Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ مـ الوَسَطِنَةَ ط حـ عناصر الموضوع مفهوم الوسطية ٨٤ الوسطية في الاستعمال القرآني ٨٥ الألفاظ ذات الصلة ٨٦ ملامح الوسطية ٨٨ مجالات الوسطية ٩٧ ١٠٨ أثر الوسطية على الفرد والمجتمع ١١١ الأمة الوسط المُجَلَّدَ الخَامِسْ، وَالثَّلاثُونْ حرف الواو مفهوم الوسطية أولًا: المعنى اللغوي: (وسط) الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه، وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة، أي: توسطتهم وفلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبًا، والأصبع الوسطى، والتوسيط: أن تجعل الشيء في الوسط، والتوسيط: قطع الشيء نصفين، والتوسط بين الناس من الوساطة، والوسط من كل شيء: أعدله، ويقال أيضًا: شيء وسط، أي: بين الجيد والرديء، وعبد وسط وأمة وسط وشيء أوسط، وللمؤنث وسطى بمعناه، وواسطة القلادة: الجوهر الذي في وسطها، وهو أجودها، ووسوط الشمس توسطها السماء، وجلست وسط القوم بالسكون وسطًا، فهو واسط، والمفعول موسوط. يقال: شيء وسط، أي: بين الجيد والرديء، واليوم الأوسط والليلة الوسطى، ويجمع الأوسط على الأواسط مثل الأفضل والأفاضل، ويجمع الوسطى على الوسط مثل: الفضلى والفضل(١). ويلاحظ مما سبق أن لفظة (وسط) تأتي على عدة معان منها: اسمًا لما بين طرفي الشيء، وبمعنى خيار، وأفضل، وأجود، فأوسط الشيء أفضله، وتأتي بمعنى: عدل كما تقدم أن أعدل الشيء أوسطه، وتأتي بمعنى الشيء بين الجيد والرديء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الوسطية تعني: الاعتدال والتوازن، ويعنى بها: التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين بدون إفراط أو تفريط، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، وهذه الوسطية هي العدل والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة(٢). وأهل السنة يتميزون بالوسطية بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ١١٦٧/٣، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢٤٣٦/٣، المصباح المنير، الفيومي ٦٥٨/٢، لسان العرب، ابن منظور ٤٢٦/٧، المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي، ص ٤٨٤، مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٣٨، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٨/٦، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٨/ ٥٩٤، شمس العلوم، نشوان الحميري ١١/ ٧١٥٦، مجمل اللغة، ابن فارس، ص ٩٢٤. (٢) انظر: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان ضميرية، ص ١٥٦. جَوَسُو ◌َرَ النَّقِينَ القرآن الكريمِ ٨٤ الوسطية الوسطية في الاستعمال القرآني وردت مادة (وسط) في القرآن الكريم (٥) مرات(١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] الاسم ١ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: ١٤٣] اسم التفضيل ٣ قَالَ أَوْ سَطُهُمْ أَوْأَقُل لَّكُمْلَوْلَا تُسَيِّحُونَ (٥)﴾ [القلم: ٢٨] وجاء الوسط الميثاق في القرآن بمعناها اللغوي: المعتدل من كل شيء، ويلزم منه التوسط في منتصفٍ أو بين طرفين، ويلزم أيضًا على هذا المعنى أن يكون الوسط هو الأعدل والأفضل والأخير(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٥٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص ١٤١١. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٦٤، ٤٦٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٠٩/٥ عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤ /٣٠٩. www. modoee.com ٨٥ حرف الواو الألفاظ ذات الصلة الغلو: ١ الغلو لغةً: أصل الغلو تجاوز الحد، وغلا الرجل في الأمر، أي: تشدد فيه حتى جاوز الحد وأفرط كغلو اليهود في دينها(١). الغلو اصطلاحًا: ((الغلو في الدين البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها))(٢). الصلة بين الوسطية والغلو: بالنظر إلى معنى مادة (غلو) والمعنى الاصطلاحي لها، نجد أنها ضد الوسطية، حيث إن الوسطية تعني الاعتدال بين الغلو والتساهل. الإفراط: ٢ الإفراط لغةً: فرط في الأمر يفرط فرطًا، وفرط عليه، أي: عجل، والإفراط: تجاوز الحد في الأمر (٣). الإفراط اصطلاحًا: ((الإفراط يستعمل في تجاوز الحد من جانب الزيادة والكمال)) (٤). الصلة بين الوسطية والإفراط: بين الوسطية والإفراط تضاد، حيث إن الإفراط هو تجاوز الحد، والوسطية تعني الاعتدال. التفريط: ٣ التفريط لغةً: يعني: التقصير في الشيء حتى يضيع ويفوت، وقصر فيه وضيعه حتى فات؛ لأنه إذا قصر فیه فقد قعد به عن رتبته التي هي له(٥). (١) انظر: العين، الفراهيدي ٤ /٤٤٦، جمهرة اللغة، الأزدي ٢/ ٩٦١، مجمل اللغة، ابن فارس، ص ٦٨٣. (٢) تاج العروس، الزبيدي ١٧٨/٣٩. (٣) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس، ص ٧١٦، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٩/٧، شمس العلوم، الحميري ٥١٦٨/٨، مختار الصحاح، الرازي، ص ٢٣٧. (٤) التعريفات، الجرجاني، ص ٣٢. (٥) انظر: أساس البلاغة، الزمخشري ١٨/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٩٠/٤، شمس العلوم، الحميري ٨٦ فَضْو جوية القرآن الكريم الوسطية التفريط اصطلاحًا: ((والتفريط يستعمل في تجاوز الحد من جانب النقصان والتقصير)) (١). الصلة بين الوسطية والتفريط: بين الوسطية والتفريط تضاد فهما على طرفي نقيض، حيث إن التفريط هو القصور والنقصان، أما الوسطية فهي الاعتدال. الصراط المستقيم: ٤ الصراط المستقيم لغةً: الصراط والسراط والزراط: الطريق، وصراط مفرد: جمعه صُرُّط(٢). والمستقيم لغة: من استقام يستقيم، استقم استقامة فهو مستقيم، واستقام العود: استوى، واستقام ميزان النهار: انتصف، واستقام على الطريق: اهتدى، والدين المستقيم: الدين الحقيقي أو الصحيح، والصراط المستقيم: الطريق المستقيم، طريق الهدى وسواء السبيل(٣). الصراط المستقيم اصطلاحًا: الصراط المستقيم: طريق الهدى وسواء السبيل (٤). الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم: فالصراط المستقيم يمثل الوسطية ويحقق معناها، فهو وسط بين الغلو والجفاء، وهو كذلك وسط بين الإفراط والتفريط، فهما مترادفان. ٨/ ٥١٧١، المطلع على ألفاظ المقنع، البعلي، ص ١٧٩. (١) التعريفات، الجرجاني، ص ٣٢. (٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٢٨٨/٢، مختار الصحاح، الرازي ص١٧٥. (٣) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة ١٨٧٥/٣. (٤) انظر: المصدر السابق ٣ /١٨٧٨. www. modoee.com ٨٧ حرف الواو ملامح الوسطية إن الوسطية منهج رباني حميد يمنع العبد من الحيف والجور، وإن من خصائص الإسلام أنه دين وسط، فهو وسط بين اليهودية والنصرانية، وهناك ملامح لهذه الوسطية في القرآن والسنة تبين عظمة الإسلام في طرحه عدة قضايا تنظم حياة المرء المسلم من أهمها: العدل، والحكمة، والاستقامة، والتيسير، ورفع الحرج. أولًا: العدل: العدل: هو ضد الظلم، وإحقاق الحق، وإخراج الحق عن الباطل، وهو الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط (١). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًاً﴾ [البقرة: ١٤٣]. وفي قول للطبري أن التأويل جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخیار من الناس عدولهم، ووصف الله عز وجل الإسلام بالوسط لتوسطهم بالدين، وقول الطبري هنا لدليل كبير على أن العدل من ملامح الوسطية(٢). ومن هنا فقد جاءت آيات كثيرة تبين (١) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ٢٣٧، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، الكري ٢/ ٢٢٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤٢/٣. وجوب العدل في الشهادة وفي الحكم، والشهادة هي إحدى مقدمات الحكم في کثیر من الأحكام، بل وفي حكم المرء على نفسه قبل غيره من الأهل والأقارب. وبما أن الوسط يعني: العدل كما تقرر سابقًا، فقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية التي تبين وجوب العدل في جميع الأمور، فأمر الله عز وجل بالعدل في الشهادة والحكم هو إقرار لمنهج الوسطية. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمُوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلَوُاْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. ففي هذه الآية دلالة بينة على منهج العدل والوسط، والتحذير من الجور واتباع الهوى، حيث أمرنا الله عز وجل بالعدل في الشهادة ولو كانت الشهادة بحق أنفسنا أو والدینا أو أقاربنا، لا نفرق بين غني فننحاز لغناه، ولا فقير فنجور عليه، وعلينا التزام العدل في أحكامنا على الدوام، فهذه مصلحة أرادها الله جل جلاله(٣). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوأَ (٣) انظر: المصدر السابق ٧/ ٥٨٤. ٨٨ جوبيه القرآن الكريمِ الوسطية أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو(٢). خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. دلت هذه الآية على العدل، الذي هو ملمح أساس من ملامح الوسطية، ليس مع النفس والأقارب فحسب، بل مع الاعداء حيث حثنا على عدم ترك العدل وإيثار العدوان على الحق، فلقد أمر بالعدل مع العدو وإن أبغضناه، وألا نتجاوز بالعدوان، فاستعمال العدل مع کل أحد صدیقًا كان أو عدوًا(١). والحكم بین الناس بالعدل أمر قد انعقد عليه الإجماع، وتكرر ذكره في القرآن الکریم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَقِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْقَىٌ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّمَكُم بِه لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. أمرٌ بالتزام العدل فیما نقول، بدون محاباة لأحد، ولو کان أقرب الناس إلينا. كذلك أداء الأمانات والحقوق المالية إلى أصحابها، وإصدار الحكم بالعدل والحق، وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٠/٦. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّاللَّهَ نِمَا يَعِبُّكُمْ يِّهِ إِنَّا لَهُ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وفيما يتعلق بسلوك المؤمنين بعضهم مع بعض في حالة الخلافات أوصى كتاب الله عز وجل بفض كل نزاع قد يقع بينهم، على أساس العدل المطلق دون محاباة لطرف، وفي إطار الأخوة الإسلامية بالإنصاف بینهما، وهذا حکم الله في كتابه الذي جعله عدلًا بين خلقه(٣). قال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنُهُمَا" عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِىْ حَتَّى تَفَِّ إِلَىْ أَمْرِ اَللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللّهُ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. ويخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل والقسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيَّ يَعِفُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٨٣. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٩٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٥/٥. www. modoee.com ٨٩ حرف الواو وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌٍ وَلَيْنِ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَّةٍ سَيِّنَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. وغيرها من الآيات الدالة على العدل؛ لتنظم حياة المرء على أساس من المحبة وعدم التنافر. ثانيًا: الاستقامة: إن رأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيمًا في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد وفي جميع الأمور الحياتية(١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ تَخََزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلََّّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ. تُوعَدُونَ﴾[فصلت: ٣٠]. البشرى بالجنة والأمان لمن استقام على الطريقة وداوم السير على الصراط المستقيم، فلم تزل قدمه عن طريق العبودية، واعتدل على منهج الطاعة ومنهج العبادة قولًا وعملًا، دون إفراط أو تفريط. فالذين استقاموا على شريعته فامتثلوا (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤/ ٨٧. أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولزموا محجته، فلا يلحقهم ما يخافونه ويكرهونه في الآخرة، ولا يروعون؛ لأنهم خافوه تعالی في الدنيا فأمنهم في الآخرة، (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَآَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. قال عمر رضي الله عنه: ((الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب)» (٣). قال ابن القيم: ((فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدین، وهي القیام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله)) (٤). والحديث في هذه الآية عن الاستقامة، وما يترتب عليها من الآثار الطيبة في الدنيا والآخرة، فهذه الاستقامة هي السحابة الممطرة التي يحيي الله بها النفوس. قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦](٥). والاستقامة هي اتباع صراط الله المستقيم، وعدم الالتفات إلى غيره من (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/٢٨. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٤٦٣. (٤) مدارج السالكين ٢/ ١٠٦. (٥) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، المكي ٣٢٦/٦. ٩٠ جَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ الوسطية بنيات الطريق، فهو الطريق الواضح الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، مبتعدين عن الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع الرديئة (١). قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، رفعه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)(٢). ولما كانت الاستقامة جامعة لكثير من الأمور التي أمرنا بها الله عز وجل، فقد ورد الحث عليها في القرآن كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِشْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهُ، وَحِدٌ فَأَسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَبِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦]. فالتزام الاستقامة في طريقنا إلى الله جل جلاله بالإيمان به وطاعته، والإخلاص في عبادته هو المقصود الأسمى(٣). (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢/ ١٧١. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في حفظ اللسان، ٤ / ٦٠٥، رقم ٢٤٠٧. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٤/١، رقم ٣٥١. (٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٥٦١. وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتِّ وَلَا نَّبِعْ أَهْوَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. وذكر القشيري وغيره عن بعضهم أنه رأی النبي صلی الله عليه وسلم في المنام، فقال له: يا رسول الله قلت: (شيبتني هود وأخواتها) فما شيبك منها؟ قال: (قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾﴾ (٤). أي: دم يا محمد على ما أمرت به من عبادة الله عز وجل، وطاعته فيما أمر، وتبليغ رسالته، ولا تتبع أهواء الكفار والمضلين مما یحبون من الكفر والباطل كله(٥). وكقوله تعالي: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ ثَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْإِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. فالاستقامة تقتضي طاعة الله تعالى، والوقوف عند حدوده التي أذن فيها من واجب، ومستحب، ومباح، وتجنب الحدود التي نهى الله عنها، وفي حديث النفر الثلاث الذين استقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم لخير مثال على الاستقامة الحقة في عبادته عز وجل دون إفراط أو تفريط، فهذا هو العمل الذي يمثل الوسطية. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى (٤) تفسير ابن رجب الحنبلي ٢٦٢/٢. (٥) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٤٦/٢. www. modoee.com ٩١ حرف الواو الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟! قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلی الله علیه وسلم إلیھم، فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (١). إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوج النساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فما الاستقامة إلا الالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم والأخذ بها. وهذه الآية دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحق. قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ () لِمَن شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٧ -٢٨]. فهذا القرآن موعظة وزجر لمن أراد أن يتبع الحق ويقيم عليه(٢). واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ٧/ ٢، رقم ٥٠٦٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٣/١٩. هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله تعالى في كل ركعة من فريضة أو نافلة أن يثبتنا علیه. قال تعالى: ﴿أَهْدِنَا الْضِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ)) صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا المَآلِينَ ﴾ [الفاتحة: ٦ -٧]. ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفاتحة وضعت القاعدة، ورسمت المنهج الوسطي، وحددت معالمه، حيث بين الله لنا أن الصراط المستقيم هو منهج الوسط، حيث قال واصفًا الصراط المستقيم الذي فيه ضمان السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿مِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الْمَآلِينَ﴾ ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط، بينما يمثل منهج الضالين الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء، فهو طریق الذین قسم لهم نعمته، لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه، أو الذین ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلًا إليه، إنه صراط السعداء المهتدين (٣) الواصلين (٣). قال ابن كثير: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦/١. ٩٢ جوبيبو الْقُرْآن الكَرِيمِ الوسطية الضلالة، لا يهتدون إلى الحق (١). ونحن مأمورون بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم؛ لأنه هو الصراط المستقيم، وهو المنهج الوسط بين طريقين منحرفين فاسدين، وهما طريقا اليهود والنصارى. ثالثًا: الحكمة: الحكمة: هي العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام(٢). وذكر سيد قطب أن الحكمة القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال(٣). وهي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (٤). الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعدیه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه(٥). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ١٤٠/١. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٣٢. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٣١٢. (٤) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٤٧٩/٢. (٥) انظر: المصدر السابق ٤٧٨/٢. وهذه الآراء كلها فيها دلالات واضحة على الوسطية وصلتها بالحكمة، ونخلص مما سبق أن الحكمة لا بد من اعتبارها عند تحديد معنى الوسطية، حيث إننا عرفنا سابقًا أن الوسطية هي السير على الطريق المستقيم الذي ارتضاه الله لنا، وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط، وهو عين الحكمة وجوهرها؛ وذلك أن الخروج عن الوسطية سواء كان بإفراط أو تفريط له آثاره السلبية وعواقبه الوخيمة، وهذا يخالف الحكمة التي علينا التحلي بها وينافيها. وقال تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرًا كَثِيرَاً وَمَا يَذَّ كَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والله عز وجل عندما أنزل الشريعة السمحة كان عليمًا حكيمًا بأحوال العباد، فلم ينه عن فعل إلا لحكمة سواء أدركناها أم لا، ولم يأمر بفعل إلا لحكمة أيضًا، فقد نزل تعالى الأمور منازلها، ووضع الأشياء مواضعها. وسنورد بعض الأمثلة على ذلك حيث قال تعالى في قضية السرقة: ﴿وَالشَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَاء نَكَلاً مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. ولا شك أن قطع يد السارق فیه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل؛ حتى www. modoee.com ٩٣ حرف الواو لا يجزى مثل جزائه، وكان العقاب بقطع اليد لحكمة عظيمة فإذا قطعت يد السارق كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، فكان حكم الله هنا حكيمًا وسطيًا بعيدًا عن الإفراط والغلو بالعقاب، وبعيدًا عن التفريط واللامبالاة، كما بين الشرع لنا مكان القطع والمقدار الذي تقطع به اليد، ولم يجعل الأمور خاضعة للاجتهاد(١). وعن حكم الزانية والزاني بین الله عز وجل فيهما القول الفصل، فقالجل جلاله: ﴿اَلَِّيَةُ وَالَِّ فَاجْلِدُ واْ كُلّمْ وَحِدِمِنْهُمَا مِْتَّةً جَْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْمَةٌ فِ دِنِ اللّهِ إِنْ كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اُلْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَلِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ [النور: ٢]. وقد فرقت الشريعة السمحة الحكيمة بين الثيب والمحصن في العقاب، ولم يجعلهم سواء، وهذا جوهر العدالة والوسطية في الأحكام. وفي الحديث عن عدة المطلقة والأرملة فرق الله عز وجل في مدة كل منهما، حيث قال عز وجل في حق المطلقات: وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةً ﴾[ البقرة: ٢٢٨]. فروع وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥١١/٣. وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. حيث أكدت الآيتان أن عدة المطلقة ثلاث حیضات، أما في حق المتوفى عنها زوجها فھي أربعة أشهر وعشرة أيام، وزيادة على المطلقة يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة والطيب ودهن الرأس بكل دهن والكحل المطيب. قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: فلا بد من عدة تنتظر المرأة فيها، فلا تتزوج زوجًا آخر؛ استبراء لرحمها من مظنة الحمل؛ وإحدادًا على الزوج السابق؛ وليتمكن الرجل فيها من مراجعة نفسه إذا كان الطلاق رجعيا، وهذا من تمام حكمة الله عز وجل، حيث لم يسو بينهما لاختلاف طبيعة ظروف كل منهما، فعدة المتوفى عنها زوجها أکبر بسبب الحزن الذي تلاقیه بسب فراقه أما المطلقات فيكون الحزن أقل. (٢). رابعًا: اليسر ورفع الحرج: اليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية راجع إلى الوسطية والاعتدال في الدين الإسلامي. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة، ص ٣٢٥. ٩٤ جوسين القرآن الكريمِ الوسطية ◌ِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فالتوسط هو منبع الكمالات، والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل، فالشارع الحکیم یبغي لنا الیسر ورفع الحرج ودفع المشقة، ويتدرج بنا صاعدًا في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا، ويسير بنا من السهل إلى الأسهل، ومن الصعب إلى الأصعب أحيانًا تدريبًا لنا على احتمال صنوف الحياة في شتی صورها، أو يسير بنا من تكلیف إلى تكليف آخر مساو له؛ لابتلائنا وامتحان قلوبنا، فتظهر طاعة المطيع وعصيان العاصي(١). وكلما كان العمل بعيدًا عن الإفراط والتفريط وافق أحكام الشرع التي تدعو إلى اليسر ورفع الحرج ((وإن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشدد حرج من جانب عسر التكليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح، وعدم تحقيق مصالح الشرع»(٢). فالوسطية في الیسر ورفع الحرج، ولیس (١) انظر: الموسوعة القرآنية المتخصصة، مجموعة مؤلفين ١ / ٦٤٩، بتصرف. (٢) رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، صالح بن حميد، ص ١٣. في التكليف والمشقة والعنت، وهذا هو ديدن رسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله فعن عائشة زوج النبي صلی الله عليه وسلم أنها قالت: (ما خیر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) (٣). وهذا هو منطق الإسلام في التعامل مع الواقع، فإننا لا نجد في الشريعة أمرًا إلا وهو رحمة وتیسیر وتسهیل، ولا نھیًا إلا وهو عن عنت وضنك وحرج. ومن أدلة القرآن الكريم على اليسر ورفع الحرج والسماحة السماح لمن أصابه مرض، أو لحقه أذى أثناء حجه بفعل ما كان ممنوعًا عليه في حالة الصحة، والفدية عنه مقابل الرخصة التي رخص بها الحق تعالى تيسيرًا وتخفيفًا، وتعرف هذه الفدية بفدية الأذى. قال تعالى: ﴿فَ كَانَ مِنكُمْ فَيِيضًا أَوْ بِهِ= أَنَّى مِن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُلٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى ◌ْ اَلْحَيْ فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجِ وَسَبْعَتِإذَا" رَجَعْتُمُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِى اَلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختیارہ من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، ٤ /١٣١٨، رقم ٢٣٢٧. www. modoee.com ٩٥ حرف الواو اَلْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦](١). وعلى أساس قاعدة اليسر ورفع الحرج التي تميز بها الإسلام، نزل قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قال السعدي: «لما أمر تعالى بالتقوى، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره، ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالًا منسوبًا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد، والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه))(٢). وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّْ غَيْرَه بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وهذه القاعدة ليست مقصورة على محرمات المطاعم، بل عامة لكل ما يتحقق الاضطرار إليه لأجل الحياة واتقاء الهلاك، ولم يعارضه مثله أو ما هو أقوى منه(٣). لقد بنی الدین الاسلامي عباداته وغيرها على أساس اليسر، ورفع الحرج والعسر كما علل تعالى به رخصة الفطر في رمضان بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ (١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، المكي ١٢٠/١. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٢. بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهَ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُ مَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢]. فهؤلاء أصحاب أعذار ظاهرة، ینطق بها لسان الحال قبل أن ينطق بها لسان المقال؛ ولأن الشريعة الإسلامية قائمة على اليسر، ورفع الحرج عن المؤمنین، بدون تعنت ولا مشقة أو عسر في تكاليفها، فهؤلاء جميعًا ومن في حكمهم لا حرج عليهم في أن یتخلفوا عن رکب المجاهدين والجهاد في سبيل الله، الذي هو ذروة سنام الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٤). فَأَنَقُواْ اللَّهَ مَا وفي هذا يقول الله تعالى: اُسْتَطَعْتُمْ﴾﴾ [التغابن: ١٦]. أي: في حدود ما تحتمل، ففي هذه الآية تخفیف وعافية ویسر (٥). وبين تعالى جانبًا آخر من مظاهر اليسر ورفع الحرج في تشريعاته، فقال تعالى: (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨٦٦/٥. (٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩٦/١. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٨/٧. ٩٦ جوبيبو الْقُرآن الكَرِيمِ الوسطية ﴿َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَلْحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. فمن رحمة الله أنه لم يجعل أي حرج أو إثم فيما قمتم به من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبکم فيما تعمدته قلوبکم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين(١). وإذا عدم المسلم الماء أو تضرر باستعماله، فإن الله قد أباح له التطهر بما ينوب عنه، وهو التراب، وذلك للتيسير ورفع الحرج. قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وأخيرًا ومن الأدلة على أن الإسلام دين اليسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)(٢). (١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٧٤/١١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدین یسر، ١٦/١، رقم ٣٩. مجالات الوسطية للوسطية في القرآن مجالات عدة، فلقد ظهرت وتجلت عظمة الإسلام العظيم، والقرآن القويم في التوازن المستقيم في جميع مجالات الدين، حيث العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات وحتى في التشريعات، فلا إفراطٌ ولا تفريط، وفيما يلي عرض لوسطية القرآن في تلك المجالات. أولًا: الوسطية في العقيدة: تظهر الوسطية في العقيدة أشد الوضوح، وهي من أبرز خصائص العقيدة الإسلامية، والتي يعبر عنها بالتوازن، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ اَلْمِيزَانَ أَلَّا نَظْفَوْا فِ الْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: ٧-٩]. وفيما يلي بعض مظاهر الوسطية في العقيدة. أولًا: وسط بين الخرافيين الذين يسرفون في الاعتقاد، فيصدقون بكل شيء، ويؤمنون بغير دليل ولا برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، ولا يستمعون لصوت الفطرة، ولا نداء العقل، فالإسلام يدعو للاعتقاد والإيمان مقرونًا بالدليل القطعي والبرهان اليقيني، ويرفض كل ما خلا الدليل والبرهان مصداقًا لقوله تعالى: www. modoee.com ٩٧ حرف الواو ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىُّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (١) [البقرة: ١١١]. قال الزمخشري: «هاتوا برهانكم هلموا حجتكم على اختصاصکم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت))(١). ثانيًا: وسط بين الذين يؤلهون الإنسان ويعتبرونه ربًا يفعل ما يشاء، وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية، فهو کالريشة في مهب الريح، أو دمية يحرك خيوطها المجتمع، أو الاقتصاد أو القدر، فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مکلف مسؤول، سید في الكون، عبد لله، قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَأَ يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّ يُغَيِّرُواْ مَا يَأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ثالثًا: وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط، كاتمين لصوت الفطرة في صدورهم، متحدين منطق العقل في رؤوسهم، وبين الذين يعددون الآلهة حتى عبدوا الأغنام والأبقار، وألهوا الأوثان والأحجار، فلإسلام یدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم یکن له كفوا أحد، و کل ما عداه مخلوقات لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فتألیھها شرك وظلم وضلال مبين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَّيِهِمْ غَفِلُونَ ﴾ [الأحقاف: ٥]. قال الرازي: ((إن القول بعبادة الأصنام قول باطل، من حيث إنها لا قدرة لها البتة على الخلق والفعل والإيجاد والإعدام والنفع والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعین، ولا تعم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل، فقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللّهِ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى أنه لا امرًا أبعد عن الحق، وأقرب إلى الجهل ممن يدعو من دون الله الأصنام)»(٢). رابعًا: وسط في أمر النبوة، لم ترفع الأنبياء إلى مقام الألوهية فيتجه الناس بالعبادة إليهم، كما اعتقد النصارى وغيرهم، ولم تنزل بهم إلى مستوى السفلة من الناس؛ فتنسب إليهم ارتكاب الموبقات، وفعل المنكرات كما افترى اليهود في (١) الكشاف ١٧٨/١. جوسو القرآن الكريم (٢) مفاتيح الغيب ٢٨/ ٧. ٩٨ الوسطية توراتهم المحرفة، وإنما الأنبياء في العقيدة فلا إفراط فيها كالنصارى، ولا تفريط کالیهود. الإسلامية المتزنة هم خيرة خلقه وخصهم بوحيه وكلفهم تبليغ رسالته إلى الناس، وجعلهم قدوة وأسوة لأتباعهم، قال تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيرًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٢١](١). قال ابن عاشور: ((في الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة الحسنة لا محالة))(٢). ثانيًا: الوسطية في العبادة: إن الناظر نظرة تمعن في العبادات الإسلامية الواجبة والمستحبة على المسلم يجد أنها تتسم بالوسطية والاعتدال، وأنها بعيدة كل البعد عن الغلو، فلا إفراط فيها ولا تفريط. وقد جاء التوسط في العبادات الإسلامية منسجمًا مع نعمة الله تعالى على هذه الأمة المحمدية بأن جعلها أمة وسطًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فبما أنها أمة وسطًا، فكذلك العبادات المفروضة عليها تتسم بالوسطية والاعتدال، (١) انظر: دراسات في العقيدة، سعد عاشور، ص ٤٥. (٢) التحرير والتنوير ٣٠٣/٢١. ويمثل النصارى منهج الإفراط؛ حيث ابتدعوا عبادات قاسية على النفس، تحرم الزواج، وتکبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الحياة، وبالغوا في ذلك حتى أصبحت العبادة في نظرهم لا تخرج عن تعذیب البدن. وقد ذمهم الله تعالى حيث قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اَللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَّا فَشَانَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. قال المراغي: ((فقد انقطعوا عن الناس في الفلوات والصوامع معتزلين الخلق، وحرموا على أنفسهم النساء، ولبسوا الملابس الخشنة؛ تبتلا إلی الله وإخباتًا له، وما فرضناها عليهم ولكنهم استحدثوها))(٣). ويمثل اليهود منهج التفريط، ووصف القرآن بعدهم عن العبادة في قوله تعالى: ◌َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيَّا﴾﴾﴾ [مريم : ٥٩]. قال الزمخشري: ((هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب)» (٤). (٣) نظم الدرر ٢٧ / ١٨٥. (٤) الكشاف ٢٦/٣. www. modoee.com ٩٩ حرف الواو 1)﴾ [آل وقال ابن كثير: ((وإذا أضاعوها فهم لما تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدین وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا علی شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها؛ فهؤلاء سيلقون غيًا أي: خسارة يوم القيامة))(١). وقد جاء الإسلام وسطًا إزاء المنهجین، منهج التفريط في العبادة، ومنهج الإغراق في العبادة ونسيان حق البدن؛ ليعطي كل ذي حق حقه. قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اَللّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ اَلْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٧]. ((أي: اطلب الآخرة فيما آتاك الله من الثروة والغنى بأن تتصدق، وتصل الرحم، ولا تنس أن تبقي لنفسك شيئًا يقيك العوز، ويمنعك من إراقة ماء وجهك))(٢). وقال تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ غَيْرًا وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. قال ابن کثیر: « أي: جهدکم وطاقتکم، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ (١) تفسير القرآن العظيم ٢٤٣/٥. (٢) أوضح التفاسير، محمد الخطيب ٤٧٩/١. جَوَنُور القرآن الكريم عمران: ١٠٢]. وقال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم فأنزل الله هذه الآية؛ تخفيفًا على المسلمين ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُ﴾ فنسخت الآية الأولى»(٣). ثالثًا: الوسطية في الأخلاق: جاء الإسلام وسطا في أخلاقياته، فلم ينظر إلى الإنسان باعتباره خيرًا محضًا أو شرًا محضًا، أي: لم يكن تعامله مع الإنسان على أنه ملك أو شيطان، وإنما تعامل معه بما يتوافق مع أصل فطرته وطبيعة تكوينه، فهو مخلوق مكلف مختار، صالح للطاعة أو المعصية، فيه الجانب المادي والجانب الروحي. فلقد أمرنا الله برد الاعتداء الظالم علينا في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ١٩٤) اَللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ( وَحَزَّقُاْ سَيِّئَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ وقال: [الشورى: ٤٠]. قال النسفي: ((والحرمات قصاصٌ أي: وكل حرمة يجري فيها القصاص، من هتك حرمة أي حرمة كان اقتص منه بأن تهتك له (٣) تفسير القرآن العظيم ٨/ ١٤٠. ١٠٠ الوسطية حرمه، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا المهين. بهم نحو ذلك ولا تبالوا))(١). ﴿ لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ قال تعالى: بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلََّ مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٨]. ١EA قال السمعاني: ( يجوز له أن يشتم، ولکن بمثل ما شتم، لا یزید علیه، بما لم يكن قذفًا)»(٢). فالإسلام يبيح لك رد الاعتداء، بينما النصارى بالغوا في العفو والتسامح، جاء في إنجيلهم: ((وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم)) (٣). ولا شك أنها نظرة مثالية محمودة، ولكنها ليست متوازنة؛ لأن الإنسان بطبيعته وفطرته یمیل إلى الدفاع عن نفسه، ورد الاعتداء الواقع عليه، والانتقام ممن أهانه أو غض من كرامته، فإذا وقع الاعتداء، وطلب منه إلزامًا أن يعفو ويصفح، فلا شك أنه سیكبت غضبه وغيظه على كره ومضض، وسيحاول التنفيس عن غضبه وغيظه حينما تسنح الفرصة المناسبة، بينما الإسلام رغم أنه لم يذكر السف في القرآن إلا أنه لا يقبل التهاون الذي يصل إلى حد المذلة، والتفريط (١) مدارك التنزيل ١٦٦/١. (٢) تفسير السمعاني ١/ ٤٩٦. (٣) إنجيل متى ٥ :٤٤. والقرآن أظهر الوسطية في الأخلاق في کثیر من الآيات، وقد ظهر ذلك واضحًا جلیًا في ذمه للكبر، وذمه للذلة والمهانة، وكان وسطًا في ذلك. قال تعالى في ذم الكبر: ﴿وَقَالَ مُوسَىّ إِنِّي عُدِّتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَِّرٍ لًا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ٢٧]. قال الطبري: ((إني استجرت أيها القوم پرپي وریکم، من کل متکبر علیه، تکبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه)) (٤). ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ قال تعالى: خَلِينَ فِيَهَّا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّينَ [النحل: ٢٩]. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَّبِينَ ﴾[ الز وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَجِبَالَ عُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٧]. يقول السمعاني: ((وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن الإنسان إذا مشى مختالًا، فمرة يمشي على عقبيه، ومرة يمشي على صدور قدميه. فقال: لن تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال طولًا إن (٤) جامع البيان ٣٧٥/٢١. www. modoee.com ١٠١ حرف الواو مشيت على صدور قدميك))(١). وفي مقابل الكبر نجد الذل والضعف والخور، وبخاصة أمام أعداء الله، فإنه خلق لا يرضاه الله تعالى؛ فلذلك قال واصفًا المؤمنين بما هم عليه من خلق رفيع: ﴿أَذِ أَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وفي هذا دلالة على أن الذل مسبة وعار، وليس خلقًا رفيعًا وسيرة محمودة؛ ولذلك فقد جعله الله عقوبة لمن عصاه، وتكبر على رسله وهداه، فقال: ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَرٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١](٢). قال سيد قطب مبينًا أثر الذل على هؤلاء اليهود: ((إن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا، وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد، استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة)»(٣). لقد اتصف اليهود بالكبر والتعالي والغطرسة حتى على أنبيائهم ورسلهم عليهم السلام، بل على ربهم حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ [النساء: ١٥٣]. وقوله: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا مَهُنَا قَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. على الرغم من أن الله قد وصفهم في مواضع أخرى بالذل والجبن، لكنهم يتجبرون ويتغطرسون إن سنحت لهم الفرصة، بينما اتصف النصارى بالذل والجبن. وخلاصة الأمر: أن هذه الآيات تدل على أن تلك الأخلاق مما لا يقره الشرع لمخالفتها للمنهج الحق والطريق السوي؛ ولذلك جاءت الآيات تبين ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق صادق، بعيدًا عن الخلق الذميم سواء كان إفراطًا أو تفريطًا، وهذه الآيات هي التي ترسم المنهج الوسط في الأخلاق والمعاملة. رابعًا: الوسطية في المعاملات: لقد تجلت وسطية القرآن في المعاملات، حيث البعد عن التشدد والغلو من جهة، والتسيب والتميع من جهة أخرى، فللقرآن منهج وسطي يضبط جميع المعاملات من طعام وشراب، وبيع وشراء، وطلاق وزواج، حتى في معاملاتنا مع غير المسلمين. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءُ بِالْقِسْطِ وَلَا (١) تفسير القرآن ٢٤٢/٣. (٢) انظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم، ناصر العمر، ص ٢٨٣. (٣) في ظلال القرآن ١/ ٧٢. ١٠٢ الْقُرآن الكَرِيْمِ