Indexed OCR Text

Pages 41-47

النصر
فالآية الكريمة ((تدل على أن الرسل
صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم
منصورون دائما على الأعداء بالحجة
والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضًا
بالسيف والسنان)»(١).
هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة
ماضية كما تمضى هذه الكواكب والنجوم
في دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل
والنهار في الأرض على مدار الزمان، وكما
تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها
الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها
حين يشاء، لقد أراد المسلمون قبيل غزوة
بدر أن تكون لهم عير قريش، وأراد الله أن
تفوتهم القافلة الرابحة الهيئة وأن يقابلوا
النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة،
وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام،
وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله
وجنده و دعوته علی مدی الأيام، ولقد يهزم
جنود الله في معركة من المعارك، وتدور
عليهم الدائرة، ويقسو عليهم الابتلاء؛ لأن
الله يعدهم للنصر في معركة أكبر، ولأن
الله يهيئ الظروف من حولهم؛ ليؤتي النصر
يومئذ ثماره في مجال أوسع، وفي خط
أطول، وفي أثر أدوم(٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أن نصر المؤمنين
(١) أضواء البيان ٦/ ٣٢١.
(٢) في ظلال القرآن ٣٠٠٢/٥.
حق لهم، ألزم به نفسه الكريمة فقال: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُّلًّا إِلَى قَوْمِهِمْ نَاءُ وهُم بِالْبَيْنَتِ
فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
فهذه النصوص القرآنية بشارات
للمؤمنين، وأدلة قاطعة لا مرية فيها أن نصر
الله للمؤمنين واقع لا محالة في الوقت
الذي يريد، وما على المؤمنين إلا أن يؤدوا
واجبهم بأخذ الأسباب الموجبة للنصر،
ولن يترهم الله ثواب أعمالهم.
ثانيًا: البشارة بظهور الدين:
أخبر سبحانه وتعالى أنه مظهر دینه على
الأدیان کلها.
قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ.
بِاَلْهُدَى وَدِينِ أَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
[التوبة:
كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ ﴾
٣٣].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ.
◌ِالْهُدَى وَدِينِ آلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى
بِاَللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨].
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى
وَدِينِ اَلْبِّ ◌ِيَظْهِرَهُ، عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
[الصف: ٩].
فيظهره ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان
والدلالة، وظهورًا بالنصر والظفر والغلبة
والتأييد؛ حتى يظهره على مخالفيه ويكون
www. modoee.com
٢١١

حرفالنون
منصورًا(١).
تزال طائفةٌ من أمتی ظاهرین علی الحق، لا
((وظهور الإسلام على الدين كله حصل يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم
كذلك) (٣).
في العالم باتباع أهل الملل إياه في سائر
الأقطار، بالرغم من كراهية أقوامهم وعظماء
مللهم ذلك، ومقاومتهم إياه بکل حيلة، ومع
ذلك فقد ظهر وعلا وبان فضله على الأديان
التي جاورها، وسلامته من الخرافات
والأوهام التي تعلقوا بها، وما صلحت بعض
أمورهم إلا فیما حاکوه من أحوال المسلمین
وأسباب نهوضهم، ولا يلزم من إظهاره على
الأديان أن تنقرض تلك الأديان))(٢).
دين الحق عنه خطوة فخطوة، بفعل عوامل
داخلة في تركيب المجتمعات الإسلامية
من ناحية، وبفعل الحرب الطويلة المدى،
المنوعة الأساليب، التي أعلنها عليه أعداؤه
من الوثنيين وأهل الكتاب سواء.
لكن لم يخلو زمان من قائم لله بالحجة
قاموا وحملوا على عاتقهم نصرة هذا الدين،
وإن ذهبت أرواحهم وأموالهم فداءً له، وإن
وعد الله قائم بنصرة هؤلاء إذا ساروا على
نفس المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله
عليه وسلم والأولون، وهذا ما أخبر عنه
النبي صلی الله علیه وسلم، عن ثوبان قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا
(١) التفسير القيم، ابن القيم ص ٣٠٧.
(٢) التحرير والتنوير ٧٤/١٠.
قال النووي رحمه الله: ((يحتمل أن هذه
الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين؛ منهم
شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم
محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف
وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى
من الخیر، ولا يلزم أن یکونوا مجتمعین، بل
قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض)» (٤).
وبعد هذا الظهور تخلى كثير من أصحاب الله، ونراهم في الملمات التي تمر بها الأمة،
وهؤلاء موجودون ومنتشرون بفضل
ويلتف حولهم المسلمون من كل مكان
نصرة للحق المبين، ووفاءً بعقد الإخوة في
الدین.
ثالثًا: الوعد الإلهي بالاستخلاف:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْلْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَكُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَهُ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُ ونَفِ لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَنْ
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[النور: ٥٥].
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم
من خالفهم)، رقم ١٩٢٠.
(٤) شرح صحيح مسلم، النووي ١٣ /٦٧.
٢١٢
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
الْقُرآن الكَرِيمِ

النصر
((هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات استخدموا ما أنعم الله عليهم في تثبيت
دعائم الظلمة والفجرة؛ حتى لا يستقر حكم
الإسلام العادل في تلك البلاد.
الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء
الأرض، أي: أئمة الناس والولاة علیھم،
وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد،
ولیبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا
وحكمًا فيهم)) (١).
((وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب،
کما یتم بتمكينه في تصریف الحياة و تدبيرها،
فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في
الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم
هو الذي يهيمن على الأرض، ودينهم يأمر
بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء
على شهوات الأرض، ويأمر بعمارة هذه
الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من
ثروة ومن رصید ومن طاقة، مع التوجه بکل
نشاط فيها إلى الله))(٢).
فهذا مقصد الاستخلاف في الأرض:
الإصلاح والعدل والعمارة والانتفاع بكل
نعم الله؛ ابتغاء مرضاة الله.
ولقد ابتليت الأمة بصنف من الحكام
مكنوا في البلاد بغير رغبة من أهلها،
فاستخدموا نعم الله على بلادهم في
الاعتداء على أهلها وأذاقوهم سوء العذاب؛
حتى جعلت أهل البلد الواحد شيعًا
یضرب بعضهم رقاب بعض، وصنف آخر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧١/٦.
(٢) في ظلال القرآن ٢٥٢٩/٤.
وسنة الله جارية أن من استخدم نعمه في
الظلم سلب منه هذه النعم، ونزع سلطانه،
وجعل ما أنفقه على الظلمة والفجرة حسرة
وندامة عليه، وأعطى هذا الملك من يقوم
بين الناس بالعدل، فدولة العدل تدوم وإن
كانت كافرة، ودولة الظلم تزول وإن كانت
مسلمة.
www. modoee.com
٢١٣

حرفالنون
ثواب الناصرين
أخبر سبحانه وتعالى في كتابه عن ثواب
الناصرين لله ولرسوله؛ تحريضًا للمؤمنين
بعدهم أن يسلكوا سبيلهم؛ ليحظوا بمثل
ثوابهم.
أولًا: ثواب الناصرين في الدنيا:
الله سبحانه وتعالى يعتني بعباده
المؤمنين المجاهدين في سبيله الناصرين
لدينه المعينين لرسوله على الأعداء، ولذلك
فقد جعل من المقاصد الشرعية للنصر
تحقیق ما يحبون وما يكون سببًا في فرحهم:
١. الفرح بالنصر.
جبلت النفس على الفرح بما تحققه من
نصر، فحقق الله للمؤمنین ما یفرحون به،
وهذا يدل على مزيد عنايته بهم.
﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ
قال تعالى:
اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤].
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في
قوله تعالى: ﴿الَّمَّ ◌َ غُلِبَتِ الرُّومُ ن فِّ
أَدْنَ الْأَرْضِ﴾ قال: (غلبت وغلبت، قال:
كان المشركون يحبون أن تظهر فارس
على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثانٍ، وكان
المسلمون يحبون أن تظهر الروم على
فارس؛ لأنهم أهل کتاب، فذكر ذلك لأبي
بکر، فذكره أبو بكرٍ لرسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال رسول الله صلی الله علیه
وسلم: (أما إنهم سيغلبون)! فذكره أبو بكرٍ
لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإنّ
ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم
كذا وكذا، فجعل أجلًا خمس سنين، فلم
يظهروا، فذكر ذلك أبو بكرٍ للنبي صلى الله
عليه وسلم فقال: (ألا جعلتها إلى دون -أراه
قال :- العشر)! قال سعيد بن جبير: البضع
ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال:
فذلك قوله: ﴿الَّمَّ ا غُلِبَتِ الرُّومُ ن فِيّ
أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
٦ في يضع سِنِينٌَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ
وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ )
يِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١ - ٥](١).
والنصر الذي يفرح به المؤمنون:
((يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على
فارس وهي نصرة الإسلام، ويحتمل أن
يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على
عدوهم، وهذا أيضًا غيب أخبر به وأخرجه
الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان،
ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين
بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم
من أن الروم ستغلب فارس، فإن هذا ضرب
من النصر عظيم))(٢).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن
العباس، ٤/ ٢٧٢.
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٤١/٥.
٢١٤
صَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم

النصر
وأضيف النصر إلى اسم الجلالة؛ للتنويه
(١).
بذلك النصر، وأنه عناية لأجل المسلمين
فهذا النصر امتنان من الله؛ لإدخال الفرح
على المؤمنين.
٢. شفاء صدور المؤمنين وإذهاب غيظ
قلوبهم و توبة الله على من يشاء.
من المقاصد الشرعية للنصر في مواضع
القتال بين المؤمنين وأعدائهم، شفاء صدور
المؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم، وتوبة الله
على من يشاء.
قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن
يَشَآءٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ١٥].
«فإن في قلوبهم من الحنق والغیط علیھم
ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما في قلوب
المؤمنين من الغم والهم؛ إذ يرون هؤلاء
الأعداء محاربين لله ولرسوله، ساعين
في إطفاء نور الله، وزوالا للغيظ الذي في
قلوبهم، وهذا يدل على محبة الله لعباده
المؤمنین، واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل
-من جملة المقاصد الشرعية- شفاء ما
في صدورهم وذهاب غيظهم»(٢)، بانتصار
الحق كاملا، وهزيمة الباطل، وتشريد
(١) التحرير والتنوير ٤٧/٢١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٣١.
المبطلين، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ
فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين
إلى الإيمان، ويفتح بصيرتهم على الهدى
حين يرون المسلمين ينصرون، ويحسون
أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم، ويرون آثار
الإيمان في مواقفهم -وهذا ما كان فعلا-،
وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر
جهادهم، وأجر هداية الضالين بأيديهم،
وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته
بهؤلاء المهتدين التائبين (٣).
٣. تحقيق ما يحب المؤمنون.
أشار سبحانه وتعالى إلى امتنانه على
عباده الناصرين لدينه بإعطائهم ما يحبون في
الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ يِّنَ اَللَّهِ وَفَنْحُ
قَرِيبُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
((والمراد به النصر العظيم، وهو نصر فتح
مكة، فإنه كان نصرا على أشد أعدائهم الذين
فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم
وأموالهم، وألبوا عليهم العرب والأحزاب،
وراموا تشویه سمعتھم، وقد انضم إلیه نصر
الدين بإسلام أولئك الذين كانوا من قبل أئمة
الكفر ومساعير الفتنة، فأصبحوا مؤمنين
﴿عَسَى
إخوانا وصدق الله وعده بقوله:
اَللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَتْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُمْ قَوَدَّةً }
[الممتحنة: ٧].
(٣) في ظلال القرآن ١٦١٢/٣.
www. modoee.com
٢١٥

حرفالنون
﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
وقوله:
كُتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ»
إِخْوَنَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]»(١). وفي الآية:
الإخبار بالغيب عن المستقبل، وهو من
معجزات القرآن.
٤. الفلاح.
مَنَّ الله سبحانه وتعالى على عباده
الذين أعانوا رسوله على أعداء الله وأعدائه
بجهادهم بالفوز في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْلِتُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال مجاهد رحمه الله: ((عزروه: سددوا
أمره، وأعانوا رسوله، ونصروه على أعداء
الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب
لهم)) (٢)، أولئك هم الفائزون بالرحمة
العظمى والرضوان، دون سواهم من أهل
كل زمان ومكان، فمنهم الفائزون بدون
ما يفوز به هؤلاء، كأتباع سائر الأنبياء،
ومنهم الخائبون المخذولون؛ أولئك
حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم
الخاسرون(٣).
وفي الآية: تعظيم فضل أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم،
ويلحق بهم من نصر دينه بعدهم إلى يوم
(١) التحرير والتنوير ٢٨/ ١٧٥.
(٢) جامع البيان، الطبري ٤ / ٤٩٧.
(٣) تفسير المنار ١٩٨/٩.
القيامة.
٥. الثناء عليهم بالصدق.
أثنى الله على المهاجرين الذين خرجوا
من ديارهم ابتغاء مرضاته، ونصرة لله
ورسوله بالصدق.
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ
أُخرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ هُمُ
الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].
أي: «هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم،
وهؤلاء هم سادات المهاجرين)) (٤).
وفي الآية: الثناء على أهل الصدق ونشر
محاسنهم؛ ليقتدي بهم المؤمنون.
ثانيًا: ثواب الناصرين في الآخرة:
١. المغفرة والرزق الكريم.
مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين من
المهاجرين والأنصار الذين نصروا دينه
وبشرهم بالمغفرة لذنوبهم وبالدرجات
العلى من الجنة، ولهم فيها ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاًلَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾
[الأنفال: ٧٤].
«آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨/٨.
٢١٦
القرآن الكريمِ

النصر
والمهاجرين معه، ونصروهم ونصروا دين
الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله
حقًّا - لا من آمن ولم يهاجر دار الشرك وأقام
بين أظهر أهل الشرك ولم يغز مع المسلمين
عدوهم- لهم ستر من الله على ذنوبهم
بعفوه لهم عنها، ولهم في الجنة طعام
ومشرب هنيٌ كريم، لا يتغير في أجوافهم
فيصير نجوًا، ولكنه يصير رشحًا كرشح
المسك))(١).
وفي الآية: استواء المهاجرين والأنصار
في النصرة للدين وفي الإيمان الصادق.
موضوعات ذات صلة:
التمكين، الثبات، الجهاد، القتال، المعية،
الهزيمة
(١) جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٠٠.
www. modoee.com
٢١٧