Indexed OCR Text
Pages 21-40
موسى عليه السلام
تكليف موسى عليه السلام بالنبوة
أتم موسى عليه السلام المدة التي اتفق
على قضائها مع الرجل الصالح ﴿﴿ فَلَمَّا
قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهْ ءَانَسَ مِن جَانِبِ
التُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِّ مَانَسْتُ نَارًا
أَّعَلَّ مَاتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبٍَ أَوْ جَذْوَرِيِّنَ النَّارِ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ ﴾ [القصص: ٢٩].
فالآيات تتحدث عن عودته إلى مصر
ومروره بـ(جبل الطور) بسيناء، والمسافر
يأنس بالنار في الصحراء الموحشة ليلا،
لكونها تبدد بعض ما يداخله من خوف
غريزي، ومن عادة أهل الصحراء أن
يوقدوا النار لجلب الضيفان وهدايتهم في
الظلمات، فذهاب موسى عليه السلام إلى
النار -کما حکی القرآن عنه- کان لسببین:
الأول: السؤال عن الطريق التي
سيسلكونها في عودتهم إلى مصر، فهو لم
یغادر مدین منذ ثماني سنوات أو عشر، ومن
ثم يلزمه الاهتداء في سيره بمن لهم دراية
بالطرق.
الثاني: الإتيان ببعض النار لغرض التدفئة
بالليل لاسيما أن هذه المنطقة معروفة حتى
الآن ببرودتها الشديدة، حتى إن الثلوج
لتتراكم عليها في بعض فترات الشتاء.
وهما الغرضان اللذان نصت عليهما
الآيات الأخرى: ﴿لَعَلَّ ءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ
أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى﴾ [طه: ١٠].
﴿سَائِكُ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧].
ذهب موسی علیه السلام إلى النار -كما
تحكي الآيات- لكنه لم يجد النار كما
تصورها؛ بل كانت المفاجأة التي جعلته
يضطرب، ويصور القرآن ما حدث: ﴿فَلَمَّاً
إِنَّّ أَنَاْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ
أَثَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَى {
نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى ) وَأَنَا
آَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىِّ إِنَّنِىَ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ
إِنَّ السَّاعَةَ ءَائِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا تَسْعَى ﴾ فَلَا يَصُدَّنَكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى ﴾ [طه: ١١ - ١٦].
ولشدة الأمر وصعوبته جاء رد فعل
موسى عليه السلام طبيعيًا وغريزيًا، فقد
خاف عندما أمره ربه تعالى بأن يلقي عصاه
فصارت حية عظيمة، فعندها ولى مدبرًا
لدرجة أنه لم ينظر خلفه كما تقول الآيات
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ من هول المفاجأة، وهو ما
تشير إليه أكثر من آية: ﴿فَلَمَّا رَءَ اهَا نَُّ كَأَنَّهَا
جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١].
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ﴾ [طه: ٢١].
و﴿فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَرُ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَوْ
يُعَقِّبْ﴾ [القصص: ٣١].
قال ابن عطية: «فلما رآها موسى رأي
عبرةٍ ولى مدبرًا ولم يعقب؛ فقال الله تعالى
www. modoee.com
٢٧
حرف الميم
له: خذها ولا تخف، وذلك أنه أوجس في
نفسه خيفة، أي: لحقه ما يلحق البشر))(١).
وأراد المولى عز وجل أن يهدئ من روع
نبیه علیه السلام فخاطبه قائلا: ﴿لَا تَخَفْإِنِّلَا
يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].
﴿يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفٌْ إِنَّكَ مِنَ
اَلْأَمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
يقول البقاعي: ((أي: التفت وتقدم إليها
ولا تخف، ثم أكد له الأمر لما الآدمي
مجبولٌ عليه من النفرة، وإن اعتقد صحة
الخبر بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ﴾ أي:
العريقين في الأمن كعادة إخوانك من
المرسلين»(٢).
ولأن الله عز وجل يعلم طبائع النفوس
التي جبلت عليها؛ فقد كان لابد من
استصحاب موسى عليه السلام لمعجزات
حسية يخضع لها الفراعنة المعاندون،
فوهبه معجزات، منها: معجزة العصا التي
تحولت إلى حية مخيفة تسعى للدرجة التي
أخافت موسى عليه السلام نفسه، ومعجزة
اليد التي يدخلها في جيبه فتخرج مضيئة
شاهقة البياض في مشهد تنخلع له القلوب
النقية، يقول النيسابوري: ((دعوى الرسالة
إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق
صدقها)) (٣).
(١) المحرر الوجيز ٤ / ٤٢.
(٢) نظم الدرر ١٤/ ٢٨٠.
(٣) غرائب القرآن ٢٦٨/٥.
وفي القرآن الکریم حدیث -كما أسلفنا-
عن الحوار الذي دار بین موسی وربه تعالى،
وكيف كان موسى عليه السلام يطنب في
الکلام استئناسًا بربه عز وجل، وحدیث آخر
عن معجزاتٍ سبعٍ أخرى غير هاتين الآيتين
لتبلغ تسع آيات واضحات: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُوسَى تِسْعَ ءَآيَاتٍ بَيْنَتِ﴾ [الإسراء: ١٠١].
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ
سُوْءٌ فِي نِسْعِ ءَيَنْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِةٍ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًاً
فَاسِقِينَ ﴾ [النمل: ١٢].
قال القرطبي: ((هي العصا، والسنون،
واليد، والدم، والطوفان، والجراد والقمل،
والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات
التوراة وما فيها من الدلالات))(٤).
وتنص الآيات على أن المستهدف من
الآیتین فرعون وقومه، ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جْبِكَ
تَخْرُجُ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُورٌ فِ تِسْعِ مَايَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَقَّوْمِةٍ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ(٣)﴾ [النمل: ١٢].
وفي موضع آخر ﴿فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن
رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا
فَسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢].
صدر التكليف الإلهي إلى موسى عليه
السلام ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُطَغَى﴾ [طه: ٢٤،
النازعات: ١٧].
وليس فرعون فقط إنما جميع قومه، يبرز
ذلك الخطاب الإلهي لموسى عليه السلام
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٣٠.
٢٨
جوببيو
القرآن الكريم
موسى عليه السلام
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا
وَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يَتَّقُونَ ﴾ [الشعراء: ١٠- ١١].
دعا موسى عليه السلام ربه مستعينا به
كعادته في الشدائد والكرب طالبًا منه أن
يشرح صدره بالطمأنينة، وییسر له أمره حتى
يتمكن من أداء دعوته ﴿قَالَرَبِّ اُشْرَحْ لِی
صَدْرِى ٥ وَيَسِرْ لِيِّ أَمْرِى (٦)﴾ [طه: ٢٥-٢٦].
وكان له رجاءان لتتم المهمة على أفضل
ما یکون:
الأول: أن یحل عقدة لسانه حتی یتمکن
من التبليغ ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِ يَفْقَهُواْ
قَوْلي )﴾ [طه: ٢٧-٢٨].
الثاني: أن يشد أزره بأخيه هارون ﴿وَآَجْعَل
◌ِ وَذِيرًا مِنْ أَهْلِ هَرُونَ أَخِىِ ن ◌ْ أَشْدُدْ يِهِ: أَزْرِى
كمْ نِحَكَ كَبيرًا
وَأَشْرِكُهُ فِّ أَمْرِى ؟
٣١
وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا ﴿ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
(٣٥
[طه: ٢٩-٣٥].
فجاءت الاستجابة الفورية فقال تعالى:
﴾ [طه: ٣٦].
﴿قَدْ أَوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُّدَكَ بِأَخِكَ وَتَجْعَلُ
لَكُمَا سُلْطَانًّا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِثَايَتِنَّا أَنَّمَا
وَمَّنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ [القصص: ٣٥].
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ, مِنْ رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا لَ
٥٣
[مريم : ٥٣].
والحقيقة أن الطلب كان محل جدال
كبير، فقد اختلف المفسرون في ماهية
العقدة، وهل هي معنوية أم مادية بسبب من
الجمرة؟
وقد اختلفوا فيها على قولين، أوجزهما
الفخر الرازي على هذا النحو:
الأول: كانت العقدة خلقة الله تعالى؛
فسأل الله تعالى إزالتها.
الثاني: السبب فيه أنه عليه السلام أخذ
الجمرة فجعلها في فيه. وهؤلاء اختلفوا
فمنهم من قال: لم تحترق اليد ولا اللسان؛
لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة،
واللسان آلة الذكر، فكيف يحترق؟! ولأن
إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمرود،
وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقي
في التنور فكيف يحترق هنا؟!
ومنهم من قال: احترقت الید دون اللسان
لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة.
ومنهم من قال: احترق اللسان دون اليد؛ لأن
الصولة ظهرت باليد، أما اللسان فقد خاطبه
بقوله: يا أبت. ورأي أنهما احترقا معا لئلا
تحصل المواكلة والمخاطبة (١).
ونظرًالتهافت قصة التمرة والجمرة التي
ذكرها بعض المفسرين على النحو الذي
تقدم؛ فالراجح أن العقدة لم تكن حسية في
لسانه؛ وإنما قصد بها -والله أعلم- الرهبة
التي ألمت به من التكليف وهذا الأمر تعضده
الآيات التي أشارت إلى خوفه عليه السلام
في غير موضع؛ بل بلوغه درجة الجري من
(١) مفاتيح الغيب ٢٢/ ٤٣ -٤٤ بتصرف.
www. modoee.com
٢٩
حرف الميم
شدة الخوف، وعليه يكون المراد من قوله
تعالى ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا
يَكَادُ يُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٥٢].
هو: لا يكاد يأتي ببينة أو حجة حسية
على صدق رسالته، ويكون المراد بالفصاحة
في قوله تعالى: ﴿ وَأَخِىِ هَرُونُ هُوَ أَنْصَحُ
مِنِى لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤] هي الفصاحة
الناجمة عن الشجاعة ورباطة الجأش، فمن
الناس من يفقد القدرة على توصيل فكرته
في الأوقات العصيبة ... والله تعالى أعلم.
أعرب عليه السلام عن خوفه من هذا
التكليف فقال: ﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ
يَقْتُلُونِ
وفي موضع آخر ﴿قَالَ رَبٍّ إِ قَثَلْتُ مِنْهُمْ
نَفْسَا فَأَ خَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ [القصص: ٣٣].
قال البيضاوي: «ولھم علي ذنبٌ: أي
تبعة ذنب ... والمراد قتل القبطي، وإنما
سماه ذنبًا على زعمهم ... فأخاف أن يقتلون
به قبل أداء الرسالة، وهو أيضًا ليس تعللا؛
وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة، كما إن
ذاك استمدادٌ واستظهار في أمر الدعوة)) (١).
والبيضاوي هنا كغيره من المفسرين
الذين يحتاطون في نسبة الذنب إليه عليه
السلام تأدبًا رغم أنه قد استغفر ربه فغفر له
ما كان من قتل القبطي.
مشروع تقتضيه الطبيعة البشرية، وليس
خاصًا به وحده دون غيره، وفي آية أخرى
أن هارون عليه السلام قد أعرب عن خوفه
هو الآخر ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ
أَنْ يَطْغَىِ ﴿ قَالَ لَا تَخَافَاْ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ
(٤٦)﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦].
وَأَرَى
فالخوف في ذات الأنبياء ليس بالعيب
وهو الأمر الذي قرره القرطبي عندما ذهب
إلى القول بأن «الخوف قد یصحب الأنبياء
والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن
لا فاعل إلا هو، إذ قد يسلط من شاء على
من شاء»(٢).
﴾ [الشعراء: ١٤].
ويقول الإمام ابن تيمية: ((وقول القائل
هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه
الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه
السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء،
وكذلك هنا هو بمنزلة هارون فيما دل
عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما
استخلف موسی هارون، وهذا الاستخلاف
ليس من خصائص علي؛ بل ولا هو مثل
استخلافاته، فضلًا أن يكون أفضل منها،
وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير
من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات
توجب تقديم المستخلف على علي إذا قعد
معه، فكيف يكون موجبًا لتفضيله على علي؟
إن خوف موسى عليه السلام هنا خوف بل قد استخلف على المدينة غير واحد،
(١) أنوار التنزيل ٤/ ١٣٤.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٩٢.
٣٠
موسى عليه السلام
وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من
موسى من جنس استخلاف علي)) (١).
والحديث كما رأينا يدل دلالة واضحة
أن الاستخلاف هنا يثبت أفضلية وتكريمًا
لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يثبت
له خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، وتنقل
لنا كتب الأحاديث والسير أن النبي استخلف
عددًا من الصحابة الكرام في مناسبات عدة،
منهم صحابة مشهورون وغير مشهورين،
من هؤلاء المستخلفين: عثمان بن عفان في
غزوة ذي أمر بنجد، وعبد الله بن أم مكتوم
الضرير رضي الله عنه الذي استخلفه في
غزوة بدر الكبرى، وسباع بن عرفطة رضي
الله عنه، وسعد بن عبادة رضي الله عنه في
غزوة الأبواء، وعثمان بن مظعون رضي الله
عنه في غزوة بواط، وأبو سلمة بن عبدالأسد
رضي الله عنه في غزوة العشيرة، وزید بن
حارثة رضي الله عنه في غزوة بدر الأولى،
وأبو رهم كلثوم بن حصين الغفاري رضي
الله عنه، ورغم ذلك لم يقل أحد إن النبي
صلی الله عليه وسلم قد استخلف عثمان،
ومن ثم تحق له خلافته قبل أبي بكر وعمر،
ولا طالبت قبائل هؤلاء الصحابة وآلهم
بحقهم في الخلافة بناء على استخلافهم
السابق.
(١) منهاج السنة النبوية ٣٣٠/٧-٣٣٢.
دعوته عليه السلام لفرعون وقومه
أولًا: معالم دعوته عليه السلام:
استجاب موسى عليه السلام لتكليف
ربه تعالى وأتى فرعون يطلب إليه ترك بني
إسرائيل ليخرجوا من مصر، ولم لا وقد
سامهم العذاب الأليم سنوات طويلة ذبح
فيها الأبناء واستحيى النساء؛ وجاءت ساعة
المواجهة فزاد فرعون من تكبره وتجبره
ونادى فيمن حوله ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِّدْلِ يَهَمَنُ عَلَى
اُلْطِّينِ فَأَجْعَل لِيِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ
مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِينَ
٣٨
[القصص: ٣٨].
إنه لم يكتف بالكفر وإنكار وجود
الله؛ بل لج في طغيانه وادعى الألوهية
﴿فَحَشَرَ فَادَىِ فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَىِ )﴾
[النازعات: ٢٣-٢٤].
وأمعن الفرعون في صلفه وغروره،
ونادى في قومه قائلا: ﴿أَلَيِّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ
وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَّجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
﴾ [الزخرف: ٥١].
٥١
فبدلا من شكر المنعم الذي وفر له
أسباب المعيشة الكريمة من أنهار تفيض
بالخيرات فتخرج أزواجًا من نبات شتى؛
نسب هذا الفضل إلى نفسه وراح يدعي
أنه الإله الأحق بالعبادة دون الله تعالى،
www. modoee.com
٣١
حرف الميم
وأراد أن يدلس على من حوله من الملأ يقتصر على الحاكم المدعي للألوهية دون
أصحاب المصالح فطالب موسى بآيات الملأ ﴿قَالَ لِلْمَلَّ حَوْلَهُ، إِنَّ هَذَا لَسَجِرٌ عَلِيمٌ
٦ يُرِيدُ أَن يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ
محسوسة ﴿فَلَوْلَا أَلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ
أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِفِنَ ﴾
[الزخرف: ٥٣].
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿ قَالُواْ أَرْجِةٍ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ
فِ المَدَآِ حَشِرِينَ ﴿ يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ
• [الشعراء: ٣٤ -٣٧].
٣٧
عَلِيمٍ
وكأن آيات فرعون في الخلق مبهرة
ظاهرة للعيان.
ثم بلغ به الجنون مداه حين طلب من
هامان طلبًا عجيبًا مستحيلا لكنه وجد من
﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ
يصدقه
كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾﴾ [الزخرف: ٥٤].
لقد قال لوزيره هامان الذي يزين له
الجنون: ﴿أَبْنِ لِ صَرْحًا فَعَلِّ أَبْلُغُ الْأُسْبَبَ
(١) أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧].
ولخص رؤيته العقدية والسياسية في
قوله: ﴿مَآ أُرِيِكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا
سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
إنه جنون العظمة الذي يجعل
المهووسین والموتورین یبیدون كل شيء
من أجل الكرسي!
إن طغيان فرعون وادعاء الألوهية لم ينشأ
من فراغ؛ وإنما كان نتاج مساندة الملأ الذين
يزينون للحاكم سوء عمله ليحافظوا على
مکانتهم ومصالحهم التي يدورون معها
أينما كانت، ولا عجب أن تتطابق آراء الملأ
قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ
بينما
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
١٠٩
هَذَا لَسَحُ عَلِيمٌ (
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١) قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ
فِيِ الْمَدَآَيِنِ خَشِرِينَ آ يَأَتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ
عَلِيمِ (١١٢)﴾ [الأعراف: ١٠٩- ١١٢].
حتى العقاب الذي سنه فرعون لمن
يخرج عن نطاق عبادته جاء بإيعاز ممن
حوله، ففي القرآن: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ
فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَةُ لِيُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ
وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَجِء
نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ
(١٢٧)
[الأعراف: ١٢٧].
﴿فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ
أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، وَأَسْتَحْيُواْنِسَآءَ هُمَّ
وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ
٢٥
[غافر: ٢٥].
في هذه الظروف كان على موسى عليه
السلام أن يدعو فرعون إلى أمرين كما في
الآيات:
﴿فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا
مع آراء الفرعون، فأتهام موسى بالسحر لم بَنِيّإِسْرَّهِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ
٣٢
صَوْنُو
الْقُرْآن الكَرِيمِ
موسى عليه السلام
وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَحَ الهُدى (٣) إِنَّا قَدْ أُوچىَ ومكانته التي لا يمكنه أن يتخلى عنها بحال
إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَى ))
[طه: ٤٧ - ٤٨].
﴿ قَالَ كَلَّ فَاذْهَبَا ◌ِحَايَئِنٌَّ إِنَّا مَعَكُمْ
◌ُسْتَمِعُونَ (٥) فَأَنِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ آ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
١٧
[الشعراء: ١٥- ١٧].
﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن
رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِبَيْنَهِ
مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِيَّ إِسْرَوِيلَ
١٠٥
[الأعراف: ١٠٤ - ١٠٥].
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَاِيْهِ فَقَالَ إِّ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الزخرف: ٤٦].
فإرسال موسى وهارون عليهما السلام
إلى فرعون كما تشير الآيات كان لغرضين:
دعوته وقومه إلى الإيمان بألوهية الله
الخالق بدلا من عبادة الفراعين، وتخليص
بني إسرائيل من أسر فرعون وعذاباته.
يقول ابن جزي: ((فكانت رسالة موسى
إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني
إسرائيل» (١).
وكلا الأمرين ليسا في مصلحة فرعون؛
لأن فيهما تهديد لملكه المستبد العضوض
(١) التسهيل لعلوم التنزيل ٨/٢.
ليتساوى مع الدهماء وأراذل القوم كما كان
ينظر إليهم، فضلا عن خوفه من مكر بني
إسرائيل به إذا خرجوا من مصر؛ إذ كان
بإمكانهم أن يتحدوا مع أعداء مصر في
الخارج.
ثمة إشكالية تثار حول رسالة موسى
عليه السلام تتعلق بشريحة المدعوين،
فهل أرسل إلى بني إسرائيل فقط أم إلى
المصريين أيضًا؟!
إن موسى -والله أعلم- لم يرسل
إلى عامة المصريين؛ بل إلى بني إسرائيل
فقط، لكنه لم ينس أن يدعو فرعون وقومه
إلى التوحيد بدلا من عبادة الفرعون، فما
كان له أن يفوت فرصة يدعو فيها إلى الله
وينكر عليهم ضلالهم، يقول الطاهر ابن
عاشور: ((والاقتصار على طلب إطلاق بني
إسرائيل يدل على أن موسى أرسل لإنقاذ
بني إسرائيل وتكوين أمة مستقلة؛ بأن بيث
فيهم الشريعة المصلحة لهم والمقيمة
لاستقلالهم وسلطانهم، ولم يرسل لخطاب
القبط بالشريعة ومع ذلك دعا فرعون وقومه
إلى التوحيد لأنه يجب عليه تغيير المنكر
الذي هو بين ظهرانیه وأيضًا لأن ذلك وسيلة
إلى إجابته طلب إطلاق بني إسرائيل)) (٢).
فشريعة موسى عليه السلام قصد بها
(٢) التحرير والتنوير ٢٣٠/١٦.
www. modoee.com
٣٣
حرف الميم
بنو إسرائيل دون غيرهم، وفي القرآن آيات وتذكيرهم بأيام الله، وشكر المنعم الذي
أنجاهم من عبودية فرعون واسترقاقه لهم.
تعضد هذا الرأي بقوة، وتقول بخصوصية
الرسالة واقتصارها على بني إسرائيل، منها:
وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَّى
لِّبَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا
٢
﴾ [الإسراء: ٢]
﴿وَلَقَدْ مَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ
فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَايَةٍ، وَحَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ
[السجدة: ٢٣].
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَئِنَآ أَنْ
أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
أَنْجَنَكُمْ مِنْ مَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءً
الْعَذَابِ وَيُدَبِعُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَآءَ كُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِنْ
عَظِيمٌ
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْنِ كَفَرُمْ إِنَّ
عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿ وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَن
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حِيدٌ ﴾
[إبراهيم: ٥-٨].
ففي الآيتين الأولى والثانية يقطع
القرآن بأن التوراة نزلت وتوجه خطابها
التكليفي إلى بني إسرائيل، وفي الآية الثالثة
بيان تكليف الله عز وجل له بدعوة قومه
وإخراجهم من الظلمات إلى نور الإيمان
ثانيًا: أساليب دعوته عليه السلام:
تبوأت قصة موسى عليه السلام من
القرآن مكانة لا تدانيها قصة أخرى، وأظهرت
الآيات الكريمة كيف نوع موسى من أساليب
دعوته لتتناسب مع الواقع وتطوراته وأحداثه
المتلاحقة منذ أن تم تكليفه من رب العزة
تعالی وحتی خروجه مع بني إسرائيل من
مصر وهلاك فرعون وقومه.
وكانت آيتا العصا واليد أول المعجزات
التي أيد بها موسى عليه السلام في دعوته
لفرعون، كما قال تعالى: ﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِى
جَيْبِكَ تَّخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْمٍ وَأَضْهُمْ إِلَيْكَ
جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ فَذَّانِكَ بُرْهَنَانِ مِن
زَّيِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًاً
فَسِقِينَ (٣)﴾ [القصص: ٣٢].
ثم عزز الله عز وجل نبيه موسى عليه
السلام بتسع آيات معجزات، يقول: ﴿ وَلَقَدْ
ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ،َآَيَتٍ بَيِّنَتَّ فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى
مَسْحُورًا (١)﴾ [الإسراء: ١٠١].
وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ
مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِ تِسْعِ ءَايَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِ، إِنَهُمْ كَانُوا
قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [النمل: ١٢].
لكن البعض يعد الآيات المعجزات التي
٣٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ
موسى عليه السلام
تحدث عنها المؤرخون والمفسرون أكثر
من تسع على النحو الذي سيبينه المبحث
التالي.
وقد عرض القرآن لأهم الأساليب
الدعوية التي اتبعها موسى عليه السلام،
ومنها:
١. توظيف الطاقات البشرية.
على النحو الذي ورد في المبحث
السابق، فعندما كلف الله تعالی موسى عليه
السلام بالرسالة طلب إليه أن يشد أزره بأخيه
هارون قائلاً: ﴿وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِ هَرُونَ
أَخِىِ نْ أَشْدُدْ يِهِ= أَزْرِى ، وَأَشْرِكُهُ فِ أَمْرِى )
كَيْ نُسَيِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُلَكَ كَثِيرًا ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا
بَصِيرًا ( ٥)﴾ [طه: ٢٩-٣٥].
فجاءت الاستجابة الفورية من الله تعالى:
﴿َقَدْ أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴾ [طه: ٣٦].
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيِكَ وَنَجْعَلُ
لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَّا بِتَابَقِنَا أَنْتُمَا
وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ(
[القصص: ٣٥].
٣٥
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمِنَاْ أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّاً )﴾
[مريم: ٥٣].
ويمكننا من خلال هذه الآيات أن ندرك
کیف عمل موسی علیه السلام علی توظیف
قدرات أخیه في الدعوة للوصول إلى أقصى
استفادة ممكنة، وحسب نص الآيات فقد
أراد توظيف قدرة هارون الكلامية في
تبليغ الدعوة والدفاع عنها، وفي ذلك درس
للدعاة الذين يجب أن يكون هناك تكامل
بينهم ويقوم كل منهم على ثغرة.
٢. اللين والشدة.
يخبرنا القرآن كيف أن الله تعالى طلب
من موسى وهارون أن يعاملا فرعون
بالحسنى ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَّيْنَا لَّعَلَّهُ, يَتَذَّكَّرُ أَوْ
يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤].
يقول البقاعي: ((فقولا له قولا لينًا لئلا
یبقی له حجة، ولا يقبل له معذرة لعله يتذكر
ویعلم أن الله ربه، وأنه قادر على ما يريد
منه، فيرجع عن غيه فيؤمن، أو يخشى: أي
أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما
لتوهم الصدق فيكون قولكما تذكرة له
فيرسل معكما بني إسرائيل)) (١).
إن طبيعة المرحلة آنذاك كانت تتطلب أن
يلين موسى عليه السلام قوله لفرعون عسى
أن یھدیہ إلی ربه، کما أمرهما بأن یقولا ﴿إِنَّا
رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَيِّ إِسْرََّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمِّ
قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
الْمُدَى (٧)﴾ [طه: ٤٧].
وفي حديثه تعالى عن السلام ترغيب له
وطمأنة لقلبه وقلوب قومه قاطبة، كما ينقل
القرآن صيغة أخرى للين في قول الله تعالى:
﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّى ٨ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِكَ فَتَخْشَى
١٢)﴾ [النازعات: ١٨-١٩].
فماذا كان رد فعل فرعون المستبد
(١) نظم الدرر ٢٩٠/١٢.
www. modoee.com
٣٥
حرف الميم
وقومه؟!
أبی فرعون و استکبر ورمی موسی بتهم
منها القديم المكرر كالكذب والسحر
والجنون، ومنها غير ذلك، نحو:
التآمر لإخراجهم من أرضهم: ﴿قَالَ
لِلْعَلََّ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَخِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ
أَنْ يُخْرِحَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا
:[الشعراء: ٣٤ -٣٥].
٣٥
تَأْمُرُونَ
الكذب والتدليس: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
إِلَی
بِئَايَتِنَا وَسُلْطٍ مُبِیپٍ @)
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ
٢٤ ﴾ [غافر: ٢٣-٢٤].
كَذّابُ
السحر والجنون: ﴿وَفِ مُوسَىَ إِذْ
٣٨
أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانِ تُِّينٍ
فَتَوَّ بِّكْيِهِ وَقَالَ سَحٌ أَوْ مَجُلٌ ()
[الذاريات: ٣٨-٣٩].
إضلالهم عن دين آبائهم: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا
لِتَلْفِثَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَلَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا
اُلْكِبِيَّةُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ
•[يونس: ٧٨].
(٧٨)
فَقَالَوْاْ أَنَوْمِنْ لِبَشَرِيْنِ
القول ببشريته:
مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَيِدُونَ
[المؤمنون: ٤٧].
لكن الحقيقة الواضحة أن الذي جعلهم
يحجمون عن الإيمان بالوحدانية هو الكبر.
وقد أشار القرآن إليها في مواضع منها:
﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِثَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَا
وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَّءُ فِ اْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا
بِمُؤْمِنِينَ ﴿٧٨﴾ [يونس: ٧٨].
عَالِينَ
﴿ ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ وَكَانَقَوْمًا.
[المؤمنون: ٤٦].
﴿ ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ
جَآءَهُم مُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَأَسْتَكْبَرُوا
فِيِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ
[العنكبوت: ٣٩].
لقد شق على نفس فرعون أن يؤمن لعبدٍ
من بني إسرائيل الممتهنين أن يدعي النبوة
ويطلب تعبيد الناس لرب سواه، فكيف
يكون مصير ملكه العريض إذا آمن بوحدانية
موسی؟!
أما الملأ فقد خافوا على مصالحهم
المرتبطة بالبلاط الفرعوني؛ ومن ثم تواطأ
الجميع على موسى؛ لأنه يهدد مصالحهم
رغم یقینهم بنبوته!
ولما لم يجد فرعون وسيلة ناجعة لرد
موسى عليه السلام وصرفه عن الرسالة هدد
قائلًا: ﴿سَنُقَيِّلُ أَبَهُمْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا
فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
وعندما قال لموسى: ﴿إِنِّ لَأَظْتُكَ
يَشَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١].
رد عليه موسى قائلا: ﴿وَإِنِّي لَأَظْتُكَ
يَفِرْ عَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
قال أبو عبيدة: ((أي: مهلكًا)) (١)، فمقام
(١) مجاز القرآن، أبو عبيدة ١/ ٣٩٢.
مَشَابَةُ النَّسَيَدْ
القرآن الكريم
٣٦
موسى عليه السلام
اللين في الدعوة يختلف عن مقام الشدة في
المدافعة، ومقام الترغيب يختلف عن مقام
الترهيب.
ولما لم يجد موسى عليه السلام فائدة
ترتجی من وراء فرعون وقومه بعد إصرارهم
على الكفر قال: ﴿رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَهُ زِينَةٌ وَأَقْوَلَا فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ
عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرُواْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (
٨٨
[يونس: ٨٨].
وهنا بدأت موجات العذاب تجتاح
الفراعنة على النحو الذي سيفصله المبحث
التالي عن آيات موسى عليه السلام
ومعجزاته.
٣. قوة الحجة والاستدلال العقلي.
تنبئ الآيات القرآنية عن قدرة موسى
عليه السلام على الجدل وقوة الحجة، كما
تكشف عن صدقه مع نفسه وغيره، فلقد
کان أول ما قاله فرعون لموسی حین دعاه
إلى التوحيد: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ))
[الشعراء: ٢٣].
فأجاب موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
﴾ [الشعراء: ٢٤].
٢٤
وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُ مُوقِنِينَ (
ثم أمعن فرعون في الضلال فاتهم
موسى بالجنون ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، أَلَا تَسْتَعُونَ
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَّ بِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) قَالَ
٢٥
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
[الشعراء: ٢٥-٢٧].
فتوجه موسى بالخطاب هذه المرة إلى
الملأ بعد أن كان سجالاً مع فرعون ﴿قَالَ
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
٢٢٨﴾ [الشعراء: ٢٨].
وقريب من ذلك ما ورد في سورة طه
﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى ﴾ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ
قَالَ فَمَا بَالُ
أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
اَلْقُرُونِ الْأُولَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبِّ
لَّا يَضِلُّ رَنِّ وَلَا يَنْسَى الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اَلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَّكَ لَّكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنَزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَقَّ
٥٢
كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِى
( مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا
النُّحَى ◌ّ
تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه: ٤٩ -٥٥].
وينقل لنا القرآن أنه أراد إحراج موسى
علیه السلام أمام الملأ وتذكيره بتربيته داخل
قصره وهو الأمر الذي يستوجب الشكر
والخضوع لا الجحود والخروج، كما ألمح
إلى قتل المصري وهروبه ﴿قَالَ أَلَمْثُرَبِّكَ فِنَا
وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِيْنَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ () وَفَعَلْتَ
فَعْلَتَكَ أَلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
[الشعراء: ١٨- ١٩].
فأقر موسى بفعلته ولم ينكرها:
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِينَ { فَفَرَرْتُ
مِنْكُمْ لَمَّ خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ
﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْتُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ
(٢١
الْمُرْسَلِينَ
www. modoee.com
٣٧
حرف الميم
إِسْرَّيلَ ﴾ [الشعراء: ٢٠-٢٢].
النحو الذي ذكرناه في المبحث الخاص
رغم قوة حجة موسى مع فرعون إلا أن بالمعجزات، لكنهم لم يؤمنوا في النهاية
الأخير لم يجد بدًا من التهديد بالسجن،
وتلك عادة أهل الباطل عندما يضيق عليهم
الخناق فلا يستطيعون تبرير أفعالهم أو
مواصلة المجادلة بالباطل:
قال فرعون: ﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى
﴾ [الشعراء: ٢٩]
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (١))
قال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ
[الشعراء: ٣٠]
قال فرعون: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ
[الشعراء: ٣١]
ء
الصَّدِفِينَ
وهنا بدأ موسى في إظهار الآيات:
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
[الشعراء: ٣٢]
﴿وَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ ﴾
[الشعراء: ٣٣]
ثم انتهى المشهد بإيمان السحرة، وربما
أيضا بإيمان امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون،
فالقرآن لم يقص علينا شيئًا عن الوقت الذي
آمن فیه هؤلاء برسالة موسى عليه السلام.
مرت الأيام والفراعنة يراوغون موسى،
ويعدونه بأن يؤمنوا له ويتبعوا دينه ورسالته
قائلين: ﴿لَيْنِ كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ
لَكَ وَلَنْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ﴾
[الأعراف: ١٣٤].
فابتلاهم الله بالعذابات المختلفة على
٣٨
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
﴿فَمَآ ءَامَنَ لِيُوسَىَ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ، عَلَى
خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَن يَفْئِنَهُمَّ وَإِنَّ
فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ()
وَقَالَ مُوسَى يَوْمُ إِن كُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَُّوا
إِن كُم مُسْلِمِينَ
فَقَالُواْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا
٨٤
لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجِّنَا
بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى
مُوسَى وَلَِّهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ
بُونَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ وَبَشْرِ
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ
الْمُؤْمِنِينَ
ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةٌ وَأَقْوَلَا فِىِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا رَيَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَ
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَّأْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿ قَالَ قَدْ أُجِبَت دَّعْوَتُكُمَا
فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
﴾ [يونس: ٨٣-٨٩].
موسى عليه السلام
آيات موسى عليه السلام ومعجزاته
من الناس من لا يؤمن لنبي ولا برسالة
إلا برؤية آيات معجزات حسية ملموسة
يراها رأي العين، فإذا جاء نبي من الأنبياء
ومعه معجزة من المعجزات الباهرة فلا
يملك أصحاب العقول والأفهام الحصيفة
إلا أن يؤمنوا.
يقول النيسابوري: ((دعوى الرسالة إن
اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق
صدقها))(١).
ويقول صاحب الظلال: ((وكم من ملايين
الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول
في كل لحظة إلى خلية حية ولكنها لا تبهر
الإنسان كما يبهره أن تتحول عصا موسى
حية تسعى! ذلك أن الإنسان أسير حواسه،
وأسير تجاربه، فلا يبعد كثيرا في تصوراته
عما تدركه حواسه. وانقلاب العصا حية
تسعى ظاهرة حسية تصدم حسه فينتبه لها
بشدة))(٢).
لكن الحقيقة أن هناك على مر التاريخ
من ينكر المعجزات والآيات استكبارًا في
الأرض وعتوًا كما فعل المكذبون من قوم
نوح وصالح وغيرهم. وفي القرآن الكريم
ثمة إشارات إلى بعض الآيات المعجزات
التي زود الله تعالى بها موسى عليه السلام
(١) غرائب القرآن ٢٦٨/٥.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٣٣٢.
في مواجهة فرعون وقومه الذين استخفهم
فرعون فأعماهم عن الحق، ثم في مواجهة
بني إسرائيل الذين اعتادوا تكذيب الرسل
وجدالهم جدالا عقيمًا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظْهَا لَكَانَ خَيْرًّا لََّمْ﴾
[النساء: ٤٦].
لقد ورد في موضعين بالقرآن الكريم أن
الله عز وجل عزز نبيه موسى عليه السلام
بتسع آیات معجزات.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ◌َانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ
◌َيَتٍِ بَيْنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَآءَ هُمْ فَقَالَ
لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا (٣) ﴾
[الإسراء: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَِكَ تَخْرُجْ
بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِيِ نِسْع ◌َلَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمٌِ
إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ (١)﴾ [النمل: ١٢].
لكنك إذا ما عددت الآيات المعجزات
التي تحدث عنها المؤرخون والمفسرون
لوجدتها تتعدى التسع.
لكن تفسيرًا مغايرًا يفسر الآيات في
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ مَايَتٍ
بَيْنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ بعيدًا عن فكرة
المعجزات ويقصد بها بعض الأحكام التي
جاءت بها شریعة موسی علیه السلام (٣).
ثمة خلاف في تحديد الآيات التسع،
فذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أنها:
(٣) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٦٦.
www. modoee.com
٣٩
حرف الميم
(يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان،
والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات
مفصلات. وقال الضحاك: إلقاء العصا
مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي
كانت بلسانه، وخمس آيات في الأعراف:
الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع،
والدم.
وقال آخرون نحوا من هذا القول، غير
أنهم جعلوا آيتين منهن: إحداهما الطمسة،
والأخرى الحجر.
ومنهم من جعلوا اثنتين منهن: إحداهما
السنين، والأخرى النقص من الثمرات.
ومنهم من جعلوا السنين، والنقص من
الثمرات آية واحدة، وجعلوا التاسعة تلقف
العصا ما يأفكون)»(١).
وكلها -كما رأينا- مما ورد في القرآن
ذكره.
أما الطاهر ابن عاشور فقال إنها: ((بياض
يده كلما أدخلها في جيبه وأخرجها،
وانقلاب العصا حية، والطوفان، والجراد،
والقمل، والضفادع، والدم، والرجز،
والقحط)) (٢).
وجمعها الفيروزآبادي في قوله (٣):
عصًّا، سنةٌ، بحر، جراد، وقمل
دمٌّ، ويدٌ، بعد الضفادع طوفان
(١) المصدر السابق ١٧ / ٥٦٤.
(٢) التحرير والتنوير ٢٢٥/١٥.
(٣) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ١/ ٧٠٧.
بدأت المعجزات أو الآيات المعجزة
لموسى عليه السلام باثنتين كما في الآية
﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْمٍ
وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ
بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَِّيْهِ: إِنَّهُمْ
كَانُو أَقَوْمًا فَسِفِينَ (٣)﴾ [القصص: ٣٢].
والبرهانان هنا حسب ما ذكر القرطبي:
العصا واليد (٤) لكن تكذيبهم فاق كل
التصورات ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ
لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا غَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٣)
[الأعراف: ١٣٢].
وهنا أرسل الله عز وجل عليهم من
الآيات ما فيه عذابهم.
يقول تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ
وَالْرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتِ
فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
(١٣٣)
[الأعراف: ١٣٣].
ليس هذا فحسب، لكن هناك آيات
أخرى عني بها بنو إسرائيل الذين اعتادوا
تکذیب الرسل، منها:
ثم الإحياء: ففي
الموت بالصاعقة
القرآن ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ
حَّ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ
ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
بَعْدٍ مَوْتِّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[البقرة: ٥٥ -٥٦].
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٥/١٣.
٤٠
القرآن الكريمِ
موسى عليه السلام
الغمام والمن والسلوى: كما في قول
الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ
وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُوا مِنْ
طَّيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمٌّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: ٥٧].
الابتلاء بالرجز: كما في قوله عز وجل:
﴿فَأَقَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًّا مِنَ
السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩].
تفجير المياه: يقول تعالى:
وَإِذِ أُسْتَسْقَىْ مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب
بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا
عَثْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اَللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [البقرة: ٦٠].
إحياء قتیل بني إسرائيل: يقول عز وجل:
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَأَدَّارَهْ تُمْ فِيهَا وَاَللَّهُ يُخْرِجُ
مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاً
كَذَلِكَ يُحِى اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَيْهِ،
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنُ
بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَّ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَ إِنَّ
مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُّ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآَةً وَإِنَّمِنْهَا
لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ٧٢-٧٤].
رفع الجبل فوقهم: ففي القرآن
وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَلَ فَوْقَّهُمْ كَنَّهُ, ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ
أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ
وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ
[الأعراف: ١٧١].
على أن البعض قد اعتبر تكليم الله
تعالى لموسى عليه السلام أعظم معجزة
له، والحقيقة أنه وإن کان في التکلیم تكريمًا
إلهيًا غير مسبوق لنبيه بيد أنه لا يعتبر معجزةً
في مواجهة قومه، ذلك أن ما دار بجانب
الطور أمر يخصه لم يشهده غیرہ، ولا یمکن
تصديقه إلا ممن آمن له بالفعل، وإلا فكيف
لمن كذبه أن يؤمن بتكليم ربه، في حين
یکذب بالآیات الأكثر ظهورا کالعصا والید.
يتجلى التأثير الإيجابي لهذه الآيات
الإلهية المعجزة في قصة سحرة فرعون
الذين جيء بهم لمجابهة معجزة عصا موسى
عليه السلام، فجاؤوا وليس أحد أحرص
منهم على إرضاء فرعون ونيل جائزته
وقربه، لكن المعجزة التي رأوها - وهم من
أسحر الناس- جعلتهم يقرون بنبوة موسى
إذ لا قبل لهم بما جاء به من معجزة العصا
الحقيقية لا التي تعتمد على إبهار الناس
على غير الحقيقة، وينقل لنا القرآن كيف
تحول هؤلاء السحرة في لحظات من خندق
الكفر إلى خندق الإيمان ﴿قَالَءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ
أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ، لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلََّكُمُ السِّحْرَ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ
وَلَأُصَلِبَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قَالُواْ لَا ضَيْرٌّ لِنَّ إِلَى رَهْنَا
مُنْقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَلْنَآ أَنْ
www. modoee.com
٤١
حرف الميم
٥١ ٢﴾ [الشعراء: ٤٩-٥١].
كُتَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
وهكذا يفعل الإيمان بالقلوب النقية
الصافية، بينما يستمر الجاحدون على
جحودهم لا يؤمنون رغم وضوح الآيات
وإبهارها!
موسى عليه السلام والسحرة
لم تثمر دعوة موسى عليه السلام فرعون
إلى الإيمان بالله الخالق بعد أن تساءل
الأخير بعنجهية ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى
٤٩
[طه: ٤٩].
ورد موسى بثقة المؤمن بربه وخالقه
﴿َّنَا الَّذِىّ ◌َأَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى ))﴾
[طه: ٥٠].
﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُم
مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: ٢٤].
واشتد النقاش وتساءل فرعون مرة
أخرى في صلف، فأجاب موسى: ﴿الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَّكُمْ فِيَهَا سُبُّلًا
وَأَنَزَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ= أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتِ
شَقَّ ﴾ [طه: ٥٣].
وهنا لم يجد فرعون بدًا من اللجوء إلى
سلطته وقوته الغاشمة التي لا يعرف غيرها،
وتلك عادة الطغاة الذين لا يحتكمون
إلى قواعد العقل والمنطق وإنما تتجاوز
أحلامهم سقف المعقول ﴿قَالَ لَيْنِ اٌلَّخَذْتَ
إِلَّهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ).
[الشعراء: ٢٩].
لكن موسى عليه السلام فاجأه مرة أخرى
بتحدٍ ملموس ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ
[الشعراء: ٣٠].
٣٠
ولم يتوقع فرعون حجم التحدي فقال
٤٢
قَضوري
جوي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
موسى عليه السلام
من فوره: ﴿فَأْتِ بِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ أم سوقا كانوا يتزينون فيه (١) أم كان يوم
احتفالهم بفيضان النيل
﴾ [الشعراء: ٣١].
السَّحَرَةُ
فجمع
وهنا ألقى موسى ﴿عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُقْبَانٌ
وَفَزَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ
١٠٧
مُبِينٌ
• [الأعراف: ١٠٧ - ١٠٨].
كانت الآيتان مبهرتين لفرعون ومن
حوله؛ لكنه اعتاد الاستكبار واعتادوا
المهانة، ومن ثم ﴿قَالَ لِلْمَلَا حَوْلَهُو
المذلة
إِنَّ هَذَا لَسَِرٌ عَلِيمٌ ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ
أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
(٣٥)
[الشعراء: ٣٤-٣٥].
ففرعون هنا يبحث عن غطاء وظهير
له في مواجهته مع موسى عليه السلام بعد
أن اتهمه بالسحر، وتلك أول مرة يقر بأن
هناك شعبًا له سيادة وقرار؛ بل يحدثهم
بصيغة لا عهد لهم بها ﴿فَمَاذَاتَأْمُرُونَ﴾؟!
ولن يعدم البطانة التي تسول للحاكم كل
الشرور ﴿قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اَلْمَدَآيِنِ
حَشِرِينَ { يَأْتُوَكَ بِكُلِ سَحِرٍ عَلِيمٍ (١)
[الأعراف: ١١١- ١١٢].
اتفق الطرفان على مواجهة علنية في يوم
معلوم يحشد فيها كل طرف قوته ويشحذ
همته ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ
ضُحَى ﴾ [طه: ٥٩].
وسواء أكان يوم الزينة يوم عيدٍ لهم،
(٢)
لِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمُ
◌ُجْتَمِعُونَ ٦ لَعَلَّنَا نَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ
الْغَلِينَ ﴾ [الشعراء: ٣٨ -٤٠].
إن فرعون هنا يحشد الناس ويشحنهم
معتمدًا على إعلامه المضلل الذي جعل
من موسى النبي عليه السلام ساحرًا مجنونًا،
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴿ وَقِلَ
لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُم تُجْتَمِعُونَ ) لَعَلََّ ◌َبِعُ السَّحَرَةَ إِن
كَانُواْ هُمُ الْغَيْلِينَ ﴾ [الشعراء: ٣٨-٤٠].
ويبدو أنه اعتاد تسخیر شعبه دون مقابل
في حين تكتظ خزائنه بالأموال المكدسة،
ومن ثم اشترط السحرة أن يتقاضوا أجرًا
عن هذا العمل ﴿قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا
إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ )
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ
اَلْمُقَرَّبِينَ ﴾ [الشعراء: ٤١-٤٢].
وهكذا الحكام الجائرون لا يتركون
طريقًا إلا سلكوه في سبيل تثبيت أركان
ملكهم العضوض.
وبدأ المشهد الأول من المواجهة العلنية
بين موسى عليه السلام والسحرة الذين
جاؤوا لإبطال سحره، وخيره السحرة
وَإِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ اٌلْمُلْقِينَ
[الأعراف: ١١٥].
(١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٣٢٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٦/١٦.
www. modoee.com
٤٣
حرف الميم
وهنا ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَىٌ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ
٨٠
﴾ [يونس: ٨٠].
ونشط السحرة للمنازلة وكلهم ثقة
أنها محسومة لا محالة لهم، ولم ينسوا أن
يقسموا بفرعون أن الغلبة ستكون لهم،
فليس أحب إليهم في هذا الآن من إرضاء
الطاغية وإعلاء شأنه بين قومه ﴿فَلْقَوَأ
حِبَالَهُمْ وَعْصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
اٌلْفَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: ٤٤].
ويبدو أن موسى عليه السلام هو الآخر
لم يتوقع أن تظهر عصي السحرة کثعابين أو
حيات، والحقيقة أنها لم تكن حيات حقيقية
لكن خيل للحاضرين من السحر أنها تسعى،
يحكي القرآن ﴿فَلَمََّ أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنٌ
النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
﴾ [الأعراف: ١١٦].
﴿فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ
أَنَّهَا تَسْعَى ٦)﴾ [طه: ٦٦].
يقول ابن عطية: ((والظاهر من الآيات
والقصص في كتب المفسرين أن الحبال
والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس
الأجسام الثقيلة المیاعة فيها، وکان تحرکها
يشبه تحرك الذي له إرادة کالحيوان، وهو
السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي
من الحیوان، وذهب قوم إلى أنها لم تكن
تتحرك؛ لكنهم سحروا أعين الناس، وكان
الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل»(١).
لكن الآيات توضح أن موسى عليه السلام
قد خاف وهاله سعي العصي؛ ﴿فَاَوْجَسَفِی
نَفْسِهِ، خِيفَةٌ مُوسَى ﴾ [طه: ٦٧].
قال البيضاوي: ((فأضمر فيها خوفًا من
مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية،
أو من أن يخالج الناس شكٌّ فلا يتبعوه)) (٢).
وهنا يأتي التثبيت الإلهي له فيزداد ثقة
٦٨
بربه ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
[طه: ٦٨].
وترصد آيات سورة يونس تغير لهجة
موسى عليه السلام بعد التثبيت حيث قال
لهم: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ:
إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ { وَتُحِىُّ اَللَّهُ
الْحَقَّ بِكَلِمَيِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
٨٢
[يونس: ٨١- ٨٢].
يقول صاحب الظلال: ((لا تخف إنك
أنت الأعلى. فمعك الحق، ومعهم الباطل.
معك العقيدة، ومعهم الحرفة. معك الإيمان
بصدق ما أنت عليه، ومعهم الأجر على
المباراة ومغانم الحياة. أنت متصل بالقوة
الكبرى، وهم يخدمون مخلوقًا بشريًا فانيًا
مهما يكن طاغيةً جبارًا))(٣).
ويأتي النداء مرة أخرى ﴿وَأَلْقِ مَافِ يَمِنِكَ
تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
(١) المحرر الوجيز ٤ /٥١.
(٢) أنوار التنزيل ٣٢/٤.
(٣) في ظلال القرآن ٤/ ٢٣٤٢.
٤٤
صَوْسُبـ
القرآن الكريم
موسى عليه السلام
حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه:٦٩].
وإمعانًا في تضليل الجماهير المحتشدة
وامتثل موسى عليه السلام للأمر يتهم السحرة بالتآمر عليه مع موسى
﴿لَكَبِيرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ اْلْسِّحْرَ﴾ [طه: ٧١].
فألقى عصاه ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾
[الأعراف:١١٧].
وهنا فجأ السحرة أن الحية العظيمة
قد ابتلعت حبالهم وعصيهم فلم يبق لها
أثر على الأرض؛ فأيقنوا أن عدوهم ليس
بالساحر العلیم کما قال فرعون، لكنه نبي
جاء بمعجزة باهرة واضحة، فلا يعرف
السحر إلا من يمارسه، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ
١٩٨
كَانُوا يَعْمَلُونَ
قَالُواْ ءَامَنَّا
وَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (١)
(١٢٢)
[الأعراف: ١١٨- ١٢٢].
لقد تولد لديهم إيمان يقيني لا يقبل
الشك بنبوة موسى عليه السلام، فأعلنوا
إيمانهم دون النظر إلى ردة فعل فرعون
الذي لا يعرف الاستسلام ويأبي الهزيمة؛
لأن نفسه المتكبرة لا تستسيغ أن يؤمن لنبي،
فضلا عن أن یکون من بني إسرائيل الذين
يستعبدهم ويستعملهم في أشق الأعمال
وأحطها، ولذلك فقد صاح فيهم متهمًا
إياهم بالتواطؤ مع موسى ﴿مَامَنْتُم بِ قَبْلَ
أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ
لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣].
وهكذا أهل الباطل لا يسمعون إلا
صوت أنفسهم.
ويتوعدهم غاضبًا ﴿فَلَأُ قَطِعَنَّ أَيَدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِّيَتَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ
وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١].
وهو التهديد الذي كان كفيلا بإثناء
هؤلاء عن الدين الجديد، أو حتى المواربة
بکتم الإیمان إلى وقتٍ تقوی فیه شو کة نبي
الله ومن معه؛ لكن الإيمان قد تغلغل في
قلوبهم في لحظة صدق مع أنفسهم ﴿قَالُواْ
لَا ضَيْرٌ لِّ إِلَى رَهْنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ
لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ اَلْمُؤْمِنِينَ
٥١
[الشعراء: ٥٠-٥١].
وَمَا تَنِعِمُ مِنَّاَ إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِتَايَتِ رَيِّنَا
لَمَّا جَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَنَا مُسْلِمِينَ
[الأعراف: ١٢٦].
١٢٦
يقول ابن قيم الجوزية: ((ولما تمكن
الإيمان من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا
أسهل من عقوبة الآخرة وأقل بقاء، وأن ما
يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان
أعظم وأنفع وأكثر بقاء)) (١).
إن هذا النموذج الإيماني الفريد الذي
ضربه سحرة فرعون ليؤكد أن القلوب
الصافية من الخصوبة بحيث ينبت فيها
الإيمان ويترعرع؛ بل ويثمر في لحظات
(١) الصواعق المرسلة، ابن القيم ١٣٨٩/٤.
www. modoee.com
٤٥
حرف الميم
فرعون بجبروته وصولجانه قائلين:
معدودات، فها هم يتحولون إلى مجابهة
وَلَن
تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا
فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
إِنَّاَ ءَامَنَّا بِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا
٧٢
عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) إِنَّهُ, مَن يَأْتِ
رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْبَى
وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ
لَهُمُ الدَّرَجَتُ الْعُلَى ٥ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأْ وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَّكَّى
[طه: ٧٢ -٧٦].
قال البقاعي: ((أي إنما حكمك في مدتها
على الجسد خاصة، فهي ساعة تعقب راحة،
ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح
وإن فني الجسد، فذاك هو الشديد العذاب،
الدائم الجزاء بالثواب أو العقاب)) (١).
إن قصة موسى عليه السلام مع فرعون
في كل فصولها ومراحلها تمثل صورة
الصراع الأزلي بين الحق والباطل، لكن
ذروته تتجلى في هذا المشهد المفعم باليقين
حين يتمكن الإيمان من القلب، وسيظل
سحرة فرعون مضرب المثل في الإيمان
بالحق والدفاع عن العقيدة، كما سيظل
فرعون مثالا حيا للتكبر والعجب بالرأي
واتباع هوى نفسه التي أوردته المهالك.
نجاة موسى عليه السلام ومن معه
ظل فرعون وقومه يكابرون ويجادلون
رغم يقينهم بصدق موسى ودعوته ﴿وَحَحَدُواْ
بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَكُلُوَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [النمل: ١٤].
وبلغ بفرعون الجنون مداه حیث ادعى
الألوهية فقال: ﴿بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ
لَكُمْ مِّنْ إِلٍَ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى
الطِّينِ فَأَجْعَل ◌ِيِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ
مُؤمَى وَإِّ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ
٣٨
[القصص: ٣٨].
وهذا حال المهووسين بالسلطة لا
ينظرون إلا في مرآة أنفسهم فلا یرون غيرها،
وإن استعانوا فإنما يستعينون برؤوس جهالٍ
کهامان وغيره.
لم يقر فرعون بالهزيمة أمام موسى
عليه السلام والسحرة وازداد عتوًا، وازداد
الفراعنة تحريضًا على الإسرائيليين ﴿وَقَالَ
المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُقْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْنَءَهُمْ
وَنَسْتَحِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ
[الأعراف: ١٢٧].
١٢٧
وزادوا في عتوهم وتحريضهم وقرروا
مواصلة الإبادة الجماعية لأبناء المؤمنين
﴿قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ:
وَأَسْتَحْيُو ◌ْنِسَآءَ هُمْ﴾ [غافر: ٢٥].
(١) نظم الدرر ٣١٣/١٢.
جَوَُّور
القرآن الكريم
٤٦