Indexed OCR Text

Pages 21-40

الوهن
وقال: ﴿سَأُلْقِى فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُّواْ اللّهُ
كُلَّ بَنَانٍ
وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣].
ومن صور كيد الكافرين بالمؤمنين:
السعي في فتنتهم إما بقتل أو حرق أو قتل
أبنائهم، أو اضطهادهم وصرفهم عن دينهم،
وخديعتهم إما بالتظاهر أنهم يريدون لهم
الخير، أو بغير ذلك من صور الخداع التي
يهدفون من ورائها إلى إيقاع الضرر وإرادة
السوء بالمؤمنین، وخيانتهم بأي صورة من
صور الخيانة. وهكذا كلّ تدبير يجتهدون فيه
لإيقاع الضرر بالمؤمنين (١).
والله تعالی بین في کتابه أنه موهن کید
الكافرين، ومبطل عملهم فقال: ﴿وَيُرِيدُ
اللّهُ أَن يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ
لِيُحِقَّ لَلْفَقَّ وَيُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ
٧
الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧-٨].
وقال: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السَّحْرٌ إِنَّ
اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهُ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴾
[يونس: ٨١].
﴿أَمْ أَبْرَّمُوْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾
وقال تعالى:
[الزخرف: ٧٩].
قال الزجاج ((أي: أم أحكموا عند أنفسهم
(١) انظر: الكيد في القرآن الكريم، يحيى محمد
یحیی، ١١.
أمرًا من كيد أو شر ﴿فَإِنَا مُبْرِمُونَ﴾ محكمون
مجازاتهم»(٢).
ومن صور توهين الله كيد الكافرين ما
ذكره الواحدي: ((وتوهينه كيدهم يكون
بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم،
وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم،
ونقض ما أبرموا باختلاف عزائمهم)» (٣).
ومنها أيضًا: ((إغراء العداوة والبغضاء
بينهم، وتفريق كلمتهم، وتسليط بعضهم
على بعض، وكشف كيدهم للمؤمنين.
وتوهين كيد الكائدين، يستلزم توهين
قلوبهم، فيثبط عزائمهم، ويقذف الرعب
في قلوبهم، ويضعف قوتهم، ومن إضعاف
قوتهم: إلحاق الهزيمة بهم، وجعل الدائرة
عليهم، وتمكين المؤمنين منهم)) (٤).
ومن الصور التي بينتها سورة الأنفال في
توهین الله کید الکافرین(٥).
دفع المشركين إلى المواجهة في بدر؛
لتحيق الهزيمة بهم، فَيَهِنْ أمرهم، قال
تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِنَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ،
وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَنَّ وَبُبْطِلَ
الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧-٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ
(٢) معاني القرآن ٤ / ٤٢٠.
(٣) التفسير البسيط ٧٤/١٠.
(٤) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي
ص٦٥.
(٥) المصدر السابق ٦٣ - ٦٤.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الواو
فِي الْمِيعَدِّ وَلَكِن لِّيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولًا ﴾ [الأنفال: ٤٢].
وإلقاء الرعب في قلوبهم، قال
تعالى: ﴿سَأَلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢].
وإعجازهم عن أن يستأصلوا شأفة
المسلمين رغم قلة عددهم وضعفهم أيام
كانوا في مكة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ
أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ
يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ،
وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الأنفال: ٢٦].
وإعجازهم أن ينالوا من الرسول صلى
الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ
◌ِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُّرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾
[الأنفال: ٣٠].
وتحسيرهم على ما ينفقونه من أموال
في كيدهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُنُفِقُّونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
أثر الوهن في الأفراد والأمم
للوهن كثير من الآثار في الأفراد وفي
الأمم، ومن ذلك:
أولًا: ترك الجهاد والرضا بالذلِّ:
بينت الآيات التي نهى الله فيها المؤمنين
عن الوقوع في الوهن، أنَّ أثر ذلك هو ترك
الجهاد، والرضا بالقعود، والانقلاب على
الأعقاب.
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّإِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ
عَلَ أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
اَللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ
١٤٤
وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا
مُؤَجَّلَاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْزِى
الشَّكِينَ () وَكَيِّن مِّن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُقُواْ
وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٤- ١٤٦].
قال السعدي: ((﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ﴾ بترك ما جاءكم من
إيمان أو جهاد، أو غير ذلك»(١).
وفي التفسير القرآني للقرآن: ((حين
مال المشركون على المسلمين يوم أحد،
وأخذوهم بسيوفهم وسهامهم، وسقط
(١) تيسير الكريم الرحمن ١٥٠.
٣٠٦
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريم

الوهن
شهداؤهم الذين كانوا إلى جوار رسول نفت الآية عن الربيين هذا الأثر، وحذرت
المؤمنین منه.
الله تنادی المشرکون أن محمدًا قتل !! کان
لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمین،
فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع كثير منهم
تحت وطأة الحزن والکمد، فهام على وجهه
يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق؛
إذ كانوا -وهم يعلمون أن محمدًا ميت
وأنهم میتون- غیر مستعدين، نفسيًّا، وهم
في معمعة المعركة، ووجودهم کله مستغرق
فيها- كانوا غير مستعدين أن يتلقوا هذه
الصدمة المزلزلة، وأن يصدقوها، وإن كانت
حقًّا، لا یمترون فیه ولا یشکون!))(١).
وقوله: ﴿وَكَيِّنِ مِن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ يبين أن
الربيين لم يصبهم الوهن بمصابهم في سبيل
الله، بل صبروا وجاهدوا. قال الماوردي:
((الوهن: الانكسار بالخوف، والضعف:
نقصان القوة، والاستكانة: الخضوع،
ومعناه: فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا
بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع)»(٢).
﴿وَمَا
وقال ابن كثير: ((وقال ابن عباس
أَسْتَكَانُواْ﴾ تخشعوا. وقال السدي وابن
زيد: وما ذلوا لعدوهم))(٣).
فهذا يبين أن أثر الوهن هو الاستكانة
والخضوع والمذلة للأعداء، ولذلك
(١) عبد الكريم الخطيب ٦٠٦/٢.
(٢) النكت والعيون، الماوردي ٤٢٨/١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣١/٢.
وجاء في الحديث بيان أن ترك الجهاد
والتهاون في إقامة الدين يؤدي بالمسلمين
إلى المذلة، وهي مظهر من مظاهر الغثائية:
(لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر،
وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلةً في
رقابکم، لا تنفك عنکم حتی تتوبوا إلى الله،
وترجعوا على ما كنتم عليه) (٤).
قال الشوكاني: ((وسبب هذا الذل -والله
أعلم- أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله
الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كلِّ
دین، عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة،
فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن
كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز
مكان»(٥).
وهناك العديد من الآيات الكريمة
التي تبين هذا الأثر، ومن ذلك قوله:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ
لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِّ
أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ
فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ اَلْأَخِرَةِ إِلَّا
(٤) أخرجه أبو داوود من حديث ابن عمر، رقم
٣٤٦٢، أبواب الإجارة، باب في النهي عن
العينة، وأخرجه أحمد واللفظ له، رقم ٥٠٠٧،
وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث
الصحيحة، رقم ١،١١ / ٤٢.
(٥) نيل الأوطار ٢٤٦/٥.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الواو
• [التوبة: ٣٨].
قَلِيلُ
قال ابن عاشور: ((التثاقل: تكلف الثقل،
أي: إظهار أنه ثقيل لا يستطيع النهوض.
والثقل حالة في الجسم تقتضي شدة تطلبه؛
للنزول إلى أسفل، وعسر انتقاله، وهو
مستعمل هنا في البطء مجازًا مرسلًا، وفيه
تعريض بأن بطأهم ليس عن عجز، ولكنه
عن تعلق بالإقامة في بلادهم وأموالهم))(١).
وقوله عن المنافقين: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ
مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧].
وقوله: ﴿فَرِعَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ
خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَفِرُواْ فِى الْخَرِّ﴾
[التوبة: ٨١].
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّقِ
فَأَقْعُدُ وإِمَعَ الْخَلِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣].
فكلّ هذه تبين أثر الوهن الذي تمكن من
القلوب، فثبطها عن النهوض إلى الطاعة،
وحال بينها وبين المسارعة في الخيرات.
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ لَا طَاقَةً لَّنَا
أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهٍّ، قَالَ الَّذِينَ
يَظُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةِ
قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ
الصَّبِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
((فالفئة الواهنة ادعت أنها لا تطيق
مواجهة جالوت، فردت عليها الفئة المؤمنة
(١) التحرير والتنوير ١٠/ ١٩٧.
مبينة لها أن ذلك وهن، وعليهم أن يؤمنوا
بالله ويصبروا، فهم يطيقون المواجهة
ولكنهم وهنوا)»(٢).
ثانيًا: الشح بالمال:
قال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَّدْعُوْاْ إِلَى السَّمِ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ
إِنَّمَا الْمَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوْ وَإِن تُؤْمِنُواْ
٣٥
وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلَكُمْ أَتَوَلَكُمْ
إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ
أَضْفَنَّكُمْ مَأَنتُمْ هَؤُلَاءَ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلَ وَمَن يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُرُ
اَلْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا
يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥-٣٨].
فالآيات تنهى المؤمنين عن الوهن
ومسالمة الأعداء، فهم الأعلون والله معهم،
وأجورهم غير منقوصة، فکیف یھنون؟! ثم
بينت لهم أن الحياة الدنيا التي هي سبب
وهن القلوب إنما هي لعب ولهو. ثم بينت
لهم أن من يبخل بالنفقة في سبيل الله فإنما
يبخل عن نفسه، فالبخل سببه حبُّ الدنيا
والتعلق بها، وذلك يوهن القلب، ويجعله
یشح بالإنفاق في سبيل الله.
وهذا ما بينته آيات التغابن: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوْلَدِ كُمْ
(٢) من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم،
عبد المجيد الغيلي ٤٩.
٣٠٨
مَنْشِبَرُ النَّفِيَدْ
جوسين
القرآن الكريم

الوهن
عَدُؤَالَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره
الله عز وجل في جميع مواطن الخير))(٢).
وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إِنَّمَا
فواهن القلب لا يزال يدفعه ما في قلبه
من وهن وضعف وفتور إلى التأخر عن
الطاعات والتثاقل عنها، حتى يغلب عليه
الكسل عن العبادة، وقد ذمَّ الله المنافقين
بالتكاسل عن الصلاة فقال: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى
الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢].
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ
فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ
١٥
وَأَنْفِقُواْ خَيْرًّا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُخَ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٦ إِن تُقْرِضُوا
اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّا يُضَوِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ
شَكُرُ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤ - ١٧].
فبینت للمؤمنين أن الأموال والأولاد إذا
أعاقوا الإنسان عن الإنفاق والطاعة، ففتر
قلبه عن المسارعة في الخيرات، فإنما هم
عدوٌّ له.
ثالثًا: الفتور عن الطاعة:
ومن آثار الوهن في الفرد هو فتوره
عن الطاعة، وتأخره عنها، فالقرآن الكريم
دعا المؤمنين إلى المسارعة في الخيرات،
ومدحهم بذلك، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ [الأنبياء: ٩٩].
والواهن لا يسارع في الخيرات بل
یتقاعس عنها، كما ورد في الحديث: (لا
يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)(١).
قال ابن عثيمين: ((ولا شك أن التأخر عن
الصلاة أشد من التأخر عن الصف الأول،
وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عوَّد
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري،
رقم ٤٣٨، كتاب الصلاة، باب تسوية
الصفوف.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ
و قوله:
كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤].
قال الواحدي: ((أي: متثاقلين
متباطئين))(٣).
وقال الخليل: ((الكسل: التثاقل عما لا
ينبغي)) (٤).
وقال ابن عاشور: ((الكسل: الفتور في
الأفعال لسآمة أو كراهية، والكسل في
الصلاة مؤذن بقلة اكتراث المصلي بها
وزهده في فعلها، فلذلك كان من شيم
المنافقين))(٥).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن
عثيمين ١٣/ ٥٤.
(٣) التفسير البسيط ٧/ ١٦٠.
(٤) العين، مادة: ك س ل ٥/ ٣١٠. وتابعه جمهور
اللغويين، ولفظه عند الأزهري في تهذيب
اللغة، مادة: ك س ل ٣٧/١٠: «الكسل:
التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه))، وانظر:
المفردات، الراغب، مادة: ك س ل ٧١١،
وبصائر ذوي التمییز، للفيروز آبادي ٣٥٢/٤.
(٥) التحرير والتنوير ٢٣٩/٥.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الواو
ثالثًا: غثائية الأمة:
يبين الرسول صلى الله عليه وسلم
أثر الوهن في الأمم، فيقول: (يوشك
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة
إلى قصعتها)، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن
يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم
غثاءٌ كغثاء السيل، ولینزعنَّ الله من صدور
عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في
قلوبكم الوهن)، فقال قائل: يا رسول الله،
وما الوهن؟ قال: (حبُّ الدنيا، وكراهية
الموت)(١).
فذكر أهم آثار الوهن في الأمم، وهي:
ضعف الأمة مما ينتج عنه تداعي الأمم عليها
والغثائية التي تعيشها الأمة، ونزع مهابة الأمة
من صدور أعدائها.
قال في عون المعبود: ((غثاء السيل: ما
يحمله السيل من زيد ووسخ، شبههم به؛
لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم»(٢).
وقال البيضاوي: ((والمعنى: ولكنكم
تكونون متفرقين، ضعيفي الحال، خفيفي
العقل، دنيئي القدر، كغثاء السيل)»(٣).
وقال الزجاج ((الغثاء: الهالك البالي من
ورق الشجر الذي إذا خرج السيل رأيته
مخالطًا زبده))(٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) محمد أشرف بن أمير ١١/ ٢٧٣.
(٣) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة ٣١٣/٣.
(٤) لسان العرب، ابن منظور، مادة: غ ث !
جوبيـ
القرآن الكريمِ
وأبرز مظاهر غثائية الأمة: تفرقها
وضعف أمرها، وهو ما جاء النهي عنه في
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
((وعوامل القوة في الأمة تكمن في
اجتماع كلمتها، ووحدة صفها، وإقامتها
للدين، وأمرها بالمعروف ونهيها عن
المنكر، ونصرتها للحق، ودفاعها عن
المظلوم، وأخذها على يد الظالم، واهتمامها
بمعالي الأمور، ومسارعتها في الخيرات
والطاعات، وشدة بأسها، وأخذهم بقوة
لكل أسباب القوة.
وبهذه العوامل تكون الأمة قوية، مرفوعة
الجبين، مرهوبة الجانب، يهابها أعداؤها،
ويخضعون لها. فإذا دبَّ الوهن في أمة
من الأمم، فإن الوهن ينخر في كل عوامل
القوة، فيتبعثر الصف، وتتفرق الكلمة،
وتتنافر القلوب، ويتثاقل الناس عن الجهاد،
بل يعيبون المجاهدين فيهم، ويتخلون
عن مقتضيات القيام بالدين، فيتقاعسون
عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ويفترون عن نصرة الحق وأهله؛ فيعود
الدین غريبًا.
فالصلوات تضيع، والشهوات تتبع،
والمنكرات تبتدع، وينتشر الظلم، ويضعف
أهل الحق، ويستشري اليأس في النفوس،
٣١٠
٠١١٦/١٥

الوهن
ويستعذب الناس حياض الذل، ويرتعون في
مستنقعات الهوان، ویغلب عليهم الاهتمام
بسفاسف الأمور، ويغطون في ظلمات
الجهل، ويتخلون عن حمل الأمانة، وتتمزق
الأواصر، وتهتري الأخلاق. وبذلك تصبح
أمة (غثائية)»(١).
وقد سمى القرآن الكريم هذه الحالة
(ذهاب الربح)، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[الأنفال: ٤٦].
قال ابن كثير في تفسير: ﴿وَتَذْهَبَ
ځگ﴾: «أي: قوتکم وحدتکم وما كنتم فيه
من الإقبال))(٢).
وقال أبو السعود: «أي: تذهب دولتكم
وشو کتکم، فإنها مستعارة للدولة من حیث
إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في
هبوبها وجريانها))(٣).
وفي حديث رسول الله صلى الله الله في قلوبكم الوهن)، وسببه حبُّ الدنيا
علیه وسلم السابق تفسیر لذهاب الريح،
(ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة
منكم).
رابعًا: تداعي الأمم عليها:
جاء في عون المعبود: ((التداعي:
(١) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي
٧٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٢/٤.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥/٤.
الاجتماع، ودعاء البعض بعضًا، والمراد من
الأمم: فرق الكفر والضلالة (إلى قصعتها)
الضمير للأكلة، أي: التي يتناولون منها بلا
مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوًا وصفوًا،
کذلك يأخذون ما في أیدیکم بلا تعب
ینالهم أو ضرر یلحقهم أو بأس یمنعهم، قاله
القاري.
قال في المجمع: أي: يقرب أنَّ فرق
الكفر وأمم الضلالة أن تداعى عليكم، أي:
يدعو بعضهم بعضًا إلى الاجتماع؛ لقتالكم
وكسر شوكتكم؛ ليغلبوا على ما ملكتموها
من الديار، كما أن الفئة الآكلة يتداعى
بعضهم بعضًا إلى قصعتهم التي يتناولونها
من غير مانع، فيأكلونها صفوًا من غير
تعب))(٤).
ویبین الحدیث أنَّ الأمم لا تتداعى على
الأمة إلا بعدوهن قلوبها، كما قال: (وليقذفنَّ
وكراهية الموت. وقد بَيِّنَ القرآن الكريم أنَّ
الكافرين لا يتمكنون من المؤمنين إلا في
حال غفلتهم، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَيْكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ
فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ وَحِدَةً ﴾ [النساء: ١٠٢].
قال ابن عاشور: ((وقوله: ﴿وَدَّ أَلَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ إلخ، ودهم هذا معروف؛ إذ هو
شأن كلِّ محارب، فليس ذلك المعنى
(٤) محمد أشرف بن أمير ١١/ ٢٧٣.
www. modoee.com
٣١١

حرف الواو
المعروف هو المقصود من الآية، إنما
المقصود أنهم ودوا ودًّا مستقربًا عندهم؛
لظنهم أنَّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم
يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم؛ جهلًا من
المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم
الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله
المؤمنين إلى ذلك كيلا يكونوا عند ظنٍّ
المشركين، وليعودهم بالأخذ بالحزم في
کل الأمور، ولیریھم أنَّ صلاح الدين والدنيا
صنوان))(١).
علاج الوهن
أرشد القرآن الكريم المؤمنين إلى العلاج
الشافي من هذا الداء، وتبين الآيات الواردة
في سورة آل عمران وغیرها من السور کثیرًا
من مكونات هذا العلاج. ومن ذلك:
أولًا: الإيمان بالقدر:
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ
عَلَى أَعْقَِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ
وهذا يوضحه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا
١٤٤
أَصَلِبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَّهَا قُلْتُمْ أَنَ
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:
١٦٥].
وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اُلّهِ كِنَبًا
مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ مِنْهَا
وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْزِى
الشَّكِرِينَ (١٥) وَكَأَيِّن مِّن نَّبِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ
أي: ((قلتم: من أين لنا هذا الخذلان
ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟
كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ
لهم ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ لأنكم تركتم وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ (١٥) وَمَا كَانَ
قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
المركز فخذلتم)»(٢).
فِىّ أَمْرِنَا وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلىَ أَلْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ ث ◌َانَهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ
ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٤٤-١٤٨].
وقال السعدي: ((﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾ أي:
من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ ﴿قُلْ هُوَّ
مِنْ عِندِ آَنفُسِكُمْ ﴾ حین تنازعتم وعصیتم من
بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم
باللوم، واحذروا من الأسباب المردية)»(٣).
قال الواحدي: ((﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن
تَمُوتَ﴾ أي: ما كانت نفسٌ لتموت ﴿إِلَّا
پإذْنِ اللهِ ﴾ بقضائه وقدره، کتب الله ذلك
﴿كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾ إلى أجله الذي قدر له فلم
(١) التحرير والتنوير ١٨٧/٥.
(٢) تفسير الجلالين ٩٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ١٥٦.
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣١٢

الوهن
انهزمتم؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة)»(١).
وجاء فى التفسير البسيط (٢): ((وقال ابن
الأنباري: عاتب الله تعالى بهذا المنهزمين
يوم أحد؛ رغبةً في الدنيا، وضنا بالحياة،
وأخبرهم أن الحياة (لا تزيد) ولا تنقص،
وأن الموت بأجل عنده، لا يتقدم ولا يتأخر».
وقال ابن كثير (٣): ((وهذه الآية فيها
تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن
الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا
یزید فیه)».
وهذا المعنى أكدته سورة آل عمران
في أكثر من موضع، كقوله: ﴿قُل لَّوْ كُمْفِى
بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ أَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى
مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقوله: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُوَأْ وَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ
يُحِ، وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وَلَيْن
قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ
وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ () وَلَيْن مُتُّمْ أَوْ
قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ مُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٦ -
١٥٨].
وفي سورة النساء: ﴿ أَيْنَمَاتَكُونُواْ يُدْرِكُمُ
اَلْمَوْتُ وَلَوْ كُنُمْ فِي بُرُوجٍ مُسَّيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
(١) التفسير الوجيز ٢٣٥.
(٢) الواحدي ٦/ ٤٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٩/٢.
فالقتال لن يقدم في الأجل، وتركه لن
يؤخر في الأجل، فالموت والحياة بإذن
الله، ولن ينفع الفارُّ فراره، كما قال تعالى:
﴿قُلِ لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ لِن فَرَّتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ
اٌلْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦].
ثانيًا: فقه سنن الله:
قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى
١٣٧
الْمَكَّذِّبِينَ
وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ()
إن
يَمْسَسْكُمْ فَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْحٌ مِّثْلُهُ:
وَِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاَللَّهُ لَا
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، وَلِيُمَحِّصَ اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ (٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٧-١٤٢].
تبين هذه الآيات للمؤمنين أنَّ لله سنتًا،
كمداولة الأیام بین الناس، وابتلاء المؤمنین،
وفتنة الكافرين، وعلى المسلمين السير
في الأرض والتفقه في سنن الله، وعدم
الاستسلام لعوامل الوهن، فإنَّ التبصر
في سنن الله يساعدهم على تجاوز آثار
الهزيمة، والتغلب على الحزن الذي استبد
بهم، ويقوي عزائمهم، ويرفع من الهمم.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الواو
قال السعدي: ((فما يصيبكم من الألم المؤمنون من المنافقين، فيعلمهم علم رؤية
ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه،
وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا
عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على
المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسّ.
سنن الله وحكمته
ـبيـ
التي تتحدث عنها هذه الآيات:
((فجمع لهم في هذا الخطاب بين
تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم
وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم
الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم
فقال: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
فَرْعٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم
في الرجاء والثواب، كما قال: ﴿إِن تَكُونُواْ
تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ
مِنَ اْللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح
والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان،
وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا
بين الناس، وأنها عرض حاضر، يقسمها
دولًا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة،
فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين
آمنوا. ثم ذکر حکمة أخرى، وهي أن یتمیز
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه
سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من
عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها،
وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ینیلهم درجة
الشهادة.
ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك
اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو
تنقیتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات
النفوس، وأيضًا فإنه خلصهم، ومخَّصهم
من المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل
لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم،
وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو
عدوهم.
ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين
بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم
حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون
الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه،
وإنَّ هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه
وحسبه، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
أي: ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه
(١) تيسير الكريم الرحمن ١٩٩.
مُؤَ الَرُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
٣١٤
والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب
أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية
والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف
منهم، وأنتم وإياهم قد تساویتم فیما یوجب
ذلك»(١).
قال ابن القيم مبينا

المهن
وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُونَ
لو وقع لعلمه فجازاكم علیه بالجنة، فیکون
الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ
العلم، فإنَّ الله لا يجزي العبد على مجرد
علمه فيه دون أن يقع معلومه.
أُ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ
٢٤٩
رَبَنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبْتَ أَقْدَامَنَا
وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة:
٢٤٩ - ٢٥٠].
ثمَّ وبخهم علی ھزیمتهم من أمر كانوا
يتمنونه ويودون لقاءه. فقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ
تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوَهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].
قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالی
على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من
الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالًا
یستشهدون فیه، فیلحقون إخوانهم، فأراهم
الله ذلك يوم أحد وسببه لهم، فلم يلبثوا
أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران:
١٤٣]»(١).
ثالثًا: الصبر:
تربط الآيات التي تحذر المؤمنين من
الوهن بينه وبين الصبر، حيث تبين لهم
أن الصبر سلاح قوي يتسلح به المؤمن،
فیعصمه الله من الوهن، قال تعالى: ﴿ وَکَیِن
مِّن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا
أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الَّهِ وَمَا ضَعُفُواْوَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ
يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
(١) زاد المعاد ٢٠١،١٩٩/٣.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
وقال تعالى:
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦].
قال سيد قطب ((إن المؤمنين يحتملون
الألم والقرح في المعركة، ولكنهم ليسوا
وحدهم الذین یحتملونه، إنَّ أعداءهم كذلك
يتألمون وينالهم القرح واللأواء، فإذا أصرَّ
الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن
يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار
آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما
ينالهم من آلام !! وما أجدرهم كذلك أن لا
يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال،
وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة،
وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وإنَّ
هذا لهو فضل العقيدة في الله في كلِّ كفاح.
فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة
على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال،
ويحتاج القلب البشري إلی مدد فائض وإلى
زاد)»(٢).
(٢) في ظلال القرآن ٧٥٠/٢.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الواو
وفي سورة آل عمران يبين الحقُّ تعالى وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
أنَّ صبر المؤمنين وتقواهم يحقق لهم أربعة الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
أَذَّى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ
أمور (١):
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
﴿وَإِن
الأول: إبطال كيد أعدائهم، فقال:
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾
[آل عمران: ١٢٠].
قال القرطبي (٢): ((﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾
أي: على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة
المؤمنين ﴿وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ
شَيْئًا﴾، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر
والتقوى، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية
لنفوسهم».
الثاني: الفوز بنصر الله، فقال:
بل إن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل
عمران: ١٢٥].
«قال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم
أحد وعدهم الله المدد إن صبروا، فلم
يصبروا فلم يمدوا))(٣). وقال السعدي:
((وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط
الله له الصبر والتقوى)) (٤).
الثالث: التغلب على آثار الهزيمة
النفسية، فقال: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
(١) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي
١١٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /١٨٣.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٥٠٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ١٤٦، بتصرف.
فالتغلب على آثار البلاء، وعلى حرب
المشركين الإعلامية، إنما يكون بالصبر
والتقوى. قال ابن عثيمين: ((أي: إن الذي
يصبر على أذى الناس، ويحتملهم ويغفر
لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن
ذلك ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. أي:
من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى
مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى
الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز
وجل ویسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها
أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة
الله عز وجل، والجهاد في سبيله، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان
یثاب علی ذلك من وجهين: الوجه الأول:
من الأذية التي تحصل له. والوجه الثاني:
صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله
من أجلها))(٥).
الرابع: الفلاح في الدنيا والآخرة،
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل
عمران: ٢٠٠].
قال البقاعي: «أي: لیکون حالكم حال
(٥) شرح رياض الصالحين ١/ ١٨٢.
٣١٦
القرآن الكريمِ

المهن
من یرجی فلاحه وظفره بما يريد من النصر
على الأعداء والفوز بعيش الشهداء))(١).
رابعًا: اجتناب الحزن والخوف:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُّم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ
عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ
أُخْرَانِكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِّكَيْلَا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا
أَصَبَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل
عمران: ١٥٣].
((ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا
عنه أو منفيًّا، وسر ذلك أن الحزن موقف
غير مسر، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب
شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد؛ ليقطعه
عن سيره، ویوقفه عن سلوكه، فالحزن ليس
بمطلوب، ولا مقصود، ولا فيه فائدة، وقد
استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
(اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن)(٢).
فهو قرين الهمِّ، والفرق بينهما أنَّ
المكروه الذي يرد على القلب، إن كان لما
يستقبل أورثه الهمّ، وإن كان لما مضى أورثه
الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير،
(١) نظم الدرر ١٦٩/٥.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك،
رقم ٢٨٩٣، كتاب الجهاد والسير، باب من
غزا بصبي للخدمة.
(٣)
مفتر للعزم)»
و((الإيمان بالقدر فيه راحة النفس
والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم
الغمِّ والهمِّ لما يستقبل، قال تعالى: ﴿مَا
أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا
فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اَللَّهِ يَسِيرٌ ) لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا
تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَّنكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ -
٢٣]. والذي لا يؤمن بالقدر لا شكَّ أنه
سوف یتضجر عند المصائب ویندم، ويفتح
الشیطان له کلَّ باب، وأنه سوف یفرح ويبطر
ويغتر إذا أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر
يمنع هذا كله)) (٤).
ويبين قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ ﴿ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَتُنَ
١٧٠
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١].
أن طريق المؤمنين في اجتناب الحزن أن
يحتسبوا تضحياتهم، ويثقوا أنها محفوظة
لهم عند ربهم، ومن قتل منهمٍ فلن يضيع
عمله، وعليهم ألا يحسبوا أنَّ القتلى في
سبيل الله أمواتًا، بل هم أحياء عند ربهم
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥٠١.
(٤) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد
صالح العثيمين ٢/ ٨٦.
www. modoee.com
٣١٧

حرف الواو
يرزقون، وأن يوقنوا أن ما عند الله خير لهم ثم أخذ هذا الموقف المتخاذل توعده بغضب
من الله، وبعذاب أليم في نار جهنم))(٢).
وأبقى (١).
ومن تدبير الإسلام في علاج الحزن
والخوف:
((أولًا: هوَّنَ على المؤمنين خطب
الموت، وذلك بإيمانهم بالحياة الآخرة
إيمانًا يشعرون معه أنَّ الموت ليس إلا انتقالًا
من عالم إلی عالم أرحب وأفسح، ومن هنا
فلا ينظرون إلى الموت على أنه فناء أبدي
للمیت، وضیاع لا نهائي لمن يموت، كما
ينظر إلى ذلك الذين لا يؤمنون بالله واليوم
الآخر.
وثانيًا: أنه وعد المؤمنين المجاهدين في
سبيل الله درجات عالية عند الله سبحانه،
حيث ينزلون منازل الأنبياء والصديقين،
وإنما تتجلى طاعة الله ورسوله على أتمِّ
وجه وأکمله في ميدان الجهاد في سبيل الله.
وثالثًا: أنه توعد الذين ينتظمون في
صفوف المجاهدين، ثمَّ إذا التحم القتال،
وتساقطت الرؤوس، وتناثرت الأشلاء،
وسالت الدماء ركبهم الفزع، واستبدَّ بهم
الجزع، والتمسوا وجوه النجاة في الفرار
من الميدان، أو النكوص على الأعقاب،
أو الدعوة إلى السلم والاستسلام، توعد
الإسلام من كان في المجاهدين المقاتلين،
(١) الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي
١٠٨.
خامسًا: التوكل على الله:
قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَّابِفَتَانِ مِنكُمْ
أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَأْ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ
١٢٢
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٢
تبین الآيات أنَّ التوكل على الله، یحول
بين المؤمنين وأن يقعوا في الوهن، فولاية
هاتين الطائفتين لله وتوكلهما عليه، جَنَبْتُهُمَا
الفشل، وهو الجبن والخور والرعب. قال
البيضاوي: ((﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
أي: فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره؛
لينصرهم كما نصرهم بيدر))(٣).
قال البغوي: ((﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ
مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ أي: تجبنا وتضعفا
وتتخلفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج
وينو حارثة من الأوس، وكانا جناحي
العسكر، وذلك أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل،
وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلًا، فلمَّا
بلغوا الشوط انسحب عبد الله بن أبي بثلث
الناس ورجع في ثلاثمائة، وقال: علام
نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
الخطيب ٣٨١/١٣، وما بعدها، بتصرف.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٦/٢.
٣١٨
جوسين
القرآن الكريم

الوهن
السُّلَمي، فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من
أنفسكم، فقال عبد الله بن آبي: لو نعلم قتالًا
لاتبعناکم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة
بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم
الله، فلم ینصرفوا فذکرهم الله عظیم نعمته،
فقال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ
أَنْ تَفْشَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ناصرهما وحافظهما
وَعَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكَل
الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدوً
وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة
الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو
الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم
مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات
إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع
ضرًّا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى،
والكلّ منه وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل
ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن
ذلك الاسم»(٢).
عن الانصراف من القتال،
اُلْمُؤْمِنُونَ﴾))(١).
وقال القرطبي: ((والتوكل في اللغة:
إظهار العجز والاعتماد على الغير. واختلف
العلماء في حقیقة التوگُّل، فسئل عنه سهل بن
عبد الله فقال: قالت فرقة: الرضا بالضمان،
وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم:
التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب
الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب
زال عنه اسم التوقُّل. قال سهل: من قال:
إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن
الله عز وجل يقول: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَيِّمْتُمْ حَلَلًا
طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. فالغنيمة اكتساب.
وقال تعالى: ﴿فَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ
مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، فهذا
عمل. وقال غيره: وهذا قول عامة الفقهاء،
وأنَّ التوُّل على الله هو الثقة بالله والإيقان
بأن قضاءه ماضٍ، واتباع سنة نبيه صلى الله
(١) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥٠٠.
قال ابن رجب: «وتحقيق التوگُّلِ لا ينافي
السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه
المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه
بذلك، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب
مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب
بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه
إيمان به، كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ خُذُ واْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ
فِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ ﴾ [الجمعة:
١٠]» (٣) .
وقال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ١٩٠.
(٣) جامع العلوم والحكم ٤٩٨/٢.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الواو
لَكُمّْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا أَلَّذِى يَنصُرُكُمْ
مِّنْ بَعْدِهِهُ وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل
عمران: ١٦٠].
قال أبو السعود: ((تقديم الجار والمجرور
على الفعل؛ لإفادة قصره عليه تعالى، والفاء؛
لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما مرَّ من غلبة
المخاطبين على تقدير نصرته تعالى لهم،
ومغلوبیتهم علی تقدیر خذلانه تعالی إیاهم،
فإنَّ العلم بذلك مما يقتضي قصر التوكل
علیه تعالى لا محالة، والمراد بالمؤمنين إما
الجنس، والمخاطبون داخلون فيه دخولًا
أوليًّا، وإما هم خاصة بطريق الالتفات. وأيا
ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الإيمان
اشتراكًا أو استقلالًا، وفيه تعليل لتحتم
التوكل عليه تعالى، فإن وصف الإيمان مما
يوجبه قطعًا))(١).
سادسًا: الجهاد بالنفس والمال:
جاء في الحديث: (لئن تركتم الجهاد،
وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة،
ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم، لا تنفك
عنکم حتی تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما
كنتم عليه)(٢).
فيبين أن التوبة إلى الله بالرجوع إلى
الجهاد، وإقامة الدين، وعدم مخالفة الله
ورسوله، هو الطريق لنزع الذلِّ من الرقاب.
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٠٥/٢.
(٢) سبق تخريجه.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَ كُزْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ وَعَسَقٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ
الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَذُّ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبِرُ عِندَ اللَّهَّ وَالْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُكُمْ
عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَمُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ
مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة:
٢١٦-٢١٧].
جاء فى فتاوى الشيخ ابن باز: («الواجب
على المسلمين أن يطالبوا بالقدس، وأن
يردوها إلى أهلها، وأن يجتهدوا في ذلك؛
لأن أهلها مظلومون، ونصر المظلوم لازم
وواجب، ولأن القدس للمسلمين وليست
للكفار، فيجب أن ترد إلى أهلها، فالرسول
عليه السلام يقول: (انصر أخاك ظالما أو
مظلومًا)(٣).
فهؤلاء مظلومون ونصرهم واجب،
والظالم نصره منعه من الظلم، فالواجب
(٣) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك،
رقم ٢٤٤٣، كتاب المظالم والغصب، باب
أعن أخاك ظالما أو مظلومًا، ومسلم من
حديث جابر بن عبد الله، رقم ٢٥٨٤، كتاب
البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا.
٣٢٠
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الوهن
على الدول الإسلامية أن ينصروا المظلوم، والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع
عنهم به شرٌّ أعدائهم، وتعلم الرمي،
والشجاعة والتدبير.
وأن يستعيدوا هذه البلاد، وأن يفعلوا مع
ذلك ما يلزمهم من طاعة الله ورسوله،
والاستقامة على دين الله ورسوله، حتى
يعانوا، وحتى يوفقوا لما أرادوا من الخير،
وحتى تحصل لهم النصرة من ربهم عز
وجل، وتسهيل أمورهم وإجلاء الأعداء،
وتمكين المسلمين من استرداد حقهم
السليب)»(١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
سَبَقُوَاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ وَأَعِدُّواْ لَهُم
مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩-٦٠].
قال السعدي: «﴿وَأَعِدُواْ ﴾ لأعدائكم
الكفار الساعین في هلاککم وإبطال دینکم.
﴿مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما تقدرون
عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع
الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم،
فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل
فيها أصناف الأسلحة، والآلات من المدافع
والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية،
والمراكب البرية والبحرية، والحصون
والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي
(١) فتاوى نور على الدرب ٢٥٢/١٨.
ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب
المحتاج إليها عند القتال. وهذه العلة
موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب
الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان
شيء موجود أکثر إرهابًا منها، كالسيارات
البرية والهوائية، المعدة للقتال التى تكون
النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد
بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم
توجد إلا بتعلم الصناعة، وجب ذلك؛ لأن
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. ﴿وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعَلَمُونَهُمُ﴾ ممن سيقاتلونكم
بعد هذا الوقت الذي یخاطبهم الله به،
﴿اَللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ فلذلك أمرهم بالاستعداد
لهم. ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك
النفقات المالية في جهاد الكفار.
ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك: ﴿وَمَا
تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قليلًا كان
أو كثيرًا ﴿يُوَنَّ إِلَيْكُمْ﴾ أجره يوم القيامة
مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في
سبيل الله، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى
أضعاف كثيرة. ﴿وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾، أي:
www. modoee.com
٣٢١

حرف الواو
لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا»(١).
وقد جعل الله الإنفاق في سبيل الله من
الجهاد، وفي القرآن الكريم غالبًا ما يقترن
الجهاد بالنفس مع المال، قال ابن باز: «قدم
الله سبحانه الجهاد بالمال على الجهاد
بالنفس في غالب الآيات. فالمقصود أن
الجهاد في سبيل الله له شأن عظيم، فهو
بالمال أفضل في بعض الوجوه، وبالنفس
أفضل في بعض الوجوه؛ فالنفس أغلى شيء
عند الإنسان، فالجهاد بالنفس هذا أفضل
الجهاد؛ لأنه مجاهد بنفسه، لكن قدم الله
المال؛ لأن المال ينفع في جهات كثيرة،
يستطاع أن يستأجر به المجاهد، ويستطاع
أن يجهز به المجاهد، ويستطاع أن يشترى
به السلاح، ويشترى به الطعام والشراب،
وتشترى به الكسوة، وتشترى به المئونة
والذخيرة، فنفع المال متنوع)»(٢).
ومن العلاج أيضًا: تعبئة الأمة بروح
الجهاد، وبث حياة العزة والكرامة في
أوصالها، حتی لا یدب إليها الوهن. وقد أمر
الله رسوله بالتحريض على القتال، فقال:
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ
إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنَّ
وَإِن يَكُن مِنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٤.
(٢) فتاوى نور على الدرب ٢٦٤/١٨.
الْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفَاً
فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَ إِن
يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُ وَاَللَّهُ
مَعَ الصَّيِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٥ -٦٦].
قال أبو السعود(٣): ((أي: بالغ في حثهم
عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور
المرغبة، التي أعظمها تذكير وعده تعالى
بالنصر وحکمه بکفایته تعالی أو بکفایتهم».
(ولا بد من إذكاء الروح الجهادية في
النفوس، وتبصير القاصي والداني من أبناء
الأمة بأهمية الجهاد في سبيل الله، وبأنه
طريق العزة، وطريق الأمة في تحرير نفسها
وأرضها ومقدساتها)» (٤).
سابعًا: طاعة الله ورسوله:
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِبِحُكْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهُ
مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥- ٦
فجعل طاعة الله ورسوله من العلاجات
التي تقي المؤمنين من الانزلاق إلى
الوهن، والتنازع، والفشل. قال السعدي:
((﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في استعمال ما أمرا
به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٣٤.
(٤) الوهن كما حددته السنة وأثره في تخلف
الأمة، د. هاني طعيمات ص ٦٣٠.
٣٢٢
شَةُ النفسية
القرآن الكريمِ

المهن
﴿وَلَا تَنَزَعُواْ﴾ تنازعًا يوجب تشتت القلوب
وتفرقها، ﴿فَنَفْشَلُواْ﴾ أي: تجبنوا ﴿وَذْهَبَ
ريجكر﴾ أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم،
ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله
ورسوله))(١).
وفي التفسير الحديث: ((في الآيات
نداء موجه للمسلمين يؤمرون به بالثبات
في القتال حينما يلتحمون مع فئة من
أعدائهم ويلقونها، وبذكر الله كثيرًا آنذاك،
حيث يضمن لهم ذلك الروحانية والتأييد
والفلاح،. ويحثون به على طاعة الله
ورسوله في كل موقف ويحذرون به من
التنازع والاختلاف؛ لأن فيهما فشلهم
وإدبار أمرهم، ويؤمرون فيه بالصبر؛ لأن
ذلك يضمن لهم نصر الله وتأييده، وینهون
به عن أن يكونوا مثل الكفار الذين خرجوا
من مكة يملؤهم الفخر والزهو والبطر وحبُّ
التظاهر، وهم يصدون عن سبيل الله، والله
محيط بهم ومحبط لأعمالهم»(٢).
وطاعة الله ورسوله هي عاصم الأمة من
التفرق، وطريقها إلى الوحدة القائمة على
هوية دينها، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوّا
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن
تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُتُؤْمِنُونَ
بَِللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٢.
(٢) التفسير الحديث، محمد عزت ٦٦/٧.
[النساء: ٥٩].
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
وقال تعالى:
جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَّكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
قال سيد قطب: «وأما طاعة الله ورسوله،
فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين
لله ابتداء، فتبطل أسباب النزاع التي
أعقبت الأمر بالطاعة: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فما يتنازع الناس إلا حين
تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين
يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء
والأفكار.
فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى
السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما
اختلفت وجهات النظر في المسألة
المعروضة-، فليس الذي يثير النزاع هو
اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى
الذي يجعل كلَّ صاحب وجهة يصر عليها
مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو
وضع (الذات) في كفة، والحق في كفة
وترجيح الذات على الحق ابتداء! ومن ثم
هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة
إنه من عمليات (الضبط) التي لا بد منها في
المعركة، إنها طاعة القيادة العليا فيها، التي
تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها. وهي
طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الواو
في الجیوش التي لا تجاهد لله، ولا يقوم
ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلاً
والمسافة كبيرة كبيرة» (١).
فلن يوحد أمة الإسلام إلا طاعة الله
ورسوله، والاعتصام بحبل الله، فتربطهم
رابطة الدين، وينتمون إليه، وليس إلى
عصبيات أو لغات أو أعراق، ويوالون
بعضهم بعضًا، كما أمرهم ربهم فقال:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضِ
يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنِكِّرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللّهُ﴾
[التوبة: ٧١].
ويجتنبون موالاة اليهود والنصارى، التي
تمزقهم وتفرقهم وتوهنهم، كما قال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَّجْعَلُوا لِلَّهِ
عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤].
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُّهُودَ
وَالنَّصَرَبِ أَوْلِيَّةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوَلَُّم
مِنَكُمْ فَإِنَّهُ, مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّلِينَ﴾
[المائدة: ٥١].
موضوعات ذات صلة:
الحزن، الذل، الضعف، العزم، القوة
(١) في ظلال القرآن ١٥٢٨/٣.
٣٢٤
جوسين
القرآن الكريم