Indexed OCR Text

Pages 41-60

النساء
تعرض لها فهو أولی.
أن الإسلام ينظر إلى المرأة على أنها
شريك للرجل في إعمار الأرض، فقد
خلقت لتكون زوجًا وشریگًا وعونًا له.
أن المرأة ظلمت من كثير من الناس،
فمنهم من ينظر إليها على أنها شيء
حقير خلق لخدمة الرجل، ومنهم من
ينظر إليها على أنها سبب شقاء الإنسان
في هذه الحياة، وسبب عصيان آدم،
وسبب إخراجه من الجنة، مع أن الأمر
لیس کذلك.
تجلت قدرة الله تعالى في بعض
النساء، السيدة حواء حيث خلقت من
ذكر فقط، والسيدة مريم حيث أنجبت
بلا ذكر، والسيدة سارة حيث أنجبت
وهي عقيم من زوجها الشيخ الكبير،
وامرأة زکریا علیه السلام كذلك.
أن النساء لهن أحكام خاصة في بعض
الأمور الخاصة بهن، فينبغي أن يطلبن
الحكم الشرعي فيها.
· المرأة الوحيدة التي ذكر اسمها في
القرآن الكريم هي السيدة مريم رضي
الله عنها، وذلك حتی ینسب إليها ابنها
المسيح عليه السلام، إذ إنه آية من آيات
الله حیث ولد من آنثی بلا ذکر، فذکر
منسوبًا لأمه حتى يرد على النصارى في
مغالاتهم فیه، وحتی یرد على اليهود في
اتهامهم لأمه.
أن المرأة ليست تابعة لزوجها، فها
هي امرأة فرعون تخالف دينه وتتبع
الدين الإلهي، وامرأة نوح وامرأة لوط
تخالفانهما الدین و تتبعان دین قومهما.
■ أن المرأة ينبغي أن تتزين بالحياء
والذكاء كما فعلت ابنتا شعيب عليه
السلام وكما ظهر من شخصية بلقيس.
: أن الاختيار عند إرادة الزواج ينبغي أن
٥
یکون علی أساس الخلق والدین، كما
كان من شعيب عليه السلام وابنته.
في قصة أم جميل وزوجها أبي لهب
٥
«معجزة ظاهرة ودليل واضح على
النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى:
سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ، وَأَمْرَأَتُهُ.
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) فِ جِيدِ هَا حَبْلٌ
مِن مَّسَدٍ ﴾﴾[المسد: ٣-٥] فأخبر
عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض
لهما أن یؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا
ولا باطنًا، لا مسرًّا ولا معلنًا، فكان هذا
من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة
الظاهرة)»(١).
أن الإنسان لا ینفعه إلا عمله، فلا یغني
عنه قرابته لعابد من العباد بل ولا لنبيٍّ
من الأنبياء.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٧/٨.
www. modoee.com
٤٧

حرف النون
أحكام المرأة في القرآن
إذا كانت المرأة لها طبيعتها الخاصة
التي تختلف عن طبيعة الرجل فمن البدهي
أن يكون هناك أحكام عامة تشترك فيها هي
والرجل، وأن يكون لها أحكام خاصة بها
تتناسب مع طبيعتها، وهذا ما سنحاول إبرازه
في النقاط الآتية:
أولًا: الأحكام المتعلقة بالحياة
الأسرية:
وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي
بأحكام الزواج والطلاق، ويسمى في
عصرنا بالأحوال الشخصية، ونتناول بعض
هذه الأحكام:
١. النكاح.
فالله تعالى خلق الإنسان، وخلق فيه
مقومات بقاء نفسه ومقومات بقاء النوع
الإنساني كله، ومن مقومات بقاء النوع
الإنساني أنه خلقه ذكرًا وأنثى، وخلق في
كل واحد منهما ميلًا فطريًّا للآخر، كما أخبر
سبحانه بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].
والتزيين ((تصيير الشيء زينًا، أي: حسناً،
فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين
وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه))(١).
قال الواحدي: (( يقال: من الذي زين
(١) التحرير والتنوير ٣٧/٣.
للناس ذلك؟ فيقال: الله تعالى زين للناس،
بما جعل في الطباع من المنازعة إلى هذه
الأشياء محنةً»(٢).
فمعنى التزيين: ((خلقها وإنشاء الجبلة
على الميل إليه))(٣).
وذلك حتى يبحث كل واحدٍ منهما عن
الآخر، فلولا هذه الشهوة لعزف الناس
كلهم رجالاً ونساءً عن الزواج، إذ ما الذي
يجبر الرجل على أن يرتبط بعلاقة تجعله
یتکلف بنفقةٍ وغير ذلك؟! وما الذي يدفع
المرأة لارتباط يلزمها بأشياء قد تشق
عليها، ويترتب عليها حمل وآلامه، ووضع
ومتاعبه، وتربية أبناء تسهر عليهم الليالي؟!
فخلق الله هذه الشهوة فيهما لتدفعهما دفعًا
لهذا الارتباط.
ولکنه في الوقت ذاته لم يبح لهما قضاء
هذه الشهوة حسبما اتفق كالبهائم، بل وضع
التشريعات التي تضمن لهما ولأبنائهما حياة
نظيفة، تليق بهذا الإنسان المكرم، وتضمن
عيشة طيبة لكل أفراد الأسرة، فشرع الزواج،
بل وحث عليه، حيث حث الإسلام الحنيف
على تزويج الأيامى، وهو ((جمع أيم، وهو
من لا زوج له من الرجال والنساء» (٤).
وعندما حث على الزواج لم يجعل
الهدف منه مجرد قضاء الشهوة، بل جعله
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ٥/ ٩٠.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٤١٣.
(٤) بهجة الأريب ص٣٥٤.
٤٨
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

النساء
أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَبِجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
ولن يتحقق السكن والمودة والرحمة
إلا إذا كان هناك قواعد لاختيار الزوجين،
بحيث يبنى البيت على قواعد متينة لا
تزلزلها الرياح، وليس هناك أفضل من
الدين ليكون أساسًا لهذا الاختيار، لذلك
يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (إذا
جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه،
إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد. قالوا:
يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم
من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث
مرات)(١).
فالدين أساس في اختيار كلٌّ من
الزوجین للآخر، بل تحریه في الزوج أولی،
وقد قال رجل للحسن: ((إن لي بتتًا أحبها،
وقد خطبها غير واحد فمن ترى أن أزوجها؟
قال: زوجها رجلًا يتقي الله، فإنه إن أحبها
أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها)»(٢).
أما غیر التقي فإن أبغضها أهانها وظلمها؛
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه،
٣٩٥/٣، رقم ١٠٨٥.
قال الترمذي: حسن غريب.
وحسنه الألباني في الإرواء، ٢٦٦/٦، رقم
١٨٦٨.
(٢) انظر: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري،
القسطلاني ٢٢/٨.
سكنًا ومودة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، إذ لا رادع عنده، ثم إن الضرر الواقع عليها
إذا كان على درجة غير كافية من الدين
يكون أكثر من الضرر الواقع عليه لو كانت
هي كذلك، لذلك فإن الإسلام الحنيف
لم يبح للمرأة أن تتزوج بغير المسلم، أيًّا
كانت ديانته، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ
◌ُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى
اُلْجَنَّةِ وَاَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وأباح للرجل أن يتزوج الكتابية، فقال
سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمَّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ
وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا
ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ
وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ ﴾ [المائدة: ٥].
وذلك أن تأثير الرجل على المرأة أشد
من تأثيرها عليه.
ثم إن الإسلام راعى أمرًا آخر غاية في
الأهمية، وذلك أن المرأة تتعامل بالعاطفة
أكثر من الرجل، لذا فإنه قد تخدع برجل
معينٍ، نظرًا لعدم درايتها بحقائق الأمور،
لذا فقد جعل الإسلام عقد الزواج بید ولیھا،
وهو ركن عند جمهور العلماء، واستدلوا
بالآية، حيث عبر في جانب الرجل بقوله:
﴿وَلَا تَنكِحُوا﴾ بفعل متعدٍّ لمفعول واحد،
www. modoee.com
٤٩

حرف النون
وفي جانب المرأة بقوله: ﴿وَلَا تُنكِحُوا﴾ فهو من لوازم النكاح، وهو ملك للمرأة لا
يجوز لوليها ولا لزوجها آخذ شىء منه، كما
بفعل متعدٍّ لمفعولین، فدل على أن غيرها
یزوجها ولا تزوج نفسها.
قال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْچ
مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا
فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا
وَإِثْمًا سُبِينًا ﴾ [النساء: ٢٠].
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها
باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل
من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من
لا ولي له)(١).
كل هذا زيادة حرص وحفاظ على
المرأة، لأن الضرر الواقع عليها في حال
تزوجها بغیر کفءٍ أو بغیر تقيّ یکون شدیدًا.
٢. المھر.
وهو مرتبط بالنكاح، حیث شرعه الدین
الحنيف وجعله ملكًا خالصًا للمرأة، كما قال
تعالى: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَئِنَّ عِلَّةٌ فَإِن ◌ِبْنَ
لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيَنَّا قَرِيًَا
[النساء: ٤].
وقد اختلفت مذاهب الفقهاء في هذا
الصداق، ما بين قائل: إنه شرط من شروط
صحة النكاح. وقائل: إنه ركن من أركانه.
وقائلٍ إنه واجب للمرأة فقط. وعلى أية حال
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب
لا نكاح إلا بولي، ٤٠٧/٣، رقم ١١٠٢،
والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح،
١٨٢/٢، رقم ٢٧٠٦.
قال الترمذي: حسن.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه.
ثم إن هناك خلافًا بين العلماء في المهر:
هل هو عوض عن منفعة البضع، أو إنه مجرد
عطية تكرمة للمرأة؟
قال الطاهر ابن عاشور: ((وسميت
الصدقات نحلة إبعادًا للصدقات عن
أنواع الأعواض، وتقريبًا بها إلى الهدية، إذ
ليس الصداق عوضًا عن منافع المرأة عند
التحقيق، فإن النكاح عقد بين الرجل والمرأة
قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة،
وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من
أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان
عوضها جزيلاً ومتجددًا بتجدد المنافع،
وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلها، ولكن
الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكرامًا
لزوجاتهم، وإنما أوجبه الله لأنه تقرر أنه
الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح،
إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص
الرجل بامرأة تکون له دون غیرہ، فکان ھذا
الاختصاص ينال بالقوة، ثم اعتاض الناس
عن القوة بذل الأثمان لأولياء النساء لبيع
بناتهم، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيْمِ

النساء
وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في باختياره وقصده)) (٣).
شؤونه، وبقيت الصدقات أمارات على
ذلك الاختصاص القديم تميز عقد النكاح
عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعًا
وعادة))(١).
٣. التعدد والعدل.
مما يقترن بقضية النكاح إباحة التعدد
للرجل، فیباح له أن يجمع بين أربع نسوة في
وقت واحد ﴿وَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الَّْ
فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَآءِ مَثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْفَوَجِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيُّمَنَّكُمْ ذَلِكَ
أَدْنَ أَلَّ تَقُولُواْ ﴾ [النساء: ٣].
فأباح التعدد بشرط العدل حسب قدرة
الرجل، أما العدل التام فهو خارج عن مقدور
الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ
أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ وَلَوْ حَرَصْتُمَّ فَلَا
تَمِيلُواْ كُلَ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾
[النساء: ١٢٩].
وکان رسول الله صلی الله علیه وسلم
يقسم فيعدل فيقول: (اللهم هذا قسمي فيما
أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك) (٢).
(يريد ميل النفس وزيادة المحبة لواحدة
منهن، فإنه بحكم الطبع ومقتضى الشهوة لا
(١) التحرير والتنوير ٤ /٢٢.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب النكاح،
٢٠٤/٢، رقم ٢٧٦١.
وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
ولم يتعقبه الذهبي.
فالتعدد جائز بشرط أن لا یزید عن أربع،
وبشرط أن يعدل بينهن العدل المادي،
وبشرط أن ينفق عليهن، فإذا توافرت الشروط
فلا ضير إذن من التعدد، وذلك التعدد لحكم
يعلمها الله تعالى، منها أن عدد النساء غالبًا
یکون أکثر من عدد الرجال، بل قد يصل
إلى أضعاف عدد الرجال، هذه المرأة التي
تدخل ضمن العدد الزائد لها رغبات فطرية،
في الشهوة والسكن والاطمئنان، فإذا لم
يجز للرجل أن يزوج بغير واحدة ماذا تفعل
هذا المرأة؟ هل تكبت رغباتها، أم تقضيها
في الظلام؟ أم تتزوج برجل متزوج بغيرها
زواجًا نظيفًا أمام أعين الناس في وضح
النهار، تعيش عيشة نظيفة.
وهذه الزوجة التي تمنع زوجها من
التعدد ألا تضع نفسها موضع هذه التي
لا تجد زوجًا، ومن العجب أن كثيرًا من
النساء قد يفضلن أن يخادن أزواجهن على
أن يتزوج بغيرهن، وهذا ضد مبادئ الدين
الحنيف، وضد ما تنادي به العقول السليمة
والفطر المستقيمة. ومن العجيب أن هؤلاء
الذین ینادون بمنع تعدد الزوجات ينادون
في الوقت ذاته بإباحة الزنا والعهر، ألا ساء
ما يصنعون!
(٣) التنوير شرح الجامع الصغير ٦٠٩/٨.
www. modoee.com

حرف النون
٤. یتامی النساء.
هؤلاء الیتامی اجتمع فيهن ضعفان،
ضعف الأنوثة وضعف اليتم، فلذلك احتاج
الأمر إلى زيادة تأكيد بالنسبة لهن، فاليتيم
بوجه عام أمر الشرع الحنيف بالإحسان إليه،
وإعطائه حقوقه أولا، بل وجعل له نصيبًا
من الغنائم ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ
لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى
وَاَلْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
ومن الفيء ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَّى
وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧].
وأمر بالإحسان إليهم وإعطائهم
من أموالنا جبرًا لخاطرهم ﴿وَلَكِنَّ أَلْبِرّ
مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ
وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى
الْقُرْبَ وَالْيَتَمَىِّ وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾
[البقرة: ١٧٧].
وأمر بأن نعمل في أموالهم بإصلاحها
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَىَّ قُلْ إِصْلَاحُ لَّمْ خَيْرٌّ وَإِن
◌ُّخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَاتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وخص يتامى النساء زيادة على ما
تقدم بالإقساط إليهن ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ
النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا
تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَّرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتَمَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
پهء عليمًا
١٢٧﴾ [النساء: ١٢٧] لأنها لضعفها
قد يطمع وليها في مالها وجمالها، قد يطمع
فيها ولیھا فیتزوجها ولا يدفع إليها مهرها أو
يستولى على أموالها، فأكد الله على حقوقها
تأكيدًا شديدًا. و «لم يبين هنا هذا الذي يتلى
علیھم في الکتاب ما هو، ولکنه بينه في أول
السورة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
تُقْسِطُواْ فِى الْيَى فَأَنْكِحُوأَمَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِّسَآءِ
[النساء: ٣](١).
فالمراد بالآية «النهي عما كانت العرب
تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون
ما تستحقه من المهر، ومن عضل الدميمة
الفقيرة أبدًا، والدميمة الغنية حتى تموت
فيرثها العاضل، ونحو هذا مما يقصد به
الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة)) (٢).
عن عروة بن الزبير (أنه سأل عائشة عن
قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُواْ فِى
اَلْيَ﴾ فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة
تکون في حجر و ليها تشر که في ماله، ويعجبه
مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير
أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها
غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا
لهن ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق،
فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٣١٣.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٣٨/٢.
جَوَسُولَةُ النَّتِيَّة
القرآن الكريم
٥٢

النساء
سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس
استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى
اُلْنِسَآِ﴾ (١).
٥. القوامة.
لما كانت الأسرة مكونةً من عدد من
الأفراد، وهي كما يقول الشيخ الغزالي:
«مملكة ذات حدود قائمة تشبه حدود الدول
في عصرنا))(٢) فلا بد إذن أن تنضبط أمور
البیت بحیث یعرف کل فردٍ من أفرادها ما
له وما علیه، ولا بد أن یکون هناك قائد لهذا
البيت، فمن الذي يقوده، أهي المرأة التي
تتحكم فيها عاطفتها في الأعم الأغلب؟
مما قد يؤدي إلى القضاء على هذا البيت
لأقل الأسباب، ثم إنها لم تتكلف شيئًا
في بناء هذا البيت، مما يجعلها غير مدركة
لمدى التعب والمشقة التي تكلفها الزوج
لبناء هذا البيت، فهي إذن لا تصلح القيادة
هذا البيت، لا يصلح له إلا هذا الرجل الذي
تعب في تأسيسه، ويتصرف بناءً على تفکیر
عقلاني، فلا یتجه لهدم هذا البيت إلا بعد
أن يفكر ألف مرة ومرة، فإذا اتخذ قرارًا ما
فإنه في الأعم الأغلب یکون قرارًا مدروس
العواقب.
لذا أسندت إليه مهمة قيادة هذا البيت
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب سورة النساء، ٤ /١٦٦٨، رقم ٤٢٩٨.
(٢) قضايا المرأة ص ١٥٦.
والقيام بشؤونه ورعايته، وهو ما يسمى
بالقوامة، وهو ما ذكره تعالى في قوله
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[النساء: ٣٤].
فالقوامة ليست تشريفًا للرجل، ولا
تسلطًا منه على المرأة، وإنما هي تكليف
له بالقيام على شؤونها ورعايتها. وقد تقدم
الحديث عن القوامة في أثناء الحديث عن
حقوق المرأة بما أغنى عن إعادته.
٦. النشوز والإعراض.
وقد عالج القرآن الكريم نشوز كل
واحدٍ من الزوجين، ففي نشوز المرأة يقول
تعالى: ﴿وَأَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ فَعِظُوهُنَ
وَأَهْجُرُوهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌ فَإِنَّ
أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ
كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤].
قال جمهور الفقهاء: ((النشوز عصيان
المرأة زوجها والترفع عليه وإظهار كراهيته،
أي: إظهار كراهية لم تكن معتادة منها، أي:
بعد أن عاشرته، وجعلوا الإذن بالموعظة
والهجر والضرب مرتبًا على هذا العصيان،
واحتجوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن
للزوج في ضرب زوجته الناشز، وما ورد من
الأخبار عن بعض الصحابة أنهم فعلوا ذلك
في غير ظهور الفاحشة»(٣).
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٦/٤.
www. modoee.com
٥٣

حرف النون
والمراد بقوله: ﴿فَعِظُوهُنَ﴾ ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا
(ذكروهن أمر الله واستدعوهن إلى ما فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلَّحَاً
يجب عليهن بكتاب الله وسنة نبيه. وقوله
﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِع﴾
تجنبوا
جماعهن، قال ابن عباس رضي الله عنهما:
يضاجعها ويوليها ظهره لا يجامعها.
وقال سعيد بن جبير: هي هجرة الكلام،
أي: لا تكلموهن وأعرضوا عنهن. وقوله
﴿وَأَضْرِبُوهُنَ﴾ الضرب هو ضرب الأدب
غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا
يشين جارحة(١).
فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يسرحها بإحسان ولا يحبسها على الحيف،
وليس يجبر الزوج على الوطء إذا عدل في
المقام والنفقة، وكل ما اصطلحا عليه من
شيء فهو جائز، وهو أن تترك له من مهرها،
أو بعض أيامها)»(٣).
يريد منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل
له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا
هجرانها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
((تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير
سبب، فإن الله العلي الكبير ولیھن وهو
منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن))(٢).
ثم إن الأهل إذا خافوا أن تتفاقم الأمور
بين الزوجين، فليبعثوا حكمين، واحدًا
من جهة الزوج وآخر من جهة الزوجة؛
للإصلاح بينهما.
وكما عالج نشوز المرأة عالج أيضًا نشوز
الرجل وإعراضه عن زوجته بقوله تعالى:
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٥٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٦/٢.
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
قال المفسرون: «هذا الصلح في القسمة
والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك
دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن
أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك
في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا
فأقمي، وإن کرهت خليت سبيلك. فإن
رضيت بذلك كان الواجب على الزوج أن
يوفيها حقها من المقام عندها والنفقة، أو
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (الرجل
تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن
يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلِّ،
فنزلت هذه الآية في ذلك) (٤).
فعند خوفها من نفرة زوجها فلها أن
تسقط بعض حقوقها، وأن يتصالحا،
فالصلح أفضل من الفراق، ((وقد لوحظ في
(٣) التفسير البسيط، الواحدي ١٢٨/٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه،
٨٦٥/٢، رقم ٢٣١٨، ومسلم في صحيحه،
كتاب التفسير، ٢٣١٦/٤، رقم ٣٠٢١.
جَوَسُورَةُ النَّقتيبة
القرآن الكريم
٥٤

النساء
التعبير أمور ثلاثة:
أولها: أنه عبر عن طلب الصلح بقوله
تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا
صُلْحًا﴾ وذلك ترفق في الإيجاب، فعبر
عنه بنفي الإثم لكيلا يتوهم أحدهما أن
في التساهل عن بعض حقه إثمًا. والصلح
يقتضى أن يتسامح أحد الفريقين في جزء
من حقه لینال خيرًا أكثر مما تسامح فیه،
فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم العشرة
بالمعروف فذلك لا إثم فیه، بل فیه الخیر.
ثانيها: أنه أكد الصلح بقوله (صُلّحًا﴾
للإشارة إلى أن الصلح في هذا المقام لا
یکون صلحًا ظاهرًا، بل يكون نفسيًا، بحيث
تتلاقى القلوب وتصفو النفوس، ويحل
الوئام محل الخصام، فليس الصلح في هذه
الحال إنهاء لمشكلة فقط، بل هو تلاقى
القلوب على المودة والرحمة.
ثالثها: أن الله تعالى أكد الصلح بقوله
تعالى أولا ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي أنه في ذاته
خير يعم الطرفين، من تسامح يناله من الخير
بمقدار ما تسامح أو بأضعاف ما تسامح، فهو
قد أعطى ليأخذ وتساهل لتلزم ولتدوم نعمة
الزوجية.
وأكد سبحانه الصلح بدعوة الزوجين
ألا يشح أحدهما بالعطاء لرفيقه، ولذا قال
تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ آلْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ والشح
هو البخل، وهو هنا التشاح النفسي بأن
يلتزم كل واحد من الزوجين موقفه متمسكًا
بحقوقه الشكلية))(١).
٧. علاج الظهار.
وهو من المشاكل التي تقابل المرأة في
الحياة الزوجية، و((أصل الظهار مشتق من
الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر
أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي.
ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء
قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية
طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه
كفارة ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه
(٢)
في جاهلیتھم)»(٢).
فهذه مشكلة قائمة، فلما جاء حرمه
ابتداءً، وعالجه لو حدث، فقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْكُم مِّن نِسَآِهِم مَّا هُنَّ
أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ
لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهُ
لَعَفُؤُ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآْسًا
ذَلِكُوْ تُوعَظُونَ بِهٍِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاسَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾
[المجادلة: ٢-٤].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (تبارك
الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/ ١٨٨٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧/٨.
www. modoee.com

حرف النون
كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه زمنًا طويلًا، فإن الثلث اعتبر معظم الشيء
المقسوم، مثل ثلث المال في الوصية،
وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في
قصة مأثورة عن عمر بن الخطاب، أنه خرج
ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس
فمر بدار سمع امرأة بها تنشد (٢):
وهي تشتکي زوجها إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهي تقول: یا رسول الله،
أکل شبابي و نثرت له بطني حتی إذا کبرت
سني وانقطع له ولدي ظاهر مني، اللهم إني
أشكو إليك. قالت عائشة: فما برحت حتى
نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾
[المجادلة: ١](١).
تطاول هذا الليل تسري كواكبه
وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورًا، وطورًا كأنما
بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه
فعالج الإسلام هذه المشكلة علاجًا
حكيمًا، وأدب من يقع في هذا الأمر أدبًا يسر به من كان يلهو بقربه
بالغًا.
٨. علاج الإيلاء.
وهو أمر تتضرر به المرأة، وهو أن يحلف
الرجل أن لا یجامع زوجته مدة أربعة أشهر
أو أكثر، ولرفع الضرر عن المرأة شرع الله
تعالى هذا الحكم ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ
تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍّ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
، وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ()﴾
٢٣٦
[البقرة: ٢٢٦-٢٢٧].
علی الناس وجه التأجیل بأربعة أشهر،
وهو أجل حدده الله تعالى، وتلك المدة
ثلث العام، فلعلها ترجع إلى أن مثلها يعتبر
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير،
باب تفسير سورة المجادلة، ٥٢٣/٢، رقم
٣٧٩١.
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولم
يتعقبه الذهبي.
(٢) انظر: مصارع العشاق ٢/ ١٦٠، المحاسن
والأضداد ص ١٨٩، شرح نهج البلاغة، ابن
أبي الحديد ٦٤/١٢.
٥٦
جَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريم
لطيف الحشا لا تحتويه أقاربه
فوالله، لولا الله لا شيء غيره
لنقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبًا مو كلًا
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
فاستدعاها، من الغد، فأخبرته أن زوجها
أرسل في بعث العراق، فاستدعي عمر نساءً
فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها
الصبر على زوجها، قلن: شهران، ويقل
صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد في أربعة
أشهر. وقيل: إنه سأل ابنته حفصة.
فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا
الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر، فإذا

النساء
مضت استرد الغازين ووجه قوما آخرين(١). ينفخ في هذه النار، ثم إن انقضت العدة فلا
٩. الطلاق.
إذا وقعت مشكلة بين الزوجين فإن القرآن
الکریم عالجها حتی لا یتشتت البیت، وحتی
لا تضار المرأة، كما رأينا في مشكلة النشوز
ومشكلة الظهار، ولكن الأمر قد يتفاقم
وتصبح الحياة مستحيلة بينها وبين زوجها،
فهنا أباح الطلاق، وجعله أبغض الحلال،
ولكنه عندما أباحه وضع له ضوابط، فلا بد
أن یکون في طھر لم یجامعها فيه، وهو ما
يعرف بالطلاق السني، وبعد الطلاق شرع
العدة، وتمكث المرأة في بيت الزوجية
مدة العدة، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا
طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ
أَلْمِدَّةٌ وَأَتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ
بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ
◌ُِّنَةِ﴾ [الطلاق: ١].
وذلك حتی یراجع كل واحدمن الزوجين
نفسه بعدما ذاقا من آلام الفراق، فقد يعودا
لبعضهما، وقد تغلبهما الشهوة فيكون هذا
الأمر دافعًا لعودتهما لبعضهما مرة أخرى،
فتعود المياه إلى مجاريها.
ثم إنها لو غادرت بيت الزوجية فإن
شياطين الإنس لن يتركوهما في حالهما،
وسوف نجد من يشعل النار بينهما، أو من
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٠٥/١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦٨/٢.
بد وأن تغادر بيت الزوجية، وهنا ما زالت
الفرصة أمامهما للعودة إذا كانت الطلقة
الأولى أو الثانية، ﴿الطَّلَقُ مَنَّتَانٍ فَإِمْسَالٌ
◌ِمَعْرُوفٍ أَوْتَشْرِيحٌ بِإِحْسَنِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فإن طلق الثالثة فهذا يدل على واحد من
أمرين: إما أنه متلاعب بأحكام الله، وإما أنه
استحالت العشرة بينهما، فلا بد من تشريع
آخر، وهو أنه لا تعود إليه إلا بعد أن تتزوج
بزوچ غيره زواجًا شرعيًّا صحيحًا يجامعها
فيه، فإن طلقها الزوج الثاني رغبة عنها أو
مات عنها جاز أن تعود للزوج الأول بعقد
ومهر جدیدین.
١٠. الخلع.
قد تتضرر المرأة من العیش مع زوجها،
وهو لا يريد طلاقها نظرًا لما تكلفه من
أموال، وهي تريد أن تفتدي نفسها منه،
فهنا أباح الإسلام الحنيف لهما أن تعطيه ما
يتفقان عليه من أموال على أن يطلقها فتبين
منه بينونة صغرى.
يقول تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ
مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا
أَقْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
لذا أجمع العلماء علي مشروعية الخلع
وأنه جائز بالكتاب والسنة وواقع(٢).
(٢) انظر: بداية المجتهد، ابن رشد ١٢٨/٢،
www. modoee.com
٥٧

حرف النون
وإن اختلفوا في المقدار الذي يجوز ١١. العدة.
للرجل أن يأخذه، فذهب الجمهور إلى أنه
يجوز أن تختلع المرأة بأكثر مما أعطاها
الزوج من صداق،(١) وذهب أحمد إلى أنه
لا يجوز له أن يأخذ أكثر مما أعطاها من
صداق(٢).
وإذا تأملنا في هذا الحكم ندرك حكمة
التشريع، فالمرأة في قلبها بغض لهذا الزوج،
أتعيش معه مبغضة له أم تتطلع لغيره، فتتعدى
حدود الله؟
والرجل إذا طلقها بغير سبب منه يكون
قد تكلف أعباء كثيرة لغير سبب منه، وهنا
يأتي هذا الحل الإلهي بإباحة أخذ هذه الفدية
لتربح الجانبين وترفع الضرر عن المتضرر،
فها هي امرأة ثابت بن قيس تأتي النبي صلى
الله عليه وسلم فتقول: (یا رسول الله، ثابت
بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دین،
ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه
حديقته؟) قالت: نعم. قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة وطلقها
تطليقة) (٣).
فتح الباري، ابن حجر ٩/ ٣٠٧، المغني، ابن
قدامة ٨/ ٢٢٧.
(١) انظر: الموطأ، الإمام مالك، ٤٨٧/٢، الأم،
الشافعي ١٨٣/٥.
(٢) انظر: بداية المجتهد، ابن رشد ١٢٩/٢، فتح
الباري، ابن حجر ٩/ ٣١٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
المرأة قد تنتهي حياتها الزوجية بطلاق أو
موت الزوج، ولكن بعد انتهاء الحياة الزوجة
قد يكون هناك حملٌ نتيجة هذا النكاح، ثم
إن كان انتهاء العلاقة بالطلاق فإنه قد يراودا
أنفسهما بالرجوع لبعضهما، لذا شرعت
العدة، وهي مدة تتربصها المرأة بنفسها
لمعرفة براءة الرحم أو للتعبد أو لتفجعها
على زوجها، وهذه المدة تختلف باختلاف
حال المرأة:
فالمعتدة من وفاة عدتها أربعة أشهر
وعشرة أيام ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَجًا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾
[البقرة: ٢٣٤].
والحامل عدتها بوضع الحمل، سواء
أکانت معتدة من وفاة أو من طلاق، كما
قال سبحانه ﴿وَأَوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
والمعتدة من طلاق ممن يحضن عدتها
ثلاثة قروء ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
ثَلَثَةَ فَرُوعٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
أما إن كانت صغيرة أو آيسة فعدتها ثلاثة
أشهر ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ
أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَئَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِى لَتْيَحِضْنَ﴾
[الطلاق: ٤].
باب الخلع وكيفية الطلاق، ٢٠٢١/٥، رقم
٤٩٧١.
٥٨
جوبيبو
القرآن الكريمِ

النساء
أما إن طلقت قبل الدخول بها
فلا عدة عليها ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنُّونَهَا﴾
[الأحزاب: ٤٩].
والمطلقة البائنة بينونة كبرى لا تحل
لزوجها إلا بعد أن تتزوج بزوج آخر ویدخل
بها، كما قال تعالى: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ
لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَجَعَآ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ
اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ يُّبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
[البقرة: ٢٣٠].
ولها أحكام كثيرة مفصلة في كتب الفقه.
١٢. رعاية الزوج والأولاد.
خلق الله تعالى المرأة وجعل المهمة
الأولى لها رعاية البيت، فقد خاطب الله نساء
النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: ﴿وَقَرْنَ فِ
بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّحْنَ تَّبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُوْلَى﴾
[الأحزاب: ٣٣].
فالمرأة مهمتها الأولى رعاية البيت
والأولاد، وهي مهمة شاقة لا يستطيعها
الرجل، وأمرها أن ترضع وليدها ﴿وَأَلْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُثِّ
الرَّضَاعَةُ وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ،
لَا تُكَلَّفُ نَفْسُّ إِلَّا وُسْعَهَاً لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ"
بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
١٣. الحيض.
وهو دم يعتري المرأة مرة في الشهر،
تختلف مدة نزوله من امرأة لأخرى،
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى
فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَظْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّاَ لْمُتَّطَهِرِنَ (٧)
[البقرة: ٢٢٢].
والمرأة أثناء نزوله يعتريها الضعف،
ويتغير مزاجها، لذا فإن الشرع الحنيف راعى
ذلك وخفف عنها من العبادات، فمنعها
من الصلاة، ولم يلزمها قضاءها، ومنعها
من الصوم، ولكنه لما كان لا يتكرر إلا مرة
واحدة في العام ألزمها قضاءه، ولما كان هذا
الدم مصدر أذى منع الزوج من جماعها أثناء
نزوله، حتى لا تتأذى من ذلك، وحتى لا
يتأذى زوجها. ثم إنه سبحانه ربط بهذا الدم
أحكام الطلاق والعدة والرجعة، فمنع الزوج
من أن يطلقها في أثناء حيضها لأنها يتغير
مزاجها بسبب نزول هذا الدم، فربما يكون
عدم ملاطفتها لزوجها ناتجًا عن هذا التغير
الطارئ، ويعتدل مزاجها بانقطاع الدم،
ومن جهة أخرى قد تكون نفرة الزوج عنها
بسبب هذا الدم فيعزف عنها، وعندما ينقطع
الدم يرغب فيها، فاستغل الإسلام هذا الأمر
للحفاظ على الأسرة من التفكك.
www. modoee.com
٥٩

حرف النون
ثانيًا: الأحكام المتعلقة بالحدود:
أحكام الحدود المتعلقة بالنساء كثيرة،
وسوف أذكر أهم هذه الحدود، وهي:
١. القتل.
الإسلام الحنيف ساوى بين الرجل
والمرأة في هذا الحد، ولم يفرق بينهما
لذكورة أو أنوثة، فحرم القتل ابتداءً، قدم
الذكر ودم الأنثى سواء ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
بَأْتُهَا الَّذِينَ
وأوجب القصاص بينهما
ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِىّ الْحُرُّ بِالْخُّ
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْنَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِّ
ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَعْتَدَىْ بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].
فإن قتل رجل امرأة فإنه يقتل بها ولا
يأخذ أهل الرجل شيئًا من أهل المرأة، وهذا
قول جمهور العلماء(١).
٢. السرقة.
وكما ساوى بين الرجل والمرأة في
القصاص ساوى بينهما أيضًا في حد السرقة،
فأوجب قطع اليد على من سرق، بغض النظر
عن كونه ذكرًا أو أنثى، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ
(١) انظر: الأم، الشافعي ١٨/٦، أحكام القرآن،
الجصاص ١٧٣/١، أحكام القرآن، ابن
العربي ١١٨/١، المغني، ابن قدامة ٩/ ٣٣٧.
اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٨].
لأن السارق هنا خائن يستحق أن تقطع
يده.
٣. الزنا.
وإذا زنت المرأة فإنه يلحقها العقوبة
المقررة، فإن كانت بكرًا تجلد مائة جلدة،
ويجب حضور جماعة من صلحاء المؤمنين
إقامة هذا الحد ﴿الزِّيَةُ وَالزَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ وَيَجِدٍ
مِنْهُمَا مِاْتَّةَ جَدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِإِنكُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَايِفَةٌ
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ٢].
وإن کانت ثيبًا فترجم حتى الموت، كما
قال صلی الله عليه وسلم (والثيب بالثيب
جلد مائة والرجم)(٢).
وقوله: (وأما أنت يا أنيس -لرجل - فاغد
على امرأة هذا فارجمها) فغدا عليها أنيس
فرجمها(٣).
وكان الحكم في بداية الأمر ما ذكره
تعالى بقوله: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن
نِسَآَبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ
فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ اَلْبُيُوتِ حَتَّى
يَتَوَقَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾
[النساء: ١٥].
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الزنى، ١٣١٦/٣، رقم ١٦٩٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود، ٩٥٩/٢، رقم ٢٥٤٩.
مَشَوَالَرُ الْنَفْسِيْ
لِلْعُرْآن الكَرِيْمِ
٦٠

النساء
وهو حکمٌ مغًّا بغاية، وقد جعل الله لهن
السبيل المذكور، وهو الجلد لغير المحصن
والرجم للمحصن.
ثالثًا: أحكام اجتماعية:
١. الشهادة.
جعل الله تعالى الشهادة لتوثيق الحقوق
حتى لا تضيع مع فساد الذمم، ولذلك فإنه
شرط شروطًا لضمان وصول الحقوق
أصحابها، ولما كانت المرأة معرضة
للنسيان نتيجة لما يعتريها من نزول دم يؤدي
إلى إضعافها، ونظرًا لأنها تزاول مهام البيت
مما يجعل خبراتها في أمور الحياة ضعيفة،
لذلك لا بد وأن تعاضد شهادتها شهادةٌ
أخرى مثلها حتى تتقوى بها، لذلك جعل
الله تعالى شهادتها على النصف من شهادة
الرجل، فقال عز من قائل: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ
فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن
تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْىِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فجعل شهادة المرأتين تعدلان شهادة
الرجل الواحد، وعلل ذلك باحتمال نسيان
واحدة منهما فتذكرها الأخرى، وهذا الأمر
في المعاملات المالية نظرًا لأنهن لا يزاولنها
کثیرًا، فاحتمال تعرضهن للنسيان أکثر، أما
في الأمور التي يباشرنهن كثيرًا ولا يطلع
عليها الرجال فتقبل شهادتهن، و((كان شريح
يجيز شهادة النسوة على الاستهلال وما لا
ينظر إليه الرجال)» (١) فالمرأة تتذكر هذه
الأمور لأنها تزاولها.
٢. خروج المرأة.
يبين المولى عز وجل أن البيت هو
المقر الرئيسي للمرأة، وذلك عندما
خاطب سبحانه نساء النبي بقوله ﴿وَقَرْنَ فِ
بيوتِكر
• [الأحزاب: ٣٣].
قيل: هو أمر وجوب لهن («أمر خصصن به
وهو وجوب ملازمتھن بیوتهن توقیرًا لهن،
وتقوية في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن
عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي
صلى الله عليه وسلم في خلالها يكسبها
حرمة ... وهذا الحكم وجوب على أمهات
المؤمنين وهو كمال لسائر النساء»(٢).
وكأني بالآية تشير إلى أمرين اثنين يجب
أن تتحلى بهما المرأة المسلمة:
الأول: الوقار والاحترام، فلا تتميع ولا
تتسكع كما تفعل المستهترة.
الثاني: أن المهمة الأساسية للمرأة
المسلمة هي بيتها، فيلزمها الاعتناء به أولًا،
وهي مهمة شاقة ليست بالهينة، فهو مصنع
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب
الشهادات، باب شهادة النساء لا رجل معهن
في الولادة وعيوب النساء، ١٥٠/١٠، رقم
٢٠٣٢٦.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٢٤٢.
www. modoee.com
٦١

حرفالنون
الرجال.
يقول صاحب الظلال: ((وليس معنى هذا
الأمر ملازمة البيوت فلا یبرحنها إطلاقًا،
إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو
الأصل في حياتهن، وهو المقر، وما عداه
استثناء طارئًا لا يثقلن فيه ولا يستقررن،
إنما هي الحاجة تقضى، ويقدرها. والبيت
هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على
حقيقتها كما أرادها الله تعالى غير مشوهة
ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير
وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة)» (١).
وإذا خرجت المرأة من بيتها لحاجة من
حوائجھا فیجب عليها أن لا تتلبس بما يدعو
للفتنة، ولا تزاحم الرجال، کما فعلت ابتتا
شعيب عليه السلام، وهذا يدفعنا إلى مسألة:
٣. الحجاب والزينة.
فإنه لما كان للمرأة أن تخرج بشرط أن
تتلبس بما لا يدعو للفتنة، وكان من أعظم
دواعي الفتنة إبداء المرأة لزينتها، لذا جاء
الأمر الإلهي للمرأة المسلمة بالحجاب
في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ
مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَ
جُبُوِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ ءَبَّبِهِنَّ أَوْ ءَابَآَِّ بُعُولَتِهِنَ أَوْ
أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ
أَوْ بَبِيّ إِخْوَفِهِنَّ أَوْ بَبِيَّ أَخَوَدِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُنَّ أَوِ التَِّحِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ
اَلْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطَّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ
عَلَى عَوْزَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِيِّنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ويأتي هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى
الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته
وجميع المؤمنات بستر العورة ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
قُل لِّأَزْوَجِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِينَ يُّدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِنْ جَبِيِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ١٩
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة
للحجاب فريضة عليها لا تقل في وجوبها
عن الصلاة والصيام، وإن كان هناك خلاف
بين العلماء في القدر الواجب ستره من
بدنها، والخلاف مشهور في عورة المرأة،
ولسنا بصدد الحديث عنه، وإنما يعنينا
القول بوجوب ستر العورة، وتحريم إبداء
الزينة إلا لمن أباح الله تعالى إبداءها له،
وهم المذكورون في آية سورة النور، على
تفصيل عند العلماء في القدر الذي يجوز
إظهاره أمام كل واحد منهم.
رابعًا: أحكام متعلقة بالجهاد:
الجهاد من أفضل الأعمال، وهو من
الأعمال الشاقة، وقد طلب الصحابيات
من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يأذن لهن في الجهاد، وذلك حتى يحصلن
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٥٩/٥.
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
٦٢

النساء
على الثواب الجزيل الذي أعده الله تعالى وإنا معشر النساء محصورات مقصورات،
للمجاهدين في سبيله.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
أنها قالت: (يا رسول الله، نرى الجهاد
أفضل العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال: (لا، لكن
أفضل الجهاد حج مبرورٌ)(١).
وقد ضبطت في بعض النسخ (لكن)
وهو أظهر في المقصود.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
(يا رسول الله، هل على النساء جهادٌ؟ قال:
(نعم، جهادٌ لا قتال فيه، الحج والعمرة
جهادهن)(٢).
وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت
النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه
فقالت: (بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء
إليك، وأعلم نفسي لك الفداء، أما إنه ما
من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت
بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا وهي على
مثل رأيي، أن الله بعثك بالحق إلى الرجال
والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج المبرور، ٥٥٣/٢، رقم
١٤٤٨.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٧٥/٦، رقم
٢٤٥٠٧، وابن ماجه في سننه، كتاب
المناسك، باب الحج جهاد النساء، ٩٦٨/٢،
رقم ٢٩٠١.
وصححه الألباني الإرواء، ٤ /١٥١، رقم
٩٨١.
قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم،
وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال
فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة
المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج،
وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن
الرجل منكم إذا أخرج حاجًّا أو معتمرًا
ومرابطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم
أثوابًا، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم
في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى
الله علیه وسلم إلی أصحابه بوجهه کله، ثم
قال: (هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من
مسألتها في أمر دينها من هذه)؟! فقالوا: يا
رسول الله، ما ظننا أن المرأة تهتدي إلى مثل
هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم
إليها، ثم قال لها: (انصرفي أيتها المرأة
وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل
إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها
موافقته تعدل ذلك كله). فأدبرت المرأة
وهي تهلل وتكبر استبشارًا(٣).
خلاصة الأمر أن المرأة لا يجب عليها
الجهاد، وإنما تحصل على ثواب الجهاد
بحسن القيام على بيتها ورعايتها له، فهذه
مهمتها الأولى، وأما الجهاد فطبيعته تنافي
طبيعة المرأة، وهي لا تستطيعه.
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في
حقوق الأولاد والأهلين، ٦/ ٤٢٠، رقم
٨٧٤٣.
www. modoee.com
٦٣

حرفالنون
المرأة والفتنة
تقدم القول بأن الله تعالى خلق في كل
واحدٍ من الجنسين ميلًا فطريًّا للآخر لقصد
الإبقاء على النوع الإنساني، وهذا الميل من
أقوى شهوات الإنسان، مما قد يدفع البعض
إلى قضاء هذه الشهوة دون نظرٍ لحل أو
حرمة، لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من
النساء)(١).
وهن لسن فتنة بذاتهن، ولكن باعتبار ما
قد يحدث بسببهن، لذا فإن الشرع الحنيف
لكي يسد باب الفتنة بهن ويقصر قضاء
الشهوة على الغرض المقصود شرعًا شرع
أمورًا تمنع هذه الفتنة، ومن هذه الأمور ما
یآتي:
أولًا: الزواج:
شرع الزواج، فحث عليه بقوله سبحانه
﴿وَأَنكِحُوْ اْلْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُ
وَإِمَآَيَكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَى فَأَنْكِحُواْ
مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآَ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب ما يتقى من شؤم المرأة، ١٩٥٩/٥،
رقم ٤٨٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب
الذكر والدعاء باب أكثر أهل الجنة الفقراء
وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء،
٢٠٩٧/٤، رقم ٢٧٤٠.
[النساء: ٣].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(يا معشر الشباب، من استطاع منكم
الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن
للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له
وجاء)(٢).
وقال (تزوجوا النساء فإنهن يأتينكم
بالمال)(٣).
فحب النساء والميل إليهن ((ليس شرًا؛
لأن الله جعل المرأة رحمة للرجل، إنما
يكون الشر في الإسراف في الطلب حتى
يكون النساء خلب كبده(٤)، وفي طلب
الحرام، وفي طلب الجمال من غير ملاحظة
الدین»(٥) .
ونهى عن منع المرأة من الزواج، فقال
سبحانه: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ
إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢].
ونھی الرجل عن التبتل، فقد أراد عثمان
بن مظعون أن یتبتل فنهاه رسول الله صلى
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه
ووجد مؤنة، ١٠١٨/٢، رقم ١٤٠٠.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب النكاح،
١٧٤/٢، رقم ٢٦٧٩.
وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي.
(٤) يقال: قد وصل حبه إلى خلب كبده، والخلب:
لحمة لا صقة بالكبد.
انظر: المستقصى في أمثال العرب ٢/ ١٧.
(٥) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١١٣٥/٣.
جوسى
القرآن الكريمِ
٦٤

النساء
الله عليه وسلم (١).
إياه أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين
ويسر في أمر الزواج، فلم يضع قيودًا أن ((يرخين على وجوههن من جلابيبهن
فيغطین بها وجوههن. والجلباب: کل ما
يستر الكل، مثل الملحفة.
وعراقيل أمامه، فيكفي أن يكون الرجل
قادرًا على الإنفاق على البيت، وجعل
الشرط الوحيد هو الدين، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون
خلقه ودينه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في
الأرض وفساد عريض)(٢).
ثانيًا: الحجاب:
أمر الله تعالى النساء بالحجاب بقوله
سبحانه: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ
وَفِسَآِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَِّنَّ مِن جَلَبِيِهِنَّ
ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
وبقوله: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَرِمِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى
جُيُوبِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة
للحجاب فريضة عليها، لا تقل في وجوبها
عن الصلاة والصيام.
وفي آية سورة الأحزاب ينادي المولى
عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم آمرًا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٨/٢١.
ووجد مؤنة، ١٠١٨/٢، رقم ١٤٠٢.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب النكاح،
١٧٤/٢، رقم ٢٦٧٩.
وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
والمعنى: قل للحرائر يرخين أرديتهن
وملاحفهن ويغطين بها وجوههن
ورؤوسهن، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين.
أن
﴿ذَلِكَ أَدْنَ﴾ أي: أقرب وأجدر
يُعْرَفْنَ﴾ من الإماء ﴿فَلَ يُؤْذَيْنَ﴾.
قال ابن عباس رضي الله عنه: أمر الله
تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن
ووجوههن بالجلابيب، ويبدين عينًا
واحدة)»(٣).
((وابتدئ بأزواج النبي صلى الله عليه
وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء)» (٤).
وعندما نزلت الآية سارع النساء وقت
نزولها إلى الامتثال، فعن أم سلمة قالت: لما
نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ﴾ خرج
نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من
الأكسبة(٥)
.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل
اللـه ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُوِنَّ﴾ شققن
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٦/ ٥٣.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب
في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِهِنَّ﴾،
٤/ ١٠٥، رقم ٤١٠٣.
www. modoee.com
٦٥

حرف النون
مروطهن فاختمرن بها(١).
وفي آية سورة النور يأمر الله تعالى نبيه
صلى الله عليه وسلم بأن يأمر المؤمنات
بغض البصر وحفظ الفرج، وأن يرخين
خمرهن على الفتحة التي في أعلى الثوب
عند الرقبة، وذلك لستر العورة.
ثالثًا: النهي عن التبرج:
نهاهن عن التبرج وعن كل ما يثير غرائز
الرجال، والتبرج أصله التباعد والظهور،
فـ((البرج: تباعد ما بين الحاجبين، وكل
ظاهر مرتفع فقد برج ... والتبرج: إظهار
المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وتبرجت
المرأة: أظهرت وجهها. وإذا أبدت المرأة
محاسن جيدها ووجهها قيل: تبرجت،
وترى مع ذلك في عينيها حسن نظرٍ))(٢).
وقد نهى الله تعالى نساء النبي صلى
الله عليه وسلم وهن القدوة عن التبرج
فقال: ﴿وَلَا تَبَّعْنَ تَبُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[الأحزاب: ٣٣]، أي: لا تظهرن زيتكن.
والجاهلية وصف لحالة معينة، وليست
فترة زمنية بعينها، وإن كان الميل إلى أن
هذا الوصف متحقق في الفترة التي سبقت
الإسلام مباشرة.
ثم نهى المؤمنين عامة فقال: ﴿وَقُّل
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب سورة النور، ٤ / ١٧٨٢، رقم ٤٤٨٠.
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ٢٣٦/١٨.
لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظُنَ
فَرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُوبِنٌّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابََّبِهِنَ أَوْ
ءَابَةِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَبِيّ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ
بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ
أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أَوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ
اَلِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ
وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن
زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
فزاد في هذه الآية النهي عن إظهار
زينتهن إلا لطائفة محدودة من الرجال، وهم
المذكورون في الآية الكريمة، والنهي عن أن
تضرب المرأة برجلها لتحدث صوتًا يسمعه
الرجال فيعلموا زينتها الخفية.
يقول الشيخ الغزالي عند حديثه عن
هذه الآية: ((والواقع أن هذا تشريع تقرر
في الأديان السابقة ولكن الإسلام فصله،
وتحدث عن الزينات الظاهرة المعفو
عنها كالكحل في العين والحمرة في الخد
والخاتم في اليد، وعن الزينات الباطنة التي
لابد من إخفائها .. والغرب الذي يدعي
المسيحية يصدر للعالمين تقاليد العري
والتبرج وانتهاك الحرمات، وما أظن تاريخ
الدنيا شهد مثل هذا الدنس الذي ينشره
هؤلاء الناس، لقد سميتها في بعض كتبي
٦٦
جَوَسُواحَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريمِ