Indexed OCR Text
Pages 21-38
النصيحة أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة))، ((وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله»، وقال معمر: «کان یقال: أُنصح الناس لك من خاف الله فيك»(١). ومن النصيحة أن ترشدهم إلى الخير، وأن تهديهم إلى الحق إذا ضلوا عنه، وأن تذكرهم به إذا نسوه، وأن تجعلهم لك بمنزلة الإخوة، وليعلم أن النصيحة هي مخاطبة الإنسان سرًا بينك وبينه؛ لأنك إذا نصحته سرًا بينك وبينه أثرت في نفسه، وعلم أنك ناصح، لكن إذا تكلمت أمام الناس عليه؛ فإنه قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقبل النصيحة، وقد يظن أنك إنما تريد الانتقام منه وتوبيخه وحط منزلته بین الناس فلا يقبل، لكن إذا كبير عنده وقيمة، وقبل ذلك(٢). السَّيِّئَةُ آدَفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وهكذا تهدي الآيات بأن يكون المسلم ناصحًا لله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بحفظه والعمل بما فيه، وناصحًا للرسول صلى الله عليه وسلم بتصديقه والدفاع عنه والتزام سنته وطاعته فیما أمر به وترك ما نهى عنه، وناصحًا لعلماء الأمة بالتلقي عنهم العلوم، وتسديد أخطائهم والدفاع عنهم، وناصحًا للأمراء بترك الخروج عليهم أو محاربتهم، وتقديم النصح لهم وارشادهم إن أخطؤوا أو زلوا، وترك تتبع أخطائهم، وتذكيرهم يكون باللين والرفق، أما نصح عامة المسلمين يكون بدفع الأذى عنهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، وتعلیمهم أمور دينهم ودنياهم، كانت النصيحة بينك وبينه صار لها ميزانٌ وستر عوراتهم، وقضاء حاجاتهم. قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِرَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ لْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿خُذِ اَلْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا (١) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ١/ ٢٢٣. (٢) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين ٣٩٧/٢. www. modoee.com ٢٣٩ حرفالنون الانتفاع بالنصيحة إن التناصح بين المسلمین له فضل عظيم عند الله تعالى، وهو فرع عن الإيمان وشعبة من شعبه. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ لَفِی نُرِ ن) الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَّوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. وللنصيحة أثر جليل في المجتمع الإسلامي، بل إن من حق المسلم على أخيه المسلم أن يقدم له النصح قال صلى الله عليه وسلم: (حق المؤمن على المؤمن ست، وذكر منها إذا استنصحك فانصح له)(١). وقد حذرنا القرآن الکریم مما وقع للأمم قبلنا عندما ترکوا التناصح بينهم. قال تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ ٧٨ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ -٧٩]. ولكن الانتفاع بالنصيحة بيد الله وحده وبمشيئته، فالناصح يبذل ما في وسعه من نصح للآخرين بإخلاص ولين، ويصبر ويتحمل العناء، ولكن الأمر كله بيد الله تعالى فهو الهادي. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْنَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءٌ﴾ [القصص: ٥٦]. وقبول النصيحة إنما يدل على نظافة السريرة وطهارة القلب، وبحثه عن الدليل والحجة واستعداده للعودة إلى الحق، كما أنه يدل على التواضع، فالإنسان المتكبر والمغرور يطغى عليه غروره فيعميه عن الحق، فلا ينتفع بالنصح، كما أن هناك عوامل مؤثرة تجعل الانتفاع بالنصيحة أجدى وأقوى في القبول، فالنصيحة وحدها دون أسلوب صحیح ودون إخلاص لا تجد ثمارها. أولًا: تعلق الانتفاع بالنصيحة بالمشيئة الإلهية: الانتفاع بالنصيحة بأمر الله تعالى وحده، فهو القائل للشيء كن فیکون، فإن أراد الله النفع والهداية لشخص، يسر له سبل الهداية كأن يرسل من ينصحه فيستمع لنصحه وینتفع به، ولکن إن کانت مشیئة الله أن یبقی في الضلال لجحده وإصراره على الضلال، فلن ينفعه نصح الآخرین له، ومن ذلك ما (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢/١٤، رقم ٨٢٧١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ورد على لسان نوح عليه السلام عندما أصر ٦٠٢/١، رقم ٣١٥١. جوسُواحة النفسية القرآن الكريم ٢٤٠ النصيحة قومه على الكفر، وطلبوا منه أن يأتيهم بما ثانيًا: الوسائل المعينة على الانتفاع بالنصيحة: وعدهم من العذاب. قال تعالى: ﴿وَلَا يَنفَمُّكُ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدِثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤]. أخبرهم نوح عليه السلام بأن الله هو من سيأتيهم بالعذاب وأنهم لا يعجزون الله عن ذلك، فهو لم يتوقف عن نصحهم، ولكنهم أصروا على الكفر والجحد، وقال لهم: أنتم في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان الملك الإلهي، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ولا ينفعكم إنذاري وتحذيري إياكم عقوبته ونزول العذاب بكم إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق ويهلككم، فهو سبحانه وتعالى خالقكم والمتصرف في أموركم فلا تقدرون على الخروج من سلطانه وإليه ترجعون يعني: في الآخرة فيجازيكم بما كنتم تعملون في هذا العالم من خير أو شر (١)، ((وقد مضت سنة الله في خلقه أن النصح إنما يتقبله المستعد للرشاد، ويرفضه من غلب عليه الغي والفساد» (٢). (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٨٢/٢، التفسير الوسيط، الزحيلي ١٠٣٩/٢، فتح البيان في مقاصد القرآن، القنوجي ١٧٣/٦. (٢) أيسر التفاسير، أسعد الحومد ٥٣٣/١٢. لا بد أن نعلم بأن المقصود من النصيحة ليس تقديم النصيحة فحسب وإنما أن يحصل الانتفاع بها، لذا يتعين على الناصح القيام بعدة أمور حتى تجدي النصيحة نفعها، ويجد أثرها في قلوب الآخرين، ومن ذلك ما يأتي: ١. الإخلاص في النصيحة وابتغاء وجه الله بها. إن النصيحة عبادة وتقرب إلى الله عز وجل، وقد قال النبى صلى الله عليه: (الدين النصيحة)(٣)، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لِلّهِ الدِّينُ اْخَالِصُ ﴾ [الزمر: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَآءَ ﴾ [البينة: ٥]. فالمسلم الناصح لا بد أن تكون نيته خالصة لله تعالى، «قاصدا بذلك وجه الله عز جل، وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة غير متنافس ولا متفاخر)» (٤). يبتغي بنصيحته الرضا والأجر من الله سبحانه وتعالى، وإبراء ذمته، مخلصًا في أدائها، مشفقًا على الناس، لأنه محاسب (٣) سبق تخريجه. (٤) الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح ١٩١/١. www. modoee.com ٢٤١ حرف النون علی نیته ومثاب عليها، لقوله صلی الله علیه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (١). يقول ابن القيم: ((النصيحة: إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه، فهو إحسانٌ محضّ يصدر عن رحمة ورقة، ومراد الناصح بها وجه الله ورضاه، والإحسان إلى خلقه، فيتلطف في بذلها غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح، فهذا شأن الناصح)»(٢). فإذا كانت النصيحة خالصة لوجه الله تعالی، لا يقصد بها أغراض دنیویة من ریاء وسمعة وشهرة، أو إظهار لعيب المنصوح والتقليل من شأنه فإن الله يفتح لها القلوب وينفع الناس بها، ويجزى الناصح على إخلاصه، فكم من « آه للمرائي من يوم يحصل ما في الصدور، وهي النيات والعقائد، فالجزاء عليهما لا على الظواهر، فأفيقوا من سكرتكم، وتوبوا من زللكم واستقيموا على الجادة)) (٣). ٢. اختيار الوقت المناسب لتقديم النصيحة. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ١ /٦، رقم ١. (٢) انظر: الروح، ابن القيم ص ٧١٦. (٣) الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح ١٤١/٢. يجب على الناصح أن يتقن اختيار الوقت المناسب لتقديم النصيحة حتى تجدي نفعها وتؤتي ثمارها المرجوة منها، وأن يراعي أن المنصوح لا يكون مستعدًا لقبول النصح في كل وقت، فقد يمر بأوقات وظروف تجعله في حالة لا يتقبل النصح من أحد، وقد کان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ((إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، و ذروها عند فترتها وإدبارها)) (٤). فينبغي أن يتحلى الناصح بالبصيرة والفطنة ويعلم الوقت المناسب لتقديم النصيحة، حتى تلامس قلوب الآخرين فيجد القبول منهم. ٣. أن يكون الناصح على علم وبصيرة بما ينصح. يجب أن يكون الناصح فقيهًا، عالمًا بالأمور الشرعية التي ينصح بها. قال تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢]. فلا ينصح في أمور يجهلها، فيضل الناس بدلًا من أن ينفعهم. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيَّسَ لَكَ بِهِم عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وأن يكون عاملا بما يقول وليس ممن يخالف قوله فعله. (٤) المصدر السابق ٢/ ١٠٠. ٢٤٢ صَوْ سُورَةُ النَّهـ جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيمِ النصيحة كَبْرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن قال تعالى: تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. فإخلاص النصيحة في تقديم النصيحة لا یفي بالغرض ولا یجد مقصده ونفعه إن كانت النصيحة عن جهل، بل إن نتيجتها تكون عكس المراد والمبتغى، لذا لا بد للناصح أن یکون ذا علم وحكمة وفقه بما ينصح به الآخرين، فكلما كانت النصيحة موثقة بالأدلة وصحيحة كان نفعها أكبر وأقوى. قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ لْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فالحكمة كلمة عظيمة تعني: الدعوة إلى الله بالعلم والبصيرة، والأدلة الواضحة المقنعة الكاشفة للحق، والمبينة له، وتطلق على العلم والفقه في الدين، وعلى العقل، وعلى الورع، وعلى أشياء أخرى، فالحكمة كلمة تمنع من سمعها من المضي في الباطل، وتدعوه إلى الأخذ بالحق والتأثر به، والوقوف عند الحد الذي حده الله عز وجل، فعلى الداعية إلى الله عز وجل أن يدعو بالحكمة، ويبدأ بها، ویعنی بها، فإذا كان المدعو عنده بعض الجفا والاعتراض دعوته بالموعظة الحسنة، بالآيات والأحاديث التي فيها الوعظ والترغيب، فإن كان عنده شبهة جادلته بالتي هي أحسن، ولا تغلظ علیه، بل تصبر عليه ولا تعجل ولا تعنف، بل تجتهد في كشف الشبهة، وإيضاح الأدلة بالأسلوب الحسن، لأن هذا أقرب إلى الانتفاع بالحق وقبوله وتأثر المدعو. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٌ﴾ [ يوسف: ١٠٨]. فلا بد من العلم، فالعلم فريضة، فإياك أن تدعو على جهالة، فالجاهل يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ولا تدع إلى شيء إلا بعد العلم به، والبصيرة بما قاله الله ورسوله، فعلى الداعية أن يتبصر فیما يدعو إليه، وأن ینظر فیما یدعو إلیه ودلیله، فإن ظهر له الحق وعرفه دعا إلى ذلك(١). أما إذا کان الناصح لیس لدیه علم بالأمر الذي يحتاج النصح فيه فعليه أن يترك المجال النصيحة للعلماء وأصحاب العلم، وأن يستزيد هو من العلم النافع. قال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَقَوْقَ كُلٍ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. ٤. أن يلتزم الناصح بآداب النصيحة. لا بد أن يلتزم الناصح بآداب النصيحة ليجد ثمار نصيحته، ومن هذه الآداب: (١) انظر: الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة، ابن باز ٤٤،٢٦/١. www. modoee.com ٢٤٣ حرف النون أن يكون متأدبًا في تقديم النصيحة، لينًا وعطوفًا في ألفاظه، لطيفًا في أسلوبه، رحيمًا بالمنصوحين، شفوقًا عليهم، وإلا ظهرت النصيحة في صورة غير مرجوة و کأنها أمر وتعنت، أو إحراج وتوبيخ، لذا لا بد أن ينتقي الناصح ألفاظه حتى تلامس القلوب وتلقى القبول. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظُ اٌلْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)(١). أن يقدم النصيحة في السر بينه وبين المنصوح، وليس في العلن، فالغرض من النصح حصول النفع والخير للمنصوح وتركه للخطأ الواقع منه، وليس الفضيحة والتشهير به، أما النصح في العلن فقد يجعل النصيحة لا تلقى القبول، لأنه أضر بالمنصوح وأساء إليه وفضحه، فإذا أردت النصح عليك أن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه وتخوفه بما يكرهه في (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم ٢٥٩٤، ٢٠٠٤/٤. الدنيا والآخرة لینزجر عنه وتنبهه على عيوبه وتقبح القبيح في عينه وتحسن الحسن، ولکن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة، فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان، وقال الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه (٢)، ((وأخرج ابن أبي الدنيا عن سليمان الخواص قال: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصیحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه)) (٣)، ((وقال ابن حزم: إذا نصحت فانصح سرًا لا جهرًا، أو بتعریض لا بتصريح، إلا لمن لا يفهم، فلا بد من التصريح له)) (٤). أن یکون الناصح متواضعًا، فلا يكون متكبرًا، أو معجبًا بنفسه، وقال أبو حاتم رضي الله عنه: ((التواضع يرفع المرء قدرًا ويعظم له خطرًا ويزيده نبلًا، ويكسب السلامة ويورث الألفة ويرفع الحقد ويذهب الصد»(٥)، فمن (٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١٨٢/٢. (٣) الأمر بالمعروف ص ٩٩. (٤) رسائل ابن حزم ص ٣٦٤. (٥) انظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان ص ٦٠. ٢٤٤ جوية لِلْقُرآن الكَرِيمِ النصيحة کان متکبرًا، معجبًا في نفسه، فعليه ألا ينتظر قبولًا لنصحه، على العكس من المتواضع الملتمس لأخطاء الآخرين، فإنه يلقى قبولا عند الآخرين. أن لا تكون النصيحة على شرط القبول، لكن على سبيل استعمال الفضل وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف، وإلا فأنت ظالم لا ناصح وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة (١). ٥. الصبر على المنصوح وما قد يصيبه منه. قال تعالى: ﴿وَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية: أن يكون ذا خلق فاضل، وصبر ومصابرة، واجتهاد فيما يوصل الخير إلى الناس، وفيما يبعدهم من الباطل، ويدعو لهم بالهداية، ويقول للمدعو: هداك الله، وفقك الله لقبول الحق، أعانك الله على قبول الحق، تدعوه وتصبر على الأذى(٢). وكلما التزم الناصح بهذه الأمور وجد قبولًا من الآخرين وتسليمًا لنصحه، وكان النفع أثمر، فهذا ما ينبغي أن يكون عليه الناصح والداع إلى الله. (١) انظر: الأخلاق والسير، ابن حزم ص ٤٢. (٢) انظر: الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة، ابن باز ص٤٧. نماذج من النصيحة في القرآن تنوعت نماذج النصيحة في القرآن الكريم، فمنها ما كان يحمل النصيحة المحمودة قالبًا ومضمونًا، وذلك كنصح الأنبياء لأقوامهم، ومنها النصيحة المذمومة إن جاز إطلاق النصيحة عليها، فمضمونها الغش والخداع للآخرين في قالب النصيحة، ومن ذلك نصح إبليس لآدم وزوجه. أولًا: نماذج من النصيحة المحمودة: من النماذج التي يظهر فيها بصورة النصيحة المحمودة قالبًا ومضمونًا، ما ورد حول نصح الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فجميعهم كانت نصائحهم محمودة، امتثالاً لأمر الله وتبليغًا لرسالته، وحرصًا منهم على صلاح أقوامهم وخوفًا عليهم، لذا كان منهجهم في دعوة أقوامهم النصيحة المحمودة، ومن النماذج على النصيحة المحمودة ما يأتي: ١. ما جاء على لسان الأنبياء من نصح لأقوامھم. قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَُّ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢]. أي: إنني رسول من رب العالمين، أرسلني إلیکم، فأنا أبلغکم رسالات ربي، وأنصح لکم في تحذيري إیاکم عقاب الله www. modoee.com ٢٤٥ حرف النون على كفركم به، وتكذيبكم إياي، وردكم محمودًا قائمًا على الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعدم الشرك به، وترغيبهم بجزاء نصيحتي، وأعلم من الله ما لا تعلمون من صفاته ورحمته وعذابه، وشدة بطشه على أعدائه وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين (١). توحيد الله وطاعة الأنبياء، وترهيبهم من عاقبة الشرك والتكذيب للأنبياء وما جاؤوا به، فكانت نصيحتهم تحمل الخير لأقوامهم والخوف عليهم. وعلى لسان صالح عليه السلام: ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. أي: تولى عنهم صالح عند اليأس من إجابتهم، وهو مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، حزنا عليهم، وقال: يا قوم لقد بذلت فيكم منتهى وسعي وجهدي في إبلاغکم النصیحة، ولکنکم لا تحبون الناصحين، فوجبت عليكم كلمة العذاب، وهذا تقريع من صالح عليه السلام لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وفي ذلك عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجر عن مثل تلك الطريقة التي كانوا عليها، ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهدًا في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح، ولكن أبوا ذلك فلم يقبلوا منه فحق علیھم العذاب ونزل بهم ما کذبوا به واستعجلوه(٢)، فكان نصح الأنبياء جميعًا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٠/١٢، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٢٩٢، مدارك التنزيل، النسفي ٥٧٦/١. (٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ٤ / ٤٠٠، التفسير جوية القرآن الكريم وعلى لسان نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ يِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ مَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣]. أي: أدبر وخرج عنهم، وقال: لقد أبلغتكم رسالات ربي فلم تؤمنوا بها، ونصحت لكم، فلم تقبلوا، واشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال: فكيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم، لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر(٣). وكذلك على لسان هود عليه السلام: ﴿أَبَّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. أي: معروف بالنصح والأمانة مشهور بين الناس بذلك، ناصح لكم فيما آمركم به من عبادته تعالى وحده، وأمين على تبليغ المنير، الزحيلي ٢٧٦/٨. (٣) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢٤٥٥/٤، الكشاف، الزمخشري ١٣١/٢، لباب التأويل، الخازن ٢٣٠/٢. ٢٤٦ النصيحة الرسالة، لا أكذب فيه، وإنما جيء بالجملة الإسمية دلالة على الثبات والاستمرار، وإيذانا بأن من هذا حاله لا تحوم حوله شائبة السفاهة والكذب(١). ٢. موقف مؤمن آل فرعون من موسى عليه السلام. وكما كانت النصيحة منهج الأنبياء وخلقهم؛ كذلك هي منهج وخلق المؤمنين الصادقين أتباع الأنبياء ومن ذلك الموقف الذي كان عليه مؤمن آل فرعون وهو مستضعف يكتم إيمانه إذ قال لموسى عليه السلام: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْعَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَّ إِنَّ الْمَلَأَّ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]. وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى وهو مؤمن آل فرعون، وأقصا المدینة آخرها وأبعدها، قال يا موسى: إن الملأ يتشاورون في قتلك ويتآمرون بسببك، ولما علم هذا الرجل بذلك أسرع بالخبر لموسی؛ لأنه كان معجبًا بموسى واستقامته، فأخرج إني لك من الناصحين في الأمر بالخروج(٢). ٣. نصح أخت موسى عليه السلام لآل فرعون. (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود القاسمي ٢٣٨/٣، محاسن التأويل، ١١٦/٥. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٩٠/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ٩٥. ومن النصح المحمود الذي ورد في القرآن الكريم، نصح أخت موسى عليه السلام لآل فرعون في أمر إرضاع موسى عليه السلام عندما التقطه آل فرعون. قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلْكُمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ. لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. والمراد من التحريم: منع الله موسى من قبول ثدي المراضع غیر ثدي أمه، من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت هل أدلكم على أهل بيت يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه، وهم حافظون له، ناصحون للملك، بخدمته والمحافظة عليه لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه، ولا يخونونکم فيه (٣). ٤. نصح المؤمنين فيما بينهم. قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١]. أي: إن هذه الأصناف الثلاثة لا حرج ولا إثم في قعودهم عن الجهاد الواجب على شرط أن ينصحوا لله ورسوله: أي (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٢٥/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٨٢، التفسير الوسيط، الزحيلي ١٩٠٥/٣. www. modoee.com ٢٤٧ حرف النون بعمل كل ما فيه مصلحة للأمة الإسلامية ولا سيما المجاهدين منهم، إن استقامت قلوبهم وألسنتهم، وقاموا بحق الإرشاد والتنبيه، وإن كان لهم رأی في الجهاد و جهوه، من کتمان السر والحث على البر ومقاومة الخائنين في السر والجهر وكأنهم إذا سقط واجب الجهاد بالسيف، والاعتراك في المعركة، فإنهم يحملون واجبا آخر هو الإرشاد والتوجيه، والمعاونة بكل ما يستطيعون، وإنهم إذا كانوا كذلك فإن لهم فضل الجهاد (١). ثانيًا: نماذج من النصيحة المذمومة: من نماذج النصيحة المذمومة التي ذكرها القرآن الكريم: ١. نصيحة إبليس لآدم وزوجه. قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَّا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. بعد أن وسوس الشيطان لآدم وحواء وقال لهما ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ إلا كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين الباقين الذين لا يموتون، ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، ولما کان اللعین یعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته فقد استعان على زعزعته بتأمينهما من (١) انظر: تفسير المراغي ١٨٢/١٠، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٤١٠/٧. يخلصوا لله في الإيمان وللرسول في الطاعة هذهالناحية فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق، ونسي آدم وزوجه أنه عدوهما الذي لا یمکن أن یدلهما علی خیر، وأن الله أمرهما أمرًا عليهما طاعته سواء عرفا علته أم لم يعرفاها، وأنه لا يكون شيء إلا بقدر من الله(٢). ٢. نصيحة إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَكَأَ بَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالَهُ وَصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١]. كان أبوهم قد علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة يوسف، وعلموا هم بعلمه ذلك، فقالوا له:لم تخافنا علیه ونحن نريد له الخير ونشفق عليه ونحوطه ونحفظه حتى نرده إليك، وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه .(٣) منهم (٣). (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٦٩/٣، التفسير المظهري ٣٣٦/٣. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٣/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ٥/ ٢٠٠، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٨٢/١، مدارك التنزيل، النسفي ٩٨/٢. ٢٤٨ جوية الْقُرآن الكَرِيمِ النصيحة آثار النصيحة حثت النصوص القرآنية على القيام بالنصيحة، وبينت أهميتها وعظيم شأنها وشأن القائمين عليها، حیث تكمن أهميتها من كونها أسلوبًا هامًا من أساليب الدعوة إلى الله، كما بينت أهمية وجود أفراد من الأمة يقومون بالنصيحة فيأمرون بالمعروف وینهون عن المنكر. قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ووصفهم سبحانه وتعالى بأوصاف راقية، تتلاءم مع المهمة العظيمة الكبرى، وتتناسب معها. قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وإن الله الذي وصفهم بهذه الأوصاف أمرهم أمر إيجاب، أمرهم بتأصيل هذه الأمور، وبترسيخها، وتقويتها في النفوس، وبالعمل على استمراريتها، وبقائها قائمة في واقع الأمة، بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال جل شأنه: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. نداء الحق العالم بما يترتب على القيام بهذا الأمر من نجاة وعزة وكرامة وعلو في الدنيا والآخرة، وطيب محيا وطيب ممات(١)، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦]. وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. كما بينت مصير من ترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمم السابقة، الذي هو مصیر کل من یترکها إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿لُّعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَزَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ *كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. وقال تعالى: ﴿قَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِةٍ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. (١) انظر: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة، عبد الله آل قعود ص١٣. www. modoee.com ٢٤٩ حرف النون فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو أهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد (١). أولًا: آثار النصيحة على الناصح: ١. يعد من عباد الله المؤمنين. حيث ذكر سبحانه أو صاف هؤلاء السادة، ليبادر الفائزون إلى التحلي بها فينالوا مراده، وهو خير المحسنين. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿التََّيِبُونَ الْعَبِدُونَ اْحَمِدُونَ السََّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ ◌ِحُدُودِ اَللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ٢. الوعد بالتأييد والنصر. حيث وعد الله عباده القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتأييدهم ونصرهم على أهل الفساد بعد تعظيم الأجور. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَيِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرُنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ) الَّذِينَ إِن مَّكَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. ٣. فيه استباق الخير والأجر الموفور. حيث أمر سبحانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على لسان عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه دلالة على استباق الخيرات والأجر الموفور. قال تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ )) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٢-٣].(٢). ٤. الناصح من خيرة الخلق. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة عظيمة، لا يقوم بها على الوجه المشروع في سائر الأحوال إلا كمل الرجال، وخيرة خلق الله، وهو من الهدى الذي جاءت به الرسل، فأسعد الناس في الدنيا (٢) انظر: الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد الرحمن الصالحي ص٢٩. (١) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٠٦/٢. جَوَنُواحَرَ النَّفْسِير الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٥٠ النصيحة والآخرة أکملهم حظًا عنده، ولقد وصف الله محمد صلی الله عليه وسلم، بالقيام بهذا الأمر على أكمل الوجوه وأحسنها، فقال تعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وبين أن أهدى الناس وأسعدهم في الدنيا والآخرة أكملهم قيامًا وعناية به. قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩]. ولا یکون الإنسان مهتدیًا حقًا إلا إذا كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. يعني: أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر. ٥. من أهل الصلاح. فالأمر والنهي آية صدق الإيمان وبشارة بحسن الخاتمة، حيث وصف الله أولياءه المؤمنين الصالحين السابقين واللاحقين بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَّةَ الَتْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنَكَّرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأَوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤](١). ٦. من أهل الفلاح. سبب قوي من أسباب الفلاح، بل إن الفلاح محصور في أهله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤](٢). ٧. تنوير القلب وهدايته، وجلاؤه من الفتن. قال صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب (١) انظر: تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد الله القصیر ص٧٢. (٢) انظر: نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبدالله القرعاوي ص ١٤. www. modoee.com ٢٥١ حرف النون من هواه)(١). ٨. الأمن من عذاب الله وعقابه. حيث قال سبحانه منوها بنجاة الناهين عن المنكر هم ومن فيهم من العذاب (٢): ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُنْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيْسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤ - ١٦٥]. وعن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا)(٣). واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، ١٢٨/١، رقم ١٤٤. (٢) انظر: رسالة في الكلام على آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجم الدين الغزي ص٢١٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام، ١٣٩/٣، رقم ٢٤٩٣ المنکر، تارة يحمل عليه رجاء ثوابه، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة، كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاریض. وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى، ومن لاحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه(٤). ٩. الشهادة على الخلق وإقامة الحجة علیھم. ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهودا على من عصاه. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. ١٠. أداء بعض حق الله عليه من شكر النعم التي أسداها له من صحة البدن، وسلامة الأعضاء. قال صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة (٤) انظر: نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبدالله القرعاوي ص١٣. ٢٥٢ مَنْفُ الَرُ النَّهِ جوية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ النصيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)(١). ١١. تحصيل الثواب وتكفير السيئات كما دل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَّهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وجاء في حديث حذيفة لما سأله عمر رضي الله عنه عن الفتنة: (فتنة الرجل في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصدقة والمعروف)، قال سليمان: (قد كان يقول: الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)(٢). ١٢. التشبه بالرسل والقيام بدعوتهم والسير في طريقهم، وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق(٣). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى والحث على المحافظة عليها، ٤٩٨/١، رقم ٧٢٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة، ١١٣/٢، رقم ١٤٣٥. (٣) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه، خالد بن عثمان السبت ص٧٥. ثانيًا: آثار النصيحة على المنصوح: الواجب على المنصوح أن يتقبل النصیحة ویعمل بها إن کان فيها خير له، لما لها من النفع العائد عليه من صلاح حاله، والنجاة بنفسه من عذاب الله تعالى وصولًا إلى بر الأمان الذي أراده الله له من توحيد واستجابة للأوامر واجتناب للنواهي، والنصيحة نوع من الهدية يقدمها الناصح، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رحم الله من أهدى إلي عيوبي) (٤). ومن الآثار المترتبة على المنصوح ما يأتي: ١. رجاء الانتفاع والاستقامة. قال الناصحون من بني إسرائيل لمن قال لهم: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]. ٢. تهيئة الأسباب لتحقيق النجاة الدنيوية والأخروية. قال أبو هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: (خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في (٤) سنن الدارمي، الدارمي ص٢١٨. www. modoee.com ٢٥٣ حرف النون الإسلام)(١)، فإن المأمور والمنهي إذا انتفع فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر، فمن لم يزحف بمبادئه زحف عليه بكل واهتدى كان ذلك سببًا فى تحصيله السعادة الدنيوية والأخروية، فينجو من عقاب الله ويحصل له الثواب (٢). مبدأ وفكرة، والنفس تتلقى وتتشرب من الأخلاق والمبادئ، لذلك أمر الإسلام بمجالسة الصالحين وأهل البر والمعروف ثالثًا: آثار النصيحة على المجتمع: والخير، فإذا قام الناس بهذا المطلب تحققت حماية المجتمع المسلم من کل دخیل علیه، بالإضافة إلى أن الأمر بالمعروف يغذي الأمة أفرادًا وجماعات بالمثل والقيم والأخلاق والعقائد السليمة. إن في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من جليل الفوائد، وكريم العوائد وعظيم المصالح، ودرء المفاسد والشرور عن الأمة كافة، ما يدعو كل عاقل إلى الاهتمام به والحرص على أن يكون من أهله المتحلين به المسارعين إليه، لتحصيل ما وعد الله به القائمين بتلك الشعيرة الجليلة من الخير في العاجل والآجل ومن ذلك: ١. إقامة الملة والشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله العليا. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِعْضٍ لَّدِّمَتْ صَوَيِعُ وَبِيَعُ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ [الحج: ٤٠]. فالإنسان لا بد له من أمر ونهي ودعوة، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، تفسير القرآن، باب(كنتم خير أمة أخرجت للناس)، ٦/ ٣٧، رقم ٤٥٥٧. (٢) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه، خالد بن عثمان السبت ص٧٧. ٢. رفع العقوبات العامة. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْقُواْ عَن كَثِيرِ ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ اَلْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمة ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ذلك ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد فهي أمم مهددة بالدمار والهلاك، ولهذا فدعاة الإصلاح هم صمام الأمان للأمم ٢٥٤ القرآن الكريم النصيحة والشعوب(١). ٣. استنزال الرحمة من الله؛ لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة. قال تعالى: ﴿ وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَپن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَتَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ٤. شد ظهر المؤمن وتقويته، ورفع عزيمته، وإرغام أنف المنافق. فالمؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك، ویکون ذلك سببًا لغمه وضیق صدره وحسرته؛ لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذیوعه بین الخلق، فإذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق. ٥. قيام المسلمين بها يحصل لهم الطموح والترفع عن الدنايا. کما یحصل لهم شعور بأنهم ربانیون يصلحون الناس، فيكونون قدوة حسنة بصلاح أنفسهم وحسن استقامتهم. ٦. ابتلاء الخلق بعضهم ببعض؛ لأن هذا العمل بجميع مراتبه وأنواعه جهاد. (١) انظر: تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد الله القصیر ص٧٥. قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنْنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَّكِن لَيْلُواْ بَعْضَكُمْ بَبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. ويمثل هذه الابتلاءات يظهر إيمان المؤمن وصبره على مكاره النفس في سبيل رضی الله ونشر دينه وشريعته. ٧. سبب للتمكين والنصر على الأعداء. فإن الأمة لا تنتصر بعدد ولا عدة، وإنما تنتصر بهذا الدين. قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن مَكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. ٨. تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة. قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠](٢). ٩. يبعث الإحساس بمعنى الإخوة والتكامل بين المؤمنین. فالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشعر أبناء المجتمع الواحد بمعنى الإخوة؛ لأنه نوع من التناصح الذي يبعث الإحساس بالتكامل فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض وقد أمرنا الله (٢) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه، خالد بن عثمان السبت ص٧٨. www. modoee.com ٢٥٥ حرف النون تعالى بذلك فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْبِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ [المائدة: ٢]. وإن القيام بذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين، ويؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين ويأمن الناس على الحقوق والحرمات. موضوعات ذات صلة: الإنذار، الحوار، الدعوة، النجوى ٢٥٦ النفسية قَضوري جوبيع القرآن الكريمِ