Indexed OCR Text
Pages 21-40
النكاح بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الواو هنا: للحال، التعجب، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ, وَقَدّ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ والتعجب والجملة بعدها: في محل نصب، وأتى بـ(قد)؛ ليقرب الماضي من الحال(١). إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببًا قويًا في حصول الألفة والمحبة؛ وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة، وإنما يحصل بالجماع، فیحمل علیه. وأصل أفضى: ذهب إلى فضاه أي: ناحية سعته، يقال: أفضى فلان إلى فلان أي: وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته، وقيل: أصل الإفضاء الوصول إلى الشيء من غير واسطة، والمعنى: خلص الزوج إلى عورة زوجته، والزوجة كذلك. وهذا الإفضاء يحتمل أنه: كناية عن الجماع، وعلى هذا فالزوج إذا طلق قبل المسیس فله أن يرجع في نصف المهر وإن خلا بها، أو يكون الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها، بأن یکون معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها؛ لأن الخلوة في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر(٢). وقيل: إذا طال مكثه معها السنة ونحوها، واتفقا على ألا مسيس، وطلبت المهر كله كان لها، والظاهر أن المراد بالإفضاء الجماع لوجوه: أحدها: ما تقدم من المعنى اللغوي للإفضاء: أنه یصیر في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غیر وقت الجماع فهذا غیر حاصل. وثانيها: أنه تعالى ذكر في معرض (١) اللباب في علوم الكتاب ٩١/٥. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٣٧١/١. وثالثها: أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرًا بفعل منه ينتهي إليه؛ لأن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ بمجرد الخلوة (٣). ورابعها: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررًا، وقد علق الشرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المراد بهذا الإفضاء هل هو الخلوة أو الجماع؟ وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، والأصل براءة الذمة (٤). ومما يرجح أن الإفضاء هنا المراد به الجماع: أن الكلام كناية بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها فيما يستحى من ذكره کالجماع، والخلوة لا يستحى من ذكرها فلا تحتاج إلى الكناية، وأيضًا في تعدية الإفضاء بـ(إلى) ما يدل على معنى الوصول (٣) روح المعاني، الألوسي ٤٨٦/٣. (٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٩٢/٥. www. modoee.com ٣٨٣ حرفالنون والاتصال، وذلك أنسب بالجماع، ومن يِمَعْرُوفٍ أَوْتَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ذهب إلى الثاني قال: إنما سميت الخلوة إفضاءً لوصول الرجل بها إلى مكان الوطء، ولا يسلم أن الخلوة لا يستحى من ذكرها(١). والآية تنهى عن أخذ شيء من الزوجة بعد هذا الإفضاء، أي: على أي حال أو في أي حال تأخذونه، والحال أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية له من الخلوة، وتقرر المهر، وثبوت حق خدمتھن لکم وغير ذلك(٢). والمقصود أن المراد بالميثاق الغليظ في قوله: ﴿وَأَخَذْتَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠-٢١]. هو عقد النكاح، وأطلق عليه ذلك لأنه عهد مؤكد، وقد سماه الله في آية أخرى بعقدة النكاح، في قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. أو يكون الميثاق الغليظ هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج، وهي قول الولي عند العقد: زوجتكها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكُ (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤٨٦/٣. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٩/٢. وكان يقال للناكح في صدر الإسلام: عليكم لتمسكن بمعروف، أو لتسرحن بإحسان. وقد أشار إليه في حديث: (اتقوا الله في النساء، فإنکم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)(٣) وقيل: كلمة الله هي التشهد في الخطبة (٤). أو يكون: المراد بالميثاق الغليظ هو: إفضاء بعضهم إلى بعض، وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج (٥). وقال قوم: الميثاق الولد؛ إذ به تتأكد أسباب الحرمة، وتقوى دواعي الألفة، أو هو: ما شرط في العقد من أن على كل واحد منهما تقوى الله، وحسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف، وما جرى مجرى ذلك (٦). ووصفه بالغلط لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يومًا قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟!(٧). والغليظ: صفة مشبهة من (غلظ) -بضم اللام- إذا صلب، والغلظة في الحقيقة (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٣٠٠٩. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٥/٢. (٥) اللباب في علوم الكتاب ٩٢/٥. (٦) البحر المحيط ٧٨/٤. (٧) المصدر السابق. ٣٨٤ جَوَبُوالَةُ النَّفي القرآن الكريمِ النكاح صلابة الذوات، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدتها في أنواعها. قال تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ [التوبة: الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلَّةٌ﴾ ١٢٣](١). والضمير في قوله: ﴿وَأَخَذْتَ﴾ للنساء، والآخذ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه نسبه إليهن؛ للمبالغة في المحافظة على حقوقهن، حتى جعلن كأنهن الآخذات له، قال بعضهم: وهذا الإسناد مجاز عقلي؛ أي: وقد أخذ الله علیکم العهد لأجلهن وبسبیهن، فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب (٢). وفي هذه الآية فوائد، منها: تكريم الإسلام للمرأة، فقد كانت في الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله تعالى بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التي كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها. ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال، وكذلك حرم عضلها، وأخذ شيء من صداقها، إلا إذا أتت بفاحشة مبينة، وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن (١) التحرير والتنوير ٩١٩/١. (٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٨٩٩/١. یصبروا على أخطائهن رحمة بهن. أن الرجل إذا أراد فراق امرأته فلا يحل له أن يأخذ منها شيئًا، ما دام الفراق بسببه ومن جانبه، کما أنه لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها(٣). وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد النكاح محرمة على الزوج، ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر الذي يدفعه لها، فإذا دخل بها، وأفضى إليها، وباشرها المباشرة التي کانت حرامًا قبل ذلك، والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض، فإنه قد استوفى المعوض فثبت عليه العوض تامًا، فکیف یستوفي المعوض ثم يرجع على العوض؟ لا ريب أن هذا من المنكرات القبيحة شرعًا وعقلًا وفطرةً، وهو من أعظم الظلم والجور؛ ولهذا أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد والقيام بحقوقه. (٣) انظر: السابق ٩٠١/١. www. modoee.com ٣٨٥ حرفالنون صور من النكاح المحظور بين القرآن الكريم صور من النكاح محظورة لحكم إلهية ومنافع إنسانية، وسوف نتناولها فيما يأتي: أولًا: نكاح زوجة الأب: حرم الله على الابن وإن نزل أن يتزوج زوجة أبيه أو جده وإن علا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَا ؤُكُم مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتَّاوَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ٢٢]. فقد نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب، هل هو العقد أو الوطء؟ ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فصرح بأنه نكاح، وأنه لا مسیس فيه. وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه، وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعًا، وإن لم يمسها (١). (١) أضواء البيان ٢٠/٥. وانظر: الإجماع، ابن المنذر ص٢٢. وإنما خص هذا النكاح بالنهي، ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية بعدها في الآيات مبالغة في الزجر عنه، حیث کان ذلك ديدنًا لهم في الجاهلية. وعدل عن أن يقال: لا تنكحوا نساء آبائكم؛ ليدل بلفظ: (نكح) على أن عقد الأب على المرأة كافٍ في حرمة تزوج ابنه إياها (٢). ولفظة: (آباؤكم) في الآية تعم كل من له أبوة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وسواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم. فيحرم أصوله وفصوله، وزوجتهما، يعني: أنه يحرم على الشخص أن يتزوج امرأة تزوجها أحد من آبائه وإن علوا، أو بنيه وإن سفلوا. وإن لم يدخل بها الأب، فالتحريم بمجرد كتابة العقد. والآية تسمي هذا النكاح: فاحشة ومقتًا وساء سبيلا، وقد كان زواج الأبناء بزوجات الآباء بعد موتهم فاشيًا في الجاهلية، فانزل الله هذه الآية(٣). وصار نكاح المقت أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. والعلة في تحريم زوجات الآباء تكريمًا لهم واحترامًا، ووفاء بحقهم في البر، وعدم انتهاك حرمتهم، ومعنى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا (٢) التحرير والتنوير ١/ ٩٢٠. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٣/٥. ٣٨٦ القرآن الكريم النكاح نَكَعَ ءَابَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدّ ذلك النكاح، وأن المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارًا منهم (٣). سَلَفَ ﴾ أي: لكن ما سلف قبل التحريم، فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء٢٣]. وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ أنه يحرم تزوجها على أولاده لهذه الآية؛ عَنَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٥٩] الآية(١). وليس معنى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أنه وافقهم على ما تم قبل ذلك ولا زال ساريًا من نكاح الأبناء لزوجات الآباء، بل أمر الإسلام بفسخه، وإنما المعنى: أنه رفع الجناح علیهم، فلا إثم عليهم قبل التحريم، ولا يؤاخذون به. قال في الفواكه الدواني: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: ما وقع قبل الإسلام، وفسخه الإسلام، فلا يؤاخذ فاعله به؛ لأنه يغفر بالإسلام؛ لأنه يجب ما قبله. قال تعالى: ﴿إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّاقَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. والاستثناء في الآية منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف لا إثم فيه(٢). خاصة ما تعذر تداركه في عهد الجاهلية لموت الزوجين، من حيث إنه يترتب عليه ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواریث، و أيضًا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من (١) أضواء البيان ٢٨٣/٣. (٢) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ١٠٦/٥. فإن کان نكاح الأب نكاحًا فاسدًا حرم على الابن العقد عليها أيضًا، كما يحرم بالصحيح؛ فإن زنى رجل بامرأة فالراجح لأن النكاح فيها محمول على الوطء، وقال من أجازہ: إن الآية لا تتناوله؛ إذ النكاح فيها بمعنى العقد (٤). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الرجل إذا وطئ نكاحًا فاسدًا أنها تحرم على ابنه وأبيه وعلى أجداده، وولد ولده(٥). يعني: إلى الأبد، ما تناسلوا؛ لهذه الآية الكريمة. حكم من تزوج زوجة أبيه أو إحدى محارمه: من تزوج بإحدى محارمه، إما أن يكون جاهلا بالحرمة، کمن یکون حديث عهد بإسلام، فهذا لا إثم عليه ولا حد، وإما أن يقع على ذوات محارمه عالمًا بالتحريم لكنه غير مستحل، فلا يكفر مع أنه يقتل حدًا، وإما أن يكون مستحلًا له فيقتل ردة، ويخمس ماله لأجل الكفر؛ لحديث أبي بردة بن نیار لما بعثه النبي صلی الله علیه وسلم إلی من تزوج امرأة أبيه، فأمره أن یضرب (٣) التحرير والتنوير ٩٢١/١. (٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٤٣/١. (٥) الإجماع، ابن المنذر ص٢٢. www. modoee.com ٣٨٧ حرفالنون عنقه، ويخمس ماله(١)، فإن تخميس المال الأختين)). دال على أنه کان کافرًا لا فاسقًا، وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله. واعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية قرينة تخميس المال في الحديث دليلاً على أنه فعل ذلك مستحلًا، وأنه كان كافرًا (٢). فيحمل هذا الحديث على المستحل، والباقي يبقى على الأصل، وهو معاملته معاملة الزاني بکرا کان أو ثيبًا، عقد عليها أو زنا بها بدون عقد. ثانيًا: النكاح المحرم بسبب النسب: بعد أن ذكر الله تعالى حرمة نكاح ما نكح الآباء بقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَا ؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]. ذكر المحرمات بسبب النسب، وغير أسلوب النهي فيه؛ لأن (لا تفعل) نهي عن المضارع الدال على زمن الحال، فيؤذن بالتلبس به، بخلاف (حرمت) فيدل على أن تحريمه أمر مقرر؛ ولذلك قال ابن عباس: ((كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأحكام، باب فيمن تزوج امرأة أبيه، رقم ١٣٦٢، وابن ماجه في سننه، کتاب الحدود، باب من تزوج امرأة أبیه من بعده، رقم ٢٦٠٧. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم ٢٦٠٧، والإرواء، رقم ٢٣٥١. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٩٢. فمن أجل هذا أيضًا نجد حكم الجمع بين الأختين عبر فيه بلفظ الفعل المضارع، فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣](٣). والمحرمات بسبب النسب: من النساء اللاتي حرم نكاحهن من هذه الجهة. والنسب: أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم، قرب ذلك أو بعد. وقد ذكر الله المحرمات من النساء، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَيَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَهَنُكُمُ الَِّى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآپِكُمْ وَرَبَپِبُكُمُ الَّتِي فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنْآَ يِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعًا بنسب، وسبعًا بسبب، فأما النسب: فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} فبني الفعل للمجهول للعلم به؛ لأن المحرم والمحلل هو الله، فهو فاعل هذا التحريم (٣) انظر: التحرير والتنوير ٩٢١/١. ٣٨٨ جوبيين القرآن الكريمِ النكاح وحده. ولفظ الأم إن أريد به ههنا الأم الأصلية ومعنى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ المراد: فتحريم نكاحها هنا مستفادٌ بالنص، تحريم نكاحهن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]. ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله (١). ولأن من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فإذا قيل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَثُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن (٢). فليس المراد بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ تحريم ذاتهن؛ لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات، وإنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم. ويدخل في قوله: ﴿اقمُكُمْ﴾ الجدات من جهة الأب أو الأم وإن سفلن. والأم هي: كل امرأةٍ يرجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك، أو من جهة أمك بدرجة أو درجات، سواء رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمك(٣). (١) الكشاف ٣٩٤/١. (٢) اللباب في علوم الكتاب ١٠٣/٥. (٣) المصدر السابق ١٠٤/٥. وأما تحريم نكاح الجدات فمستفادٌ من الإجماع (٤). وحرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى زماننا، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الشرائع الإلهة ... ، وأما نكاح الأخوات فقد نقل: إنه كان مباحًا في زمن آدم عليه السلام، وإنما أباحه الله للضرورة، وأنكر بعضهم ذلك، وقال: إنه تعالى كان يبعث الجواري من الجنة ليتزوج بهن أبناء آدم عليه السلام، ويبعث أيضًا لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد؛ لأنه إذا كان زوجات أبنائه، وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع (٥). والمراد من (الأمهات) وما عطف عليها الدنيا وما فوقها، وهؤلاء هن المحرمات من النسب، وقد أثبت الله تعالى تحريم من ذکرهن، وقد كن محرمات عند العرب في جاهليتها تأكيدًا لذلك التحريم، وتغلظًا له؛ إذ قد استقر ذلك في الناس من قبل (٦) وقد روى ابن عطية في تفسيره عن ابن عباس: أن المحرمات المذكورات هنا كانت محرمة (٤) المصدر السابق. (٥) المصدر السابق. (٦) التحرير والتنوير ٩٢١/١. www. modoee.com ٣٨٩ حرف النون في الجاهلية إلا امرأة الأب، والجمع بين تحريمه، ثم تلاحق ذلك في بنات الأخوة، الأختين (١) وذكر العلماء أن سبب تحريم نكاح هؤلاء المذكورات أن الوطء إذلالٌ وإهانةٌ، فإن الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه؛ لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الإنعام؛ فوجب صونها عن هذا الإذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السلام: (فاطمة بضعةٌ مني)(٢) فيجب صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية (٣). فشريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارًا، ينزه عن شوائب الاستعمال فى اللهو والرفث؛ إذ الزواج وإن كان غرضًا صالحًا باعتبار غايته إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث علیه، وهو خاطر اللهو والتلذذ، فوقار الولادة أصلًا وفرعًا مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة؛ ولذلك اتفقت الشرائع على (١) المحرر الوجيز ٩٨/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنقبة فاطمة عليها السلام، رقم ٣٥١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام، رقم ٦٤٦١. (٣) اللباب في علوم الكتاب ١٠٤/٥. وینات الأخوات، و کیف یسري الوقار إلى فروع الأخوات، ولا يثبت للأصل، وكذلك سرى وقار الآباء إلى أخوات الآباء وهن العمات، ووقار الأمهات إلى أخواتهن وهن الخالات، فمرجع تحريم هؤلاء المحرمات إلى قاعدة المروءة التابعة لكلية حفظ العرض من قسم المناسب الضروري، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري (٤). والصنف الثاني: من المحرمات بسبب النسب البنات؛ قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ والبنات: جمع البنت؛ فلفظ البنات شامل للبنات، ولبنات البنات، وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء(٥). والبنت: هي كل امرأة لك عليها ولادة، سواء أكانت بنتًا مباشرة أم بواسطة، فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن، وقد انعقد الإجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن (٦) طبقتهن ". قال العلماء: فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع، علم أنها بنت، ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده، أو عقبه(٧). (٤) انظر: التحرير والتنوير ٩٢١/١. (٥) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٢٢. (٦) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٩٠٤. (٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٨/١٦. ٣٩٠ جَوَسوبر القرآن الكريم النكاح والمراد بهن: البنات للأصلاب ليس والله أعلم))(٣). المرادبنات التبني، فإذا تبنيت طفلة وألحقتها بك یحل لك أن تتزوجها، فالتبني لا یحرم، إنما المحرم هنا البنت للصلب. ويلحق بالبنت هنا مسألةٌ، وهي مسألة من النسب، من الأوجه الثلاثة، وكذلك البنت المخلوقة من ماء الزاني، يعني رجلٌ زنی بامرأة فولدت له بنتا، هذه بنت الزنا هل يحل للزاني أن يتزوجها؟ فالجمهور قالوا: بالمنع، فيحرم عليه أن يتزوجها، والإمام الشافعي رحمه الله یری جواز ذلك(١). وقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للمنع بما حاصله: ليست كل من لا ترث يحل الزواج بها؛ فأمك من الرضاعة لا ترث، ولا يحل لك أن تتزوج بها، وابنتك من الرضاعة لا ترٹ ولا يحل لك الزواج بها، وأطال النفس في تعقباته على هذا الرأي (٢). وقد قال ابن کثیر: (وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت فتدخل في العموم، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها؛ لأنها ليست بتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللهُفِى أَوْلَدِكُمْ﴾ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، (١) في المجموع ١٦/ ٢٢٢ أن مذهب الشافعي الكراهة. (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٢/ ١٣٧. والصنف الثالث: من المحرمات بسبب النسب الأخوات. قال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ يعني: الباقيات، فيشمل: الشقيقات، أو لأب، أو لأم. والأخت: هي عبارة عن كل امرأة شاركتك في أصلك، فتدخل فيه الأخوات من الأب والأم، والأخوات من الأب، والأخوات من الأم. والرابع والخامس: من المحرمات بسبب النسب العمات والخالات. قال تعالى: ﴿وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ﴾ فالعمات والخالات: جمع العمة والخالة، والعمة: كل أنثى وَلَدَها مَنْ وَلَدَ ذكرًا وَلَدَكَ. ويمكن القول- أن العمة: هي كل امرأة شاركت أباك في أصله، وهن جميع أخوات الأب، وأخوات آبائه، وإن علون، وقد تكون العمة من جهة الأم أيضًا، وهي أخت أبي الأم(٤). والخالة: كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريبًا أو بعيدًا(٥). ويمكن القول- أن الخالة: هي كل امرأة شاركت الأم في أصلها، فيدخل فيه جميع أخوات الأم (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٨/٢. (٤) لباب التأويل، الخازن ٢ / ٦٠. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٦٥/١. www. modoee.com ٣٩١ حرف النون وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالة من جهة الأب أيضًا، وهي أخت أم الأب(١). فيكون معنى: ﴿وَعَمَّتُكُمْ﴾ أي: أخوات آبائكم وأجدادكم ﴿وَخَتُكُمْ ﴾ أي: أخوات أمهاتكم وجداتكم(٢). والصنف السادس والسابع: من المحرمات بسبب النسب بنات الأخ وبنات الأخت. قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ بنات الأخ الشقيق أو للأب، وما تناسل منهم، و (بنات الأخت) فيدخل کل ما تناسل من الأخت الشقيقة، أو للأب، أو للأم. وهي عبارة عن كل امرأة لأخيك أو لأختك، عليها ولادة يرجع نسبها إلى الأخ أو الأخت، فیدخل فیھن جمیع بنات أولاد الأخ والأخت، وإن سفلن(٣). و(ال) في قوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾عوض عن المضاف إليه، أي: بنات أخيكم، وبنات أختکم. فهؤلاء هن المحرمات من النسب، ثم ذكر بعدها المحرمات بسبب الرضاع، والمحرمات بالصهر، فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَهَاتُ (١) لباب التأويل، الخازن ٦٠/٢. (٢) تفسير الجلالين ١٠٢/١. (٣) لباب التأويل، الخازن ٦٠/٢. فی آلتي وَرَبَبُكر نِسَابِكُمْ حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَّا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. وسیأتی ذکرهن إن شاء الله. ثالثًا: النكاح المحرم من الرضاع: ذكر الله تعالى هنا ما يحرم بسبب الرضاع، فقال: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]. فذكر القرآن صنفين، وحرمت السنة من الرضاع كل ما يحرم من النسب، قال صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (٤) فيدخل الأصناف السبعة، وهي الأم من الرضاع، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت(٥). فكل أنثى انتسبت باللبن إليها فهي أمك، وبنتها أختك، وإنما نص الله على ذكر الأم والأخت ليدل بذلك (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم، رقم ٣١٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم ٠١٤٤٤ (٥) البحر المديد ٤١١/١. ٣٩٢ فَضْو القرآن الكريمِ النكاح على جميع الأصول والفروع، فنبه بذلك أنه (إنما الرضاعة من المجاعة)(٢) (٣). تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب (١). وفي قوله: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىّ آژضعْنگُمْ﴾ سمی المراضع أمهات؛ جريًا على لغة العرب، وما هن بأمهات حقيقة، ولكنهن تنزلن منزلة الأمهات؛ لأن بلبانهن تغذت الأطفال؛ ولما في فطرة الأطفال من محبة لمرضعاتهم محبة أمهاتهم الوالدات؛ ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب، ثم ألحق ذلك بقوله: ﴿الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾؛ دفعًا لتوهم أن المراد أمهات النسب؛ إذ لولا قصد إرادة المرضعات لما کان لهذا الوصف جدوى. وقد أجملت هنا صفة الإرضاع ومدته وعدده إيكالًا للناس إلى متعارفهم، وملاك القول في ذلك: أن الرضاع إنما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه، وهو أنه الغذاء الذي لا غذاء للطفل یعیش به، فکان له من الأثر في دوام حياة الطفل ما يماثل أثر الأم في أصل حياة طفلها، فلا يعتبر الرضاع سببًا في حرمة المرضع على رضيعها إلا ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل، وهو ما كان في مدة عدم استغناء الطفل عنه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (١) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٦٠. ولما حرم الله تعالى الأم من الرضاعة من غير تعرض لما به يحصل الرضاع من مقدار الرضاع ومدته، فيكون التعلق بهذه الآية في إثبات التحريم بالرضعة الواحدة تعلق بالعموم الذي سيق لغرض آخر غير غرض التعميم(٤). فالصحيح من أقوال أهل العلم أن عدد الرضعات المحرمة خمس رضعات؛ لما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن)(٥). ولا يصح الاستدلال بعموم الآية على أنه يحرم مجرد الرضاع، کما ذهب إليه البعض. فمن رضع من امرأة خمس رضعات، وهو في سن الحولين تحرم عليه، ويحرم عليه أمهاتها، وبناتها، وأخواتها، وكذا بنات زوجها، وأمهاته(٦). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم، رقم ٢٥٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة، رقم ١٤٥٥ . (٣) التحرير والتنوير ٩٢١/١. (٤) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٨٦/٢. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، رقم ٣٦٧٠. (٦) أيسر التفاسير ٤٥٦/١. www. modoee.com ٣٩٣ حرفالنون لأن الله أنزل المرضعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أما، والمرضعة أختًا، وأمرها على قياس النسب، باعتبار المرضعة والدة الطفل الذي در عليه اللبن (١). وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور، أو ست صور، مذكورة في كتب الفروع، والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة. ومما يلحق بهذه المسالة لبن الفحل، وهو أن يتزوج المرأة فتلد منه ولدًا، ويدر لها لبنًا بعد ولادتها منه، فترضع منه صبيّا، فأكثر العلماء على أن لبن هذا الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل، وإن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبر لا يوجب تحريمًا بينه وبين أولاده من غيرها. قال ابن كثير: واختلفوا؛ هل يحرم لبن الفحل كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير (٢). (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٦٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٩/٢. رابعًا: النكاح المحرم بسبب المصاهرة: ثم ذكر الله تعالى بعد ذلك ما يحرم بالمصاهرة، فقال: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآپِكُمْ وَرَبپِبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. فهؤلاء المذكورات إلى قوله: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفُ ﴾ من المحرمات بسبب الصهر، ولم يكونوا أهل الجاهلية يحرمون شيئًا منها، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء، وهن أعظم حرمة من جميع نساء الصهر، فكيف يظن أنھم یحرمون أمهات النساء والربائب؟! وقد أشیع أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوج درة بنت أبي سلمة وهي ربيبته؛ إذ هي بنت أم سلمة، فسألته إحدى أمهات المؤمنين، فقال: (لو لم تكن ربيبتي لما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبة) (٣) وكذلك (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب المراضع من المواليات وغيرهن، رقم ٥٠٥٧. ٣٩٤ جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيد القرآن الكريمِ النكاح حلائل الأبناء؛ إذ هن أبعد من حلائل الآباء، فكأن هذا من تحريم الإسلام، وأن ما حكى ابن عطية عن ابن عباس من قوله: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين)»(١) ليس على إطلاقه. والحكمة من تحريم هؤلاء تسهيل الخلطة، وقطع الغيرة بين قريب القرابة، حتى لا تفضي إلى حزازات وعداوات، قال الفخر: «من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه، ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض، وحصل الميل والرغبة، وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن؛ لأن صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعًا وأشد إيلامًا وتأثيرًا، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع، وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليمًا عن هذه المفسدة».(٢) وعليه فیکون تحريم هؤلاء من قسم الحاجي. (١) المحرر الوجيز ٩٨/٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٩/٥. وقوله: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ أي: سواء دخلتم بنسائكم أم لم تدخلوا بهن، فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حرامًا. ولهذا قال الفقهاء قاعدة ذهبية، وهي: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. وسبب التفرقة أن الإنسان یحب ابنه أو بنته كنفسه بعكس حب الأصل، فلا تتألم الأم لو عقد على بنتها بعد العقد عليها(٣). والقيد في قوله: ﴿الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ معتبر إجماعًا، فلو عقد على المرأة ولم يدخل بها فله طلاقها، ويأخذ ابنتها؛ ولذلك والزوجة أكثر المصالح، ولو أذنا في هذا قال: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن تنكحوهن. وممن يحرم على الرجل بسبب المصاهرة الربيبة. ﴿وَرَبیبُكُمُ الَّتِي فِي قال تعالى: حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ والربائب: جمع ربيبة، وهي فعيلة بمعنى: مفعولة، من ربه إذا كفله ودبر شئونه، فزوج الأم راب، وابنتها مربوبة له؛ لذلك قيل لها: ربيبة. والحجور: جمع حجر -بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم-، وهو ما (٣) الفقه الإسلامي وأدلته ٩/ ١٢٣. www. modoee.com ٣٩٥ حرفالنون يحويه مجتمع الرجلین للجالس المتربع، والمراد به هنا معنى مجازي، وهو الحضانة والكفالة؛ لأن أول كفالة الطفل تكون بوضعه في الحجر، کما سمیت حضانة؛ لأن أولها وضع الطفل في الحضن (١). وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته؛ لأن قوله: ﴿الَّتِی فی حُجُورِكُم﴾ وصف والأصل فيه إرادة التقييد، كما أريد من قوله: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فظاهر هذا أنها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم، إلا أن هذا الظاهر غير مراد، والقيد لا مفهوم له؛ لأنه جرى مجرى الغالب، فهي محرمة كانت في حجره أم لا، على قول الجمهور. والذين أخذوا بظاهر الآية كالظاهرية كأنهم نظروا إلى أن علة تحريمها مركبة من کونھا ربية، وما حدث من الوقار بينها وبين حاجزها إذا كانت في حجره. الوصف بيانًا للواقع، خارجًا مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حرامًا على زوج أمها، ولو لم تکن هي في حجره، وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر(٢). المصاهرة حلیلة الابن. قال تعالى: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ وهي التي عقد عليها الابن فحلت له، فتحرم على الأب بمجرد العقد، والحاصل: أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها، فالعقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات یحرم البنات كما سبق ذكره. والعدول عن أن يقال: (وما نكح أبناؤكم) أو (ونساء أبنائكم) إلى قوله: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَّابِكُمْ﴾ تفنن لتجنب تكرير أحد اللفظيين السابقين، وإلا فلا فرق في الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة، وقد سمي الزوج أيضًا بالحليل، وهو يحتمل الوجهين كذلك، وتحريم حليلة الابن واضح العلة کتحریم حلیلة الأب(٣). والقيد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ وأما جمهور أهل العلم فجعلوا هذا أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. احترز به من زوجة المتبني فلا تحرم حلیلته، کقضية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤). فيكون قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز؛ إذ كانت العرب تسمي وممن يحرم على الرجل بسبب المتبني ابنًا، وتجعل له ما للابن حتى أبطل (١) التحرير والتنوير ٩٢٤/١. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. (٤) البحر المديد ٤١١/١. ٣٩٦ ـَالنَفسِّية جوسو القرآن الكريمِ النكاح الإسلام ذلك، وقال تعالى: ﴿آُدْعُوهُمْ لَِبَايِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فما دعي أحد لمتبنیه بعد إلا المقداد بن الأسود وعدت خصوصية، وأكد الله ذلك بالتشريع الفعلي بالإذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بتزوج زينب ابنة جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي کان تبناه، وكان یدعی زید بن محمد. وابن الابن وابن البنت وإن سفلا أبناء من الأصلاب؛ لأن للجد عليهم ولادة لا محالة (١). وحرم الله کذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع؛ لقوله: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأَخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. سواء کن شقیقتین، أو للأب، أو للأم. والحكمة في تحريم الجمع بين الأختين دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما، وقد علم أن المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة، وهو النكاح أصالة، ويلحق به الجمع بينهما في التسري بملك اليمين؛ إذ العلة واحدة. فإن تسرى بإحدى الأختين ثم أراد التسري بالأخرى وقف حتى يحرم الأولی بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق، ولا يحد إذا جمع بينهما(٢). وقالت الظاهرية: يجوز الجمع بين الأختين في التسري؛ لأن الآية واردة في (١) التحرير والتنوير ١/ ٩٢٤. (٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٢٥. أحكام النكاح، أما الجمع بين الأختين في مجرد الملك فلا حظر فيه(٣). فیکون هذا الحكم عندهم في النكاح، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس. وروي عن عثمان بن عفان: أنه سئل عن الجمع بين الأختين في التسري، فقال: «أحلتهما آية)) يعني: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُم مَّا وَرَآءُ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ((وحرمتهما آية))، يعني: هذه الآية، أي: إنه متوقف، وروي مثله عن علي ﴿إِلَّا مَاقَدْ سَلَفُ﴾ رضي الله عنه. وكما حرم الجمع بين الأختين كذلك حرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، كما جاء في السنة(٤). وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَّ﴾ أي: في الجاهلية، فقد عفا عنكم. انتهى ذكر أنواع المحرمات من النساء في هذه الآية. واعلم أن الله تعالى وضع هذا التحريم على ترتيب عجيب، فحرم أولًا أصول الإنسان عليه وفصوله، وفصول أصوله الأولی بلا نهاية، وحرم فصول فصوله بلا نهاية، وحرم أول فصول كل أصل ليس (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، رقم ٤٨٢٠، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، رقم ١٤٠٨. www. modoee.com ٣٩٧ حرف النون قبله أصل إلى غير نهاية، وهو أولاد الإخوة والأخوات، وحرم أول فصل من کل أصل قبله أصل آخر بينه وبين الناكح، وهو أولاد الجد وأبو الجد، فإن التحريم مقصور، وابنة الخال، على أول فصل، فابنة العم، وابنة العمة، وابنة الخالة حلال، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَنُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فحرم من الرضاع ما حرم من النسب، غير أن في الرضاع لم یذکر بنات الأخ والعمات والخالات من الرضاعة، ودل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(١)(٢). خامسًا: نكاح الزاني أو الزانية: أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حرمة ذلك، وكذلك: ﴿وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]. أي: عاصٍ بزناه، ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم، رقم ٣١٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم ٠١٤٤٤ (٢) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٨٦/٢. تحريمه، فقال: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِّحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُيِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. وسبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود والترمذي وصححه: (أنه کان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد الغنوي من المسلمین، كان یخرج من المدینة إلی مکة یحمل الأسرى، فيأتي بهم إلى المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة، يقال لها: عناق، وكانت خليلة له، وأنه کان وعد رجلاً من أساری مکة لیحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فقالت: مرثد! قلت: مرثد، قالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: حرم الله الزنا، فقالت عناق: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعني ثمانية من المشركين، إلى أن قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته، ففککت کبله، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله، فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك رسول الله، فلم يرد علي شيئًا حتى نزلت: ﴿الَِّلَا يَنكِحُ إِلََّ زَّانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّبَةُ لَا يَنْكِّمُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. فقال رسول الله: (يا مرثد لا تنكحها)(٣). (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النور، ٣٢٨/٥، ٣١٧٧. وصححه الألباني في غاية المرام في تخريج ٣٩٨ جونسون القرآن الكريمِ النكاح وقوله في الآية: ﴿الزَّانِ﴾ يقال: زاني والزانية لا تزني إلا بزانٍ، وزاد ذكر المشركة بصيغة المفاعلة؛ لأن الفعل حاصل من والمشرك؛ لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا. فاعلين؛ ولذلك جاء مصدره الزناء بالمد أيضًا بوزن الفعال، ويخفف همزه فيصير اسمًا مقصورًا، وأكثر ما كان في الجاهلية أن يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض، فإن کان بعوض فهو البغاء يكون في الحرائر ويغلب في الإماء، وكانوا يجهرون به، فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار؛ ليعرفن بذلك، وكل ذلك يشمله اسم الزنا في اصطلاح القرآن، وفي الحكم الشرعي (١). وهل المراد بالنكاح في قوله: ﴿لَا يَنكِحُ﴾ الوطء أو التزويج؟ الظاهر أن معنى (ينكح) هنا في الآية بمعنى: الوطء الذي هو الفعل لا العقد. ومع هذا قد نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف (٢). وعليه فالمراد بالآية -والله أعلم -: أن الزاني لا يطاوعه على فعله ويشاركه في مراده إلا زانية مثله، أو مشركة لا ترى حرمة الزنا، فيكون المقصود منها تشنيع الزنا، وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنین، ويكون معنى ﴿اَِّ لَا يَنكِحُ﴾ ﴿ الوطء لا العقد أي: الزاني لا يزني إلا بزانية، أحاديث الحلال والحرام ٢٢٣. (١) التحرير والتنوير ٢٨٦٨/١. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٠/١١. وهذا الذي عليه الجمهور، وهو رأي الحافظ ابن كثير (٣) وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى؛ إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق، وكان من حق المقابلة أن يقال: والزانية لا تنكح إلا من هو زانٍ أو مشرك، لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن؛ لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا یکرین أنفسهن؛ لينفقن عليهم من أکسابهن على عادة الجاهلية؛ ولذلك قدم الزاني. وقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه تشبه بالفساق، وتعرض للتهمة، وتسبب لسوء القالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد؛ ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة (٤). ورد هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في کتاب الله إلا بمعنی: العقد، ويرد عليه: بأن النكاح بمعنى: الوطء ثابت في کتاب الله سبحانه أیضًا، ومنه قوله: ﴿حَّتَنكِحَ (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٩. (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٣/١. www. modoee.com ٣٩٩ حرفالنون زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بأن المراد به: الوطء(١). ووافق الزجاج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالی حیث ذهب إلى أن النكاح هنا في هذه الآية المراد به: الزواج، وعلل ذلك بقوله: إن قول القائل: الزاني لا يطأ إلا زانية، أو الزانية لا يطؤها إلا زان، كقوله: الآكل لا يأكل إلا مأكولًا، والمأكول لا يأكله إلا آكل، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج، وهذا كلام ینزه عنه كلام الله(٢). ومما يدل على أن النكاح في هذه الآية بمعنى: الوطء أمور، منها: أن هذه تفسير ابن عباس رضي الله عنھما، حیث قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا یزني بها إلا زان أو مشرك. وهذا إسناد صحیح عنه، ذکر ذلك ابن کثیر(٣) وذکر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم الله أن يعلمه تأويل القرآن، وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين، وابن عباس رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية. (١) فتح القدير ٨/٤. (٢) الفتاوى الكبرى ١٧٦/٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩/٦. أن القول بأن النكاح في هذه الآية الكريمة هو الجماع لا العقد جارٍ على الأسلوب العربي الفصيح، فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية، وأنه قبیح، یرده قول البحر ابن عباس، کما تری. أن إنكار الزجاج -ومن وافقه- لهذا القول في هذه الآية -أعني القول بأن النكاح فيها الجماع- وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن إلا بمعنى: العقد مردود من وجهين: الأول: أن القرآن جاء فيه النكاح بمعنى: الوطء، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَّى تَنْكِحَ زَّوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: ﴿حَّ تَنكِحَ زَوجًا غیرهُ﴾ بان معنی نکاحها له: مجامعته لها، حیث قال: (لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)(٤) ومراده بذوق العسيلة: الجماع كما هو معلوم. الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون النكاح على الوطء، قال (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها، رقم ٥٠١١، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا، رقم ٣٥٩٩. ٤٠٠ جوب القرآن الكريمِ النكاح الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. يكون العقد (١). وأما قول ابن القيم: ((إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله کتاب الله)»(٢). فيرده أن ابن عباس وهو في المعرفة باللغة العربية، وبمعاني القرآن صح عنه حمل الزنا في الآية على الوطء، ولو کان ذلك ينبغي أن یصان عن مثله کتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به، ولم یخف علیه أنه ينبغي أن یصان عن مثله(٣). قال الشنقيطي بعد الكلام على هذه الآية: ((وهذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا؛ لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس بن تيمية في رسالته في علوم القرآن، وعزاه الأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة، (١) الصحاح، الجوهري ٤٣٦/٢. (٢) إغاثة اللهفان ٦٥/١. (٣) انظر: أضواء البيان ١١٨/٢ بتصرف. وإذا علمت ذلك، فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر وإذا جاز حمل المشترك على معنييه فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى))(٤) سادسًا: نكاح المشرك والمشركة: كان المسلمون ما يزالون مختلطين مع المشركين بالمدينة، وما هم ببعيد عن أقربائهم من أهل مكة، فربما رغب بعضهم في تزوج المشركات، أو رغب بعض المشركين في تزوج نساء مسلمات، فبين الله الحكم في هذه الأحوال، وقد أوقع هذا البیان بحكمته في أرشق موقع وأسعده به، وهو موقع تعقیب حكم مخالطة الیتامی، فإن للمسلمين يومئذٍ أقارب وموالي لم يزالوا مشركين، ومنهم يتامى فقدوا آباءهم في يوم بدر وما بعده، فلما ذكر الله بيان مخالطة اليتامى، وكانت المصاهرة من أعظم أحوال المخالطة تطلعت النفوس إلى حكم هذه (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ٤٠١ حرفالنون المصاهرة بالنسبة للمشركات والمشركين، أي: لا تتزوجوهن، أو لا تزوجوهن (٤). فعطف حكم ذلك على حكم اليتامى لهذه المناسبة (١). فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوٍ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِ، وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَدَّكَُّونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وسبب نزول هذه الآية قصة أبي مرثد يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو الغنوي السابقة الذكر(٢). ففي هذه الآية حرم الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن کان عمومها مرادًا وأنه يدخل فیھا کل مشر کة من کتابیة وو ثنية فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْعُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول (٣). ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ لا تتزوجوا المشركات، وقرئ بضم التاء، (١) انظر: التحرير والتنوير ٦١٨/١. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٥٥/١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٨٢/١. والمراد بالنكاح: التزويج، وهو حقيقة في اللغة، وإن كان مجازًا في الوطء(٥). واستعير للجماع بدلالة أن عامة أسماء الجماع كنايات، وأنهم يتحاشون النكاح من التصريح بذكر الجماع وآلاته، كما يتحاشون من إظهاره حتى سموا ذلك العضو: (السوءة). و﴿الْمُشْرِكَتِ﴾ جمع مشركة؛ والمشركة أو المشرك هو من جعل لله شريكًا فيما في الألوهية، أو في الأسماء والصفات؛ فمن اتخذ إلهًا يعبده فهو مشرك - ولو آمن بأن الله خالق للكون-؛ ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء في الكون، أو معینًا لله تعالى في خلق شيء من الکون فهو مشرك (٦). فالمشرك في لسان الشرع من یدین بتعدد آلهة مع الله سبحانه، والمراد به في مواضعه من القرآن مشركو العرب الذين عبدوا آلهة أخرى مع الله تعالى، ويقابلهم في تقسيم الكفار أهل الكتاب، وهم الذين آمنوا بالله ورسله و کتبه، ولکنهم أنکروا رسالة محمد صلی الله عليه وسلم (٧). (٤) الكشاف، الزمخشري ٢٦٤/١. (٥) النكت والعيون، الماوردي ٢٨١/١. (٦) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٥٩/٥. (٧) التحرير والتنوير ٦١٩/١. ٤٠٢ جَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريم