Indexed OCR Text

Pages 21-33

الوسطية
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ
أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٨].
قال الطبري: ((يا أيها الذين آمنوا بالله
وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم
وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في
أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في
أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت
لكم في أعدائکم لعدواتھم لکم، ولا
تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي
وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن
انتهوا في جمیعھم إلی حدي، واعملوا فيه
بأمري»(١).
فقد نهي الله سبحانه عن ترك الطيبات
تنسكًا وعبادة، وطلب عدم تجاوز الحد
إلى الإسراف الضار بالجسد، والإسراف
الضار بالمال، وطلب عدم الاسترسال في
الشهوات من مطعم ومشرب وغيرهما،
حتى لا تكون اللذات هي السهم الأکبر في
الحياة، فإن للمؤمن في الحياة قصدًا أسمى
هو العلم والمعرفة والعبادة، والإحسان إلى
الناس، والنفع العام للجماعة، وإذا كانت
اللذات مشغولاً بها إلى حد البحث والطلب
وقد بين الله تعالى ذلك فقال تعالى:
(١) جامع البيان ١٠/ ٩٥.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ
اُللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[المائدة: ٨٧].
(٨٧
قال الزمخشري: ((لا تمنعوها أنفسكم
کمنع التحریم، أو لا تقولوا: حرمناها على
أنفسنا، مبالغة منكم في العزم على تركها
تزهدًا منكم وتقشفًا))(٢).
وفي هذه الآية ردّ على من حرم زينة الله
التي أخرجها لعباده، فإن التحريم والتحليل
حق الله لا يشاركه أحد فيه، قال المراغي:
«بعد أن مدح سبحانه النصارى بأنهم أقرب
الناس مودة للمؤمنين، وذكر من أسباب ذلك
أن منهم قسيسين ورهبانًا، ظن المؤمنون أن
في هذا ترغيبًا في الرهبانية، وظن الميالون
للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله،
ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من
الطعام واللباس والنساء، إما دائما كامتناع
الرهبان من الزواج، وإما في أوقات معينة
کأنواع الصیام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا
الظن وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهى
الصريح)»(٣).
كما أمر الله عز وجل بالتوسط حتى
في المأكل والمشرب وعدم المغالاة في
﴿﴿ يَفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِنْدَ
والانتظار والألم عند فقدها كان ذلك صارفًا ذلك فقال:
عن المقاصد السامية للمؤمن.
كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
(٢) الكشاف ١/ ٦٧٠.
(٣) نظم الدرر ٧ / ٩.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الواو
الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال ابن عاشور: ((والإسراف تجاوز
الحد المتعارف في الشيء أي: ولا تسرفوا
في الأكل بكثرة أكل اللحوم والدسم؛ لأن
ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه
أمراض معضلة))(١).
كما أظهر القرآن منهج الوسطية وعد
المغالاة في المعاملات المالية أمرًا مذمومًا.
قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ,
وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ إِنَّ
اٌلْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٦ -٢٧].
قال السعدي: ((﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ
الشَّيَاطِينِ﴾ لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى
كل خصلة ذميمة فيدعو الإنسان إلى البخل
والإمساك، فإذا عصاه دعاه إلى الإسراف
والتبذير، والله تعالى إنما يأمر بأعدل الأمور
وأقسطها، ويمدح عليه))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَّةٌ
إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا
تَحْسُورًا ﴾ [الإسراء: ٢٩].
قال الزمخشري: ((هذا تمثيلٌ لمنع
الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد
الذي هو بين الإسراف والتقتير ﴿فَنَفْعُدَ
مَلُومًا﴾ فتصير ملومًا عند الله؛ لأن المسرف
غير مرضي عنده وعند الناس، يقول
المحتاج: أعطى فلانًا وحرمني، ويقول
المستغني: ما يحسن تدبير أمر المعيشة))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُوْلَمْ يُسْرِقُواْ
وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾
[الفرقان:٦٧].
يقول سيد قطب: ((وهذه سمة الإسلام
التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات،
ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه
كله على التوازن والاعتدال، والمسلم مع
اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة
ليس حرًا في إنفاق أمواله الخاصة كما
يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي،
وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي
حياتها في كل ميدان، إنما هو مقيد بالتوسط
في الأمرين الإسراف والتقتير، فالإسراف
مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير
مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به
وانتفاع الجماعة من حوله، فالمال أداة
اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية،
والإسراف والتقتير يحدثان اختلالًا في
المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي،
وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله
إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد
القلوب والأخلاق)) (٤)
(١) التحرير والتنوير ٨ /٩٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤٥٦.
(٣) الكشاف ٢/ ٦٦٢.
(٤) في ظلال القرآن ٢٥٧٩/٥.
١٠٤
مَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ

الوسطية
وأما في معاملات الزواج والطلاق
فکان المنهج الوسطي بارزًا بروز الشمس
في رابعة النهار، فلقد حث الإسلام على
الزواج ورغب فيه، وذلك حفاظًا على
النوع البشري، وقد ذكر القرآن الكريم
أسس هذا الاختيار.
يقول تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ
بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ
يَنَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:٢١].
فأسس هذه العلاقة قائمة على السكن
والمودة والرحمة.
كذلك وضع لنا الشرع الحكيم
صفات الزوجة الصالحة، فقال صلى الله
عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها
ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات
الدین تربت يداك)(١).
عند غير المسلمين منهم من لا يتزوج
كالنصارى الذين ابتدعوا الرهبانية، ومنهم
من يتجاوز حدود شرع الله، فيقع بالإباحية
بانتهاك الحرمات وضياع الأنساب.
يقول تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا
كَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلََّ آبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَارَعَوْهَا
حَقَّ رِعَايَتِهَا فَشَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الأكفاء في الدين، ١٩٨٥/٥، رقم
٥٠٩٠.
كذلك وضع الشرع الحكيم صفات
الزوج الصالح، فيقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم (إذا جاءكم من ترضون
دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في
الأرض وفساد عريض)(٢).
هذه الأسس في اختيار الزوج الصالح
غير متوفرة في الأمم غير الإسلامية، فاختيار
الزوج يكون فقط للمتعة الجنسية، دون
مراعاة تلك الضوابط والأسس التي وضعها
الشرع الحكيم.
خامسًا: الوسطية في التشريع :
جاء الإسلام وسطًا في التحليل
والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في
التحريم، وكثرت فيها المحرمات مما
حرمه إسرائيل على نفسه، ومما حرمه الله
على اليهود جزاء بغيهم وظلمهم قال تعالى:
﴿فَيُظُلٍِّ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ
أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ؟
١٦٠
[النساء: ١٦٠].
وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة
حتى أحلت الأشياء المنصوص على
تحريمها في التوراة.
فالإسلام قد أحل وحرم، ولكنه لم يجعل
التحليل والتحريم من حق بشر، بل هو
(٢) أخرجه الترمذي في صحيحه، كتاب النكاح،
باب إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه،
٣٩٥/٣، رقم ١٠٨٤.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الواو
من حق الله وحده، ولم يحرم إلا الخبيث قال الزمخشري: ((أي: لا يكلفها إلا ما يتسع
الضار، كما لم يحل إلا الطيب النافع.
وفي التشريع الإسلامي موازنة دقيقة بین
التكليف وبين الاستطاعة، فلا يكلف الله
نفسًا إلا وسعها، والمشقة تجلب التيسير،
والضرورات تبيح المحظورات.
ولقد وردت آيات كثيرة تبين أن الله لا
يكلف نفسًا فوق طاقتها، ولا يكلف نفسًا إلا
وسعها وقدرتها، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنْهَا﴾
[الطلاق: ٧].
وقال أيضًا: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[البقرة: ٢٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِّ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[الأنعام: ١٥٢].
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
وقال:
الصَّلِحَتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآَ﴾
[الأعراف: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وَلَدَيِّنَاْ كِتَبُ يَطِقُ بِالْحَقِ﴾ [المؤمنون: ٦٢].
قال الطبري: ((يعني بذلك جل ثناؤه: لا
يكلف الله نفسًا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا
يضيق عليها ولا يجهدها)) (١) فهناك تكليف
وأمر بالتعبد، لكن في حدود الوسع والطاقة،
(١) جامع البيان ١٢٩/٦.
فيه طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة
والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته
كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأنه كان
في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر
من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج
أكثر من حجة)»(٢).
وخلاصة القول: إن هذه الآيات تقرر
منهج الوسطية في التكليف، فهناك أوامر
ونواه، ولكنها في حدود الوسع، وعدم
المشقة، وليس فيها تضييق وعسر وإحراج.
ولقد ظلمت بنو إسرائيل نفسها وبغت،
فشدد الله علیھم.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ
◌ُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ
١٤٦
[الأنعام: ١٤٦].
قال المراغي: ((أي: إنما حرم الله ذلك
عليهم عقوبة بغيهم فشدد عليهم بذلك)) (٣).
وقال ابن عاشور: ((والمقصود من ذكر
هذا الأخير: أن يظهر للمشركين أن ما
حرموه ليس من تشريع الله في الحال، ولا
(٢) الكشاف ١/ ٣٣٢.
(٣) نظم الدرر ٨/ ٥٩.
١٠٦
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ

الوسطية
فیما مضى، فهو ضلال بحت)) (١).
ولقد امتن الله على هذه الأمة في الكتاب
العزيز بأن وضع عنها الإصر والأغلال التي
كانت على من قبلها، ولم يحملها ما حمل
من قبلها، فكان ذلك مظهرًا من مظاهر
وسطية هذا الدين.
قال تعالى: ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيْبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
[الأعراف: ١٥٧].
قال الطبري: ويضع النبي الأمي العهد
الذي كان قد أخذه الله على بني إسرائيل،
من إقامة التوراة والعمل بما فيها من الأعمال
الشديدة، کقطع الجلد من البول، وتحريم
الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت
عليهم مفروضةً، فنسخها حكم القرآن(٢).
وتظهر وسطية التشريع في بيان كفارة
الیمین.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ.
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَّبَةٍ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاءٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٨٩].
(١) التحرير والتنوير ١٤٢/٨.
(٢) جامع البيان ١٦٨/١٣ بتصرف.
والوسطية في هذه الآية من ثلاثة وجوه:
١. إن إطعام المساكين يراعى منه نوعية
الطعام أو الكسوة الوسط، وجعل
المقیاس الذي يرجع إليه في اختيار هذا
الوسط إطعام الرجل لأهله أو كسوتهم،
فينظر في ذلك ويخرج الوسط منه.
٢. إنه جعل الكفارة تدور على أحد ثلاثة
أمور: إما الإطعام، أو الكسوة، أو
الإعتاق، والحالف مخير بينها دون
إلزام بواحد منها، وهذا فيه من التوسعة
والتيسير ما لا يخفى.
٣. إذا لم يجد الحالف أو لم يستطع
على أي نوع من هذه الثلاثة انتقل إلى
الصيام، وهذه رحمة من الله وتوسعة
على عباده.
وبهذا اجتمعت أطراف الوسطية في هذه
القضية، وهي قضية جزئية يسيرة، فلا شك
أن ما كان أعلى منها وأشد كلفة تكون مراعاة
الوسطیة فیه من باب أولى؛ لأن الله غني عنا
وعن أعمالنا، ولكن التشريع ميدان للامتحان
(٣)
والابتلاء، والله بنا رؤوف رحيم"
(٣) انظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم، ناصر
العمر، ص ١٩٧.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الواو
أثر الوسطية على الفرد والمجتمع
إن المجتمع الصالح يتكون من الأفراد
الصالحين، ويصلاح الفرد صلاح للأمة
والدولة والمجتمع، فإذا ما صلح المجتمع
سادت السكينة والمودة والمحبة وشعر
الناس بنعمة الإخاء الإيماني، وانطلقوا
يبحثون عن موارد الرزق، وترقي الأحوال،
وتجنب المفاسد والمضار.
وإذا كان هناك شيء من التكاليف
الشاقة للأفراد، واختل ميزان الحق والعدل
والتوسط في الأمور، وانعدمت الحريات
التي هي تعبير عن الوسطية، وقع المجتمع
فريسة الأمراض الفتاكة، والانحرافات
القاتلة، فتأتي الوسطية بآفاقها البعيدة، فهي
إيجابية النفع، فتكاد السلبيات أو الأخطاء
تنعدم، أو تكون في طريقها إلى الذوبان
والنسيان.
وذلك لما تفرزه من آثار اجتماعية
ملموسة من إشاعة المحبة، وتنامى المودة،
والابتعاد عن التعصب، والأحقاد، وتوافر
الثقة للآخرين وإحسان التعامل معهم،
وصارت أحوال الأسرة والمجتمع في
طمأنينة وشعور بالاستقرار، وتفرغ للإنجاز
والعطاء، والتزام الحق والعدل، والبعد
عن الشر والفتنة والفساد في الأرض؛ فما
من مشكلة اجتماعية تثور إلا وكان سببها
شذوذًا في التخطيط والعمل، أو انحرافًا عن
المقصد الشريف.
أما حال الوسطية فتكون من أهم
الأسباب الداعية إلى الاستقرار والوئام،
وإسعاد الفرد والجماعة، وتقدم المدنية
وازدهار الحضارة (١).
ويظهر أثر الوسطية في الخطاب الديني
على الفرد والمجتمع فيما يأتي:
١. انتشار التقارب والتعايش بين الناس:
فالوسطية مطلوبة في الخطاب الديني
بعيدًا عن التشدد والغلو وتحريض
الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم
خاطب جميع الفئات وعاش معها،
فعاش في مكة مع الكفار، وكذلك في
المدينة أبرم عهدًا مع اليهود، وتعايش
معهم تحت سقف دولة واحدة.
٢. نبذ العصبية والدعوة إلى الحوار وتقبل
الآخر: فهذا الأمر مطلوب بين التيارات
والجماعات والفئات الإسلامية لجمع
کلمتهم وتوحيد صفهم، وقد نبذ
الرسول العصبية القبلية الضيقة حيث
قال لأبي ذر رضي الله عنه: (إنك امرؤ
فيك جاهلية)(٢) ولقددعا الرسول صلى
(١) انظر: مجلة الوعي الكويتية، مقال لوهبة
الزحيلي ٣٢/٥٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر
صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، ١٥/١، رقم
١٠٨
جوي
القرآن الكريمِ

الوسطية
الله عليه وسلم إلى الحوار كما حصل
مع اليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ
اَلْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمُ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ،
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٦٤]. قال
الرازي: (واعلم أن النبي صلی الله علیه
وسلم لما أورد على نصارى نجران
أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى
المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا
الصغار بأداء الجزية، وقد كان عليه
السلام حريصًا على إيمانهم، فكأنه
تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج
من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد
كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام
مبني على الإنصاف وترك الجدال))(١)،
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم
يستخدم الحجة والبرهان في الخطاب،
وكذلك اللين والرحمة شعاره: (بل
أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من
یعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)(٢).
٣. التعايش السلمي داخل المجتمع
٣٠.
(١) مفاتيح الغيب ٢٥١/٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي،
باب لعن الله من ذبح لغير الله، ٨٥/٦، رقم
٥١٦٨.
المسلم: فالوسطية في الخطاب الديني
تنشر المحبة بين المجتمع والطوائف
المختلفة تحت شعار: (لا يؤمن
أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)(٣)، ولكن النجاح في ذلك لا
يكون إلا بالرجوع إلى مرجعٍ أصيل
ألا وهو الكتاب والسنة، تحت هذا
الدستور الواضح البين الصالح إلى
قيام الساعة القائم على منهج الوسطية.
٤. ترشيد الخطاب الديني: وهو المبتغى
تحقيقًا لشعار يسروا ولا تعسروا و
بشروا ولا تنفروا، ومن ثم يتم قبول
الخطاب من الناس، ويترجم إلى
عمل بعيدًا عن المناكفات المذهبية
والطائفية، ويبدأ الناس بداية جادة
بالبحث عن الخير للبشرية جمعاء.
٥. انتشار القيم والمبادئ العظيمة الداعية
إلى التسامح، وحب الخير للآخرين،
ونشر ثقافة التسامح ونبذ الأحقاد
والغل فيما بيننا مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَاَ
إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
٦. انتشار الأمن والأمان بين المجتمع، إذ
إن محاربة الأفكار الهدامة الداعية إلى
الإخلال بالأمن والسلم المجتمعي
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، ١٢/١، رقم ١٣.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الواو
مطلب لبقاء البشرية، ومطلب للبناء
والتعمير للأرض، ونشر الدين وتعليم
البشرية دين ربها تعالى، حيث شدد
الرسول صلى الله عليه وسلم على
عدم إيواء المحدث فقال: (من أحدث
فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين) (١)،
وكذلك جعل في الإسلام حد
الحرابة للمفسدين في الأرض قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّاوُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا
أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُوْ أَوْ تُقَطَّعَ
أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَفٍ أَوْ
يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ
فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(٣)) [المائدة: ٣٣].
٧. التكافل الاجتماعي والتراحم بين
المجتمعات على اختلاف مذاهبها
ومشاربها الفقهية والطائفية؛ فبالخطاب
الديني المعتدل الوسطي المنهج
ينتشر التعايش بين الناس والتراحم
والتعاطف، فكل واحد يسعى إلى
الأجر والمثوبة من الله، وتقدیم ید
المساعدة للآخرين اقتداء بنبينا صلى
الله عليه وسلم؛ فإذا التزم الناس
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب تحريم المدينة وفضلها، ١١٦/٤، رقم
٠٣٣٠٩
والدعاة وأصحاب الخطاب الديني
بما سبق كان أدعى للناس إلى التطبيق
والتنفيذ ونشر الخير بين الناس. (٢).
(٢) انظر: الوسطية في الخطاب الديني وأثره على
المجتمع، عبدالسلام حمود غالب، ص ٧.
١١٠
جُوبُوبَةُ النَّقْتَبَ
القرآن الكريمِ

الوسطية
الأمة الوسط
لقد امتن الله على أمة الإسلام بجعلها أمة
وسطًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
ولقد اختلف مفهوم الوسط عند أهل
اللغة والمفسرين اختلاف تنوع وليس
تضاد، ونعرض مفهوم الأمة الوسط، وبيان
أثرها بين الأمم، وذلك فيما يأتي.
أولًا: مفهوم الأمة الوسط:
تميزت الأمة الإسلامية بخاصية منفردة
لم تكن لأمة من الأمم السابقة، وهي ميزة
الوسطية التي جعلها الله خصيصة لأمة
محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن
الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْشُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فأمة الوسط هي المقياس الشرعي
الدقيق، والصفة القرآنية الجليلة، والمصطلح
القرآني الهام، والذي لم يعد في هذا الزمان
يحظى بتلك الأهمية في حياة الناس، إذ
اختلط أمره على الكثيرين، بل وأفسد معناه
الكثيرون، فأخرج البعض مضامينه الحقيقية
منه، وأدخلوا إليه مضامين جديدة لا تخضع
للشرع، وإنما تخضع لحكم العقل ومقاييس
الهوى.
لقد فسره البعض تفسيرات حديثة
مسايرة للواقع، ونابعة من فقه الهزيمة وثقافة
الاستسلام، فقالوا بأن الوسط هو ما بين
التطرف والاعتدال، وأقام البعض الآخر
حزبًا متوسطًا أسموه بحزب الوسط، بحيث
يتوسط بين العلمانية والتدين، وهكذا اختلط
أمر هذا المصطلح على الناس، واختلط فيه
الحابل بالنابل، فأصبح أمره بحاجة إلى
إعادة توضيح وبلورة، وتسليط الضوء عليه؛
لمعرفة واقعه معرفةً واضحةً، ولإدراك معناه
إدراكًا صحيحًا بحيث تتضح صورته في
الذهن فتكون دقيقة ومبلورة وقاطعة تزيل
کل التباس.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
في هذه الآية الكريمة يقترن معنى
الوسط الذي وصفت به أمة الإسلام بمعنيين
إضافيين هما: شهادة الأمة على الأمم
الأخرى، وشهادة الرسول محمد صلى الله
عليه وآله وسلم على الأمة الإسلامية.
والوسط من ناحية لغوية يتضمن ثلاثة
معانٍ:
١. العدالة.
فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم (قال في قوله تعالى:
قال:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
www. modoee.com
١١١

حرف الواو
عدلًا)(١).
٢. الخيار والأجود.
قال ابن كثير: ((والوسط هاهنا: الخيار
والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب
نسبًا ودارًا، أي: خيرها))(٢).
٣. الاعتدال والتوسط.
قال الطبري: «وأری أن الله تعالی ذکره
إنما وصفهم بأنهم وسط؛ لتوسطهم في
الدین، فلا هم أهل غلوٍ فیه، غلو النصارى
الذين غالوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما
قالوا فيه ولا هم أهل تقصیر فیه، تقصير
اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا
أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به
ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم
الله بذلك، إذا كان أحب الأمور إلى الله
أوسطها))(٣).
ولا تعارض بين هذه المعاني الثلاثة،
فكلها صحيحة، والآية صالحة، وهي
متلازمة مترابطة.
فالآية تعني أن الله جعلهم خيارًا عدولًا؛
لیشهدوا على الأمم أن رسلهم بلغتهم، ولا
يشهد إلا العدل من الناس (٤).
(١) أخرجه ابن حبان، في الإحسان، كتاب إخباره
صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة،
باب فضل الأمة، ١٩٩/١٦، رقم ٧٢١٦،
وصححه الألباني.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٥٤.
(٣) جامع البيان ١٤٢/٣.
(٤) انظر: الأمة الوسط والمنهاج النبوي في
جوب
القرآن الكريم
وقال الرازي: ((إن الوسط هو العدل
والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل
والمعنى»(٥).
وقال المراغي: ((والوسط العدل
والخيار، والزيادة على ذلك إفراط، والنقص
عنه تفريط وتقصير، وكلاهما مذموم،
والفضيلة في الوسط»(٦).
ويقول السعدي: ((يقتضي أنهم إذا شهدوا
على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه،
فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط
العدالة في الحكم، والشهادة، والفتیا، ونحو
ذلك))(٧).
ولتطبيق هذا المعنى على أرض الواقع
فإنه يتطلب من الأمة الإسلامية إذا ما أرادت
الالتزام بمعنى الوسط أن تتصدر العالم، وأن
تكون في مركز الصدارة والقيادة فيه؛ لكي
تقيم الحجة على الناس.
فمعنى الوسط إذًا ليس له أي علاقة
بالتطرف أو بالتنازل، أو بالحل الوسط،
فالوسط كما ورد في الآية هو ذلك العدل
والخير الذي على الأمة الإسلامية أن تقترن
به، فلا دخل له بالتطرف أو بالتنازل، أو
بالتسوية بين المتناقضات، وإنما علاقته
واضحة بالعدل الذي يستلزم الشهادة على
الدعوة إلى الله، عبد الله التركي ص ٣٠.
(٥) مفاتيح الغيب ٨٤/٤.
(٦) نظم الدرر ٤/٢.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، ص٧١.
١١٢

الوسطية
الناس، وبالخير الذي يتطلبه حمل الهداية بمجموعة، ونزعه عن مجموعة أخرى،
فهذا معناه ضرب الأمة ببعضها، وخضوعها
لأعدائها؛ ولذلك کان الواجب على فئات
الأمة وعلمائها ومذاهبها أن يقتصر في
تعريف الوسط على العدل فقط كما فسره
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكما
فسره كبار المفسرين، وأن لا ينجر البعض
بحسن نية أو بسوئها إلى منزلق اقتباس
المعاني الغربية وتنزيلها على المصطلحات
الإسلامية بلي أعناقها والتأول المصطنع في
تفسيرها(١).
إلى العالم، فالخيرية هي صنو العدل،
وهما معًا صفتان مطلوبتان للتبليغ، وللأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. ويعضد هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
﴿وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ
وقوله تعالى:
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْغُرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
[آل
الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
عمران: ١٠٤].
فهذه الأمور تتناسب مع معنى الوسط
الشرعي، وتتناسب مع معنى الشهادة على
الناس الوارد في قوله تعالى: ﴿لَنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ فتبين جوهر علاقة
الشهادة مع الوسط بمعنى العدل.
ومن هنا كانت محاولة تلبيس معنى
الوسط الوارد في الآية الكريمة بمصطلحات
غربية وضعية هي محاولة مرفوضة؛ لأنها
تفضي إلى تقسيم الأمة إلى تيارات متنازعة،
وتؤدي إلى اقتتال هذه التيارات، ووقوع
الفتنة ونشوب الحرب الأهلية. فمعنى
الوسط الوارد في الآية يخص كل المسلمين
بكل تياراتهم، ولا يجوز أن ينفرد به أي تیار
أو حزب أو مذهب، فهو ثابت من الثوابت
الإسلامية، ويجب أن يعمل ليكون وصفًا
للأمة بكليتها، وأما إلصاق هذا الوصف
ثانيًا: أثر الأمة الوسط بين الأمم:
إن الأمة الإسلامية كونها أمة وسطًا لها
مسؤولية ربانية، فهي مكلفة بأن تحمل أكمل
منهج وأقومه في العقيدة والأخلاق والتشريع
إلى بقية المجتمعات الإنسانية، مكلفة بدعوة
الأمم الأخرى إلى الصراط المستقيم، منهج
الإسلام الذي يضمن للإنسان والمجتمع
الحق والخير ويحقق له السعادة، حتى
تتحقق الخيرية لها؛ لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ
[آل عمران: ١١٠].
(١) انظر: مجلة الوعي، أحمد الخطيب
٤٣/٢٢٨.
www. modoee.com
١١٣

حرف الواو
ومنهج الإسلام هو منهج الوسط صورة الإسلام الحقيقية والنيل منه (١).
والاعتدال، وتقدير الأحوال والظروف
والنتائج، ومراعاة الاستطاعة والقدرة.
لقد قامت الدعوة إلى الله على منهاج
الوسطية، وكانت سنة النبي صلى الله عليه
وسلم مثلًا أعلى في تطبيق هذا المنهج،
الذي سار على هديه الخلفاء الراشدون
والتابعون لهم بإحسان.
وفي هذه الفترة القليلة من الزمن في
حياة الأمم دخل الناس في دين الله أفواجًا،
وتكون المجتمع المسلم الواحد في
عقيدته وشريعته وسلوكه الاجتماعي، على
الرغم من امتداد الإسلام إلى أقاليم خارج
شبه الجزيرة العربية، مثل: مصر والعراق
والشام، وكانت الدعوة إلى الله وفق منهج
الوسطية القرآنية، وكانت السبيل الأول
لانتشار الإسلام ودعوته، وذلك بالأساليب
والطرق الحكيمة الرشيدة التي أرشدها
الله تعالى في قوله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِاَلْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
وكذلك بالقدوة ليصبح المجتمع
الإسلامي مجتمعًا سليمًا يحقق لأهله
وللبشر جميعًا الحق والخير والسعادة
والاستقرار، لاسيما في الأوقات والظروف
التي يزداد فيها الانحراف والبعد عن المنهج
الرباني، ويكثر فيها العنف والتطرف وتشويه
لقد دخل الإسلام وانتشر في بلاد الكفر
عن طريق أحد أمرين هامين: إما عن طريق
الجهاد، فيتعرف أهل تلك البلاد على سماحة
الإسلام وسماحة أهله و کمال شرائعه، وإما
عن طريق تجار المسلمين الذين كانوا
ينشرون وسطية الإسلام في تلك البلاد
ويتخلقون بخلق الإسلام الوسطي، مما أثر
في أهلها، فدخلوا في دين الله أفواجًا.
وبالنظر إلى عدد المسلمين في
أندونيسيا ألا وهو ٢٠٢،٨٦٧،٠٠٠ مسلم،
أي ٨٨,٢٪ من عدد سكان أندونيسيا و
١٢,٩٪ من نسبة المسلمين في العالم (٢) لم
يسجل لنا التاريخ أن هناك غزوة اسمها غزوة
أندونیسیا، فهذه الدولة فتحها المسلمون عن
طريق التجار المسلمين الدعاة بمنهجهم
الوسطي، ومنذ أن دخلها الإسلام وهى
من أكبر البلاد والممالك الإسلامية وانتشر
الإسلام منها ليصل إلى الفلبين وماليزيا
وجميع دول جنوب شرق آسيا، هذا الأمر
يقودنا إلى أهمية نشر هذا الدين الوسط لما
له من أثر في انتشار الإسلام.
وخلاصة القول أن لأمة الوسط أثرًا کبیرًا
في نشر دین الله، ودخول الناس فيه أفواجًا،
(١) انظر: الأمة الوسط والمنهاج النبوي في
الدعوة إلى الله، عبد الله التركي ص ٩٠.
(٢) انظر:، التاريخ المعاصر الأقليات الإسلامية،
محمود شاكر ١٢/٢٢.
١١٤
جَوَسُ
القرآن الكريمِ

الوسطية
حيث إن خيرتها وعدلها منة من الله وليس
من البشر، وهي بالتالي لا تتلقى من الناس
تصوراتها وقيمها، وهي شهيدة على الناس،
وفي مقام الحكم العدل بينهم، وبينما هي
تشهد على الناس فإن الرسول هو الذي
یشهد علیھا ویزن ما يصدر عنها، ويقول فيها
الكلمة الأخيرة، ولكي تضطلع الأمة بهذا
الدور فإنها لا تغلو في التجرد الروحي ولا
الارتكاس المادي، بل تتبع الفطرة، وهي
كذلك في التوازن بين التفكير والشعور،
والفرد والجماعة.
موضوعات ذات صلة:
الاستقامة، التربية، العدل، الغلو
www. modoee.com
١١٥