Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
النّصّ
عناصر الموضوع
مفهوم النصر
١٧٢
النصر في الاستعمال القرآني
١٧٣
الألفاظ ذات الصلة
١٧٥
الله سبحانه وتعالى خير الناصرين
١٧٧
أنواع النصر
١٨١
سنن النصر وقواعده
١٨٧
أسباب النصر
١٩٨
عوائق النصر
المعبودات من دون الله والنصر
٢٠٧
مبشرات النصر
٢٠٩
ثواب الناصرين
٢١٤
المُجَلَدَ الثَّالِثْ وَالثَّلاثُونْ
١٧٩

حرف النون
مفهوم النصر
أولًا: المعنى اللغوي:
النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونصر الله المسلمين:
آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم نَصْرًا، وانتصر: انتقم، وأما الإتيان فالعرب تقول: نَصَرْتُ
بلد كذا: إذا أتيته، ويسمى المطر نَصْرًا، ونصرت الأرض، فهي منصورة، والنصر: العطاء،
والنصر: العون (١).
نَصَرَهُ على عَدوِّه، يَنْصُرُه نَصْرًا، والاسم النَّصْرَةُ، والنَّصيرُ، والناصِرُ، وجمعه أنصارٌ
کشریفٍ وأشرافٍ، وجمع الناصر: نصرٌ کصاحبٍ وصحبٍ، واستنصره على عدوه: سأله أن
ينصره عليه، وتناصر القوم: نصر بعضهم بعضًا، والنصارى جمع نصرانٍ ونصرانةٍ (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف النصر في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو يتضمن عدة معانٍ،
منها: العون، والتأييد، والعطاء، ودفع الضر، فنصر فردٍ أو جماعة يشمل إعانتهم بالقول أو
الفعل، وتأييدهم بالقول أو الفعل، وإعطاءهم ما ينصرهم، ويدفع الضر عنهم، وإلى هذا
أشار الشوكاني رحمه الله بقوله: ((هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء
عليهم))(٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٥/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ٨٧٠/١.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣٠٥.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٥٠٩/٥.
١٧٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

النصر
النصر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نصر) في القرآن الكريم (١٥٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٤٠)
ة (١).
مرة
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٥
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
الفعل المضارع
٤٣
﴾ [محمد: ٧]
٧
﴿وَتَبْتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
فعل الأمر
٨
[البقرة: ٢٥٠]
المصدر
٢٢
أَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
﴾ [البقرة: ٢١٤]
اسم الفاعل
١٥
قَالَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصٍِ ﴾ [الطارق: ١٠]
الجمع
١١
(١٠٧
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
الصفة المشبهة
٢٤
[البقرة: ١٠٧]
﴿فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا
اسم المفعول
٢
[الإسراء: ٣٣]
وجاء النصر في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه(٢):
الأول: المنع: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُّ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]. يعني:
ولا هم يمنعون.
الثاني: العون: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠].
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب النون، ص١٣٢٥ -
١٣٢٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٥٣، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٥٨٦ -٥٨٧.
www. modoee.com
١٧٣
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهُ يَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ
٢٧٠ ﴾ [ البقرة: ٢٧٠]
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
٣٣

حرفالنون
الثالث: الظفر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾ يعني: وما الظفر ﴿إِلَّا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [آل
عمران: ١٢٦].
الرابع: الانتقام: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ كُلُلِّمِهِ﴾ [الشورى: ٤١]. يعني: انتقم.
١٧٤
جوبيـ
قَضوري
القرآن الكريمِ

النصر
الألفاظ ذات الصلة
الفتح:
١
الفتح لغةً:
الفاء والتاء والحاء أصلٌ صحيح يدل على خلاف الإغلاق. يقال: فتحت الباب وغيره
فتحًا. ثم يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء. فالفتح والفتاحة: الحكم، والله تعالى الفاتح
أي: الحاكم.
والفتح: الماء يخرج من عينٍ أو غيرها، والفتح: النصر والظفر، واستفتحت: استنصرت(١).
الفتح اصطلاحًا:
إزالة الإغلاق والإشكال؛ بصرًا وبصيرةٌ (٢).
الصلة بين النصر والفتح:
النصر: الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح: إظهار على العدو بفتح البلاد دون إغاثة(٣).
ظفر:
٢
ظفر لغةً:
الظاء والفاء والراء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على القهر والفوز والغلبة، والآخر
على قوةٍ في الشيء، ولعل الأصلين يتقاربان في القياس، والظفر: الفوز، وأصله من: ظفر
علیه. أي: نشب ظفره فيه(٤).
ظفر اصطلاحًا:
غلبة وقهر الآخرين بالقوة والسيطرة عليهم.
الصلة بين النصر والظفر:
النصر: هو العلو على المنازع والخصم والمناوئ المشاغب ككل، الظفر: العلو على
المنازع قد يكون واحدا أو أكثر (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٦٩.
(٢) انظر: مفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني ص ٦٢١.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٨١٠.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٦/٣، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٣٥.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص١٨٩.
www. modoee.com
١٧٥

حرفالنون
الفوز:
٣
الفوز لغةً:
الفاء والواو والزاي كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والأخرى: الهلكة.
فمن الأولى قولهم: فاز يفوز، إذا نجا، وهو فائز، وفاز بالأمر: إذا ذهب به وخلص، ويقال
هذا لمن ظفر بخير وذهب به، والكلمة الأخرى قولهم: فوز الرجل، إذا مات وهلك (١).
الفوز اصطلاحًا:
((الظفر بالخير مع حصول السلامة»(٢).
الصلة بين النصر والفوز:
النصر: هو الخلاص من اضطهاد وسيطرة الآخرين مع إذلالهم، الفوز: هو الخلاص من
المكروه مع الوصول الى المحبوب(٣).
الظهور:
٤
الظهور لغةً:
الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر
ظهورا فهو ظاهر، إذا انكشف وبرز، والظهور: الغلبة (٤).
الظهور اصطلاحًا:
تكلف المظاهرة، وهو تسند القوة، كأنه استناد ظهر إلى ظهر (٥).
الصلة بين النصر والظهور:
النصر: يكون بقصد مخطط له، والظهور: يكون بقصد وبغير قصد(1)
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٥٩.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٤٧.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢١٠.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧١/٣.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ١/ ٩٩.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٣٤٣.
١٧٦
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

النصر
الله سبحانه وتعالى خير الناصرين
ذكر سبحانه وتعالى أنه خير الناصرين
لأوليائه، وأن الكافرين ليس لهم نصير
یمنعهم من عذابه.
أخبر سبحانه وتعالى أنه المتولي
للمؤمنين تولي عناية، والناصر لهم من
أعدائهم.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَوْلَمُكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:
٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقّ
جِهَادِهِ،ُ هُوَ أَجْتَبَنْكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
اُلِّينِ مِنْ حَرَجَّ ◌ِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيمٌ هُوَ سَمَّنَكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا
عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَئُكُوْ فَنِعْمَ
الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
أي: ((ونعم الناصر من الأعداء))(١)،
فیدفع عن المؤمنين ((كيد الفجار، وتكالب
الأشرار))(٢)، وعطف على ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾
قوله: ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾؛ لما في المولى من
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٧/٥.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢١.
معنى النصر
(٣)
٠
ثانيًا: الكافرون لا نصير لهم:
أخبر سبحانه وتعالى أن الكافرين
يحرمون النصير؛ بسبب كفرهم.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْلَوَلَّوْاْ
أولًا: الله سبحانه وتعالى نصير آلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الفتح:
المؤمنين:
٢٢].
وقال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأْعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم ◌ِن
◌َّصِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلّ ◌ِهِ، سُلْطَانًّا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلَّلِينَ
مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِعُونَ فِهَا رَبَّنَآ
أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَالِحًاً غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ
أَوَلَمْ نُعَمَِّّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ
النَّذِيرٌّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَِّيرٍ﴾
[فاطر: ٣٧].
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً
وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَيِّهِ، وَالظَّالِمُونَ
مَا لَّمُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا تَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨].
أي: ((والكافرون بالله ما لهم من ولي
یتولاهم يوم القيامة، ولا نصیر ینصرهم من
عقاب الله حین یعاقبهم، فينقذهم من عذابه،
ويقتص لهم ممن عاقبهم))(٤).
(٣) التحرير والتنوير ٩/ ١٠٠.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٧٢.
www. modoee.com
١٧٧

حرف النون
وأخبر عز وجل أن المنافقين لا يجدون أحل بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم
من يدفع عنهم عذاب الله.
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَالُوا
وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ
وَهَقُّواْ بِمَا لَّمْ يَنَالُواْ وَمَا تَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ
اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ لَمْ فِيْ
وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا
وَاْآَخِرَةَّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا
تَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾
[النساء: ١٤٥].
أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من
أليم العذاب (١).
وأخبر سبحانه وتعالى أن المستنكفين
عن عبادته والمستکبرین عنها لا يجدون من
دون الله من ينجيهم من عذابه إذا حل بهم.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُواْ
وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا
يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
[النساء: ١٧٣].
أي: ((ولا يجد المستنكفون عن عبادته
والمستكبرون عنها إذا عذبهم الله الأليم
من عذابه سوى الله لأنفسهم وليا ينجيهم
من عذابه وينقذهم منه، ولا ناصرا ينصرهم،
فیستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوته ما
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٤٢.
إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا
بسوء من نصرتهم والمدافعة عنهم» (٢).
ويستفاد من الآيات: أنه من كان يعتمد
عند الضيق في الدنيا على الأولياء والنصراء
من دون الله؛ ليكفوا عنهم المصائب، يحرم
النصير الذي يدفع عنه عذاب الله يوم
القيامة.
(٢) المصدر السابق ٧/ ٧١٠.
جَوَسُو ◌َرُ الْتَفْسِيد
القرآن الكريم
١٧٨

النصر
أنواع النصر
أشار القرآن الكريم إلى أن النصر منه
المحمود ومنه المذموم، وسيتناول هذا
المبحث هذه النوعين في النقاط الآتية:
أولًا: النصر المحمود:
و له صور، منها:
١. نصر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم.
أخذ الله الميثاق على كل نبي أنه إذا بُعِثَ
محمد لیؤمنن به ولینصرنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبْتِنَ لَمَا
ءَاتَيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِّنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ.
قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ
أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ﴾
[آل عمران: ٨١].
قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله
بن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًّا
من الأنبياء إلا أخذ علیه المیثاق، لئن بعث
محمدًا وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره
أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بُعِثَ محمدٌ
صلی الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به
ولينصرنه(١).
ويستفاد من الآية: علوُّ مرتبة الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم وأنه أفضل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٧.
الأنبياء -عليهم السلام- وسيدهم.
وأخبر الله سبحانه وتعالى أن المهاجرين
هم الذين صدقوا قولهم بفعلهم عند
خروجهم من ديارهم وأموالهم للجهاد في
سبيل الله ونصرة رسول الله.
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ
أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ
الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨].
أي: «وينصرون دين الله الذي بعث به
رسوله محمدًا صلی الله علیه وسلم)»(٢).
((وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم
الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا
إخراجًا من ديارهم وأموالهم، أكرههم على
الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من
قرابتهم وعشيرتهم في مكة، لا لذنب ﴿إِلَآ
أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ﴾.
وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ اعتمادهم
على الله في فضله ورضوانه. لا ملجأ لهم
سواه، ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم
مطاردون قليلون ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:
بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات
وأضيق الأوقات. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾
الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم،
وصدقوها بعملهم، وكانوا صادقين مع الله
(٢) جامع البيان، الطبري ٥٢٣/٢٢.
www. modoee.com
١٧٩

حرفالنون
في أنهم اختاروه، وصادقين مع رسوله في
أنهم اتبعوه، وصادقين مع الحق في أنهم
كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها
الناس!))(١).
وفي الآية: أن من دلائل الإخلاص ما
يلحق العامل من مشاقًّ وأذى وأضرار،
فيحتمل ذلك ابتغاء مرضاة الله.
٢. نصر المظلومين والمستضعفين.
حَثَّ الله عز وجل عباده المؤمنين
وهيجهم؛ لنصرة إخوانهم المستضعفين
الذين وقع عليهم الظلم من الأعداء، قال
سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَكُرْلَا نُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِ
أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنَكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن
لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].
وهؤلاء المستضعفون يدعون الله أن
يجعل لهم من ينصرهم على من ظلمهم،
أي: ((واجعل لنا من عندك من ينصرنا على
من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها،
بصدهم إيانا عن سبيلك حتى تظفرنا بهم
ونعلي دينك))(٢).
ويستفاد من الآية: أن الجهاد من أجل
استنقاذ المستضعفين من أيدي أعدائهم
أعظم أجرًا وأكبر فائدة من جهاد الطلب(٣)؛
(١) في ظلال القرآن ٣٥٢٦/٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٢٥/٧.
لأن هذا النوع من الجهاد من باب دفع
الأعداء.
ثانيًا: النصر المذموم:
و له صور، منها:
١. نصر المعبودات من دون الله.
قال سبحانه وتعالى على لسان بعض قوم
إبراهيم عليه السلام لبعض: ﴿حَرِقُوهُ وَأَنصُرُوّاً
ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨].
((أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا
مؤزرًا، فاختاروا له أفظع قتلة، وهي الإحراق
بالنار، وإلا فقد فرطتم في نصرها)» (٤).
وأسند قول الأمر بإحراقه إلى جميعهم؛
لأنهم قبلوا هذا القول، والأمر في قولهم:
﴿حَرِّقُوهُ﴾ مستعمل في المشاورة (٥).
ومن هداية الآية: أن المبطل إذا أفحم
بالحجة القاهرة لجأ إلى ما عنده من القوة؟
ليستعملها ضد أهل الحق، وهذه عادة
الطغاة والمستبدين في كل وقت، يستشير
بعضهم البعض ثم ينبعث أشقاهم بالفكرة
المهلكة وينفذها.
وأن الحرق وسيلة من وسائل الطغاة في
دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم
يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام. انظر جهاد
الطلب بين القدامى والمعاصرين، منير هاشم
خضير العبيدي، مجلة البحوث والدراسات
الاسلامية، السنة: ٢٠١٢، الاصدار: ٢٨، ص
٢٤٢.
(٤) أضواء البيان ٤/ ١٦٢.
(٣) جهاد الطلب: أن تطلب الكفار في عقر (٥) التحرير والتنوير ١٧/ ٧٧.
١٨٠
جوبي
القرآن الكريمِ

النصر
محاربة أهل الحق؛ بقصد استئصالهم، وهذا
ما حدث مع أصحاب الأخدود، وحدث مع
ماشطة بنت فرعون وأبنائها، وحدث في
العصر الحديث.
٢. نصر أعداء الأمة.
عادة أهل النفاق معاونة أعداء الأمة من
اليهود والنصارى ونصرتهم على المسلمين.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ
يَقُولُونَ لِإِخْوَرِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ يَخْرُونَ
مَعَهُمْ أَبَدًّا وَإِن قُوْتِلْتُمْ لَنَنصُرَتَّكُمْ وَاَللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١].
أي: وإن قاتلكم محمد صلى الله عليه
وسلم ومن معه لننصرنكم معشر بني النضير
علیهم(١).
وهم -خذلهم الله- سبب كل بلية
أصابت الأمة في ماضيها، وسبب كل بلية
تصيب الأمة في حاضرها، وقد حصر الله
العداوة فيهم؛ لأنهم في وسط المسلمين
ويعرفون مواطن القوة والضعف، ويعرفون
من أين يؤتى المسلمون؛ ثم يخبرون الأعداء
بها، وخاصة إذا كانوا أهل قوة وسلطان.
قال تعالى: ﴿هُمُّ الْعَدُوُّ فَأَحْذَرْهُمْ﴾
[المنافقون: ٤].
(١) جامع البيان، الطبري ٥٣٦/٢٢.
سنن النصر وقواعده
أولًا: سنن الله في نصر المؤمنين:
ومنها:
١. الابتلاء قبل النصر.
قرن سبحانه وتعالى في كتابه بين ابتلاء
المؤمنين وتحقيق نصرهم على أعدائهم.
قال تعالى: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
◌َسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالصَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللّهُ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ
قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
قال الطبري رحمه الله في تفسير الآية:
«أم حسبتم أنکم أيها المؤمنون بالله ورسله
تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب
من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من
الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما
ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة
الحاجة، والفاقة، والضراء، وهي العلل،
والأوصاب؛ ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني:
ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف،
والرعب شدةٌ وجهدٌ حتى يستبطئ القوم
نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا.
ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه
معلیهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجز
لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار
www. modoee.com
١٨١

حرف النون
حرب الذين كفروا))(١).
فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا
تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن
یبتلیه، فإن صبر على أمر الله، فهو الصادق
الذي تحققت فيه الأهلية؛ لينال نصر الله
مؤتمنًا عليه، فمن حكمته تعالى أن يضع
الأشياء في محلها اللائق بها. وفي الآية:
بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر
إذا حصل لهم من الزلزلة ما يملأ القلوب
رعبًا، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا
يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها من
الأمم، وأن يجيء نصر الله لها قبل استبطائه.
لقد رسمت الآية طريق النصر: إنه طريق
الإيمان والجهاد، ثم المحنة والابتلاء، ثم
الصبر والثبات، ثم التوجه إلى الله وحده،
ثم يجيء النصر.
وقد سئل أحد الصالحين: أيما أفضل
للرجل، أن يمكن له أو يبتلى؟ فقال: لا
يمكن الرجل حتى يبتلى، فإن الله ابتلى
نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدًا
عليهم السلام فلما صبروا مكنهم، فلا يظن
أحد أن يخلص من الألم البتة (٢).
٢. سنة التدافع.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ﴾
(١) جامع البيان، الطبري ٦٣٦/٣.
(٢) الفوائد، ابن القيم ص٢٦٩.
[البقرة: ٢٥١] أي: ((ولولا أن الله يدفع
ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان
به- بعضًا -وهم أهل المعصية لله والشرك
به- كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم
جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له،
وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداءً من بعثة
ملكٍ عليهم؛ ليجاهدوا معه في سبيله بمن
جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين
والصبر، جالوت وجنوده، ﴿لَفَسَدَتِ
اَلْأَرْضُ﴾ يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله
إياهم، ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله
ذو منٌّ على خلقه، وتطوُّلٍ عليهم بدفعه بالبر
من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي
منهم، وبالمؤمن عن الكافر)) (٣).
وعن علاقة التدافع بالنصر: قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّدِّمَتْ
صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا
أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ:
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
فقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ:
عطف على جملة ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ﴾،
أي: أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم
وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع؛ لأنهم
بدفاعهم ینصرون دين الله، فكأنهم نصروا
الله (٤).
(٣) جامع البيان، الطبري ٤/ ٥١٤.
(٤) التحرير والتنوير ١٧/ ٢٠٢.
١٨٢
القرآن الكريم

النصر
«لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن بناء مجتمع أفضل، تزدهر فيه قوى الخير،
وتنتصر فيه إرادة الحق، والتغيير من قديم
سبيلُ إصلاح، وأسلوب بناء، وطريقٌ
بقاء»(٣).
لولا ﴿دَفْعُ اُلَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِعْضٍ﴾، ولولا
أن طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها
تعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية
القريبة؛ لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم
وتتغالب وتتدافع، تنفض عنها الكسل
والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات
مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة، مستنبطة
لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها
الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير
والنماء))(١).
٣. سنة التغيير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِرُواْ مَا يَأَنْفُسِهِمُّ﴾ [الرعد: ١١].
تقرر هذه الآية سنة من سنن الله سبحانه
وتعالى في التغيير في حياة الناس، وهي
أن يكون التغيير مبنيًّا على التغيير الواقعي
في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم
وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم.
((فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق
مکلف مسؤول، سید في الكون، عبد لله،
قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما
بنفسه»(٢).
لذلك لابد للمصلحين «أن يعتمدوا
منهج التغيير النفسي على أنه وسيلتها في
(١) في ظلال القرآن، ٢٦٤/١ - ٢٦٥.
(٢) الشباب والتغيير، ص ٢٨.
ثانيًا: قواعد النصر:
للنصر قواعد يقوم عليها منها:
١. النصر من عند الله سبحانه وتعالى.
إذا تتبعنا آيات النصر في القرآن نجد
أنه قلما ذكر الله سبحانه وتعالى النصر من
غير إضافته إليه، فالله سبحانه وتعالى هو
النصير، وهو خير الناصرين، فهو سبحانه
ينصر عباده المؤمنين على أعدائهم، ويبين
لهم ما يحذرون منهم، ويعينهم عليهم.
فالنصر حقُّ الله يمتن به على من يشاء من
عباده؛ لحكم يعلمها ومنافع لعباده يقدرها.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالصَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللّهُ أَلاّ إِنَّ نَصْرَ اللّهِ
[البقرة: ٢١٤].
قریب
قال الشنقيطي رحمه الله: ((ومعلوم أن
هذه الإضافة هنا لها دلالة تمام و کمال، كما
في بیت الله. مع أن المساجد كلها بیوت لله،
فهو مشعر بالنصر كل النصر، أو بتمام النصر
(٣) نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني،
ص ٣٦٤.
www. modoee.com
١٨٣

حرفالنون
کله لرسول الله صلی الله علیه وسلم»(١).
وفي آيات أخر أخبر سبحانه وتعالى أنه
واهب النصر، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْن جَآءَ
نَصْرٌ مِّنِ زَيِّكَ﴾ [العنكبوت
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ
وَإِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُّكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ
اَلْعِزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اَللَّهُ إِلَّا بُشْرَى
وَلِتَطْمَيْنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندٍ
اَللَّهَّإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠].
والمعنی أن: «کل نصر هو من عند الله لا
من الملائكة»(٢).
والغرض منه: ((أن يكون توكلهم على
الله لا على الملائكة، وهذا تنبيه على أن
إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض
عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب
الأسباب»(٣).
((وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا؛
لأنهما أولى بالذكر في هذا المقام؛ لأن
العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم
٠
من يستحق نصره وكيف يعطاه))(٤).
((وهكذا يحرص السياق القرآني على
رد الأمر کله إلی الله، کی لا یعلق بتصور
المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة:
(١) أضواء البيان ١٣٨/٩.
(٢) التحرير والتنوير ٢١٢/٣.
(٣) مفاتيح الغيب ٣٥٤/٨.
(٤) التحرير والتنوير ٢١٢/٣.
قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة،
وإرادته الفاعلة، وقدره المباشر، وتنحية
الأسباب والوسائل عن أن تكون هي
الفاعلة، وإنما هي أداة تحركها المشيئة،
وتحقق بها ما تريده.
وقد حرص القرآن الكريم على تقرير
هذه القاعدة في التصور الإسلامي، وعلى
تنقيتها من كل شائبة، وعلى تنحية الأسباب
الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون
هي الفاعلة ... ؛ لتبقى الصلة المباشرة بين
العبد والرب، بین قلب المؤمن وقدر الله،
بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا
وسائط، كما هي في عالم الحقيقة»(٥).
وفي موضع آخر أخبر سبحانه وتعالى أن
النصر حق للمؤمنين أوجبه عز وجل على
نفسه-ولم يوجبه عليه أحد- وجعله من
جملة الحقوق المتعينة، ووعدهم به فلا بد
من وقوعه.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على
الكافرين، ونحن ناصروك ومن آمن بك
على من كفر بك، ومظفروك بهم (٦).
«فسبحان الذي أوجب على نفسه نصر
المؤمنين وجعله لهم حقًّا؛ فضلاً وكرمًا،
(٥) في ظلال القرآن ١/ ٤٧٠.
(٦) جامع البيان، الطبري ٥١٩/١٨.
١٨٤
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

النصر
وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا وولادة الكافر الفاجر، وكان عدمهم خيرا
تحتمل شكًا ولا ريبًا))(١).
وقد يتأخر هذا النصر أحيانًا-في تقدير
البشر-؛ لأنهم يحسبون الأمور بغير حساب
الله، ويقدرون الأحوال لا كما يقدرها الله.
والله هو الحكيم الخبير، يصدق وعده في
الوقت الذي يريده ويعلمه، وفق مشيئته
وسنته، وقد تتكشف حكمة توقيته وتقديره
للبشر وقد لا تتكشف، ولكن إرادته هي
الخير وتوقيته هو الصحيح، ووعده القاطع
واقع عن يقين، يرتقبه الصابرون واثقين
مطمئنین.
وفي قوله تعالى: ﴿آگان حقًّا﴾ وجهان:
أحدهما: فانتقمنا، وكان الانتقام حقًّا،
واستأنف فقال: ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
وعلى هذا فيكون بشارة للمؤمنين الذين
آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي:
علينا نصركم أيها المؤمنون.
والوجه الثاني: كان ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ أي: إعطاء نعيم الآخرة))(٣).
نصر المؤمنين كان حقًّا علينا.
وعلى الأول لطيفة وعلى الآخر أخرى،
أما على الأول فهو أنه لما قال ﴿فَأَنْتَقَمْنَا﴾
[الأعراف: ١٣٦].
بَيِّنَ أنه لم يكن ظلمًا وإنما كان عدلًا
حقًّا، وذلك؛ لأن الانتقام لم يكن إلا
بعد كون بقائهم غير مفيد إلا زيادة الإثم
(١) في ظلال القرآن ٢٧٧٤/٥.
من وجودهم الخبيث، وعلى الثاني تأكيد
البشارة؛ لأن كلمة (علی) تفید معنی اللزوم،
يقال: على فلان كذا: ينبئ عن اللزوم، فإذا
قال: حقًّا أكد ذلك المعنى، فالنصر هو
الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة، فإن
إحدى الطائفتين إذا انهزمت أولاً، ثم عادت
آخرًا لا يكون النصر إلا للمنهزم، وكذلك
موسى وقومه لما انهزموا من فرعون ثم
أدركه الغرق لم يكن انهزامهم إلا نصرة،
فالكافر إن هزم المسلم في بعض الأوقات
لا یکون ذلك نصرة؛ إذ لا عاقبة له(٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أن النصر في الدنيا
مما جبلت على محبته نفوس عباده.
قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرُ مِّنَ اَللَّهِ وَفَنْحٌ
◌َرِيبُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
ففي الآية ((إشارة إلى الامتنان عليهم
بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل
وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].
قرن سبحانه وتعالى بين النصر والفتح،
وقدم النصر على الفتح؛ لأن النصر سبب
الفتح، ومفتاح له.
٢. مَنْ نصر الله عز وجل نصره الله.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٨/٢٥.
(٣) التحرير والتنوير ١٧٥/٢٨.
www. modoee.com
١٨٥

حرفالنون
ذكر الله عز وجل في سورة الحج عن إن نصروه، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب
هذه القاعدة فقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ كراهيتهم ما شرعه من الدين(٣).
مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:
٤٠].
أي ((وليعينن الله من يقاتل في سبيله؛ وألا تستبقي فيها معه أحدًا ولا شيئًا، وأن
لتكون كلمته العليا على عدوه، فنصر الله
عبده: معونته إياه، ونصر العبد ربه: جهاده
في سبيله؛ لتكون كلمته العليا))(١).
وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾
عطف على جملة ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾،
أي: أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم.
وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع؛ لأنهم
بدفاعهم ينصرون دين الله، فكأنهم نصروا
الله (٢).
وأخبر عز وجل في سورة محمد أن
المؤمنین إن نصروه نصرهم على أعدائهم،
وعصمهم من الفرار والهزيمة
قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرَّكُمْ وَيُلَيِّتْ
أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
ومناسبة هذه الآية لما سبقها: أنه لمَّا
ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم علم منه
أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما
أراد منه نصر الدين بخضد شوكة أعدائه
الذين يصدون الناس عنه، أتبعه بالترغيب
في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر
(١) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٥٨٧.
(٢) التحرير والتنوير ١٧ / ٢٠٢.
ونصر المؤمنین لله أن تتجرد نفوسهم له
((وألا تشرك به شيئًا، شركًا ظاهرًا أو خفيًا،
يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل
ما تحب وتهوی، وأن تحکمه في رغباتها
ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها
وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها ... فهذا
نصر الله فى ذوات النفوس.
وإن لله شريعة ومنهاجًا للحياة، تقوم
على قواعد وموازين وقيم وتصور خاصّ
الوجود كله وللحياة. ونصر الله يتحقق
بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها
في الحياة کلها بدون استثناء، فهذا نصر الله
في واقع الحياة» (٤).
٣. التأييد الإلهي والتأیید بالمؤمنین.
أخبر عز وجل أن من أسباب النصر تأييد
المؤمنین للرسول صلی الله علیه وسلم.
قال تعالى: ﴿أَيَدَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ
[الأنفال: ٦٢].
وجعلت التقوية بالنصر؛ لأن النصر
یقوي العزيمة، ويثبت رأي المنصور، وضده
يشوش العقل، ويوهن العزم(٥).
وأخبر سبحانه وتعالى أنه علق المسببات
(٣) التحرير والتنوير ٧١/٢٦.
(٤) في ظلال القرآن ٣٢٨٨/٦.
(٥) التحرير والتنوير ٩/ ١٥١.
١٨٦
فَضْو
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

النصر
بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعض خلقه
ببعض، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَأَ نَصَرَ
﴾ [محمد: ٤].
يقول عز وجل: هذا الذي أمرتكم به أيها
المؤمنون من قتل المشركين إذا لقيتموهم
في حرب، وشدهم وثاقًا بعد قهرهم،
وأسرهم، والمَنُّ والفداء ﴿حَّى تَضَعَ الَرَّبُ
أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] هو الحق الذي ألزمكم
ربكم، ولو يشاء ربكم ويريد لانتصر من
هؤلاء المشركين الذين بين هذا الحكم
فيهم بعقوبة منه لهم عاجلة، و کفاکم ذلك
كله، ولكنه تعالى ذكره كره الانتصار منهم،
وعقوبتهم عاجلا إلا بأيديكم أيها المؤمنون
وَلَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].
يقول: ليختبركم بهم، فيعلم المجاهدين
منكم والصابرين، ويبلوهم بكم، فيعاقب
بأيديكم من شاء منهم، ويتعظ من شاء منهم
بمن أهلك بأیدیکم من شاء منھم حتی ینیب
إلى الحق (١).
من هداية الآية: ضرورة بذل الجهد
البشري؛ لتحقيق النصر.
(١) جامع البيان، الطبري ١٨٩/٢١.
أسباب النصر
أولًا: الإيمان:
قرن سبحانه وتعالى في مواضع من
القرآن بين الإيمان والنصر، وأخبر سبحانه
وتعالى أن من أسباب النصر التي مضت بها
سنته: الإيمان.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤].
فالآية: ((نص في تعليل النصر
بالإيمان))(٢).
وقال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ
اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
فالإيمان سبب حقيقي من أسباب النصر
المعنوية(٣).
وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا وعد منه
بالنصر إلا لمن توافرت فيه صفات الإيمان
ولوازمه من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن
کان حظه من صفات الإیمان ولوازمه أکبر
كان إلى نيل النصر أقرب.
قال تعالى: ﴿ اَلَِّينَ إِن مُّكَّنَهُمْ فِ آلْأَرْضِ
أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ
الأ
[الحج: ٤١].
(٢) تفسير المنار ٣١٧/٧.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٨٧

حرف النون
ثانيًا: طاعة الله ورسوله:
أخبر سبحانه وتعالى أن من عوامل النصر
طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم
التي بها انتظام جيش المسلمين وجماعتهم.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَنَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وطاعة الله ورسوله تشمل اتباع سائر
أحكام القتال المشروعة بالتعيين، مثل
الغنائم. و کذلك ما یأمرهم به الرسول صلى
الله عليه وسلم من آراء الحرب(١).
ومن آراء الحرب ما قاله صلى الله
عليه وسلم للرماة فيما روى البخاري في
صحيحه: عن البراء رضي الله عنه قال:
(لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى
الله عليه وسلم جيشًا من الرماة وأمَّرَ عليهم
عبدالله، وقال: (لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا
عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا
علينا فلا تعينونا). فلما لقينا (لقيناهم) هربوا
حتى رأيت النساء يشتددن (يسندن) في
الجبل رفعن (یرفعن) عن سوقهن قد بدت
خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة،
فقال عبد الله: عهد إلي النبي صلى الله عليه
وسلم أن لا تبرحوا. فأبوا. فلما أبوا صرف
وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا)(٢).
(١) التحرير والتنوير ٩/ ١٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة أحدٍ، رقم ٤٠٤٣.
وحدثت الهزيمة للمسلمين؛ لمخالفة
الرماة أمر رسول الله صلی الله علیه وسلم.
وتشمل طاعة الرسول صلى الله عليه
وسلم طاعة أمرائه في حياته، لقوله صلى
الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (من أطاعني فقد أطاع
الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع
أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد
(٣).
عصاني)(٣).
وتشمل طاعة أمراء الجيوش بعد وفاة
الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لمساواتهم
أمراءه الغائبين عنه في الغزوات والسرايا،
في حكم الغيبة عن شخصه (٤).
ثالثًا: التأييد الإلهي:
أخبر عز وجل أنصاره بأنه مؤيدهم على
عدوهم.
قال تعالى: ﴿كَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُنُواْأَنْصَارَ
اَللَّوِكُمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِىّ
إِلَى اللهِ قَالَ الْمَوَارِثُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ فَامَنَتْ تَطَيِفَةٌ
مِنْ بَبِىّ إِسْرَّهِيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى
عَدُوِّمْ فَأَصْبَحُواْظَِّينَ﴾ [الصف: ١٤].
عن مجاهد رحمه الله ﴿فَيَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، نحن الآخرون السابقون، رقم
٢٧٩٧.
(٤) التحرير والتنوير ٩/ ١٢٣.
١٨٨
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ

النصر
[الصف: ١٤] قال: قوينا (١).
عَلَى عَدَوْمِ :
وعلى قدر إيمان العبد يكون نصره
وتأييده، ((والنصر والتأييد الكامل إنما هو
لأهل الإيمان الكامل، فمن نقص إيمانه
نقص نصيبه من النصر والتأييد)) (٢).
والعبرة المستفادة من نداء المؤمنين
في الآية: هي استنهاض همتهم لنصرة
الله ونصرة دينه، والاقتداء بمن قبلهم من
الصالحين في نصرة الدين.
رابعًا: الصبر:
علق سبحانه وتعالى النصر بالصبر فقال
تعالى: ﴿بَلْ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُم مِّنْ
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
اُلْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى
لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُّكُمْ بِّهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ
اللَّهِ الْعَزِيزِ
﴾ [آل عمران: ١٢٥- ١٢٦].
الحَكِيم
وأخبر سبحانه وتعالى أن معيته مع
الصابرين في جهادهم لعدوه وعدوهم
فقال: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ
اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
٢٤٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَيْنَّ وَإِن يَكُنْ يِّنَكُمْ أَلْفٌ
يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللَّهُ وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ﴾
(١) جامع البيان، الطبري ٦٢٣/٢٢.
(٢) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢/ ١٨٢.
[الأنفال: ٦٦].
والمعنى: والله معين الصابرين على
الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته،
وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين
عن سبیله، المخالفين منهاج دینه(٣).
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن
النصر مع الصبر فقال: (وأن النصر مع
الصبر) (٤).
وهذا الحديث يشمل النصر في
الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد
العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر
بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قُهِرَ
وصار أسيرًا لعدوه أو قتيلًا له(٥).
فالصبر هو زاد الطريق للنصر ((إنه طريق
طويل شاقّ، حافل بالعقبات والأشواك،
مفروش بالدماء والأشلاء، وبالإيذاء
والابتلاء، الصبر على أشياء كثيرة: الصبر
على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها
ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها
وملالها من قريب! والصبر على شهوات
الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء
تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم،
(٣) جامع البيان، الطبري ٤ / ٤٩٦.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن
عباس، رقم ٢٨٠٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٦٨٠٦.
(٥) جامع العلوم والحكم، ابن جب ٤٩٠/١.
www. modoee.com
١٨٩

حرفالنون
وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! عن قصة طالوت وجالوت، أنه لما واجه أهل
الإيمان -وهم قليل من أصحاب طالوت-
والصبر على تنفج الباطل، ووقاحة الطغيان،
وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصغير
الغرور والخيلاء!
عدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد کثیر-
دعوا الله أن يفرغ عليهم صبرًا، وأن يثبت
أقدامهم في لقاء الأعداء، ويجنبهم الفرار،
وأن ينصرهم على القوم الكافرين.
والصبر على قلة الناصر، وضعف
المعين، وطول الطريق، ووساوس الشيطان
في ساعات الكرب والضيق! والصبر على
مرارة الجهاد لهذا کله، وما تثيره في النفس
من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ،
والحنق والضيق، وضعف الثقة -أحيانًا-
في الخير، وقلة الرجاء -أحيانا- في الفطرة
البشرية، والملل والسأم واليأس -أحيانًا-
والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط
النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة،
واستقبال الرخاء في تواضع وشکر، وبدون
خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز
القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في
السراء والضراء على صلة بالله، واستسلام
لقدره، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة
وخشوع)»(١).
ومن هداية الآية: أن النصر محقق
للمؤمن على قدر مشقته وصبره، بعد عون
الله وتأییده له.
خامسًا: الدعاء:
أخبر سبحانه وتعالى في سياق الحديث
(١) في ظلال القرآن ١/ ٥٥٢.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠].
فاستجاب لهم ربهم، فأفرغ عليهم
صبره، وثبت أقدامهم ونصرهم على القوم
الكافرين.
قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِذِنٍ اَللَّهِ﴾
[البقرة: ٢٥١]
وأخبر سبحانه وتعالى عن الربنيين
أنهم دعوه بغفران الذنوب وتكفير السيئات
والثبات عند ملاقاة العدو، وأن ينصرهم
على القوم الكافرين.
قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَيِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
١٤٧
فَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللّهُ
يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧ - ١٤٨].
((فآتاهم الله ثواب الدنيا بالنصر والظفر
بالعدو، والسيادة في الأرض، وما يتبع ذلك
من الكرامة والعزة، وحسن السيرة وشرف
١٩٠
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريم