Indexed OCR Text
Pages 21-40
الهداية المفضي إلى روضات الجنات(١). والله سبحانه وتعالى جعل الهداية للذي يعتصم به جل وعلا، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِم ◌ِاللّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَّطٍ مُسْنَقِي﴾ [آل عمران: ١٠١]. والمعنى: أن من اعتصم بالله، وتوکل عليه، وتمسك بدينه، وبالقرآن الكريم فقد هدي، ووفق إلى الطريق القويم الذي يوصله إلى المراد. قال ابن كثير: « أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد)) (٢). وقد أمر الله بالاعتصام بالقرآن، والتمسك بالدين، وعدم الفرقة في قوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقَواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والمتأمل في هذه الآية يجد أنها ختمت بقوله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ. لَعَلَّكُوْ نَهْتَدُونَ﴾، وهذا يعني أن الله تعالى يوضح آياته، ويفسرها، ويبينها، ويعطي الهداية لمن تمسك بتوحيد الله، واهتدى بهدي القرآن الکریم. قال الشيخ السعدي: (( إن الله تعالی یبین لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨١/٢ بتصرف. (٢) المصدر السابق ٨٦/٢. لعلكم تهتدون بمعرفة الحق، والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل على أن الله یحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرًا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها)) (٣). وجاء هذا المعنى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه (٤). يتبين مما سبق أن الاعتصام بالله والتمسك بالقرآن الكريم، وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم طريق إلى الهداية، والله الموفق. ثانيًا: تدبر القرآن، واتباعه: إن التمسك بكتاب الله يكون بتلاوته، وتدبره، والعمل بما جاء فيه، والمتدبر لسورة البقرة يجد في أولها قول الله سبحانه (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٤١ . (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان، رقم ٢٤٠٨. www. modoee.com ١٤٣ حرف الهاء وتعالى: ﴿ذَلِكَ الْسَكِتَبُ لَرَيْبُّ فِيهِ هُدَى لِلْقَتِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وبعد ذلك ذكر صفات المتقين الذين يتدبرون القرآن، ويعملون بما جاء فيه أنهم علی هدی من ربهم، ومما يدل على أن القرآن الكريم سبب من أسباب الهداية قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يُّهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّلَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]. قال الشنقيطي: « ذکر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جل وعلا يهدي للتي هي أقوم، أي: الطريقة التي هي أسدُّ، وأعدلُ، وأصوبُ، وقال الزجاج، والكلبي، والفراء: يهدي للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحید الله، والإيمان برسله، وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق، وأعدلها، وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم؛ لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة)) (١). ولا تكون الهداية إلى خيري الدنيا والآخرة بدون تدبر آيات الله سبحانه وتعالى، والعمل بما جاء فيها، وفي ذلك طرق الاستقامة، والسلامة، والنجاة؛ لأن القرآن الکریم کتاب الهدى والنور، ويهدي إلى الطريق القويم الذي لا اعوجاج فیه، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقد ورد ما يدل على تدبر آيات الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَزَكُ لِيَنَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ. وَلِسَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَبٍ﴾ [ص: ٢٩]. ومعلوم أن في كتاب الله تعالى العقيدة الصافية، والتشريع، والأخلاق، والقيم، وهو كتاب الهداية والنور، من تمسك به، وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الظلمات إلى النور، وهُدِيَ إلى صراط مستقیم. قال الله سبحانه تعالى: ﴿قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اَللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ٥) يَهْدِى ◌ِدِ اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُّمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: ١٥-١٦]. يلاحظ مما تقدم أن من أسباب الهداية إلى الطريق المستقيم التمسك بالقرآن الكريم، وتدبر آياته، وإن الذي يوفق إلى الهداية من اهتدى بهدي القرآن في الدنيا (١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٣٧٢/٣. بَرُ النَّفِيَة جوبي ١٤٤ القرآن الكريمِ الهداية حتى ينال السعادة في الآخرة، وبالله التوفيق. ثالثًا: اتباع الرسول عليه السلام: لقد أكرم الله سبحانه وتعالى هذه الأمة الإسلامية، وأرسل إليها خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأمر بطاعته، وجعل اتباعه سببًا من أسباب الهداية. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌّ فَإِن تَوَلَوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا ◌ُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَ الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ اُلْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. وليس ذلك فحسب بل إن الذي يطيع الرسول يطيع الله تعالى. قال سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ﴾ [النساء: ٨٠]. اللَّهَ والله عز وجل قرن طاعة الرسول بطاعته، وأن في ذلك الفوز العظيم، وهذا في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. حتى إن الله جعل القرآن هداية لمن يشاء من عباده، وأثبت الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ تَدْرِى مَالْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاً وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. واتباعه صلى الله عليه وسلم علامة من علامات حب الله تعالى للعبد، ومغفرة قَلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الذنوب، قال سبحانه: فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. والذي يطيع الله والرسول صلى الله عليه وسلم يكون من الذين أنعم الله عليهم ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْهَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩]. حتى إن أعمال العباد لا تقبل إلا باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)(١). وطاعته صلی الله عليه وسلم سبب في دخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)(٢). والحاصل أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه من أسباب الهداية التي فيها محبة الله عز وجل للعبد، وفيها مغفرة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم ١٧١٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلی الله عليه وسلم، رقم ٧٢٨٠. www. modoee.com ١٤٥ حرف الهاء الذنوب، وقبول الأعمال، والفوز والفلاح، ودخول الجنة. رابعًا: الدعاء: لقد أرشد الحق سبحانه وتعالى عباده إلى طلب الهداية والتوفيق منه جل وعلا وجاء ذلك في أول سورة من سور القرآن الكريم في قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. قال السعدي: (( أي: دلنا وأرشدنا، ووفقنا الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلی جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط، فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا، فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل رکعة من صلاته، لضرورته إلی ذلك))(١). والله سبحانه وتعالى أمرنا بطلب الهداية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)(٢). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٨. (٢) الجامع الصغير وزيادته، الألباني، ٢/ ٨٠٠، جَوَسُور القرآن الكريمِ وقد جاء في صحيح مسلم أن الذي يسأل الله عز وجل الهداية يستجيب له، ويعطيه مسألته، قال رسول الله، قال الله تعالى: (فإذا قال العبد: ﴿ أَهْدِنَا الْضِرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ)) صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا المَالِينَ﴾ [الفاتحة: ٦-٧]. قال الله تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)(٣). ولا بد من طلب الدعاء من الله سبحانه وتعالى من أجل تحقيق هداية التوفيق، والاهتداء والسير على منهج الحق والعدل، والالتزام بطريق الاستقامة، والنجاة في الدنيا والآخرة. وسؤال الهداية فيه التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه قال: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)(٤). وقد أرشدنا الله تعالى إلى طلب الهداية منه؛ ليكون عونًا لنا، وينصرنا على أهوائنا، وشهواتنا بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد في معرفة أحكام الشريعة، ونكلف أنفسنا الجري على سننها؛ لنحصل على خيري الدنيا والآخرة(٥). رقم ٤٣٤٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم ٣٩٥. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل،رقم ٢٧٢١. (٥) انظر: نظم الدرر، المراغي ٣٦/١. ١٤٦ الهداية والمسلم عليه إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، والاستعانة، والدعاء، والإرشاد، وطلب العون للوصول إلى الهداية، وإلى الدين الحق، والصراط المستقيم (١). والذين آمنوا يدعون الله عز وجل، ويسألونه الهداية، فإذا أعطوها دعوا ربهم عز وجل أن يثبتهم عليها، ويسلمهم من الزيغ والضلال، قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْعُ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَمَّابُ ﴾ [آل عمران: ٨]. ويتبين من الأدلة السابقة أن الدعاء سبب من أسباب الهداية، فلا بد من طلبها، وسؤال الله تعالى الثبات على الهداية التي تنجي صاحبها من الزيغ والضلال، والسلامة لا يعدلها شيء. خامسًا: الجهاد: لقد شرع الجهاد في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّةً، ويقاتل رياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)(٢). (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٥٣/١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو قال النووي في شرح هذا الحديث: «فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله يختصُّ بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)) (٣). ومن فضائل الجهاد في سبيل الله أنه سبب في الهداية، قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَتَّهُمْ سُبُلَنَاً وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. قال ابن عطية في تفسير الآية: (( والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبوت على الإيمان، والسبل هاهنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد النيرة)»(٤). قيل: إن معنى ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاً﴾: أي: من جاهد في الطاعة هداه سبل الجنة. وقيل: نظروا في دلائلنا ليحصل فيهم العلم بنا (٥)، والمعنى: نبصرهم سبلنا، أي: طرقنا في الدنيا والآخرة (٦). وقال الشوكاني (( أي: جاهدوا في في سبيل الله، رقم ١٩٠٤. (٣) شرح صحيح مسلم، النووي ٦/ ٥٣٠. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٢٦/٤. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٩٥/٢٥. (٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٤٥/٤. www. modoee.com ١٤٧ حرف الهاء شأن الله لطلب مرضاته، ورجاء ما عنده من الخير ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاً﴾: أي: الطريق الموصل إلينا))(١). وقيل: الذين جاهدوا فينا بالثبات على الإيمان لنهدينهم إلى ما لم يعلموا (٢)، وقيل: لنهدينهم سبل السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير(٣). وقال ابن عطية: ((وإنما هو جهاد عام في دین الله وطلب مرضاته)»(٤)، وهذا يدل على أن الجهاد في الآية لا يقتصر على القتال. وقال القرطبي: (( قال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعِظَمُهُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر)»(٥). وهذا يعني أن الذین جاهدوا وثبتوا على الإیمان سیهدیهم الله تعالی سبل السير إليه، أي: إن المجاهد سيهتدي إلى سبيل كل خير، ومن ذلك الهداية ودخول الجنة، قال (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٩٩/٣. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان، ٧/ ١٥٥. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤٨/٧. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٢٦/٤. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٩٠/١٦. جومبو القرآن الكريم ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ سبحانه: حَّ إِذَا أَنْخَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَّ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ بَشَآءُ الَهُ لََّنَّصَرٌ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ سُ سَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَمْ ل وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦]. وجاء في سورة الفتح ما يدل على أن الجهاد سبب من الأسباب المؤدية إلى الهداية. وهذه الهداية للذين جاهدوا سواء قتلوا، أو لم يقتلوا، والدليل قراءة: (قاتلوا) بزيادة ألف بعد القاف، وتاء مفتوحة، وهي قراءة سبعية متواترة (٦). والفتح المبين لمكة المكرمة، ولغيرها من البلاد کان بالجهاد، وذكر الله تعالى من فضائله: أن فيه المغفرة، وإتمام النعمة، وأنه من أسباب الهداية، والنصر العزيز، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا وَيَصْرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عزيزًا﴾ [الفتح: ١-٣]. أي: إن الله تعالى أتم النعمة بإعلاء الدين، وانتشار الإسلام، وفتوح البلاد شرقًا وغربًا، ورفع شأن النبي صلى الله (٦) انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد، ص ٦٠٠. ١٤٨ الهداية عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وليرشده وقد قال عز وجل: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. إلى الطريق القويم بما يشرعه له من الشرع العظيم، ويثبته على الهدى، ولينصره الله على أعدائه نصرًا غالبًا منيعًا، لا يتبعه ذلّ، أو هو عزيز المنال فريد المثال(١). من خلال ما سبق يظهر أن الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا سبب من الأسباب المؤدية إلى سبل الخير، ومنها الهداية، ودخول الجنة. سادسًا: الاقتداء بأهل الهدى: لقد دعا الإسلام للاقتداء بأهل الإيمان والصلاح والتقوى، والله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء قبله، وجعل في ذلك الهداية. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾(٢) [الأنعام: ٩٠]. قال الثعالبي في تفسير هذه الآية: ((الظاهر في الإشارة ﴿أَوْلَيْكَ﴾ إلى المذكورين قبل من الأنبياء، ومن معهم من المؤمنين المهديين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول، والفعل، والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه صلى الله عليه وسلم بجمعيهم في العقود والإيمان، والتوحيد الذي ليس بينهم فيه اختلاف، وأما أعمال الشرائع فمختلفة، (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٦/ ١٥١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٨/ ٤٥٢. وأعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره مخاطب بشرع من قبله في العقود والإيمان والتوحيد، فإن آدم عليه السلام فمن بعده دعا إلى توحيد الله عز وجل دعاء عامًّا))(٣). وقد دل قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ﴾ على إبطال الشرك، وإثبات التوحيد، كما دل قوله: ﴿فَيَهُدَلُهُمُ أَقْتَدِةٍ﴾ على وجوب اتباع هدي الأنبياء المشترك، وهو أصل التوحيد، وعبادة الله، والفضائل والأخلاق الشريفة، وجميع الصفات الحميدة، واحتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلی الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أمره بأن يقتدي بهم بأسرهم (٤). والمعنى أن الله تعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء، والسير على طريقتهم في الإيمان بالله، وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة (٥). وقال الشوكاني في معنى الآية: (( إن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار؛ إذ لا يصح أن يؤمر (٣) الجواهر الحسان، الثعالبي، ١/ ٤٩٧. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٨٥/٧. (٥) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٤٢٩/٤. www. modoee.com ١٤٩ حرف الهاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهداهم، صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا وتقديم ﴿فَبِهُدَهُمْ﴾ على الفعل يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء، والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله، وقيل: المعنى: اصبر كما صبروا، وقيل: اقتد بهم في التوحيد، وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة، وفيها دلالة على أنه مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء)) (١) وقال الألوسي في معنى: ﴿أُوْلَكَ اُلَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾، أي: « هدیناهم إلى الحق والصراط المستقيم والالتفات إلى الاسم الجليل للإشعار بعلة الهداية، وحفظ المهدي إليه اعتمادًا على غاية ظهوره ﴿فَيْهُدَلُهُمُ أَقْنَدِةٌ﴾، أي: اجعل هداهم منفردًا بالاقتداء، واجعل الاقتداء مقصورًا عليه، والمراد بهداهم عند جمع طريقهم في الإيمان بالله تعالى، وتوحيده، وأصول الدين ))(٢). صلى الله عليه وسلم أمر لنا؛ لأنه قدوتنا؛ ولأن الله تعالى يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ اْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١](٣). (١) فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ١٧٧. (٢) روح المعاني، الألوسي، ٣١٤/٥. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٦/ ٨٠. النَّاسُ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيُمي، وَيُّمِثِّ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُتِيّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. هذا أمر من الله تعالى بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، وصبره ومصابرته، ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل، والمعنى: لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة صالحة، ومثل أعلى يحتذى به، فهلا اقتديتم، وتأسیتم بشمائله صلی الله عليه وسلم، فهو مثل أعلی یقتدى به، إذا كنتم تريدون ثواب الله وفضله، وتخشون الله وحسابه فعليكم باتباعه صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك الهداية (٤). ومما سبق يتضح وجوب الاقتداء بالنبي ويتضح من ذلك أن الله تعالى ذكر صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام، الأنبياء، وأمر النبي أن يقتدي بهم، وأمره وأهل العلم، والصالحين من هذه الأمة، وأن ذلك من أسباب الهداية، وجاء في أبواب الحديث باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فوعظنا موعظة بليغة والله سبحانه وتعالى أمر باتباع النبي وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٧٣/٢١. ١٥٠ جوبيين القرآن الكريم الهداية فقيل: يا رسول الله: وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد، فقال: علیکم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، وسترون من بعدي اختلافًا شديدًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة)(١). وخلاصة القول: إن الاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، والاهتداء بهديهم سبب من الأسباب التي تحقق الهداية التي يسعى العبد للوصول إليها. سابعًا: التفكر في الكون: إن في خلق السموات والأرض، وما بث الله سبحانه وتعالى فيهما من الآيات الكونية، والمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار تدلّ على وجود الله تعالى، وتوحيده، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، ولم يخلق الله ذلك إلا لحكمة، ومصلحة للإنسان، وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات الكونية، مثل: رفع السماء بغير عمد، ومد الأرض، وجعل الجبال الرواسي فيها، وتسخير الشمس والقمر، وما فيهما من (١) أخرجه ابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ١/ ٢٠، رقم ٤٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٨٠٥/٢، رقم ٤٣٦٩. فوائد، وهذه الآيات، وغيرها فيها علامات قاطعة على أن الله تبارك وتعالى خالقها، وهو الرب المعبود وحده، وفي معرفة ذلك هداية الإنسان، وصلاح أموره في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمَّىَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَِّ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ ) وَهُوَ اُلَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِقَ وَأَنْهَرًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ اَلنَّهَارُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٢-٣]. لقد ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين من الآيات الكونية ما يدعو الإنسان للتدبر، والتفكر، واليقين حتى يميز الحق من الباطل، وأن الذي يتفكر في هذه المخلوقات یعلم أن الله عز وجل خالقها، ولا يكون ذلك إلا من أصحاب العقول السليمة التي لا تحيد عن الحق، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِأُوْلِى الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وهذه الآيات الكونية، وغيرها فيها الهداية، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِ اَلْأَرْضِ www. modoee.com ١٥١ حرف الهاء رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُّلًا في كل ليلة فهم مضطرون إلى السير ليلًا، وهي هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥ -١٦]. على السائر، والمقصود بذلك النجوم التي تعارفها الناس للاهتداء كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِلْتَدُواْ بِهَا فِى خُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧](١). والمعنى: أن ما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف، وهداية للإنسان، وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض، وموضوعة على ظاهر سطحها عبر عن خلقها، ووصفها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض، ولعل خلقها کان متأخرًا عن خلق الأرض، إذ لعل الجبال انبثقت باضطرابات أرضية كالزلزال العظيم، ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار، وأما السبل والعلامات فتأخر وجودها ظاهر، فصار خلق الأرض، والرواسي، والأنهار، والسبل شبيهًا بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه، والعلامات: الأمارات التي ألهم الله الناس أن يضعوها أو يتعارفوها لتكون دلالة على المسافات، والمسالك المأمونة في البر والبحر فتتبعها السابلة. والله سبحانه وتعالى هدى الإنسان بالنجم، وهذه منة بالاهتداء في الليل؛ لأن السبيل والعلامات إنما تهدي في النهار، وقد يضطر السالك إلى السير ليلًا؛ فمواقع النجوم علامات الاهتداء الناس السائرين ليلًا تعرف بها السموات، وأخصُّ من يهتدي بها البحارة؛ لأنهم لا يستطيعون الإرساء والله سبحانه وتعالى ألقى في الأرض الجبال العظام؛ لأجل عباده؛ لئلا تميد بهم، وتضطرب بالخلق فيتمكنون من حرث الأرض، والبناء، والسير عليها، ومن رحمته تعالی أن جعل فیھا أنهارًا على وجه الأرض يسوقها من أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها؛ لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، وجعل أيضًا أنهارًا في بطنها يستخرجون الماء منها بحفرها بما سخر الله لهم من الأدوات، والآلات، ونحوها، ومن رحمته أن جعل في الأرض سبلًا، أي: طرقًا توصل إلی الدیار المتنائیة، حتى إنك تجد أرضًا مشتبكة بالجبال مسلسلة فيها، وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين، وهذا كله من لطف الله، وهدايته(٢). والآيات الكونية في القرآن الكريم كثيرة، وإنَّ المتأمل في مخلوقات الله يجد أنها تدلُّ (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤/ ١٢١ بتصرف. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٧، بتصرف. ١٥٢ صَوَسُولَة النَّتِيَّة جوي الْقُرآن الكَرِيمِ الهداية على الخالق جل وعلا، وأن هذه الآيات تقود أصحاب العقول السليمة إلى توحيد الله تبارك وتعالى. زيادة الهداية إن العبد إذا آمن بالقرآن الكريم، وأخذ حظوظه منه، واهتدى به مجملًا، وقبل أوامره، واجتنب نواهيه، وصدق بأخباره کان ذلك سببًا لحصول هدایة أخری له علی التفصيل؛ لأن الهداية لا نهاية لها، فإذا زاد الإيمان، وزادت التقوى عند العبد زادت الهداية. قال ابن القيم: ((إن العبد إذا آمن بالکتاب واهتدى به مجملًا، وقبل أوامره، وصدق بأخباره کان ذلك سببًا لهدایة أخرى تحصل له علی التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ، ففوق هدايته هداية أخرى، وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية، فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى، فهو في مزید هداية ما دام في مزيد من التقوى، وكلما فوَّت حظًّا من التقوى فاته حظّ من الهداية بحسبه، فكلما اتقی زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه. قال تعالى: ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ [الشورى: ١٣]. وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ وقال: ﴿سَيَذَّكْرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]. www. modoee.com ١٥٣ حرف الهاء وقال: ﴿وَمَا يَنَذَكَّرُ إِلَّ مَنْ يُنِبُ﴾ [غافر: ١٣]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ إِيَمَنًا﴾ [الأنفال: ٢]. الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾ [يونس: ٩]. ونظير ذلك قوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّئَ﴾ [مريم: ٧٦]))(١). يتبين من كلام ابن القيم أن الهداية تزید بالرجوع إلى القرآن الكريم، والتقوى، والتوبة، والذكرى، والأعمال الصالحة، وفي المقابل فإنها تنقص مع نقص الإيمان والتقوى. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّئٌ﴾ [مريم: ٧٦]. أي: إيمانًا، وإيقانًا على يقينهم (٢). وقال السعدي في تفسير هذه الآية: لما ذکر أنه یمد للظالمين في ضلالهم، ذکر أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من سلك طريقًا في العلم، والإيمان، والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه، ويسره له، ووهب له أمورًا أخر لا تدخل تحت کسبه، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ (١) الفوائد، ابن القيم، ص ١٦٠. (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٠٥/٣. ءَامَنُواْ إِيمَنَا ﴾ [المدثر: ٣١]. وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ: زَادَتْهُمْ ويدل عليه أيضًا الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور، أعظم تفاوت» (٣). والآيات السابقة تدل على أن الإيمان يزداد وینقص. قال النووي: (( مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص: قال: فإن قيل: الإيمان في اللغة: التصديق. فالجواب: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وينقصانها ینقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الايمان كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان، وأما التصديق بالله تعالى ورسوله صلی الله عليه وسلم فلا ينقص» (٤). یتبین مما تقدم أن الإیمان حینما یزید تزيد الهداية، وإذا نقص الإيمان نقصت الهداية، وهذا ما أخبرنا عنه القرآن أيضًا في (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٧٣. (٤) شرح صحيح مسلم، النووي، ٢/ ٧. ١٥٤ جَوَسوبر النفسية القرآن الكريمِ الهداية قصة أصحاب الكهف. قال تعالى: ﴿أَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]. قال ابن جرير الطبري في معنى هذه الآية: « نحن یا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق، واليقين الذي لا شك فيه ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾، يقول: إن الفتية الذين أووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾، يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا، وبصيرة بدينهم، حتى صبروا علی هجران دار قومهم، والهرب من بین أظهرهم بدینهم إلی الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل )) (١). ويتبين من ذلك أن أصحب الكهف عندهم قيم صحيحة، ولديهم الصدق واليقين، وزيادة الإيمان، والصبر مما جعلهم يفرون بدينهم خوفًا من الطاغية صاحب القيم الزائفة، من أجل ذلك زادهم الله هدى بالتوفيق، والثبات والصبر. وحول هذا المعنى، قال الزمخشري:( زادهم الله هدى بالتوفيق والتثبيت والربط (١) جامع البيان، الطبري، ٢٠٧/١٥. على قلوبهم وتقويتها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وتجسيرهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام، إذ قاموا بين يدي الطاغية الجبار من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم: ﴿فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾))(٢). وهذا يدل على إيمانهم بالله وحده فزادهم الله من الهدى، قال السعدي: ( هؤلاء الفتية آمنوا بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَّى [مريم: ٧٦](٣). وجاء ما يوافق هذا المعنى كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَمُهُمْ تَقْوَّنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. أي: من أجل الإیمان زادهم الله هدى، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم هدى، وقيل: زادهم ما يسمعونه من القرآن هدى، أي: يزيد يقينهم، وقيل: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وفي (٢) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٤٧٤. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٣٤. www. modoee.com ١٥٥ حرف الهاء الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: أحدها: واضطرابهم؛ لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه، ويحمد الله على إيمانه، ويزيد بصيرة زادهم علمًا، والثاني: أنهم علموا ما سمعوا، وعملوا بما علموا، والثالث: زادهم بصيرة في دينهم وتصدیقًا لنبيهم صلى الله عليه وسلم، والرابع: شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان(١). في دينه، فكأنه قال: المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي: كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى، آمنوا بمحمد، فالفاعل في: وعلى كل تقدير فالمراد أنه سبحانه وتعالى زادهم إيمانًا، وعلمًا، وبصيرة في الدين، وهذه الأشياء كلها فيها الهداية، وزيادتها(٢) ﴿زَادَهُمْ﴾ محمد عليه السلام كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه، وقوله على هذا القول: ﴿اهتدوا ﴾ یرید في إیمانهم بعیسی عليه السلام، ثم زادهم محمد هدی حین وحول هذا المعنى، قال ابن كثير: ((إن الذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها))(٣). آمنوا به، والفاعل في ﴿وَءَانَتُهُمْ﴾ يتصرف بحسب التأويلات المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى، ﴿رَءَانَمُهُمْ﴾، معناه: أعطاهم، أي: جعلهم متقين له)) (٤). وقد يكون معنى زيادة الهداية: بزيادة التفهيم والأدلة، أو بورود الشرائع، والنواهي، والأخبار. قال ابن عطية: ( قوله تعالى: ﴿زَادَهُمْ مُدِّى﴾ يحتمل أن يكون الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾: الله تعالى، والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع، والنواهي، والأخبار؛ فیزید الاهتداء؛ لتزيد علم ذلك كله، والإيمان به، وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: ﴿زَادَهُمْ﴾ قول المنافقين والراجح أن الفاعل في: ﴿زَادَهُمْ﴾ الله سبحانه وتعالى؛ لأن الهداية المذكورة هداية التوفيق التي نفاها الله عز وجل عن النبي صلی الله عليه وسلم، وهذا يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمتلك هداية التوفيق، وغيره لا یمتلکھا من باب أولى. والملاحظ مما سبق أن الهداية تزيد بزيادة الإيمان، والأعمال الصالحة، والثبات علی الدین، وتجنب الفتن. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٦٣/١٩، ٢٦٤، بتصرف يسير. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤٢/٥،. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠٢/٤. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١١٥/٥. عَبُ النَّسَيَّة جونيو القرآن الكريم ١٥٦ الهداية أسباب الحرمان من الهداية إن للهداية أسبابًا، والسعيد من التزمها، وثبت عليها، وعمل على زيادتها، والخاسر من حرم منها، فمن الناس من یطرق بابها ولكنه لا يوفق إليها؛ وذلك لوجود موانع تمنعه من تحصيلها. فمن أسباب الحرمان من الهداية: أولًا: الكفر: لقد وردت آيات كثيرة في القرآن الکریم تدل على أن الله عز وجل یحرم الکافرین، ويمنعهم من التوفيق للهداية. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]. قال الشوكاني في معنى الآية: (( إن المصرين على كفرهم المستمرين عليه لا يهديهم الله عز وجل إلى هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجمیع عباده))(١). والمعنى: إن الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، وأصبحت قاسية، ومطبوع عليها يحرمون الهداية حتى لو جاءتهم کل آية، لم يهتدوا. وقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًاً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُوّاْ أَنَّ الرَّسُولَ (١) فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٤٥٦. حَقٌ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّْلِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]. قال السعدي في معنى الآية: (( هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قومًا اختاروا الكفر والضلال بعدما آمنوا، وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات البينات والبراهين القاطعات))(٢). فالذي يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويصر عليه يحرم الهداية، ولكن لا يستهان بالكفر الأصغر؛ فقد يَجُّ صاحبه إلى الكفر الأكبر، والسلامة لا يعدلها شيء. ثانيًا: الظلم: إن الظلم مانع من موانع الهداية، وسبب من أسبابها، والظلم الذي يحرم صاحبه الهداية هو الظلم الأكبر المخرج من الملة. ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَُّم ◌ِّنَكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمُُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّلِينَ ﴾ [المائدة: ٥١]. فهذه الآية تدل دلالة واضحة على تحريم موالاة اليهود والنصارى، ولفظ الظالمين يشمل كلَّ ظالم، والله تعالى لا يهدي الظالمين، والهداية المنفية في هذه الآية هي هداية التوفيق؛ فيحرم منها كل من (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣١٢. www. modoee.com ١٥٧ حرف الهاء والى اليهود والنصارى؛ لأنهم أعداء الله، وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. ورسوله، والمؤمنین. الذين يتولون اليهود والنصارى لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم؛ فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تنبيهًا على أن توليهم ظلم لما أنه تعريض لأنفسهم للعذاب الخالد، ووضع للشيء في غير موضعه، وهذا سبب حرمانهم الهداية(١). والذي يظلم نفسه ظلم الاعتقاد المخرج من الملة، ويوالي أعداء الله عز وجل یکون قد ارتكب محرمًا؛ فيحرم الهداية من الله تعالى، وقد فسر القرآن الكريم الظلم بالشرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]. وهذا يعني أن الشرك سبب من أسباب الحرمان من الهداية. ثالثًا: الفسق: الخروج عن طاعة الله تبارك وتعالى يؤدي إلى زيغ القلوب، وحرمان الهداية. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى ◌ِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد ◌َّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَّاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤٨/٣. أي: الذين لم يزل الفسق وصفًا لهم، ليس والمعنى: إن في الآية تعليل لكون لهم قصد في الهدى، وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلمًا منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذین أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فیجازیھم بعد ذلك بالإضلال، والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه، وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلاً منه بهم؛ فهؤلاء يحرمون الهداية(٢). والمعنى: إن بني إسرائيل لم يتبعوا نبيهم موسى عليه السلام، وتركوا الحق الذي جاءهم به، وآذوه، عند ذلك أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الحيرة والشك، وصرفها عن الحق، وكان ذلك سببًا في حرمانهم من الهداية، وكل من فعل فعلهم يحرمها؛ لأن الله تعالی لا يوفق للحق، ولا يرشد للهداية القوم الفاسقين الفسق الأكبر المخرج من ملة الإسلام. والنفاق من الفسق، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]. فالآية تدل على أن النفاق فسق؛ فيكون النفاق مانعًا من موانع الهداية، وسببًا من (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٩٦. ١٥٨ القرآن الكريمِ الهداية أسبابها. رابعًا: الكذب: إن الله عز وجل لا يرشد، ولا يوفق للهداية كل من افترى عليه الكذب، وقال حسب زعمه: إن لله ولدًا، وإن الآلهة تشفع له، وتقربه إلى الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ [الزمر: ٣]. والمعنى: إن الله لا يوفق للدين الذي ارتضاه، وهو دين الإسلام، ولا يعطي هداية التوفيق من كذب على الله، وافترى عليه، وقلبه كافر بآياته، وحججه وبراهينه(١)، وليس ذلك فحسب بل إنه يمنع من هدايته. وجاء هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَىْ عَلَى الَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٌّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. خامسًا: الكبر: إن المتكبر عرضة للطبع على قلبه؛ فیکون من المسرفین. قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِي ءَايَتِ (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٤٦/٢٣ بتصرف. اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمٌّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ الَهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. فالآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله؛ لأنه كان في نفسه متكبرًا جبارًا، والمعنى أن الله تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب؛ فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله(٢). ومعنى ذلك أن الله تعالى يطبع على قلوب المسرفين والمتكبرين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، فيحرمون الهداية؛ لأن القلب المطبوع عليه لا يستقبل هدی بسبب الکبر. سادسًا: الخيانة: الخيانة خصلة ذميمة تحرم صاحبها الهداية، ودليل ذلك ما ورد في سورة يوسف، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمْ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَابِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. قال الألوسي في معنى الآية: ((أي: لا ينفذه ولا يسدده بل يبطله ويزهقه؛ فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم؛ فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٦٤/٢٧. www. modoee.com ١٥٩ حرف الهاء واقعة عليهم تجوزًا للمبالغة؛ لأنه إذا لم يهد ثامنًا: اتباع خطوات الشيطان: السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى))(١). والآية تدل على أن الله تعالى نفى عن الخائنين الهداية؛ حيث إنهم يحرمون منها بسبب الکید. سابعًا: الضلال: الضلال نقيض الهداية، ولا يمكن للضال أن يجمع بين الهداية والضلالة في آنٍ واحدٍ، فالجمع بين النقيضين مستحيل، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: ((أي: من حقَّ علیه القضاء بضلالة فما له من هاد يهديه إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة»(٢). قال السعدي: ((﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؛ لأنه لا طریق یوصل إليه إلا توفيقه، والتوفيق للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا، فلا سبيل إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء))(٣). ويتضح من الآية أنَ الضالَّ لا يوفق إلى المطلوب، ويكون محرومًا من الهداية، وليس له سبيل إلى الهدى. (١) روح المعاني، الألوسي، ١٢/ ٣٩٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤/ ٥٥٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٠٠. إن الشيطان يزين للإنسان عمله حتى یری السِّئ حسنًا، وليس ذلك فحسب بل إنه يصده عن سبيل الهداية. قال تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَّدُونَ ﴾ [النمل: ٢٤]. والمعنى: أن الهدهد وجد ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله، والسبب في ذلك أنَّ الشيطان زين لهم سوء أعمالهم؛ ﴿فَصَدَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾، أي: وجد هذه الملكة، وقومها يعبدون الشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان قبيح أعمالهم، فصاروا يرون السيِّئ حسنًا، ومنعهم الشيطان عن طريق الحقِّ، وعبادة الله الواحد الأحد، فأصبحوا لا يهتدون؛ وهذا يعني أنهم حرموا الهداية (٤). ويتبين من ذلك أنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ویزین له سوء عمله، ویضله، حتی يحرمه الهداية، وخطوات الشيطان عامة في منع الهداية. قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلاَ بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٨٥/١٩. مَوَسُو ◌َة النفسي القرآن الكريم ١٦٠ الهداية أثر الهداية في الدنيا والآخرة إن للهداية أثرًا عظيمًا لمن التزمها؛ فالمهتدي يجد صلاح البال، والسعادة، والأمن في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِنَّكُم مِّنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. والمعنى: إنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل إلى بني آدم رسلًا يبينون لهم الطريق المستقيم الموصلة إليه، وإلى جنته، ويحذرونهم من هذا العدوِّ المبين، وأنهم، أي: وقت جاءهم ذلك الهدى الذي هو الکتب والرسل، فإن من اتبعه اتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله السعادة، والأمن في الآخرة (١). والله سبحانه وتعالى نفى الخوف والحزن عمن اتبع الهدى، فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. قال السعدي: ((نفى الله الخوف والحزن عمن اتبع هداه، وإذا انتفیا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفى الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٢٣. ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه حصل له الأمن والسعادة الدنيوية، والأخروية، والهدى))(٢). والآية تدلُّ دلالة واضحة أنَّ الله تعالى نفى عن المهتدي الخوف والحزن، وأثبت له الأمن والهدى، والسعادة في الدنيا والآخرة. والله تعالی یجعل من المهتدين أئمة من أجل هدایة غیره، قال عز وجل: ﴿ وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. أي: إنَّ الله تعالى جعل منهم أئمة يقتدى بهم، علماء بالشرع، وطرق الهداية، مهتدین في أنفسهم، ويهدون غیرهم بذلك الهدى، فالكتاب الذي أنزل إليهم هدى، والمؤمنون به منهم على قسمين: أئمة يهدون بأمر الله، وهم على الهدى، وأتباع مهتدون بهم(٣). والله عز وجل جعل نصرته للمهتدين في قوله تعالى: ﴿وَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ [الفتح: ٢-٣]. والآية تعني أن النصر على الأعداء يكون لمن هداهم الله، وقال ابن عطية: (( النصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو، والظهور عليه)) (٤). وأهل الجنة يدخلونها، ويسلم الله (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٢. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٩٠٥. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٢٦/٥. www. modoee.com ١٦١ حرف الهاء صدورهم من الغل، ويحمدون الله على وقد عرفهم بها، وأعلمهم وبينها لهم من غير استدلال، حتى إن أهلها یھتدون إلی بیوتھم ومساكنهم من غیر مرشد ولا دلیل»(٢). ذلك، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَافِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ آلْأَنْهَرٌ وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَسَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لَِهْتَدِىَ لَوْلاً أَنْ هَدَنَا اللّه لَقَدْ جَلَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالِّْ وَنُودُوّاً أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِقْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ومما سبق يتضح أن الهداية لها أثر على من اهتدى في الدنيا والآخرة، والله الموفق، والهادي إلى سواء السبيل. قال الشوكاني في تفسير هذه الآية ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَسَنَا لِهَذَا﴾ ((أي: لهذا الجزاء العظيم، وهو الخلود في الجنة، ونزع الغل من صدورهم، والهداية هي الهداية لسببه من الإيمان، والعمل الصالح، وما كنا نطيق أن نهتدي لهذا الأمر لولا هداية الله لنا، أي: لولا هداية الله لنا ما كنا لنهتدي»(١). وجاء في سورة محمد ما يدل على أن المهتدين يصلح الله بالهم، ويدخلهم الجنة. قال تعالى: ﴿سَيِّهْدِهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَمْ ) وَيُدْسِلُهُمُ لْنَّةَ عَرَّفَهَالَمْ﴾ [محمد: ٥-٦]. فجاءت الهداية قبل صلاح البال، ودخول الجنة، والمعنى كما قال الزحيلي (( أي: سيوفقهم الله تعالى للعمل بما يحبه ويرضاه، ويرشدهم إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم، وأمرهم، وشأنهم في الآخرة، أي: تحفظ أعمالهم وتخلد لهم، ويدخلهم روضات الجنات يحبرون فيها، (١) فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٢٦٢. العضو مَ قَ الَةُ الَِّيَّة جوسين القرآن الكريمِ موضوعات ذات صلة: الإصلاح، الدعوة، الصلاح، الضلال، الفلاح، النجاة، النصيحة (٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٨٧/٢٦. ١٦٢