلك بأن ينفق قريب على اليتيم، أو
شخص متبرع على اليتيم، ومن الصور
المعاصرة كفالة اليتيم من الأشخاص أو
المؤسسات، وتعتبر هذه الكفالة من مصادر
اليتيم المالية.
وتعتبر كفالة اليتيم من مسؤوليات
المجتمع المسلم كله في أي مكان وأي
زمان، وهو فرض كفاية على الأمة فإن
ترکت الأمة کفالة الیتیم أثمت جمیعھا (٢).
وتعتبر كفالة الیتامی من المسلمين وغير
المسلمين في البلاد الفقيرة نوعًا من التعاون
على البر والتقوى، الذي أمر به الله تعالى في
كتابه العزيز.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ
وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢](٣).
[انظر: التبني: كفالة اليتامى]
ثالثًا: حفظ مال اليتيم:
أمر الله تعالى بحفظ مال اليتيم، وصيانته
وتنميته وتكثيره، بكل الوسائل التي تؤدي
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢/٤،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/٨.
(٢) القواعد، ابن رجب الحنبلي ص٢٢٨.
(٣) انظر: حقوق اليتيم في الفقه الإسلامي، تسنيم
جمال استيتي ص ٦٥.
إلی حفظ ماله و تمنع من هلاكه بمرور الزمن
قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيِمِ إِلَّا
◌ِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيمِ إِلَّا
بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَقَّ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ
الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤].
فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قربان
مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وهي بالعفة،
واختلفوا في معناه على أقاويل:
أحدها: أن القربان بالأحسن هو حفظ
الأصول، وتثمير الفروع، قال القرطبي: ((أي:
بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ
أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال
في هذا» (٤).
والثاني: أن التي هي أحسن التجارة له
بماله، وهذا قريب من الأول.
والقول الثالث: أن القربان بالأحسن هو
أن لا يخالط مال الیتیم بمال نفسه إلا على
سبيل الإصلاح (٥).
وهذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه
التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى
ما يحسن وهو التثمير والسعي في نمائه،
بالتجارة فيه (٦).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ١٣٤.
(٥) انظر: النكت والعيون الماوردي ٢٤١/٣.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٣٧/٢،
www. modoee.com
٣٩١

حرف الياء
رابعًا: التحذير من أكل مال اليتيم:
إن أكل مال اليتيم جريمة من أرذل
الجرائم، لا يتجرأ عليها إلا الأنذال الذين
قست قلوبهم، ونزعت منها عاطفة الرحمة
والإنسانية؛ لما يترتب عليها من الأضرار
البالغة بحق اليتيم الذي لا ناصر ولا كافي
له؛ ولذلك حرم القرآن أكل مال اليتيم،
وتوعد من يأكله بالعذاب الأليم، ليس
في الآخرة فحسب، بل هم يتجرعون نارًا
محرقة في بطونهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
أي: إن الذي أكلوه نارا تتأجج في
أجوافهم، وهم الذين أدخلوها في بطونهم،
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: نارًا محرقة
متوقدة، وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب،
يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها،
وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من
أكبر الكبائر (١).
والآية تشير إلى أن مال اليتيم نار تحرق
کل من يمد إليه يدا خائنة، أو يدسه في بطن
شرهة، فمن أكل منه احترق به في الدنيا،
وصَلَى به عذاب جهنم في الآخرة(٢).
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٢/٢.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٦٦.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
جوبي
الْقُرْآن الكَرِيمِ
وأكل مال اليتيم كبيرة من الكبائر، وموبقة
من الموبقات فقد جاء في الصحيحين من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا
السبع الموبقات) قيل: يا رسول الله، وما
هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل
النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا،
وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(٣).
وقد اتفق العلماء أن الآية شملت في
النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه
إتلاف أو تفویت، سواء كان بأكل حقيقة، أو
باختلاس، أو بإحراق، أو إغراق، إذ لا فرق
في ضياع مال الیتیم علیه بین کونه بأکل أو
إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال
فيه، فهو تفويت عليه وكل ذلك حفظًا
لماله(٤).
وفي آية أخرى بين سبحانه أن أكل
مال اليتيم إثم عظيم ووزر جسيم، وأن
ذلك استبدال للطيب بالخبيث قال تعالى:
٧٠٨/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا،
باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارًا
وسيصلون سعيرًا)، رقم ٢٧٦٦، ١٠/٤،
ومسلم في صحيحه، کتاب الإيمان، باب بيان
الكبائر وأكبرها، رقم ٩٢/١،٨٩.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٠٦/٩، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٧، أضواء البيان،
الشنقيطي ٨/ ٥٦٥.
٣٩٢

اليتم
﴿وَءَاتُوْ اَلْيَ أَتَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ لَلْفَبِيثَ بِالطَّيِّبِّ حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦](٣).
وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَهُمْ إِلَىْ أَمْوَلِكُمْ إِنَُّ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
[النساء: ٢].
٢
وأصل الإسراف: تجاوز الحد المباح
إلی ما لیس بمباح، وأما البدار فھو: أكل مال
اليتيم قبل أن يكبر، فيحول بين الآكل وبين
قال ابن عباس: ((أي: إثمًا كبيرًا
عظيمًا))(١).
ماله(٤)، والمعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى
أکل إسراف وأکل مبادرة لکبرهم، أو: لا
قال الماوردي: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ اَلْخَيْثَ
بَلَّيِّبٍ﴾ ((فيه أربعة تأويلات:
تأكلوا لأجل السرف، ولأجل المبادرة،
أحدها: الحرام بالحلال، وهو قول أو: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم،
مجاهد.
والثاني: هو أن يجعل الزائف بدل
الجيد، والمهزول بدل السمين وهو قول ابن
المسيب والزهري والضحاك والسدي.
والثالث: هو استعجال أكل الحرام قبل
إتیان الحلال، وهو معنی قول مجاهد.
والرابع: أن أهل الجاهلية كانوا لا یورثون
(٢)
الصغار والنساء ويأخذه الرجل)»
٠
وينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى
من غير حاجة ضرورية إسرافًا ويدارًا، أي:
مبادرة قبل بلوغهم.
قال تعالى: ﴿وَأَبْئَلُواْأَلْيَثَمَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَّ
وَلَا تَأْكُلُهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُّ ◌ِالْمَعْرُوفِ
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَهِمْ أَمْوَلَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمَّ وَكَفَى بِاللّهِ
(١) انظر: تفسير السمعاني ٣٩٥/١، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ١٨٢/٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص١٦٣.
(٢) النكت والعيون ١/ ٤٤٧.
وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل
أن يبلغوا فينتزعوها من أيدينا(٥).
وفي الجملة ففي الآية نهي للأغنياء من
الأولياء أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال
اليتامى شيئًا، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا
منها شيئًا بغير المعروف، کما أن قوله: ﴿وَلا
تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُواْ﴾ يدل على
أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافًا ومبادرة
لکېرهم.
وقد رخص القرآن الكريم للوصي أن
يأكل من مال اليتيم من غير إسراف ولا تبذير،
إن كان فقيرًا وقيد هذا الأكل بالمعروف،
فيجوز في حال الحاجة والاعتدال بمثابة
أجر له بقدر عمله و خدمته، فإن كان الوصي
غنيًّا فلا يأكل منه، وعليه أن يتعفف، وإن
كان فقيرًا محتاجًا فليأكل الوصي بالمعروف
شرعًا وعرفًا بلا إسراف ولا تبذير، قال عمر
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٢.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٤٥٣.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٤٩١.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الياء
رضي الله عنه: ((إني أنزلت نفسي من مال الناس، فلا يترفه بأموال اليتامى، ويبالغ في
الله (أي: مال الأمة) منزلة والي اليتيم، إن التنعم بالمأكول، والمشروب، والملبوس،
استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت
بالمعروف، فإذا أیسرت قضیت)»(١).
وهذا القول رجحه الإمام ابن جرير،
حيث قال: ((وأولى الأقوال في ذلك
بالصواب، قول من قال: المعروف الذي
عناه الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ
فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أكل مال اليتيم
عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه
الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه،
فغير جائز له أكله)»(٢).
وقال الإمام الشوكاني: ((واختلف أهل
العلم في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال
قوم: هو القرض إذا احتاج إليه ويقضي متى
أیسر الله علیه، وبه قال عمر بن الخطاب،
وابن عباس، وعبيدة السلماني، وابن
جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية،
والأوزاعي، وقال النخعي وعطاء والحسن
وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل
بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء، وهذا
بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير
مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض.
والمراد بالمعروف: المتعارف به بين
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم ٣٢٩١٤،
٦/ ٤٦٠، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم
٦،١١٠٠١/ ٧.
(٢) جامع البيان ٧/ ٥٩٣.
ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة،
والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام
القائمين بما يصلحهم، كالأب والجد
ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد
بالآية: اليتيم إن كان غنيًّا وَسِّعَ عليه وَعُفَّ
من ماله، وإن كان فقيرًا كان الإنفاق عليه
بقدر ما يحصل له))(٣).
﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلَيَسْتَعْفِفْ﴾ أي:
فليستعفف بماله عن مال اليتيم فإذا كان
الولي فقيرًا يأكل من مال اليتيم بقدر
الحاجة، وإلى هذا ذهب قوم من العلماء،
أن له أن یأکل بقدر ما يسد به الخلة، وقال
الشعبي وجماعة: يأكل من مال اليتيم على
سبیل القرض، وقال مجاهد: لا یأکل أصلًا،
لا قرضًا، ولا غیر قرض(٤).
والراجح: أن للولي أو الوصي إن كان
فقيرا أن يأكل بالمعروف بحسب العرف
والعادة في ذلك، أو على قدر نفعه ومثل
أجرته(٥).
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٩١/١.
(٤) انظر: تفسير السمعاني ٣٩٨/١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦/٧، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ١٧/٢، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٤٥٧.
٣٩٤
جوببية
القرآن الكريم

اليتم
خامسًا: اختبار اليتامى في حسن وأحسستم ووجدتم بمعنى واحد.
التصرف وإيتاؤهم أموالهم:
أمر الله تعالى الأولياء باختبار اليتامى في
حسن التصرف وإيتاؤهم أموالهم.
قال تعالى: ﴿وَأَبْثَلُواْ أَلْيَتَ حَفَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَّ
وَلَا تَأْكُلُهَاْ إِسْرَافًا وَيِدَارًا أَنْ يَكْبِرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِّ
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَتْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلهِ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
والمعنى: أيها الأولياء ابتلوا اليتامى إلى
ابتداء البلوغ وهو الحد الذي يبلغون فیه سن
النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدا
فادفعوا إليهم أموالهم، وإلا فاستمروا على
الابتلاء حتى تأنسوه منهم (١).
والابتلاء: هو الاختبار والامتحان،
وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد،
الممكن رشده شيئًا من ماله، ويتصرف فيه
التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده
من سفهه، فإن استمر غير محسن للتصرف
لم يدفع إليه ماله، بل هو باق علی سفهه، ولو
بلغ عمرًا كثيرًا، فإن تبين رشده وصلاحه في
ماله وبلغ النكاح ﴿فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾
كاملة موفرة وأشهدوا على ذلك أهل الثقة
والأمانة.
وقوله: ﴿،انَسْتُم﴾ أي: تبینتم وشاهدتم
(١) انظر: نظم الدرر ٤ / ١٨٨.
وفي هذه الآية يدعو سبحانه القومة على
اليتامى من أولياء وأوصياء أن يضعوهم
دائمًا تحت التجربة والاختبار؛ لسياسة
أموالهم، وتدبيرها بأنفسهم، وذلك بأن
يشركوهم معهم في بعض التصرفات،
ويطلعوهم على طرق الأخذ والعطاء بين
الناس، وذلك بتتبع أحوالهم في الاهتداء
إلى ضبط الأمور، وحسن التصرف في
الأموال وبتمرينهم على ما يليق بأحوالهم
حتى لا يجيء وقت بلوغهم إلا وقد صار
في قدرتهم أن يصرفوا أموالهم تصريفًا
حسنًا، فإن شاهدتم وأحسستم منهم رشدًا
أي: صلاحًا في عقولهم، وحفظًا لأموالهم،
فادفعوها إليهم من غير تأخير أو مماطلة (٢).
وفي آيات أخرى حتى يبلغ اليتيم الأشد.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِمِ إِلَّا
◌ِأَلَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَنِيمِ إِلَّا
يَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
◌ِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَثْرٌ
لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَدِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآَ
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِحَا كَنزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ ﴾
[الكهف: ٨٢].
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٦٤، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
٧٠٣/٢، التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٣/٣.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الياء
والمراد بالأشد في شأن اليتيم في هذه رُّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَقْوَُمِّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا
وَبِدَارًا أَنْ يَكْبُرُواْ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن
كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِلْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾
[النساء: ٦].
الآيات هو: بلوغ الحلم مع حسن التصرف،
وهو المبين في قوله تعالى: ﴿ وَآئلُواالینمَ
حَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُّدًا
قَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وبلوغ الحلم هو بلوغ النكاح، لكنه
مشروط بإیناس الرشد، فكم من كبير غير
رشيد ولا يحسن التصرف.
وهذا ما رجحه الإمام الشوكاني حيث
قال: ((والأولى في تحقيق بلوغ الأشد أنه
البلوغ إلی سن التکلیف مع إيناس الرشد،
وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكًا
مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه
والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في
﴿وَثَلُواْ الْيَثَمَ حََّ إِذَا بَلَغُوا
سورة النساء:
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَهُمْ﴾ فجعل بلوغ النكاح، وهو بلوغ سن
التكليف مقيدا بإيناس الرشد))(١).
وقال الإمام ابن العربي في أحكام قوله
تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]
(يعني: قوته، والأشد كما قلنا في القوة،
وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة
والتجربة، ولا بد من حصول الوجهين، فإن
الأشد هاهنا وقعت مطلقة، وجاء بيان اليتيم
في سورة النساء مقيدًا، قال تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ
اَلْيَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِنْهُمْ
فجمع بین قوة البدن ببلوغ النكاح، وبین
قوة المعرفة بإيناس الرشد، وعضد ذلك
المعنی فإنه لو اقتضت الآية تمكين اليتيم من
ماله قبل حصول المعرفة له وبعد حصول
قوة البدن لأذهبه في شهواته، وبقي صعلوكا
لا مال له، وخص اليتيم بهذا الشرط في هذا
الذكر لغفلة الناس عنه، وافتقاد الآباء لبنیھم،
فكان الإهمال لفقيد الأب أولى))(٢).
سادسًا: البلوغ في حق اليتيم:
البلوغ في حق اليتيم يكون بأحد الأمور
الآتية:
١. بلوغ الاحتلام، وهو أن يرى في منامه
ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون
منه الولد، وهذا النوع من البلوغ متفق
عليه بين العلماء ويشترك فيها الرجال
والنساء، وبهذا الاحتلام وبلوغه يزول
اسم الیتم عن الیتیم حقیقة، وذلك لما
رواه علي رضي الله عنه قال: حفظت
من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى
(١) فتح القدير ٢/ ٢٠٢.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ١٩٨/٣ - ١٩٩.
٣٩٦
القرآن الكريم

اليتيم
الليل)(١). وفي الحديث الآخر عن
عائشة وغيرها من الصحابة رضي الله
عنهم عن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي
حتی یحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ،
وعن المجنون حتى يفيق)(٢).
٢. الحيض والحبل ويختصان بالنساء،
فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن
الفرائض والأحكام تجب بهما (٣).
٣. السن الذي يعتبر في البلوغ: فهو أن إليه جمهور الفقهاء من أن البلوغ يكون
یستکمل خمس عشرة سنة عند جمهور
العلماء، وأخذوا ذلك من الحديث
الثابت في الصحيحين عن ابن عمر
رضي الله عنه، قال: عرضت على النبي
صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا
(١) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٢٨٧٣،
١١٥/٣، كتاب الوصايا، باب ما جاء متى
ينقطع اليتم.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠١٢٦١/٢،٧٦٠٩
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، رقم ٤٣٩٨،
١٣٩/٤، كتاب الحدود، باب في المجنون
يسرق أو يصيب حدًا، والترمذي في سننه،
١٤٢٣، ٣٢/٤، أبواب الحدود، باب ما جاء
فیمن لا يجب عليه الحد.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير
٢٢٦/٣، والألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٦٥٩/١،٣٥١٣
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٤/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ١٠/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٩/ ٤٩٧، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٣٤/٥.
ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت
عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة
فأجازني، فقال عمر بن عبد العزيز لما
بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين
الصغير والكبير (٤). وذهب الحنفية
والمالكية إلى أنه السن المعتبر في
البلوغ هو بلوغ ثماني عشر سنة للذكور
وسبعة عشرة للإناث(٥).
والراجح من هذه الأقوال هو: ما ذهب
بمضي خمس عشرة سنة، وهو الوقت الذي
يجب فيه على الأولياء أن يدفعوا إلى اليتيم
ماله، إلا أن يشعر الولي بأن اليتيم غير مؤهل
لتسلم المال بعد مضي خمس عشرة سنة،
فيمكن الانتظار به حتى يبلغ ثماني عشرة
سنة؛ عملًا بقول الحنفية والمالكية.
وقد أمر الله تعالى بتوثيق دفع مال
اليتيم إليه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ
أَمْوَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمَّ وَكَفَى بِاللّه حَسِيبًا
[النساء: ٦] (٦).
أي: فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء
إلى اليتامى أموالهم فأشهدوا عليهم بقبضها
وبراءة ذممكم منها، کی لا يكون بينكم نزاع.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٨/٢.
(٥) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١٩٨/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥/٥.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٢.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٢.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الياء
وهذا الإشهاد واجب عند الشافعية والمعقول أنَّ الأحوط هو الإشهاد)»(٢).
والمالكية، إذ أن تركه يؤدى إلى التخاصم
والتقاضي كما هو مشاهد، وجعله الحنفية
مندوبًا لا واجبًا(١).
ثم ختم الله تعالى هذه الآية بقوله:
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾: أي: وكفى الله رقيبًا
وشهيدًا عليكم يحاسبكم على ما تسرون
وما تعلنون، وقد جاء هذا بعد الأمر
عند دفع مال اليتيم إليه واجب، ويمكن بالإشهاد ليرشد المسلمين إلى أنَّ الإشهاد
وإن أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو
لا يسقط الحقَّ عند الله إذا كان الولي خائنًا،
فإنَّ الله لا يخفى عليه ما يخفى على الشهود
والراجح من هذه الأقوال: إن الإشهاد
كذلك توثيق هذا الدفع بكلِّ الوسائل
الممكنة وخاصة بالكتابة من خلال تحرير
اليتيم سندات استلام للمال وبحضور
الشهود؛ لأن ذلك أدعى لقطع الخصومات والحكام(٣).
والشكوك والدعاوى في المستقبل.
قال الإمام الرازي: ((واعلم أنَّ الأمة
مجمعة على أنَّ الوصي إذا دفع المال
إلى اليتيم بعد صيرورته بالغًا، فإنَّ الأولى
والأحوط أن يشهد عليه لوجوه:
أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض
المال کان أبعد من أن يدعي ما ليس له.
وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى
الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع
ماله إليه.
ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة
ساحته، فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول
التهمة عنه، فثبت بما ذكرنا من الإجماع
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١٤/٢،
النكت والعيون الماوردي ١/ ٤٥٥، تفسير
السمعاني ٣٩٩/١، الكشاف، الزمخشري
٤٧٦/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ١١.
(٢) مفاتيح الغيب ٩/ ٥٠٠
(٣) انظر: نظم الدرر ٤ /١٨٩، أضواء البيان،
الشنقيطي ٨/ ٥٦٤.
٣٩٨
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيمِ

اليتيم
نكاح يتامى النساء
بَيَّنَ القرآن الكريم أحكام نكاح يتامى
النساء في آيتين وهما:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواْ فِي
اَلْيَكَى فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ
وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَ
عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا
تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ
بِهِ، عَلِيمًا (٣)﴾ [النساء: ١٢٧].
ومعنى الآية: وإن خفتم يا أولياء اليتامى
أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، بإساءة
العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن
من الغريبات، فإنهن كثير، ولم يضيق الله
عليكم، فالآية للتحذير من التورط في الجور
والأمر بالاحتياط، وإنَّ في غيرهن متسعًا إلى
الأربع(١).
وقد ورد في تفسير هذه الآيات أحاديث
صحيحة منها ما رواه الإمام البخاري بسنده
عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن
قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
الْيَ﴾، قالت: (يا ابن أختي هذه اليتيمة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣١/٧، محاسن
التأويل، القاسمي ١٢/٣.
تكون في حجر وليها تشركه في ماله،
ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن
يتزوجها بغير أنْ يقسط في صداقها فيعطيها
مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنَّ إلَّا
أنْ يقسطوا إليهن. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن
في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب
لهم من النساء سواهن، قال عروة: قالت
عائشة: وإنَّ الناس استفتوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله
﴿ وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾، قالت عائشة:
وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا
کانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا
من رغبوا في ماله وجماله من پتامی النساء
إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنَّ إذا كنَّ
قليلات المال والجمال)(٢)(٣).
قال الإمام ابن كثير: ((والمقصود أن
الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له
تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره
الله أن يمهرها أسوة بأمثالها من النساء، فإن
لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد
وسَّعَ الله عز وجل، وهذا المعنى في الآية
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٥٧٤،
٦/ ٤٣، كتاب تفسير القرآن، باب (وإن
خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى)، ومسلم في
صحيحه، رقم ٣٠١٨، ٢٣١٣/٤، كتاب
التفسير، باب (وإن خفتم أن لا تقسطوا في
اليتامى).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٣.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الياء
الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون يحل له نكاحها، فيتزوجها لأجل مالها وهي
لا تعجبه كراهية أن يدخل غريب فيشاركه
في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص أن
تموت ویرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل
الله هذه الآية)) (٣).
٠
له فيها رغبة لدمامتها عنده أو فى نفس الأمر،
فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج
خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها،
کما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
في الآية، وهي قوله: ﴿فِ يَتَمَى النِّسَاءِ﴾
الآية، كان الرجل في الجاهلية تكون عنده
اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم
يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة
وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت
دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا
ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونھی عنه))(١).
فبين الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا
کانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها
ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا
كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال
تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال:
فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم
أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها
الأوفى من الصداق ويعطوها حقها، فنهوا
أنْينكحوهنَّ إلا أنْ يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن
أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا
ما طاب لهم من النساء سواهن (٢).
قال الحسن البصري: ((كان الرجل من
أهل الجاهلية يكون عنده الأيتام وفيهن من
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٦/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣١/٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٦/٢.
ومن خلال ما سبق من الآيات والأحاديث
وأقوال المفسرين يمكن تلخيص أحكام
نكاح یتامی النساء فيما يأتي:
١. لا يجوز نكاح اليتامى عند خوف عدم
العدل، بإجماع الفقهاء والمفسرين.
٢. يجوز نکاح یتامی النساء من وليها بمهر
مثلها وبأوفى صداقها مع العدل.
٣. لا يجوز عضل يتامى النساء من الزواج
بغير وليها إن كانت دميمة من أجل ألا
يخرج ميراثها لغير وليها.
٤. يعتبر في نكاح يتامى النساء ما يعتبر في
ذوات الأب من البلوغ والرضا على
الراجح من أقوال الفقهاء، ذهب مالك
والشافعي وجمهور العلماء إلى أن
ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر، لقوله
تعالى: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾،
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٧/٢،
تفسير السمعاني ٣٩٥/١، معالم التنزيل،
البغوي ٥٦٣/١، المحرر الوجيز، ابن عطية
٦/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٠٤، البحر
المحيط، أبو حيان ٣/ ٥٠٣، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣٧٦/٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢١٣/٥، أضواء البيان، الشنقيطي
٢٢١/١.
جَوَسُولَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٠٠

اليتم
والنساء اسم ينطلق على الكبار
كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا
يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء
والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال:
﴿فِ يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ والمراد به هناك:
اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي
الله عنها، فقد دخلت اليتيمة الكبيرة
في الآية، فلا تزوج إلا بإذنها، ولا تنكح
الصغیرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز
نكاحها، لكن لا تزوج إلا بإذنها (١).
٥. وإذا جاز له أن يتزوجها، فإما أن يلي
هو النكاح بنفسه، وإما أن يزوجه إياها
أخوها مثلًا إذا بلغت اليتيمة وأقسط
الولي في صداقها، جاز له أن يتزوجها،
ویکون ھو الناکح والمنکح، على ما
فسرته عائشة، وبه قال أبو حنيفة، أي أنه
یمکن انعقاد الزواج بعاقد واحد. وقال
زفر من الحنفية والشافعي: لا يجوز
له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو
يزوجها منه ولي لها غيره؛ لأن الولاية
شرط من شروط العقد، لقوله عليه
صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٧، تفسير
السمعاني ٣٩٥/١، معالم التنزيل، البغوي
٥٦٣/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/٢،
مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٤٠٤، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣٧٦/٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢١٣/٥.
عن عمران وعن عائشة: ((لا نكاح إلا
بولي وشاهدي عدل)» فتعديد الناكح
والمنكح والشهود واجب، أي: لا بد
من تعدد العاقد (٢). ويكون الراجح من
أقوال الفقهاء هو قول زفر من الحنفية
والشافعي؛ لوجاهة أدلتهما ولمصلحة
الیتیمة، فلا بد من تعدد العاقد في نكاح
اليتيمة من أجل أن لا تقع في ظلم أو
نقص في المهر.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٣١، التفسير
الوسيط، الواحدي ٧/٢، تفسير السمعاني
١/ ٣٩٥، معالم التنزيل، البغوي ١ / ٥٦٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٦/ ٤٠٤، البحر المحيط، أبو
حيان ٣/ ٥٠٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢١٣/٥.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الياء
حقوق اليتيم على المجتمع والدولة
إِنَّ الإسلام بمنهجه القويم وتشريعاته
الغراء وتوجيهاته السديدة، اعتنى عناية
فائقة باليتيم، فأمر بإكرامه ورعايته، وكفالته
والقيام بشؤونه، فأعاد له إنسانيته وكرامته،
وأمر بإيصال حقوقه من غیر مَنٍّ ولا أذىّ،
كما أمر بالقسط معه وعدم ظلمه، فحفظ
له حقوقه الشخصية مثل: حقوقه المتعلقة
بالولادة، وحقه في الحياة، وحقه في النسب
والرضاعة والوصاية، وحقه في الرحمة
والحب والإشباع العاطفي، وحقه في التربية
والتأديب والتعليم واللعب واللهو وغيرها
من الحقوق (١).
وكذلك حقوقه المدنية والمالية، كحقه
في النفقة والرعاية الصحية والعلاج، وحقه
في الجنسية الوطنية، وحقه في حمايته في
الحروب والكوارث وغيرها.
وقد اعتنى المسلمون أفرادًا وجماعات
بالأيتام، وقامت في بلاد المسلمين
مؤسسات ترعی شؤونهم عامة وتحضنهم،
وأمر من يقوم عليه بتربيته وتعليمه وبإشباعه
بالحب والعطف والحنان، كلَّ هذا أعاد
لليتيم وضعه اللائق به إنسانيًا(٢).
(١) انظر: حقوق اليتيم، تسنيم جمال استيتي
ص١.
(٢) انظر: حقوق اليتيم، تسنيم جمال استيتي
ص١.
وهذه الحقوق تتوزع بين المجتمع
المسلم والدولة على التفصيل الآتي:
أولًا: حقوق اليتيم على المجتمع:
يعتبر القيام برعاية اليتيم والمحافظة
على حقوقه وتوفيته إياها من مسؤوليات
المجتمع المسلم کله في أي زمان وفي أي
مكان، وهو فرض كفاية على الأمة، فإن
ترکت الأمة كفالة الیتامی أثمت جميعها.
ولقد جند الإسلام المسلمين جميعًا
للقيام بحقوق اليتامى والتقرب إلى الله
تعالى بالعطف عليهم.
وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
قال تعالى:
بِه شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاُلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَالْجَارِ الْجُنُّبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
مَن كَانَ مُخْتَالً فَخُورًا (٦)﴾ [النساء: ٣٦].
◌َّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ
وقوله تعالى:
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ
وَالنَّبِْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ
وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ
فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ
الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
Wy
٤٠٢
جوسين
القرآن الكريم

اليتم
[البقرة: ١٧٧].
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ
قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
وَالْيَ وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ
خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقوله عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ
[الإنسان: ٨] وقوله
مِسْكِينًا وَينِمًا وَأَسِيرًا ()﴾
جل شأنه: ﴿وَإِذَا حَضَّرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ
وَالْيَمَ وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ
◌َهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
ويلاحظ من خلال الآيات السابقات
أن الخطاب للجماعة والمجتمع المسلم
بلفظ الجمع بالقيام بحقوق اليتيم، مما
يدلُّ على المسؤولية الجماعية في الإسلام،
فالمجتمع كله مسؤول عن حقوق اليتامى
والضعفاء (١).
والأساس الذي يقوم عليه وجوب
حق الأيتام هو الإجماع، وقال إمام
الحرمين: «وأجمع المسلمون أجمعون
على أنه إذا اتفق في الزمان مضيعون فقراء
مملقون تعين على الأغنياء أن يسعوا في
کفایتهم»(٢).
وقال الإمام أحمد بن تيمية: ((فعلى
المسلمين جميعًا أن يطعموا الجائع ويكسوا
(١) انظر: آداب معاملة اليتيم، محمد مجاهد
طبل، ومحمد بن إبراهيم ص ١٥.
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني
ص٢٥٩.
العاري ولا یدعوا بینھم محتاجًا)»(٣).
ثانيًا: حقوق اليتيم على الدولة:
إنّ رعاية الدولة الإسلامية لليتامى من
الواجبات الشرعية التي تقوم من أجلها
الدول، فيجب على الدول القيام بحقوق
اليتامى ورعايتهم والإحسان إليهم ودمجهم
في المجتمع، وتوفير فرص العمل لهم بعد
تأهيلهم في جميع جوانب الحياة، ويدلُّ
على هذا أن المولى جلت قدرته جعل
للأيتام نصيبًا في الخمس من الغنائم.
قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن
شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ
ءَامَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ
يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
[الأنفال: ٤١].
أما حصتهم من الفيء فهو عام، فتؤخذ
من مجمله لا من خمس الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْبَشَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَنَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ
اَلْأَغْنِيِّ مِنَكُمْ وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اَلْمِقَابِ ﴾ [الحشر: ٧].
والغنائم والفيء لا يحصلان إلا بوجود
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٥٧٦.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الياء
دولة، ولهذا كان الواجب عليها القيام
بحقوقهم ورعايتهم وتنشئتهم وإعدادهم
إعدادًا جيدًا؛ ليخوضوا غمار الحياة بشجاعة
وقوة، مثلهم مثل بقية المواطنين.
فإنَّ الدولة معنية بإقامة مؤسسات عامة
لكفالة الأيتام، مزودة بأفضل وأحدث
وسائل الرعاية والحضانة والتربية والتعليم،
يشرف عليها مربون ومربیات متخصصون
من الحائزين على المؤهلات التعليمية
والتربوية العالية، وذلك لتهيئة وسط
اجتماعي وتعليمي وتربوي مليء بالدفء
والحنان في جوِّ أسريٍّ تعويضيٍّ مناسب.
وينبغي على المجتمعات والدول
الإسلامية أن لا تترك اليتامى حتى تأتي
المؤسسات الأجنبية التي ترعى وتقدم
الدعم لرعاية الأيتام؛ لأن تلك المؤسسات
قد تحمل في طياتها غایات كثيرة قد تكون
منها ما لا ينسجم مع أصولنا الإسلامية،
واليتيم طفل من أبناء المسلمين يحتاج إلى
من يتحدث إليه ویشکو إليه مشکلاته، وما
يدور في مشاعره وآماله وآلامه، متأملاً أنْ
يجد صدورًا رحيمة وقلوبًا عامرة برحمة
الله والإيمان به؛ ولأن في ذلك ضررًا على
هؤلاء اليتامى فيتربوا على المبادئ الغربية
ويشعروا بأن الغرب يقدم لهم الرعاية أفضل
من المسلمین، مما قد يؤدي بهم إلى اعتناق
المبادئ والأفكار الغربية المتعارضة مع
الدين الإسلاميِّ الحنيف.
إنَّ الأساس الذي قام علیه وجوب حقٌّ
اليتامى على الدولة الإسلامية هو ما رواه
البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من
مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة،
اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فأيما مؤمن مات
وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك
دينا أو ضياعا، فليأتني فأنا مولاه)(١).
وكذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي
نفس محمد بيده، إنْ على الأرض من مؤمن
إلا أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دينا،
أو ضياعا فأنا مولاه، وأيكم ترك مالا، فإلى
العصبة من كان)(٢).
والمراد: بمن ترك (ضياعًا)، أي: عيالًا
محتاجين يضيعون إن تركوا(٣).
قال الإمام النووي معناه: ((أنا قائم
بمصالحکم في حياة أحدكم وموته، وأنا
وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٢٣٩٩،
١١٨/٣، كتاب في الاستقراض وأداء الديون
والحجر والتفليس، باب الصلاة على من ترك
دینا.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٦١٩،
١٢٣٧/٣، كتاب المساقاة، باب من ترك مالا
فلور ثته.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ٦١/٥.
٤٠٤
جوبي
القرآن الكريم