Indexed OCR Text

Pages 61-72

النكاح
من أمهات المؤمنين
.
(١)
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾
و قوله:
[الأحزاب: ٥٠].
وضة بين جملة ﴿إِن وَهَبَتْ﴾
وبين ﴿خَالِصَةٌ ﴾ وليس مسوقًا للتقیید؛ إذ
لا حاجة إلى ذكر إرادة نكاحها، فإن هذا
معلوم من معنى الإباحة، وإنما جيء بهذا
الشرط لدفع توهم أن یکون قبوله هبتها
نفسها له واجبًا عليه كما كان عرف أهل
الجاهلية(٢).
ونلحظ في هذه الآية أنه توالى فيها
شرطان: ﴿إِن وَهَبَتْ﴾، ﴿إِن أَرَادَ التَِّىُّ﴾
وهذا كثير في القرآن، من ذلك قوله تعالى
إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه:
﴿وَلَا يَنفَعَّكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن
كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
وكقول موسى: ﴿يَقَوِّمُ إِن كُنتُمْ ءَامَنْثُم ◌ِاللَّهِ
فَعَلَّهِ تَوَُّواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤](٣).
وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط
يجعل جواب أحدهما محذوفًا، دل عليه
المذكور، أو جواب أحدهما جوابًا للآخر
على خلافٍ في ذلك (٤).
والعدول عن الإضمار في قوله: ﴿أَرَادَ
النِّئُ﴾ بأن یقال: إن أراد أن يستنكحها لما
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٤٢.
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٢٤١/٤.
في إظهار لفظ: ﴿النَّبِيِّ﴾ من التفخيم
والتكريم. والسين والتاء في ﴿يَسْتَنكِحَهَا﴾
ليستا للطلب، بل هما لتأكيد الفعل كقول
النابغة (٥):
وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة
أبا جابر واستنكحوا أم جابر
أي: بنو حن قتلوا أبا جابر الطائي،
فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة
بني حن، أي زوجة رجل منهم، وهي مثل
السين والتاء في قوله: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ
رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥](٦).
ودليل هذه الخصوصية قوله: ﴿خَالِصَةَ
لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فليس لامرأة أن
تھب نفسها لرجل بغیر شهود، ولا ولي، ولا
مهر إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من
خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في
النساء.
ولو تزوجها غيره بلفظ الهبة لم ينعقد
النكاح، وقيل: إذا وهبت نفسها منه وقبلها
بشهود ومهر، فإن النكاح ينعقد، والمهر
يلزم به، فأجازوا النكاح بلفظ الهبة، وقالوا:
كان اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم
في ترك المهر، والله تعالى قد سمى
النکاح باسمین التزويج والنكاح، فلا ينعقد
بغيرهما(٧).
(٥) ديوان النابغة الذبياني ٤٥/١.
(٦) التحرير والتنوير ٣٧٨/١.
(٧) الكشف والبيان، الثعلبي ١٥٩/١١.
www. modoee.com
٤٢٣

حرف النون
وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون
إتيان الصداق، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ
تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن
دخل بها فلها صداق المثل.
وانتصب ﴿خَالِصَةٌ﴾ على الحال من
﴿وَآَمَةَ﴾ أي: خالصة لك تلك المرأة، أي:
هذا الصنف من النساء، والخلوص بمعنى:
عدم المشاركة، أي: مشاركة بقية الأمة في
هذا الحكم؛ إذ مادة الخلوص تجمع معاني
التجرد من المخالطة (١).
أي: لا يحل لأحد أن يتزوج بطريق الهبة،
وقيل: إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم من
النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم؛
لأن سائر المؤمنين قصروا على أربع نسوة،
وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من
ذلك(٢) فيكون قوله: ﴿خَالِصَةٌ﴾ يرجع
إلى جميع ما في الآية، أي: هذا الإكثار من
النكاح وهذه المرأة الواهبة خالصة لك،
وقوله: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ﴾ وخاصة مصدران
يستوي فيهما المذكر والمؤنث، كالخاطبة
والكاذبة واللاغية (٣)
ويدل على خصوصيته بهذا النوع وهي
الواهبة وجهان:
(١) التحرير والتنوير ٣٣٧٨/١.
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٧٢/٢.
(٣) غرائب التفسير وعجائب التأويل ٢/ ٩٢٠.
أحدهما: أنه لما أحل له الواهبة، قال:
﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنینُ ﴾؛ لیبین
اختصاصه بذلك، فعلم أنه حیث سكت
عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتًا، وإلا
فلا معنى لتخصيص هذا الموضع ببيان
الاختصاص.
الثاني: أن ما أحله من الأزواج ومن
المملوكات ومن الأقارب أطلقه، وفى
الموهوبة قيدها بالخلوص له؛ فعلم
أن سكوته عن التقييد في أولئك دليل
الاشتراك (٤)
ثانيًا: تزويج الله لنبيه:
ومن خصوصیاته صلی الله عليه وسلم
في النكاح أن الله تعالى زوجه زينب بنت
جحش من غير عقد ولا مهر ولا ولي.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللّهُ
عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ
اَللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا
وَطَرًّا زَقَّحْنَكَهَا لِكَوْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ فِي أَزْوَجٍ أَدْعِيَآيِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَّ
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فتكون هذه خصوصية للنبي صلى الله
علیه وسلم، ولم يذكر في الروايات أن النبي
عليه الصلاة والسلام أصدقها، فعده بعض
(٤) التحرير والتنوير ٣٣٧/١.
٤٢٤
جوية
القرآن الكريمِ

النكاح
أهل السير من خصوصياته صلى الله عليه الله عنه، ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا تفارقها،
وسلم أيضًا، فيكون فى تزوجها خصوصيتان
نبويتان(١).
وكان سبب نزول هذه الآية: أن الله
تعالى أراد أن يشرع شرعًا عامًا للمؤمنين: به.
أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة من
جميع الوجوه، وأن أزواجهم لا جناح على
من تبناهم في نكاحهن، و کان هذا من الأمور
المعتادة التي لا تکاد تزول إلا بحادث کبیر،
فأراد أن يكون هذا الشرع قولاً وفعلاً من
رسوله، وإذا أراد الله أمرًا جعل له سببًا،
وکان زيد بن حارثة يدعی: زید بن محمد
قد تبناه النبي صلی الله عليه وسلم، فصار
يدعى إليه، حتى نزل: ﴿آدْعُوهُمْ لِّبَايِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٥].
فقيل له: زيد بن حارثة وكانت تحته
زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وكان قد وقع في قلب
الرسول لو طلقها زيد لتزوجها، فقدر الله أن
یکون بينها وبين زید ما اقتضی أن جاء زید
بن حارثة يستأذن النبي صلی الله عليه وسلم
في فراقها(٢).
فقص الله هذه القصة، فقال: ﴿ وَإِذْ
تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ﴾ أي: بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ
عَلَيْهِ﴾ بالتبني والعتق، والمراد زيد رضي
(١) المصدر السابق ٣٣٦/١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٦٥.
واصبر على ما جاءك منها،
الله
وَاتَّقِ
تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك
خاصة، فإن التقوى تحث على الصبر، وتأمر
﴿وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾
والذي أخفاه أنه لو طلقها زيد لتزوجها
صلی الله عليه وسلم(٣).
وذكر بعضهم أن إرادته صلى الله عليه
وسلم طلاقها وحبه إياها كان مجرد خطوره
بياله الشريف بعد العلم بأنه يريد مفارقتها،
وليس هناك حسد منه - عليه الصلاة
والسلام، وحاشاه- له عليها، فلا محذور،
فلو كان المضمر محبتها وإرادة طلاقها
ونحو ذلك لأظهره جل وعلا، وللقصاص
في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في
حيز القبول (٤).
ولم يقدر منافق ولا غيره على الخوض
في ذلك ببنت شفة مما یوهنه ویؤثر فيه، فلو
كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه
وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر
ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم
یکتمه فلا یظهره، فدل على أنه إنما عوتب
على إخفاء ما أعلمه الله تعالى من أنها
ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن
(٣) المصدر السابق.
(٤) روح المعاني، الألوسي ١٢٨/١٦.
www. modoee.com
٤٢٥

حرفالنون
يقول لزيد: إن التي تحتك وفى نكاحك
ستكون امرأتي (١).
ولهذا قال الحسن: ما أنزل الله عز
وجل على النبي صلى الله عليه وسلم آية
أُشد منها، ولو كان كاتمًا شيئًا من الوحي
لکتمھا(٢).
قال صاحب الظلال: وهذا الذي أخفاه
النبي صلی الله عليه وسلم في نفسه وهو
يعلم أن الله مبديه هو ما ألهمه الله أنه
سیفعله، ولم یکن أمرًا صريحًا من الله، وإلا
ما تردد فيه ولا أخره، ولا حاول تأجیله،
والجهر به في حينه مهما كانت العواقب
التي يتوقعها عن إعلانه، ولكنه صلى الله
علیه وسلم كان أمام إلهام يجده في نفسه،
ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته
ومواجهة الناس به حتى أذن الله بکونه،
فطلق زيد زوجه في النهاية، وهو لا یفکر لا
هو ولا زینب فيما سیکون بعد.
ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيما حمل؛ وواجه
بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية، حتى
لیتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد
في مواجهته بعقيدة التوحيد، وذم الآلهة
والشركاء؛ وتخطئة الآباء والأجداد!(٣)
ومعنى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في عدم إبداء
ما في نفسك ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ وأن
لا تباليهم شيئًا ﴿فَلَمَّا قَضَى زَبْدٌ﴾ ومعنى:
﴿قَضَى﴾ استوفى وأتم، واسم ﴿زَيْدُ
إظهار في مقام الإضمار؛ لأن مقتضى
الظاهر أن يقال: فلما قضى منها وطرًا، أي:
قضى الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه،
فعدل عن مقتضى الظاهر للتنويه بشأن زید.
لأنه کان یقال له: زید بن محمد، فلما
نزع عنه هذا الشرف حين نزل: ﴿ ادْعُوهُمْ
لِأَبَآَيِهِمْ﴾ وعلم الله وحشته من ذلك
شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدًا من
أصحاب محمد صلی الله عليه وسلم، وهي
وهذه الأقوال جميعها تهدم هدمًا تامًا
والتي تشب بها أعداء الإسلام في كل
زمان ومكان، وصاغوا حولها الأساطير
والمفتريات.
كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث، أن سماه في القرآن، ومن ذكره الله تعالى
باسمه في الذكر الحكيم نوه غاية التنويه (٤).
ومعنى: ﴿وَطَرًا﴾ أي: حاجته من
نكاحها. وقيل: أن الوطر هنا هو الطلاق،
وروي عن زينب أنها قالت: ((ما كنت أمتنع
إنما كان الأمر كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا
قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ وكانت هذه إحدى
منه غير أن الله منعني منه»، وقيل: إنه مذ
(١) السراج المنير ٣٣٨٢/١.
(٢) تفسير السمر قندي ٣/ ٤١٠.
(٣) في ظلال القرآن ٨٨/٦.
(٤) التحرير والتنوير ٣٦٣/١.
٤٢٦
جَوَسُولَة التَّقِينَ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

النكاح
تزوجها لم یتمکن من الاستمتاع بھا، وروي
أنه کان یتورم ذلك منه حین یرید أن یقربها،
فيكون الوطر هنا: الطلاق(١). وهذا ضعيف.
والمقصود أنه لما قضی زید وطره منها،
ولم يعد في قلبه ميل إليها، ولا وحشة من
فراقها وطابت نفسه، ورغب عنها، طلقها،
وفارقها بانقضاء عدتها منه؛ لأن به يعرف أنه
لا حاجة له فيها، وأنه قد تقاصرت عنها همته
وإلا لكان راجعها. فلما حصل هذا زوجها
الله تعالی النبي صلی الله عليه وسلم، فقال:
﴿َزَقَّحْتَكَهَا﴾ أي: جعلناها زوجة لك،
بلا واسطة عقد إصالة، أو وكالة. أي: لم
نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها
تشريفًا لك ولها، بما لنا من العظمة التي
خرقنا بها عوائد الخلق حتى أذعن لذلك كل
من علم به، وسرت به جميع النفوس.
فهي الوحيدة التي زوجه الله إياها من
فوق سبع سموات، وأنزل عليه: ﴿فَلَمَّا قَضَى
زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا ﴾ فقام فدخل عليها
بلا استئذان، و کانت تفخر بذلك على سائر
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول:
زوجکن أهالیکن وزوجني الله من فوق سبع
سماواته، وهذا من خصائصها؛ لأن الله جل
وعلا قد صرح بأنه هو الذي زوجه إياها.
وما أولم على امرأة ما أولم عليها، فذبح
شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد
(١) البحر المحيط ٩ /١٥٦.
النهار.
وكانت زينب تقول للنبي صلى الله
علیه وسلم: «إني لأدل عليك بثلاث ما من
نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد،
وأني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير
لجبريل عليه السلام)»(٢).
وكانت تفتخر على نساء النبي عليه
الصلاة والسلام فتقول: أنا أكرمكن وليًا،
وأکرمکن سفيرًا -جبرائيل-، وزوجكن
أقاربكن وزوجني الله عز وجل (٣).
وأشار سبحانه وتعالى إلى حكمة هذا
التزويج، فقال: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ فِي أَزْوَجٍ أَدْعِيَابِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾
وهي إبطال الحرج الذي كان يتحرجه أهل
الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه،
فلما أبطله الله بالقول؛ إذ قال: ﴿وَمَا جَعَلَ
أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].
أكد إبطاله بالفعل حتى لا يبقى أدنى
أثر من الحرج أن يقول قائل: إن ذاك وإن
صار حلالًا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال،
فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة
الدعي من أفضل الناس وهو النبي صلى الله
عليه وسلم (٤)؛ ليكون قدوة في إبطال هذه
العادة المرذولة، ولا يتحرج المسلمين بعد
ذلك من التزوج بزوجات من كانوا يتبنونهم
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٣٥٦/٦.
(٣) الكشف والبيان، الثعلبي ١١/ ١٥٠.
(٤) التحرير والتنوير ٣٣٦/١.
www. modoee.com
٤٢٧

حرف النون
بعد طلاقهن.
وقد كانت العرب تظن أن حرمة المتبني
مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى
الفرق بينهما، وأن حلائل الأدعياء غير
محرمة، وليست كحلائل أبناء الصلب؛
لذلك قال: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَّا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ
أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فقيد.
وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه
الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه
إیاها لیس هو محبته لها التي كانت سببًا في
طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ الآية؛
لأنه يدل على أن زيدًا قضى وطره منها، ولم
تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره(١). وما
كان هذا إلا لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع
يستفاد من فعل النبي صلی الله عليه وسلم
و قوله.
والجمع بين اللام وكي في قوله:
﴿لگلا﴾؛ لتوكيد التعليل، کأنه يقول:
ليست العلة غير ذلك، ودلت الآية على
أن الأصل في الأحكام التشريعية أن تكون
سواء بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة،
حتى يدل دليل على الخصوصية (٢).
وجملة: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَقُولًا ﴾ تذييل
لجملة ﴿رَوَّحْنَكَهَا﴾ وأمر الله يجوز أن يراد
به من إباحة تزوج من كن حلائل الأدعياء،
فهو معنى الأمر التشريعي فيه(٣). ففي قوله
تعالى أولًا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا﴾، وقوله
ثانيًا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ لطيفة
وهي أنه تعالی لما قال: ﴿رَوَّحْتَگھَا ﴾ قال:
﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: تزويجنا زينب
إياك كان مقصودًا متبوعا مقضيًا، مراعى (٤).
وفي هذه الآيات المشتملات على هذه
القصة، فوائد، منها:
الثناء على زيد بن حارثة، وذلك من
وجھین:
١. أن المحبة التي في قلب العبد لغير
زوجته ومملوكته ومحارمه إذا لم يقترن
بها محذور لا يأثم عليها العبد، ولو
اقترن بذلك أمنيته أن لو طلقها زوجها
لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة
بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان؛ لأن
الله أخبر أن الرسول صلى الله عليه
وسلم أخفى ذلك في نفسه.
٢. وأن الرسول صلی الله علیه وسلم قد
بلغ البلاغ المبين، فلم يدع شيئًا مما
أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر
الذي فيه عتابه، وهذا يدل على أنه
رسول الله، ولا یقول إلا ما أوحي إليه،
ولا یرید تعظیم نفسه.
(١) أضواء البيان ٣٦/ ١٠٧.
(٢) التحرير والتنوير ٣٣٦/١.
العضوي
بَرُ النَّفِيَة
جوبيه
القرآن الكريمِ
(٣) المصدر السابق.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٣٥٥.
٤٢٨

النكاح
وأن من الرأي الحسن لمن استشار في
فراق زوجته أن يؤمر بإمساكها مهما
أُمکن صلاح الحال، فهو أحسن من
الفرقة.
وأنه یتعین أن یقدم العبد خشية الله على
خشية الناس، وأنها أحق منها وأولى.
وفيها فضيلة زينب رضي الله عنها أم
المؤمنین، حيث تولى الله تزويجها من
رسوله صلی الله علیه وسلم، من دون
خطبة ولا شهود.
وأن المرأة إذا کانت ذات زوج لا يجوز
نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه،
حتى يقضي زوجها وطره منها، ولا
يقضي وطره حتى تنقضي عدتها؛ لأنها
قبل انقضاء عدتها هي في عصمته، أو
في حقه الذي له وطر إليها، ولو من
بعض الوجوه (١).
ثالثًا: إباحة الزواج له بأكثر من أربع:
من خصائصه صلى الله عليه وسلم
إباحة الزواج بأكثر من أربع؛ لقوله تعالى:
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ ﴾
[الأحزاب: ٥٠].
وكن أكثر من أربع، فهذا لا شركة لأحد
معه فیه(٢).
وهذا لا تناقض فيه ولا عيب، فالذي
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٦٦٥.
(٢) أضواء البيان ٣٩/٨.
شرع للمسلمين أربع زوجات، شرع لنبيهم
أكثر من أربع، فمنزل التشريع في الحالتين
واحد، فلا انتهاك للشرع، ولا مخالفة بحمد
الله، كما أن الذي شرع للأخت في الميراث
نصيبًا هو نفسه الذي شرع لأخيها نصيبين،
ولم ير أحدٌ أن الأخ قد انتهك شرع الله عندما
أخذ ضعف نصيب أخته، فطالما صاحب
التشريع واحد وهو الله تبارك وتعالى فلا
إشكال ولا شبهة، ويبقى بعد هذا النظر في
وجوه الحكمة من وراء هذه الخصوصية
لرسول الله صلی الله عليه وسلم.
ومن الحكمة في ذلك: أنه معصوم من
الجور الذي قد يقع فيه غيره في جانب
النساء، إضافةً لما في ذلك من مصالح
عامة دعت إليها الحاجة، واقتضتها ظروف
الدعوة، وفي ظلها تحققت الكثير من
الأهداف النبيلة، والتي كان منها:
نشر الدعوة الإسلامية، ونقل جوانب
حياته الخاصة داخل إطار بيته إلى الأمة من
بعده، وبيان بطلان الحقوق المقررة للتبني
-من خلال زواجه بزينب بنت جحش
رضي الله عنها، والارتباط بعدد من القبائل
ورجالها بالمصاهرة، مما يعطي الدعوة
قوة ومنعة. فما تزوج صلی الله عليه وسلم
زوجةً إلا بأمر من الله، بل هو الذي زوجه
زينب بنت جحش کما سبق.
وسببٌ آخر هام جدًا: ألا وهو تربية
www. modoee.com
٤٢٩

حرف النون
وتخريج مرشدات داعيات للنساء، فهو من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ
خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ والسنة الطريقة المعتادة،
أي: ليس على الأنبياء حرج فيما أحل الله
لهم كما أحل لداود مثل هذا في نكاح من
شاء(١).
صلى الله عليه وسلم المدرسة التي خرجت
المرشدين الداعين للإسلام بالطريق القويم
الصحيح، وكذا المرشدات (زوجاته
الطاهرات العليات) فعلى يديه صلى الله
عليه وسلم تخرجت نساؤه المرشدات
لنساء العالم، واللواتي بدورهن غدین
مرشدات لتخريج النساء بكل الأصقاع
والبقاع في العالم.
ولم یکن زواجه صلی الله عليه وسلم
بأكثر من أربع لدافع الشهوة؛ بل كان للحكم
السابق ذكرها؛ ولهذا لم یکن زواجه صلى
الله عليه وسلم في مرحلة الشباب، بل في
سن متأخر، فلو کان تعدد نسائه لشهوة کان
أولی به أن یعدد في قوة شبابه، لو کان کما
يزعمون، وإنما هو الدين والعبودية والنبوة.
ونعلم أن معظم زوجات النبي كن
كبيرات في السن، وبعضهن كن لا إربة
لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن
على شرف الانتساب لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، وعلى شرف كونهن أمهات
المؤمنين؛ لذلك كانت الواحدة منهن تتنازل
عن قسمها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا
الشرف.
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم
بدعًا من الرسل في زواجه من النساء بأكثر
من أربع، بل إن من الأنبياء من تزوج بأكثر
ومما يدل على اختصاصه صلى الله عليه
وسلم بالزواج بأكثر من أربع قوله تعالى:
﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أن
جميع الأحكام السابقة المذكورة في الآية،
ومنها: الزيادة على الأربع مزية خاصة بالنبي
صلی الله علیه وسلم دون غيره؛ لأن سائر
المؤمنين قصروا على أربع نسوة، وأبيح له
عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك(٢). وهذا
إجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوز له أن یزید
على أربع نسوة إلا النبي صلى الله عليه
وسلم (٣).
رابعًا: حرمة زواج نسائه من بعده:
وكان مما خص الله عز وجل نبيه صلى
الله عليه وسلم حرمة زواج نسائه من بعده
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَآَ أَنْ تَنْكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ»
أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
فحرم نکاح نسائه من بعده على العالمین،
(١) النكت والعيون، الماوردي ٤ /٤٠٨.
(٢) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
١٥٥/٢.
(٣) مراتب الإجماع ص ٦٣.
٤٣٠
القرآن الكريم

النكاح
لیس هكذا نساء أحد غيره صلى الله عليه
وسلم (١).
والسبب أنهن أمهات المؤمنين.
﴿وَالنَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
قال تعالى:
أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهَُ أَمَّهَنَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
جَُّ أَمَّهَمُهُمْ﴾ أي: منزلات
• وازوا
فقوله:
منازلهن في وجوب التعظيم والاحترام،
وتحريم النكاح، كما قال تعالى: ﴿وَلَآَ
أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ, مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا﴾ وأما
فيما عدا ذلك من النظر إليهن، والخلوة
بهن، والمسافرة معهن، والميراث، فهن
کالأجنبیات، فلا يحل رؤيتهن، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن
وَرَآءِ حِجَابٍ﴾(٢)؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه
الحقيقية من وراء حجاب، ومعلوم أنهن
رضي الله عنهن لم يلدن جميع المؤمنين
الذين هن أمهاتهم. ولذلك قالت عائشة
رضي الله عنها: (لست لك بأم إنما أنا أم
رجالكم)(٣) تعني: أنهن إنما كن أمهات
الرجال، لكونهن محرمات عليهم كتحريم
أمهاتهم، والدليل على ذلك: أن هذا التحريم
لم يتعد إلى بناتهن.
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾
ودلت جملة:
[الأحزاب: ٥٣].
(١) تفسير الإمام الشافعي ١٢١٤/٣.
(٢) روح البيان ١٣٩/٧.
(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، رقم
١٣٢٠٠.
على الحظر المؤكد؛ لأن ﴿وَمَا كَانَ
لَكُمْ﴾ نفي للاستحقاق الذي دلت عليه
اللام، وإقحام فعل ﴿كَانَ﴾ لتأكيد انتفاء
الإذن، وهذه الصيغة من صيغ شدة التحريم.
وذکر أن هذه الآية نزلت في رجل قال:
لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه
سماها، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك:
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ
أَنْ تَنْكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًا﴾.
والمعنى: وما ينبغي لكم أن تؤذوا
رسول الله، وما يصلح ذلك لكم ﴿وَلَآ أَن
تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ,مِنْ بَعْدِهِ» أبدًا﴾ يقول: وما
ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا
لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج
أمه، فإنهن محرمات على الرجال تحريم
الأمهات تحریمًا مؤبدًا لا یحل بحال.
ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه
في الدنيا والآخرة. وروي عن حذيفة أنه قال
لامرأته: ((إن أردت أن تكوني زوجتي في
الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر
أزواجها؛ ولذلك حرم الله تعالى على أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن
بعده» (٤).
فتضمنت هذه الآية: تحريم أزواج
رسول الله صلی الله علیه وسلم على الناس
بقوله تعالى: ﴿وَلَآَ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْ وَجَهُ، مِنْ
(٤) تفسير السمر قندي ٣/ ٧١.
www. modoee.com
٤٣١

حرف النون
بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ وهو تقرير لحكم أمومة أزواجه وذلك إثم عظيم (٣).
للمؤمنين السالف في قوله: ﴿وَأَزْوَجُدُ:
﴾[الأحزاب: ٦].
وإنما شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج
النبي صلی الله عليه وسلم للمؤمنین حكم
دائم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، أو
من بعده؛ ولذلك اقتصر هنا على التصريح
بأنه حكم ثابت من بعد؛ لأن ثبوت ذلك في
حياته قد علم من قوله:
[الأحزاب: ٦](١). فأزواجه صلى الله عليه
وسلم اللاتي مات عنهن لا يحل لأحدٍ
نکاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرًا.
ومعنى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ،أبدًا﴾ من بعد وفاته،
أو فراقه(٢).
والإشارة بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ إلى ما ذكر
من إيذاء النبي صلی الله عليه وسلم، وتزوج
أزواجه، أي: ذلكم المذكور. والعظم هنا
في الإثم والجريمة بقرينة المقام. وتقييد
العظيم بكونه عند الله للتهويل والتخويف؛
لأنه عظيم في الشناعة، وعلة كون تزوج
أحد المسلمین إحدى نساء النبي صلى الله
علیه وسلم إثمًا عظيمًا عند الله أن الله جعل
نساء النبي عليه الصلاة والسلام أمهات
للمؤمنين، فاقتضى ذلك أن تزوج أحد
المسلمین إحداهن له حکم تزوج المرء أمه،
(١) التحرير والتنوير ٩٥/٢٢.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٣٧.
ومعنى: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في
حکمه وقضائه وشرعه ذنبًا عظيمًا، لا یقادر
قدره، ولا يعرف مدى جزائه وعقوبته إلا
الله تعالى.
وفي الآية: تعظيم من الله لرسوله،
وإيجاب لحرمته حيًا وميتًا؛ ولذلك بالغ في
الوعيد عليه.
واعلم أنه لم يتبين هل التحريم الذي في
الآية يختص بالنساء اللاتي بنی بھن رسول
الله صلی الله علیه وسلم، أو هو یعم كل
امرأة عقد عليها مثل الكندية التي استعاذت
منه، فقال لها: (الحقي بأهلك)(٤) فتزوجها
الأشعث بن قيس في زمن عمر بن الخطاب،
ومثل قتيلة بنت قيس الكلبية التي زوجها
أخوها الأشعث بن قيس من رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ثم حملها معه إلى
حضرموت، فتوفي رسول الله قبل قفولهما،
فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، وأن أبا بكر
هم بعقابه، فقال له عمر: إن رسول الله صلى
الله علیه وسلم لم يدخل بها، على أنه يظهر
أن الإضافة في قوله: ﴿أَزْوَجَهُ﴾ بمعنى:
لام العهد، أي: الأزواج اللائي جاءت في
شأنهن هذه الآيات من قوله: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ
(٣) التحرير والتنوير ٢٢ /٩٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته
بالطلاق، رقم ٤٩٥٥.
٤٣٢
فَضْو
القرآن الكريمِ

النكاح
النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢].
بن كعب: ﴿وَأَزْوَُّ أُمَّهَُهُمْ﴾ وهو أب لهم
فهن اللائي ثبت لهن حكم الأمهات، فنبقي على الأصل الذي هو العموم الذي
يسبق إلى الفهوم.
والبحث في هذه المسألة مجرد تفقه، لا
يبنى عليه عمل (١).
ومن طريف ما أفاده صاحب روح البيان
عند الكلام على هذه الآية أنه قال: ثم إن
حرمة نکاحهن من احترام النبي عليه السلام،
واحترامه واجب، وكذا احترام ورثته الكمل؛
ولذا قال بعض الكبار: لا ينكح المريد امرأة
شيخه إن طلقها، أو مات عنها، وقس عليه
حال کل معلم مع تلميذه، وهذا لأنه ليس في
هذا النكاح یمن أصلًا، لا في الدنيا ولا في
الآخرة، وان كان رخصة في الفتوى، ولكن
التقوی فوق أمر الفتوى، فاعرف هذا(٢).
وهل نساء النبي صلى الله عليه وسلم
أمهات للمؤمنات كما أنهن أمهات
للمؤمنين؟ قيل: هن أمهات المؤمنين
والمؤمنات جميعًا، وقيل: هن أمهات
المؤمنين دون النساء.
والذي يظهر أنهن أمهات الرجال والنساء
تعظيمًا لحقهن على الرجال والنساء، ويدل
عليه صدر الآية: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهذا يشمل الرجال والنساء
زوجهـ
ضرورة، فيكون قوله:
عائدًا إلى الجميع، ثم إن في مصحف أبي
(١) التحرير والتنوير ٩٥/٢٢.
(٢) روح البيان ١٣٩/٧.
قال ابن العربي المالكي في تفسيره:
اختلف الناس هل هن
ـهرامـ
أمهات الرجال والنساء أم هن أمهات الرجال
خاصة؟ على قولين، فقيل: ذلك عام في
الرجال والنساء، وقيل: هو خاص للرجال؛
لأن المقصود بذلك إنزالهن منزلة أمهاتهم
في الحرمة حيث يتوقع الحل والحل غير
متوقع بین النساء، فلا یحجب بینهن بحرمة،
وقد روي أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه،
فقالت: (لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم)(٣)
قال ابن العربي ((وهو الصحيح))(٤).
ومن وطئهن النبي صلى الله عليه وسلم
بملك اليمين لسن من أمهات المؤمنين،
حيث تذكر كتب السير أن النبي صلى الله
علیه وسلم کان له جاریتان یتسری بهن، أي:
یطؤهن بملك الیمین، وهاتان الجاریتان هما
مارية القبطية، وريحانة بنت شمعون، أما
مارية فقد كانت مهداة من المقوقس صاحب
الإسكندرية (عظيم مصر) إلى رسول الله
فنكحها الرسول بملك اليمين، فولدت
له إبراهیم، فأصبحت أم ولد، وکانت قد
أسلمت رضي الله عنها، توفيت سنة ١٦
(٣) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، رقم
١٣٢٠٠.
(٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٣١١/٦.
www. modoee.com
٤٣٣

حرفالنون
هـ، أما ريحانة فقد كانت من بني قريظة، وهي بنت ست سنين كان من خصائصه(٢)
والأصل عدم الخصوصية، ومن أدعى
الخصوصية، فعلیه بالدلیل.
وقعت في السبي فأسلمت، وكانت من
سراري النبي صلی الله عليه وسلم، وهاتان
الجاريتان ليستا من أمهات المؤمنين،
فأمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله
عليه وسلم، وهؤلاء لسن من زوجات النبي
صلى الله عليه وسلم، بل من السراري،
وهؤلاء وطئهن النبي صلى الله عليه وسلم
بملك اليمين، وهؤلاء وطئهن النبي صلى
الله عليه وسلم بعقد زواج.
فيكون تعريف أم المؤمنين: أنها كل
امرأة عقد عليها النبي صلى الله عليه
وسلم، ودخل بها، وإن طلقها بعد ذلك على
الراجح، فإن طلقت قبل الدخول لا يطلق
عليها لقب أم المؤمنين كالكلبية التي قالت:
أعوذ بالله منك، فقال لها: (لقد استعذت
بمعاذ الحقي بأهلك)(١) فقيل: أنه تزوجها
عكرمة بن أبي جهل في خلافة الصديق، أو
خلافة عمر، فهم برجمها، فقيل له: أنه لم
يدخل بها: فخلى عنها.
وهل من خصوصياته في النكاح الزواج
بالصغيرة؟
حكى ابن حزم عن ابن شبرمة أن الأب لا
یزوج ابنته الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم
أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته
بالطلاق، رقم ٤٩٥٥.
موضوعات ذات صلة:
الإحصان، البنوة، الرجولة، الزنا،
الفواحش، النساء
٤٣٤
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
(٢) المحلى ٤٥٩/٩.