Indexed OCR Text

Pages 21-40

الميثاق
يَصْنَعُونَ ﴾ [المائدة: ١٤](١).
٥. میثاق الله مع أولي العلم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِشَقَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ.
فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِ ثَمَنَّا قَلِيلًاً
(١٧) ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فَبْسَ مَا يَشْتَّرُونَ
وقد اختلف المفسرون من عني بهذه
الآية؟
أحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول
ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي.
والثاني: أنهم اليهود والنصارى(٢).
والثالث: أنهم کل من أوتی علم شيء من
کتاب فقد أخذ أنبياؤهم میثاقهم.
قال الحسن البصري: ((هذا مثال ميثاق
الله تعالی علی علماء أهل الكتاب أن يبينوا
للناس ما في کتابهم، وفيه ذکر رسول الله
صلى الله عليه وسلم والإسلام))(٣).
وقد فرض الله على علماء القرآن تبيينه
تصريحا، كقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وتعريضًا، كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١٦٦/٢،
معالم التنزيل، البغوي ٣٢/٣، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٥٨/٣، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٧ / ٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧ / ٤٦٠.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٥٣١/١،
النكت والعيون، الماوردي ١ /٤٤١.
عمران: ١٨٧].
فإن هذه الأمة أجدر بهذا الميثاق (٤)
٠
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ.
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ
أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَاً
قَلِيلًاْ أُوْلَكَ مَا يَأْكُونَ فِىِ بُعُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٧٤].
فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم
يتضمن تحريم الكتمان والتحريف، وفي
آيات أخرى تصريح إيجابي وأمر واضح
في الحث على بيان العلم ونشره، وإن
لم يذكر الوعيد، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلًا
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِى
الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ (١)﴾ [التوبة: ١٢٢](٥).
هذه الآيات كلها موجبة لإظهار علوم
الدين وتبيينه للناس زاجرة عن كتمائها (٦).
وقد تمثل الصحابي الجليل أبو هريرة
رضي الله عنه هذا الميثاق وأن المقصود
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٩/٢٧.
(٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢/ ٥٤.
(٦) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٢١/١،
روح المعاني، الألوسي ٣٦٥/٢.
www. modoee.com
٨٧

حرف الميم
به هو العلماء حيث قال: لولا ما أخذ الله
علی أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا
هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم
القيامة بلجام من نار)(١).
وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود:
العهد الأول: الذي أخذه على جميع ذرية
آدم، الإقرار بربوبيته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ
وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
العهد الثاني: عهد خص به النبيين أن
يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا
فيه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ
مِشَقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧].
العهد الثالث: عهد خص به العلماء،
وهو قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ لَتُّبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل
عمران: ١٨٧](٢).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب
كراهية منع العلم، ٣٢١/٣، رقم ٣٦٥٨،
والترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء
في كتمان العلم، ٥/ ٢٩، رقم ٢٦٤٩، وابن
ماجه في سننه، كتاب في الإيمان وفضائل
الصحابة والعلم، باب من سئل عن علم
فكتمه، ١ / ٩٦، رقم ٢٦١.
قال الترمذي: ((حديث حسن)).
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٧٧/٢، رقم ٦٢٨٤.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ١٢٠.
هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل
الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على
ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله
عليه وسلم، وأن ینوهوا بذکره في الناس،
ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله
تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا
عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون
الطفيفوالحظ الدنيوي السخيف، فبئست
الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.
وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا
مسلکھم فیصیبهم ما أصابهم ويسلك بهم
مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم
من العلم النافع الدال على العمل الصالح،
ولا یکتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث
المروي من طرق متعددة عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (من سئل عن علم
فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)(٣).
قال بعض المفسرين: إن ثمرة الآية
في وجوب إظهار الحق وتحریم کتمانه،
فيدخل فيه بيان الدين والأحكام والفتاوى
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب
كراهية منع العلم، رقم ٣٦٥٨، ٣٢١/٣،
والترمذي في سننه، أبواب العلم عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في
كتمان العلم، رقم ٢٩/٥،٢٦٤٩، وابن ماجه
في سننه، كتاب في الإيمان والعلم، باب من
سئل عن علم فكتمه، رقم ٩٧/١،٢٦٤.
وصححه ابن حجر في إتحاف المهرة، رقم
١١٩٢٤، ٥٦٦/٩، والألباني في صحيح
الجامع، رقم ٥٢٧/١،٢٧١٤.
٨٨
جوسي
القرآن الكريمِ

الميثاق
صلى الله عليه وسلم حين بايعوه صلى
والشهادات وغير ذلك مما يجب إظهاره
إذا لم يؤد إلى مفسدة، ويدخل في الكتم الله عليه وسلم على السمع والطاعة له فيما
أحبوا وکرهوا والعمل بكل ما أمرهم الله به
ورسوله (٢)
منع الكتب المنطوية على علم الدين؛ حيث
تعذر الأخذ إلا منها (١).
وقال العلامة الزمخشري: ((وكفى به
دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا
الحق للناس وما علموه، وأن لا يكتموا
منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على
الظلمة، وتطيب لنفوسهم واستجلاب
لمسارّهم)).
ثانيًا: الميثاق بين الخلق:
١. الميثاق بين الأنبياء وأتباعهم.
ذكر المفسرون أن الله تعالى أخذ ميثاق
النبيين، وأن النبيين أخذوا الميثاق على
أممهم وأتباعهم بالسمع والطاعة والإسلام،
وقد بين القرآن أن الرسول صلى الله عليه
وسلم بايع صحابته في عدة مناسبات،
والبيعة عهد ومیثاق.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَانَفَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ﴾ [المائدة: ٧].
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن
الميثاق المذكور في الآية هو الذي واثق
الله به المؤمنين من أصحاب رسول الله
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٤٧٦/٢.
قال الإمام ابن عطية: (( والميثاق المذكور
هو ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في
بيعات العقبة وبيعة الرضوان وكل موطن
قال الناس فیه: سمعنا وأطعنا. هذا قول ابن
عباس والسدي وجماعة من المفسرين،
وقال مجاهد: الميثاق المذكور هو المأخوذ
على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم.
والقول الأول أرجح وأليق بنمط الكلام))(٣).
ويمكن ذكر المواثيق التي أخذها النبي
صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي
الله عنهم بصورة موجزة فيما يأتي:
بيعتي العقبة الأولى والثانية.
وقعت بيعة العقبة الأولى في السنة الثانية
عشرة من النبوة، وفي السنة الثالثة عشرة من
النبوة كانت بيعة العقبة الثانية، والتي هي
الكبرى (٤)، وكانت هذه البيعة على ما ورد
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩١/١٠، تفسير
السمعاني ٢/ ١٩، الكشاف، الزمخشري
٦١٢/١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٦٥/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٨/٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٥/٣، فتح
القدير، الشوكاني ٢٤/٢.
(٤) انظر: تاريخ الخميس، حسين الديار ٣١٧/١،
السيرة الحلبية ٥٢١/٣، الرحيق المختوم،
المباركفوري ص١٣٣.
www. modoee.com
٨٩

حرف الميم
في حديث عبادة بن الصامت رضي الله
عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (تعالوا بایعوني على ألا تشر كوا بالله
شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا
أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بین أیدیکم
وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن
وفی منکم فأجره على الله، ومن أصاب من
ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة،
ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره
إلى الله، إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا
عنه. قال: فبايعناه على ذلك)(١).
بيعة الرضوان.
وقعت بيعة الرضوان في غزوة الحديبية
في السنة السادسة من الهجرة، واشتهرت
هذه البيعة ببيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى
أخبر أنه قد رضي عن أصحابها.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَوِ فَعَلِمَ مَا فِى
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
[الفتح: ١٨](٢).
١٨
كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول
بيعة الإسلام، البيعة على الجهاد، الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله
وعلى السمع والطاعة وغيرها.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة الإيمان حب الأنصار، رقم ١٨،
١٢/١.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢ / ٣٠٨،
تاريخ الخميس، حسين الديار ٢ / ٢٠،
السيرة الحلبية ٢٥/٣، الرحيق المختوم،
المبار کفوري ص ٣١٢.
ثبت في السنة أن هناك مبايعات أخرى
كبيعة الإسلام وغيرها مما يدخل في عموم
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ
اٌلْمِيثَقَ ﴾ [الرعد: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدتُّمْ وَلَا نَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١].
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
وقال سبحانه:
صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى
تَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ﴾
[الأحزاب: ٢٣].
ويبين العهد والميثاق في الآية ما رواه
عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بایعنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع
والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع
الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما
كنا لا نخاف في الله لومة لائم)(٣).
* بيعة النساء.
عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، رقم
٧٧/٩،٧١٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير
معصية، وتحريمها في المعصية، رقم ١٧٠٩،
٠١٤٧٠/٣
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم
٩٠

الميثاق
يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ
وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ
يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيَدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ وَلَا يَعْصِينَكَ
فِي مَعْرُوفٍّ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الممتحنة: ١٢].
فقد روى عروة بن الزبير أن عائشة
رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه
وسلم قالت: (کانت المؤمنات إذا هاجرن
إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهن
عملا بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَّتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾
[الممتحنة: ١٠].
قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من
المؤمنات فقد أقر بالمحنة، فكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك
من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (انطلقن فقد بايعتكن) لا والله
ما مست ید رسول الله صلی الله علیه وسلم
يد امرأة قط، غير أنه بایعهن بالكلام، والله ما
أخذ رسول الله صلی الله عليه وسلم على
النساء إلا بما أمره الله، يقول لهن إذا أخذ
عليهن: (قد بايعتكن) كلاما)(١).
البيعة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت
الذمي أو الحربي، رقم ٥٢٨٨، ٤٩/٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب
كيفية بيعة النساء، رقم ١٤٨٩/٣،١٨٦٦.
والبيعة على النصح لكل مسلم.
ويبين هذه البيعة الحديث الذي رواه
جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:
(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل
مسلم) (٢).
يقول ابن القيم مجملا مبايعة الرسول
لأصحابه: ((وكان النبي صلى الله عليه
وسلم يبايع أصحابه في الحرب على ألا
يفروا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم
على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام،
وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم
على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله،
وبايع نفرا من أصحابه ألا يسألوا الناس
شیئا»(٣).
وهذا الميثاق الذي أخذه النبي على
أتباعه يشمل جميع أتباع النبي صلى الله
عليه وسلم إلى هذا العصر، قال محمد
رشيد رضا: ((ومجرد قبول الدعوة والدخول
في الدین یعد عهدا وميثاقا بالسمع والطاعة،
وعهد الله وميثاقه الذي أخذه نبينا صلى الله
عليه وسلم على أول هذه الأمة عام يدخل
فيه كل من قبل الإسلام ومن نشأ فيه من
بعدهم إلى يوم القيامة، فيجب أن نعد هذا
التذكير خطابا لنا كما كان سلفنا الصالح
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أن الدین النصیحة، رقم ١،٥٦/ ٧٥.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٩٥.
www. modoee.com
٩١

حرف الميم
من الصحابة رضي الله عنه يعدونه خطابًا والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود
والمواثيق على من كان قبلهم من أهل
لهم)) (١).
الکتابین: اليهود والنصارى.
ومن الآيات الواردة في الميثاق بين
الأنبياء وأتباعهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ
اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ
أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ
لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ
وَءَامَنتُم بِرُسُلٍ وَعَزَّدْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ
قَرْضَا حَسَنًا لَّأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَلَأُدْ خِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
ج
فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ
ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ٣ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحِّقُونَ
اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ" وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا
ذُكِرُواْ بِهٍّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمْ فَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ١٢ - ١٣].
يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة
والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه(٢).
قال الإمام ابن كثير: ((لما أمر تعالى عباده
المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه
علیهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى
الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق،
والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم
الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق
(١) انظر: تفسير المنار ٢٢٥/٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٥٨/٣.
فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم
ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه،
وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى
ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل
الصالح، وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن
إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه
موسى عليه السلام لقتال الجبابرة، فأمر بأن
يقيم نقباء من كل سبط نقيب.
وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله
علیه وسلم الأنصار لیلة العقبة، کان فیھم اثنا
عشر نقيبا، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء
على قومهم عن أمر النبي صلى الله عليه
وسلم لهم بذلك، وهم الذين تولوا المعاقدة
والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه
وسلم على السمع والطاعة))(٣).
ومن الآيات الواردة في الميثاق بين
الأنبياء وأتباعهم ما كان بين يعقوب عليه
السلام وبنيه، قال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ.
مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِلَتَأْنُنِّى بِ إِلَّ
أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا
نَقُولُ وَكِلٌ ﴾ [يوسف: ٦٦].
قال السدي: أنه حلفهم بالله(٤).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٥٨/٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٣/١٦، النكت
والعيون، الماوردي ٥٨/٣.
٩٢
القرآن الكريم

الميثاق
وقال ابن کثیر: أي تحلفون بالعهود
والمواثيق لتأتني به ﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا
أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه
﴿فَلَمَآ ءَاتَوْهُ مَوْئِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فقال:
﴿اَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾.
قال ابن إسحاق: ((وإنما فعل ذلك لأنه
لم يجد بدًّا من بعثهم لأجل الميرة التي لا
غنی لهم عنها، فبعثه معهم)) (١).
والآية الأخرى في المعنى نفسه: ﴿أَلَمّ
تَعْلَمُواْ أَننَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْئِقًا مِّنَ
اَللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِّتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ
آلْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبٍ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِيِّ وَهُوَ خَيْرُ
اَلْحَكِمِينَ ﴾ [يوسف: ٨٠].
أي: عهدًا من الله في حفظ ابنه، والموثق
في الآية هو العهد المؤكد بالقسم(٢).
٢. الميثاق بين الراعي والرعية.
إن الميثاق بين الراعي والرعية يكون
بحسب دين الرعية في الدولة الإسلامية،
فإن كانوا مسلمين فإن الميثاق يكون على
السمع والطاعة والجهاد وعلى كل ما يصلح
شأن المجتمع.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمِيثَقَهُ الَّذِى وَانَفَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتٍ
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٢/٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٨/١٦، النكت
والعيون، الماوردي ٣ / ٦٧، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٤ /٣٤٦.
الصُّدُورِ ﴾ [المائدة: ٧](٣).
وتدخل المواثيق التي تجري بين الراعي
والرعية في عموم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُونُونَ
بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيشَقَ ﴾ [الرعد: ٢٠].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدتُمْ وَلَا تَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١].
وإن كان الرعية من أهل الكتاب فيمكن
للإمام أن يعقد معهم بعض المعاهدات التي
تؤمن لهم الحياة الكريمة، وما يجب عليهم
من الواجبات والحقوق العامة في ظل الدولة
الإسلامية بحكم أنهم أهل كتاب (أهل
الذمة)، ولكن طبيعة اليهود - كما أسلفنا-
الغدر والخيانة وعدم الوفاء، ولم يستطيعوا
-ولن يستطيعوا لؤما وخسة- أن يتخلوا عن
تلك الصفات الذميمة، فنقضوا عهودهم مع
رسول الله صلی الله عليه وسلم، وكانت
نهایتهم بما يتلاءم مع تلك الأفعال، حيث
أجلى رسول صلى الله عليه وسلم بني
قينقاع وبني النضير، وقتل رجال بني قريظة،
ولقد أشار القرآن الكريم إلى طبيعة اليهود
مع العهود والمواثيق فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ
عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرَّةٍ
٥٦
[الأنفال: ٥٦].
وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٩١/١٠، تفسير
السمعاني ١٩/٢، الكشاف، الزمخشري
٦١٢/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ /١٦٥.
www. modoee.com
٩٣

حرف الميم
والعهد هنا هو ما عقده رسول الله صلى والسيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه
الله عليه وسلم مع اليهود من عهود ومواثيق وسلم أخذ عليهم العهد والميثاق أكثر
بألا یحاربوه ولا یعاونوا علیه، کما بین ذلك
المفسرون(١).
فقد کتب النبي صلى الله عليه وسلم
كتابًا بين المهاجرين والأنصار واليهود،
وذلك وثيقة المدينة المنورة أو كما يسميها
المعاصرون: دستور المدينة، نظم فيها النبي
صلی الله علیه وسلم العلاقات بين سكان
المدينة، وحدد حقوق وواجبات والتزامات
جميع الأطراف داخل المدينة المنورة (٢).
ويتضح من خلال كتب التفسير والسنة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨/ ٣٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٪
٤٨.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥٠١/١،
وثيقة المدينة المضمون والدلالة، أحمد
الشعيبي، كتاب الأمة، صادر عن وزارة
الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، العدد
١١٠ السنة ٢٥ ذو القعدة، ١٤٢٦ هـ، والسيرة
النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي
رزق الله أحمد ص ٣٠٦، أهمية دراسة السيرة
النبوية والعناية بها في حياة المسلمين، محمد
العواجي ص٣٤.
وقد صحح هذه الوثيقة بطولها، وقال بأنها
تصل بمجموع طرقها إلى مرتبة الحديث
الحسن لغيره كل من: د. أكرم ضياء العمري
في كتابه: السيرة النبوية الصحيحة ٢٧٥/١،
د. علي الصلابي في السيرة النبوية ١ / ٦١٤،
د. خالد سليمان الفهداوي في بحثه الفقه
السياسي للوثائق النبوية ص٩٤، د. مهدي
رزق الله أحمد في السيرة النبوية في ضوء
المصادر الأصلية ص٣١٢.
من مرة، حیث أخذه علیهم عندما قدم إلى
المدينة، ثم أكده في مناسبات متعددة.
وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ
الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ
عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ )﴾
[الأنفال: ٥٥ - ٥٦](٣).
ويمكن أن تكون الدساتير والأنظمة
الموافقة للكتاب والسنة وإجماع الأمة
من المواثيق التي يجب الالتزام بها من
قبل الراعي والرعية في كل ما ورد فيها من
بنود لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية ونحوها مما ينظم شؤون الأمة.
٣. الميثاق بين الناس.
أمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء
بالعقود.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْقُواْ
بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
وهي الربوط في القول، كان ذلك في
تعاهد علی بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو
غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل
الكتاب، إذ بينهم وبين الله عقد في أداء
الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/١٤، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٦٧، تفسير السمعاني
٢٧٣/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٤١.
٩٤
جوبيه
الْعُرَآن الكَرِيمِ

الميثاق
الله عليه وسلم، ولفظ: (العقود) يعم عقود بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن
قَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
الجاهلية المبنية على بر، مثل دفع الظلم
ونحوه، وأما سائر تعاقدهم على الظلم
ونحوه فقد هدمه الإسلام، فإنما معنى
الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد
جار على رسم الشريعة. وفسر الناس لفظ
(العقود) بالعهود (١).
قال الإمام الرازي: ((فدخل في قوله:
﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ كل عقد من العقود، كعقد
البيع والشركة، وعقد الیمین والنذر، وعقد
الصلح، وعقد النكاح، وحاصل القول فيه
أن مقتضى هذه الآية أن کل عقد وعهد جری
بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى
ذلك العقد والعهد، إلا إذا دل دليل منفصل
على أنه لا يجب الوفاء به، فمقتضاه الحكم
بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل
شركة وقع التراضي بها، ويؤكد هذا النص
بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود
والعقود كقوله: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُوْ لِأَمَنَتِهِمْ
وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨].
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾
وقوله تعالى:
[البقرة: ٢٧٥].
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٤٧، النكت
والعيون، الماوردي ٥/٢، تفسير السمعاني
٥/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ١٤٣/٢.
﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا
تعالى:
وقوله
تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فجميع هذه الآيات والأخبار دالة على
أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود
الصحة ووجوب الالتزام))(٢).
ومما يدل على وجوب الوفاء واحترام
المواثيق بين الناس قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ
بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًاً
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَؤُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١].
الّذِينَ يَوَفُونَ بِعهدٍ
وعموم قوله تعالى:
اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيشَقَ ﴾ [الرعد: ٢٠].
وقد جاء الحث بالوفاء بالعقود واعتبار
ذلك ميثاقا وعلى وجه الخصوص عقد
النكاح.
قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم
مِّيْثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
قال مجاهد وابن زيد: هو عقد النكاح
وقول الرجل: نكحت وملكت(٣). وقال
الإمام ابن كثير: ((روي عن ابن عباس
ومجاهد وسعيد بن جبير أن المراد بذلك
العقد)»(٤).
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٧/٢٠.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٣٠،
تفسير السمعاني ١ / ٤١٠.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٤/٢.
www. modoee.com
٩٥

حرف الميم
وفي تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه:
الأول: قال الحسن وابن سيرين وقتادة
والضحاك والسدي وغيرهم: هو قوله
تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾
[البقرة: ٢٢٩](١).
الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنه
ومجاهد: الميثاق الغليظ هو عقد النكاح
المعقود على الصداق، وتلك الكلمة كلمة
تستحل بها فروج النساء، لقوله صلى الله
عليه وسلم: (اتقوا الله في النساء فإنكم
أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن
بكلمة الله)(٢)
الثالث: الميثاق الغليظ حق الصحبة
والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم
ميثاقا غليظا، أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض،
ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا:
صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري
بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟!(٣).
ومن خلال هذه الآيات يتضح أن العقود
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٨/٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٢/٢، تفسير
السمعاني ٤١٠/١، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٢/ ٣٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم
٨٨٦/٢،١٢١٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٨/٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٢/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣٠/٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ١٦/١٠.
المباحة شرعا بكافة أنواعها التي تعقد بين
الناس في الشريعة الإسلامية لها مكانة
خاصة؛ حيث اعتبرتها الشريعة مواثيقا
مؤكدة، لا يجوز نقضها، أو التلاعب بها، أو
النقص من وفائها، أو تأخيرها عن موعدها
بغير عذر مقبول شرعا، وهذا يؤدي إلى
استقرار التعاملات بين الناس؛ ومن ثم
تحقيق الازدهار الاقتصادي للمجتمع
المسلم.
[انظر العهد: العهود مع الناس]
٤. الميثاق بين الدول.
يجوز عقد المعاهدات بين الدولة
الإسلامية وغيرها من الدول إذا كان ذلك
لدفع ضرر محقق عن المسلمین، أو جلب
نفع للإسلام والمسلمين محققا كذلك،
ويجب الوفاء بالمعاهدات ذات الآجال إلى
أجلها، إلا أن ينقضها المعاهدون.
وقد بين القرآن الكريم حكم المواثيق
والمعاهدات بين الدولة الاسلامية وغيرها
من الدول، وأنه يجب الوفاء بما تم التواثق
عليه، ولا يجوز للإمام أو نائبة أو لأحد من
الرعية أن ينقض هذا الميثاق، وقد أشار
القرآن الكريم إلى ذلك في عدة مواضع.
قال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ
﴾ [التوبة: ١].
عَهَدُ ثُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ (
وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَلَّذِينَ عَهَدَثُم مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ
صَوْسُورَةُ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريم
٩٦

الميثاق
عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ
اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٤].
وفي ذلك إيماء إلى أن الوفاء بالميثاق
من فرائض الإسلام مادام الميثاق معقودا،
وإلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا
بانتهاء وقته، وإلى أن من شروط وجوب
الوفاء به محافظة العدو المعاهد على ذلك
العهد بحذافيره بنصه وفحواه، فإن نقص
شیئا منه وأخل بغرض من أغراضه عد ناقضا
للمیثاق.
ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية أن
المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم،
ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَقَمُوا
لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧].
وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل
وعلا في قوله: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم ◌ِنْ
بَعْدٍ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَِلُواْ
أَيْنَّةَ أُلْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنْتَهُونَ ﴾ [التوبة: ١٢].
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ ◌َّ
يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط المعاهدة ﴿وَلَمْ
يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا ﴾ من عدوكم، أي: لم
یعاونوهم بأنفسهم وأبدانهم، لا بسلاح ولا
خيل ولا رجال، ولا حتى بمشورة ورأي،
فهؤلاء: ﴿فَأَنِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُذَّتِهِمْ﴾،
أي: مدة أجلهم المحدد بزمن معين، فوفوا
لهم ولا تنقضوا لهم عهدا إلى أن ينقضوه
هم بأنفسهم، أو تنتهي مدتهم، وحينئذ إما
الإسلام وإما السيف؛ إذ لم يبق مجال لبقاء
الشرك في دار الإسلام وقبته (١).
وَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: الذين يتقون
نقض العهد وخفر الذمم وسائر المفاسد
التي تخل بالنظام وتمنع جريان العدل بين
الناس، وفى ذلك إيماء إلى أن مراعاة حقوق
العهد تدخل فى حدود التقوى، وإلى أن
التسوية بين الوفي والغادر منافية لذلك وإن
كان المعاهد مشركاً (٢)
والمواثيق بين الدول يجب الوفاء بها؛
لأن الله تعالى أوجب نصر المسلمين
المقيمين بين ظهراني الكفار ما لم يكن
هناك ميثاق بين الدولة المسلمة والكافرة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنَصَرُوَكُمْ
فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٧٢
[الأنفال: ٧٢].
فقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم
مِيثَقُّ﴾ أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا أراد
المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا ق
فلا تعينوهم عليهم؛ لأجل ما بينكم وبينهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٣٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٤٣٠، التفسير
الوسيط، الواحدي ٤٧٩/٢، أضواء البيان،
الشنقيطي ١١٤/٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٨٤/٢، تفسير
المراغي ٥٥/١٠، التفسير القرآني للقرآن،
عبد الكريم الخطيب ٧٠٠/٥.
www. modoee.com
٩٧

حرف الميم
من الميثاق (١).
أي أن الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم
من ولا یتهم من شيء حتی یهاجروا، أي أن
الذين صدقوا برسالة النبي صلى الله عليه
وسلم ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة
وظلوا مقيمين في أرض الشرك تحت سلطان
يثبت لهم شيء من ولاية (نصرة) المؤمنین
الذين في دار الإسلام. أما من أسره الكفار
من أهل دار الإسلام فله حکم أهل هذه
الدار، إن الولاية منقطعة بين أهل الدارين إلا
في حالة واحدة ذكرها تعالى بقوله: ﴿وَإِنِ
أُسْتَصَرُوكُمْ﴾ وهي مناصرتهم على الكفار
إِذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل دینھم،
إلا إذا كان هؤلاء الكفار معاهدين، فيجب
الوفاء بعهدهم؛ لأن الإسلام لا يبيح الغدر
والخيانة بنقض العهود، وهذا أصل من
أصول أحكام الإسلام وسياسته الخارجية
العادلة الرفيعة المستوى. وإن طلب منكم
هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة
على أعدائكم في الدين فيجب عليكم أن
تنصروهم، لأنهم إخوانكم في العقيدة،
بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء
عهد ومهادنة، فإنکم في هذه الحالة يحظر
عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٢٧.
يهاجروا؛ لأن في نصرتهم على من بينكم
وبينهم عهد نقضا لهذا العهد (٢).
ووجه ذلك الاستثناء أن الميثاق يقتضي
عدم قتال الكفار إلا إذا نكثوا عهدهم مع
المسلمين، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلق
إلا بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن
المشركين، أي: في دار الحرب والشرك، لا واحد، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار،
فأما المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا
من دار الشرك فلا يتحمل المسلمون
تبعاتهم، ولا يدخلون فيما جروه لأنفسهم
من عداوات وإحن؛ لأنهم لم يصدروا عن
رأي جماعة المسلمين، فما ينشأ بين الكفار
المعاهدين للمسلمين وبين المسلمين
الباقين في دار الكفر لا يعد نكثا من الكفار
لعهد المسلمين؛ لأن من عذرهم أن يقولوا:
لا نعلم حین عاهدناکم أن هؤلاء منکم؛ لأن
الإيمان لا يطلع عليه إلا بمعاشرة، وهؤلاء
ظاهر حالهم مع المشركين يساكنونهم
ويعاملونهم(٣).
ولقد أمر القرآن الكريم بأن يحترم
الميثاق بالنسبة لأهله، ولمن لهم به صلة
قومية أو نسبية أو لمن هرب أو التجئ إليهم.
قال تعالى: ﴿وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا
(٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٤٣٩/٢،
التفسير المنير، الزحيلي ٨٣/١٠، التفسير
الوسيط، طنطاوي ٦/ ١٦٨، تفسير المراغي
١٠ / ٤٣.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٦/١٠.
٩٨
جوسي
القرآن الكريمِ

الميثاق
كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم
أحوالهم بقرائن أفعالهم فحكم بكفرهم،
فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن
تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح
غیر مشکل، إنهم منافقون قد تکرر کفرهم،
وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم.
حَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهَّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمِّ وَلَا نَتَّخِذُواْ
مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيًّا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى
قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّشَقُّ أَوْ جَآءُوَكُمْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَئِلُوكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ قَوْمَهُمُّ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوَكُمْ فَإِنِ اعْتَزَ لُوكُمْ
فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ
سَتَجِدُونَ ءَآخَرِينَ يُرِيدُونَ
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ®
أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِئْنَةِ
أُتَكِسُواْ فِيهَاً فَإِن لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُّواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ
وَيَكُفُواْ أَيْدِ يَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْنُلُوهُمْ حَيْثُ
تَّقِفْتُوهُمْ وَأُوْلَيْكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا
◌ُّبِينَا ﴾ [النساء: ٨٩-٩١](١).
فهذا النص يدل على ضرورة احترام
المواثيق، وكف القتال عن أهل الميثاق،
والذين لهم به صلة قومية، ويكون سلمهم
سلما لهم وحربهم حربا لهم(٢).
والمراد بالمنافقين المذكورين في هذه
الآيات المنافقون المظهرون إسلامهم،ولم
يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين
الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه،
فبعضهم تحرج عن قتالهم وقطع موالاتهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٨، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٤/١، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢ / ٨٩.
(٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
٣٦٢.
فإذا تحققتم ذلك منهم: ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ
مِنْهُمْ آَوْلِیَآء﴾ وهذا يستلزم عدم محبتهم؛ لأن
الولاية فرع المحبة، ويستلزم أيضا بغضهم
وعداوتهم؛ لأن النهي عن الشيء أمر
بضده، وهذا الأمر مؤقت حتى هجرتهم،
فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على
المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه
وسلم يجري أحكام الإسلام لكل من كان
معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو
ظاهر الإيمان(٣).
وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها:
﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾
أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا
من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في
الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء،
والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة
محمولة على تقييد التحريم في الأشهر
الحرم (٤).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٨، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٤/١، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر ٣٢٧/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٨، المحرر
www. modoee.com
٩٩

حرف الميم
لذا حذر الله المؤمنين من مكائدهم
وسعاياتهم هذه، فلا تتخذوا منهم أنصارا
يساعدونكم على المشركين الوثنيين حتى
يدل الدليل الواضح على إيمانهم ويهاجروا
إلى المدينة ويتعاونوا بصدق معكم في
قضاياكم، فهذا دليل الصدق في الإيمان.
فإن أعرضوا عن الإيمان الظاهر بالهجرة
في سبيل الله ولزموا أماكنهم خارج المدينة
فخذوهم واقتلوهم أنی وجدتموهم في أي
مكان وزمان، في الحل أو في الحرم، ولا
توالوهم أو تولوهم شيئا من مهام أموركم،
ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا
كذلك.
ثم استثنى الله من هؤلاء الذين يتصلون
بقوم معاهدين للمسلمين ويلجؤون إلى
أهل عهدكم بمهادنة أو عقد ذمة، فينضمون
إليهم في عهدهم، فاجعلوا حكمهم کحکم
المعاهدین.
لما جاء في صلح الحديبية في صحيح
البخاري: (من أحب أن يدخل في صلح
قریش وعهدهم دخل فيه، ومن أحب أن
يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم
دخل فيه)(١).
الوجيز، ابن عطية ٨٩/٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣٢٧/٢، التفسير المنير،
الزحيلي ١٩٣/٥.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الحديبية، من حديث
الوفاء بالميثاق
في هذا المحور سيكون الكلام عن حكم
الوفاء بالميثاق، أدلته الشرعية، وبيان آثار
الوفاء بالميثاق في الدنيا والآخرة:
أولًا: حكم الوفاء بالميثاق:
دلت آيات القرآن الكريم على وجوب
الوفاء بالميثاق، حيث أمر الله تعالى
المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود الجارية على
رسم الشريعة وأصولها وقواعدها.
قال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
ولفظ (العقود) في الآية بمعنى العهود
بإجماع جميع المفسرين، كما يعم اللفظ
عقود الجاهلية المبنية على البر، مثل دفع
الظلم ونصرة المظلوم ونحوه، وأما في سائر
تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه
الإسلام.
وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ قُواْ
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
وقال جل شأنه: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١](٢).
عروة بن الزبير، رقم ٤١٨٠، ١٢٦/٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٤٧.
١٠٠
جَوَسُورَة النفسية
القرآن الكريم

الميثاق
ومما يدل على وجوب الوفاء النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
بالمعاهدات والمواثيق أن الله تعالى يسأل أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا
ناقض العهد عن نقضه إياه.
قال عز وجل: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾
[الأحزاب: ١٥](١).
کما يدل على وجوب الوفاء بالميثاق
بأن نقض الميثاق كبيرة من الكبائر؛ لأن الله
تعالی لعن من ینقضه، فكان الوفاء به واجبًا.
قال تعالى: ﴿فَمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِبَةَ﴾
[المائدة: ١٣].
قال الإمام ابن كثير: «لما أمر تعالى عباده
المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه
علیهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى
الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق،
والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم
الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق
والهدى، شرع یبین لهم کیف أخذ العهود
والمواثيق على من كان قبلهم من أهل
الكتابين اليهود والنصارى، فلما نقضوا
عهوده ومواثیقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم،
وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن
الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٤٢/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ١٠٧، تفسير
السمعاني ٢٤٠/٣.
مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ [المائدة: ١٢].
يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة
والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه)»(٢).
نقول: أكد الله تعالى على بني إسرائيل
بوجوب الوفاء بالعهود والمواثيق من بين
الناس.
قال تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرٌّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ
أَلَِّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ
[البقرة: ٤٠]، قال
٤٠
وَإِيَّنِىَ فَأَرْهَبُونِ
الإمام ابن جرير الطبري: ((وخطابه إياهم
جل ذكره بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر
البشر ما يدل على أن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧].
مقصود به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان
من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على
ضلالهم، غير أن الخطاب وإن كان لمن
وصفت من الفريقين فداخل في أحکامهم،
وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم
والتوبيخ كل من كان على سبيلهم ومنهاجھم
من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين
بالأمر والنهي)) (٣).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٥٨/٣.
(٣) جامع البيان ١/ ٤١٣.
وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٣٣/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٣٢/١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٧/١،
www. modoee.com
١٠١

حرف الميمر
والآيات صريحة الدلالة على وجوب
الوفاء بالميثاق، وحرمة الغدر والخيانة،
وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ الميثاق
تدل على ذلك بالمنطوق أو بالمفهوم.
وقد وردت أحاديث كثيرة في وجوب الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه
الوفاء بالعهد وإثم من نقض ميثاقه أو غدر
بما عاهد عليه، فقد روى عبد الله بن عمرو
وفي رواية: (لكل غادر لواء يوم القيامة
پرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرا
من أمير عامة)(٦).
رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا
خالصا، من إذا حدث كذب، وإذا وعد
أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر،
ومن کانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها)(١).
وما رواه علي بن أبي طالب رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من أخفر مسلما فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه
صرف ولا عدل)(٢).
وکذلك ما رواه أنس رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادر
لواء يوم القيامة)(٣).
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٥٣.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق، رقم ١٦/١،٣٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال
المنافق، رقم ١،٥٨/ ٧٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب حرم المدينة، رقم ١٨٧٠، ٣ /٢٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية،
وما رواه أبو سعيد رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادر
لواء عند إسته يوم القيامة) (٤).
وكذلك ما رواه عبد الله بن عمر رضي
وسلم قال: (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم
القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان)(٥).
قال الإمام النووي: ((قال أهل اللغة:
اللواء الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب
جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش،
ويكون الناس تبعا له، قالوا: فمعنى لكل
غادر لواء أي: علامة يشهر بها في الناس؛
لأن موضوع اللواء الشهرة، مكان الرئيس
علامة له، وكانت العرب تنصب الألوية
في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره
باب إثم الغادر البر والفاجر، رقم ٣١٨٦،
٤ /١٠٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تحريم الغدر، رقم ١٧٣٨،
١٣٦١/٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية،
باب إثم الغادر للبر والفاجر، رقم ٣١٨٨،
١٠٤/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تحريم الغدر، رقم ١٧٣٥،
١٣٥٩/٣.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تحريم الغدر، من حديث أبي
سعيد الخدري، رقم ١٣٦١/٣،١٧٣٨.
١٠٢
جوسيس
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الميثاق
بذلك، وأما الغادر فهو الذي يواعد على أمر له)(٢).
ولا يفي به.
وفي هذه الأحاديث بیان غلظ تحریم
الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛
لأن غدره یتعدی ضررہ إلی خلق کثیرین،
وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته
على الوفاء. والمشهور أن هذا الحديث وارد
في ذم الإمام الغادر.
في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو
غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام
بها والمحافظة عليها ومتى خانهم أو ترك
الشفقة علیهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده.
والاحتمال الثاني: أن يكون المراد نهي
الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه
العصا، ولا یتعرضوا لما يخاف حصول فتنة
بسببه، والصحيح الأول، والله أعلم))(١).
وأما عهود المسلمین فیما بينهم فالوفاء
بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا.
ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من
تابعه ورضي به، عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم
الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)
فذکر منهم: (ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا
لدنیا، فإن أعطاه ما یرید وفی له، وإلا لم يف
(١) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ١٢/ ٤٣.
ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها
ويحرم الغدر فيها جميع عقود المسلمين
فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات
والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة
التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب
الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه
عليه من نذر التبرر ونحوه (٣).
كما أمر الله تعالى بوجوب الوفاء
وذكر القاضي عياض احتمالين:
أحدهما: هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر بالمعاهدات والمواثيق الدولية المزمنة
بمدة معينة، لقوله عز وجل: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدْ تُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّلَمَّ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٤].
وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم
بالوفاء بمواثيق وعهود المشركين إذا أقاموا
علی عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا.
ويدل على ذلك ما رواه سليم بن عامر،
يقول: (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهد،
وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، رقم
١١٠/٣،٢٣٥٨، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار،
والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان
الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا
ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رقم
١٠٣/١،١٠٨.
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب
الحنبلي ٢/ ٤٨٧.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الميم
العهد أغار عليهم، فإذا رجل على دابة أو ثانيًا: آثار الوفاء بالميثاق:
على فرس وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا
غدر، وإذا هو عمرو بن عبسة رضي الله عنه،
فسأله معاویة عن ذلك، فقال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان
بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدا ولا يشدنه
حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواء)
قال: فرجع معاوية بالناس) (١).
والغدر حرام في كل عهد وميثاق بين
المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا،
ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمرو
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (من قتل نفسا معاهدا بغير حقها
لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من
مسيرة أربعين عاما)(٢).
والأحاديث القاضية بوجوب الوفاء
بالميثاق كثيرة جدا، والسنة الفعلية تشهد
بذلك، وأن نقضه محرم بصريح الكتاب
والسنة.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب
في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير
إليه، رقم ٢٧٥٩، ٨٣/٣، والترمذي في
سننه، أبواب السير، باب ما جاء في الغدر،
رقم ١٥٨٠، ٤/ ١٤٣.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)).
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢،٦٤٨٠ /٠١١٠٥
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدیات،
باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، رقم ٦٩١٤،
٩/ ٠١٢
رتب الله تعالى على الالتزام بالميثاق
آثارا متنوعة ومتعددة، يمكن بيانها على
التفصيل الآتي:
١. آثار الوفاء بالميثاق في الحياة
الدنیا.
تتمثل آثار الوفاء بالميثاق في الحياة
الدنيا فيما يأتي:
١. الإيمان والسعادة والفلاح.
فقد وصف الله تعالى الموفين لعهودهم
ومواثيقهم بالإيمان والسعادة والفلاح:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ وَالَّذِينَ
٣
هُمْ لِقُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ))
فَمَنٍ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ
٨
[المؤمنون: ١-٨].
فرعاية الميثاق من صفات المؤمنين
الصادقين، والتخلي عن تلك الصفة إخلال
بهذا الوصف وقدح بالموصوف، ورعاية
العهد هنا تشمل العهد العام والخاص،
فكل ما صدق عليه لفظ العهد فرعايته من
الإيمان (٣).
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٧،
النكت والعيون، الماوردي ٩٥/٦، المحرر
١٠٤
القُرآن الكَرِيْمِ

الميثاق
كما أن الوفاء بالميثاق هو الذي يحقق
الإیمان، وأن الموفین بعهدهم ومیثاقهم هم
المؤمنون.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْ أَ خَذَ مِشَقَكُمْإِن
كُثُم مُؤْمِنِينَ ﴾ [الحديد: ٨](١).
٢. التقوى.
لقد جاءت التقوى أثرا من آثار الوفاء
بعهد الله، و ثمرة من ثمرات الالتزام بمیثاقه،
ونجد أن الوفاء بالعهد بعد الوعد من صفات
المتقين الصادقين قال تعالى:
﴿وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّبِينَ فِىِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ()﴾ [البقرة: ١٧٧].
ثم أخبر تعالى على جهة الشرط أن من
أوفى بالعهد واتقى عقوبة الله في نقضه، فإنه
محبوب عند الله، وأن أهل الوفاء بالعهد
والميثاق هم الذين يحبهم الله تعالى لا
غيرهم: ﴿بَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ٧٦].
ويأتي ما يؤكده في سورة التوبة في آيتين
متقاربتين: ﴿فَأَنِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَ هُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ
اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٤].
وكما أن إتمام العهد والميثاق من
الوجيز، ابن عطية ١٣٧/٤، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢٤١/٨.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٥٠/٢٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٥٥.
التقوى فإن الاستقامة عليه تؤدي إليها: ﴿فَمَا
أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧](٢).
وقد أمر الله تعالى بني إسرائيل بتذكر
العهود والمواثيق التي أخذت عليهم بالعمل
بما فيه لعلهم يتقون: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِثَقَكُمْ
وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلْتُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
٦٣
[البقرة: ٦٣](٣).
٣. محبة الله ورضاه.
وهما غاية الغايات ونهاية المقاصد
والحاجات فإذا رضي الله على عبد وأحبه
أدخله جناته ووقاه عذابه، وأكرمه في دنياه
وأخراه، فقد أثبت الله محبته للمتقين
الموفين بعهدهم، المستقيمين على عهودهم
ومواثيقهم حتى مع أعدائهم ما استقاموا
هم على تلك العهود: ﴿فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ
فَأَسْتَقِيمُواْ لَمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
[التوبة: ٧].
وقبلها بآيتين: ﴿فَتِّمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مَُّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤].
وكذلك قوله تعالى: ﴿بَلَ مَنْ أَوْفَ
بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (١)﴾ [آل
عمران: ٧٦].
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٥/٦، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٤٥٩/١، مفاتيح الغيب،
الرازي ٨/ ٢٦٤.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٧/١٣.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الميم
وبهذا تكون محبة الله ثمرة من ثمرات
الوفاء بالعهد، وأثرا من آثار الالتزام
بالمیثاق.
٤. حصول الأمن في الدنيا وصيانة الدماء.
لم تقتصر آثار الوفاء بالميثاق على
المسلمين وحدهم، وإنما شمل الكفار
الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، ولهم
عهود مع المسلمين.
فجاءت الآيات صريحة بوجوب الوفاء
لهم وصيانة دمائهم وأكثر من ذلك أن الكافر
الذي يطارده المسلمون لقتله عندما يلجأ
إلی قوم بينهم وبين المسلمين عهد ومیثاق،
ويدخل تحت حكمهم، يعصم دمه ويضع
حدا لطلبه.
يقول تعالى مبينًا حكم بعض المنافقين:
﴿وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَةٌ فَلَا
لَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ حَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِّ فَإن
تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمٌّ
وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيَّنَا وَلَا نَصِيرًّا
٨٩
[النساء: ٨٩]ومع هذا النهي الحاسم والأمر
الجازم بالقضاء عليهم ومقاطعتهم ينقلنا
القرآن نقلة قوية تضع استثناء لما سبق:
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَيَتْنَهُم مِّيْثَقُ
أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَدِلُوكُمْ
أَوْ يُقَدِلُواْ قَوْمَّهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ
فَلَقَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ
السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
[النساء: ٩٠].
ومن هنا فأن أثر الوفاء بالميثاق لم يقتصر
علی من عقد معه ووفی به، وإنما تعداه إلى
آخرين أرادوا صيانة دمائهم المهدرة، فلم
يجدوا بدا من اللجوء إلى هؤلاء(١).
كما يعطي أمانًا صريحًا لمن لهم ميثاق
في حقن دمائهم وصيانة أهلهم وأموالهم،
فالذين آمنوا ولم يهاجروا إن استنصروا
المؤمنين في الدين فتجب نصرتهم
وحمایتهم إلا في حالة واحدة، إذا كان هذا
الاستنصار موجهًا ضد مَنْ للدولة المسلمة
معهم عهد وميثاق، فهنا لا نصرة ولا
مساعدة، وحق أولئك المعاهدين أولى من
حق هؤلاء المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ
أُسْتَنصَرُوكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى
قَوْمُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
﴾ [الأنفال: ٧٢] (٢) .
٧٢
وقد ساوى القرآن بين دية الكافر الذي
يقتل خطأ، وهو من قوم معاهدين، بدية
المسلم المقيم في دار الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٨، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٨٩/٢ مفاتيح الغيب،
الرازي ١٧١/١٠، أنوار التنزيل، البيضاوي
٢/ ٨٩، لباب التأويل، الخازن ١/ ٤٠٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٩١/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٥١٦/١، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٧٣.
١٠٦
جَوَسُ بحَرَ النَفسِيرِ الوَصوي
القرآن الكريم