Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
النَّاسِ
د
حـ
عناصر الموضوع
مفهوم الناس
٢١٢
الناس في الاستعمال القرآني
٢١٣
الألفاظ ذات الصلة
٢١٤
تسمية سورة من القرآن باسم الناس
٢١٧
٢١٩
الغاية من خلق الناس
٢٢٢
فضل الله تعالى على الناس
٢٢٨
أصناف الناس
٢٣٢
صفات الناس
٢٣٦
حال أكثر الناس
٢٤١
اتباع الناس
٢٤٤
نداءات الله تعالى للناس
٢٤٩
الناس والجن
المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُونْ

حرف النون
مفهوم الناس
أولًا: المعنى اللغوي
الناس من نوس، النون والواو والسين أصلٌ يدل على اضطرابٍ وتذبذب، وناسَ الشيءَ:
تذبذب، ينوس، ويقولون: نُسْتُ الإبلَ: سُقْتُها (١)، النوس والنوسان: التذبذب، والناس
يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنسٍ، أصله أناسٌ جمعٌ عزيزٌ أُدخِل عليه أل. وناسَ الإبلَ:
ساقها، وأناسَه: حَرَّكه، ونَوَّسَ بالمكان تنويسًا: أقام، والمنوس من التمر: ما اسود طرفه(٢).
ومما سبق يتبين أن كلمة الناس يدور معناها على الاضطراب، والحركة والتذبذب
والإقامة، والسوق.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
قال الراغب: «والناس قد يُذَگّرُ ویراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا )»،
وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني
المختصة به (٣).
وقال أبو هلال العسكري: ((هم الإنس خاصة وهم جماعة لا واحد لها من لفظها)) (٤).
وقال الطاهر بن عاشور: ((الناس اسم جمع للبشر)) (٥).
قال الشيخ الشعراوي: ((هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة))(٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٩/٥، لسان العرب، ابن منظور ٢٤٥/٦.
(٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٧٤٧.
(٣) المفردات ١/ ٤٢٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٥٢٣/١.
(٤) الفروق اللغوية ص٥٢٧.
(٥) التحرير والتنوير ١١/ ١٢٧.
(٦) تفسير الشعراوي ٣٨١٦/١.
جَوَسُورُ
القرآن الكريم
٢١٢

الناس
الناس في الاستعمال القرآني
وردت كلمة (ناس) في القرآن الكريم (٢٤١) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اسم جمع
٢٤١
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِِ ◌ِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ
* [الناس: ١-٣]
النَّاسِ!
وجاءت كلمة (الناس) في القرآن على وجهين (٢):
الأول: جميع الناس: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْقَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣].
الثاني: فئة معينة من الناس أو أحد الناس بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمُّ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. أُرِيْدَ بالأولى: نعيم بن مسعود الأشجعي،
وبالثانية: أبو سفيان وأصحابه من قريش وأهل مكة.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٧٢٦-٧٢٩، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٥٥ - ١٣٦٠.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ٤٤١ -٤٤٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٣٩/٥-١٤٠،
نزهة الأعين النواظر، ص ٦٠١-٦٠٥، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٣٢/٤-٢٣٣.
www. modoee.com
٢١٣

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
العالمين
١
العالمين لغةً
(علم) العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدل على أثرٍ بالشيء يتميز به عن غيره،
ومن الباب العالمون، وذلك أن كل جنسٍ من الخلق فهو في نفسه معلم وعلم، وقال قوم:
العالم سمي لاجتماعه، قال الله تعالى: ﴿الْعَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
قالوا: الخلائق أجمعون(١).
العالمين اصطلاحًا
أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس دون غيرها، وقيل: عني به الناس وجعل
كل واحد منهم عالما (٢)، وقال ابن كثير: و(العالمين) جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله
عز وجل(٣).
الصلة بين الناس والعالمين
بعد التأمل في التعاريف السابقة تبين أن لفظة العالمين تشمل الناس وغيرهم، باعتبار
الناس جزءا من هذا العالم، والناس من الموجودات والمخلوقات التي أوجدها الله تعالى
وكلفها بالعبادة والطاعة، لكن لفظة العالمين أعم، والناس أخص.
البشر
٢
البشر لغة
(بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد يقصد به ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة
ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان.
البشر اصطلاحًا
والبشرهم الخلق يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع (٤).
وإطلاق البشر على الإنسان اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٩/٤.
(٢) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٣٤٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ١ / ١٣١.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٥٩.
٢١٤
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الناس
نحو صوف أو شعر (١).
الصلة بين الناس والبشر:
سمي الناس بشرًا؛ لأنهم أحسن الحيوان هيئة، ويجوز أن يقال: إن قولنا بشر يقتضي
الظهور، وسموا بشرًا لظهور شأنهم، وقولنا: الناس يقتضي النوس وهو الحركة، والناس
جمع والبشر واحد (٢).
بنو آدم
٣
بنو آدم لغةً
هذا مصطلح مركب من لفظة (بنو)، ولفظة (آدم) نعرف كلّ منهما بما يأتي:
بنو لغةً
قالوا: إنه جمع بنوة أو بنوة، والابن الولد، والجمع أبناء(٣).
آدم لغةً
آدم: الأدم: الاتفاق، وأدم الله بينهما يأدم أدمًا، وآدم بينهما إيدامًا، فهو مؤدٌ بينهما،
ويقال: بينهما أدمةٌ وملحة، أي: خلطة.
وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل: سمي آدم عليه السلام؛ لأنه
خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه (٤).
بنو آدم اصطلاحًا
هم الناس (٥)، وبنو أبي البشر (٦).
الصلة بين الناس وبني آدم
مما سبق تبين أن هناك صلة بين الناس وبين بني آدم، وهي علاقة توضيح المعنى، فبنو
آدم هم الناس والبشر، والناس ينسبون إلى أبيهم آدم عليه السلام، ولهذا يقال: الناس بنو آدم
لأنهم منسوبون إليه(٧).
(١) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣٢.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٠١.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٨٩/١٤.
(٤) انظر: العين، الفراهيدي ٨٨/٨.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٣.
(٦) انظر: المفردات، الأصفهاني ص١٤.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٣.
www. modoee.com
٢١٥

حرف النون
الثقلان
٤
الثقلان لغةً
(ثقل) الثاء والقاف واللام أصلٌ واحدٌ يتفرع منه كلماتٌ متقاربة، وهو ضد الخفة، ولذلك
سمي الجن والإنس بالثقلين، لكثرة العدد، وأثقال الأرض کنوزها.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]. ويقال هي أجساد بني آدم(١).
الثقلان اصطلاحًا:
هم ((الإنس والجن)) (٢).
الصلة بين الناس والثقلين
الثقلان أعم من الناس، والناس أخص، فالثقلان يعني الإنس والجن، والإنس تعني بني
آدم دون الجن.
الأنعام:
٥
الأنام لغةً
والأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم (٣).
الأنام اصطلاحًا
هم الجن والإنس (٤).
الصلة بين الناس والأنام
هناك علاقة واضحة بين اللفظتين فالأنام تفسير وبيان لمعنى لفظة الناس، فالأنام يقتضي
تعظيم شأن المسمى من الناس (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٨٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣/٢٢.
(٣) انظر: العين، الفراهيدي ٣٨٨/٨.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧/١٢.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٧٥.
٢١٦
القرآن الكريمِ

الناس
تسمية سورة من القرآن باسم الناس
سورة الناس سورة مكية (١)، عدد آياتها
ست آیات.
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه
من طريق عائشة أن النبي صلى الله عليه
وسلم: (كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلةٍ
جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما:
ق ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
اَلْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم
يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما
على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل
ذلك ثلاث مراتٍ)(٢).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن
عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (أنزل أو أنزلت علي آيات
لم ير مثلهن قط المعوذتين)(٣).
حكمة تسمية السورة بهذا الاسم
إن تسمية سورة من سور القرآن باسم
سورة الناس، واستقلالها بهذا الاسم لم يأت
اعتباطًا بل جاء لحكمة نسأل الله تعالى أن
(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي
١٨/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب فضل المعوذات، ١٩٠/٦، رقم
٥٠١٧.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة
المعوذتين، رقم ٨١٤.
يلهمنا الصواب باستخراج هذه الحكم نقول
وبالله التوفيق:
أولًا: « إنه تعالی رب جمیع المحدثات،
ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على
التخصيص وذلك لوجوه:
أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس
في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ
من شر الموسوس إلى الناس بربهم
الذي يملك عليهم أمورهم، وهو
إِلهُھُمْ ومعبودهم، كما يستغيث بعض
الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم
ووالي أمرهم.
أن أشرف المخلوقات في العالم هم
الناس.
أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان، فإذا
قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب
یا ملکی یا إِلھي»(٤).
ثانيًا: بيان أن الخلق كلهم داخلون تحت
الربوبية والملك، وأن الوسواس كما يكون
من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال:
نَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦](٥).
ثالثًا: بيان المعاني المختلفة لكلمة
الناس خاصة في سورة الناس، وفي ذلك رد
على المستشرقين الذين قالوا: إن في القرآن
الكريم تكرار خاصة أنه كرر لفظة الناس
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٤٩٠.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٩٣٧.
www. modoee.com
٢١٧

حرف النون
أكثر من مرة في سورة الناس.
يقول الشعراوي: وقد وقف بعض
المستشرقين عند كلمة ﴿النَّاسِ﴾،
وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات
التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه
تكرار لا لزوم له.
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون
هي سورة ( الناس ) حيث يقول الحق:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ل ◌َلِكِ النَّاسِ
٥ إِلَهِ النَّاسِ ب مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ
الْخَنَّاسِ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ
النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[الناس: ١- ٦].
والناس في الآية الثانية هم المَمْلوكون لله
فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور
القهرية، وتأتي ﴿النَّاسِ﴾ في الآية الثالثة:
﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣].
لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق،
وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة:
﴿ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤].
والآية الخامسة: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِى
صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥](١).
وهذا الجمع من المستشرقين فهموا
أن المعنى لكلمة ( الناس ) في كل آية من
آیات هذه السورة هو معنی واحد، ولکنھم
لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ ولم يلتفتوا إلى
أن معنى كلمة ( الناس ) في كل موقع هو
معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه
أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة
لمعناها، وأن یکون کل معنیّ جاذبًا للكلمة
المناسبة له.
وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
وأن يقول: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:
٢].
و (الناس) في الآية الأولى هم المُرَبُّون،
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٣٨١٦/٥.
٢١٨
جَوَسُولَةُ النَّفْسِّ
القرآن الكريمِ

الناس
الغاية من خلق الناس
إن الله تعالى خالق الخلق، مدبر
الأمر، ذي الطول الشديد، بيده مقاليد
السماوات والأرض ﴿لَا يُسَْلُ عَمَّا يَفْعَلُ
وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾، خلق الناس لِحِكَمٍ عديدة،
أهمها:
أولًا: الاستخلاف في الأرض
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ
أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّعِ اَلْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص:
٢٦].
قال الإمام الطبري في تفسير الآية الأولى
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِى
اَلْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾: والصواب في تأويل
قوله: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: أي
مَسْتَخْلِفُ في الأرض خليفةً، ومُصَيِّرُ، فيها
خلفًا، أي: خلفًا يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم
ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف
كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله (١).
(١) انظر: جامع البيان ١/ ٤٥١.
والاستخلاف في الأرض له ثمرات
عديدة، منها: تنفيذ أحكام الله تعالى في
الأرض، وهذا ما وضحه قوله تعالى:
﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِىِ الْأَرْضِ فَأَحْكُم
بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَفَِّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
قال الرازي: جعلناك تخلف من تقدمك
من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى، وفي
سياسة الناس؛ لأن خليفة الرجل من يخلفه،
وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه
الغيبة، وذلك على الله محال.
والقول الثاني: إنا جعلناك مالكًا للناس
ونافذ الحكم فيهم، فبهذا التأويل يسمى
خليفة، ومنه يقال: خلفاء الله في أرضه،
وحاصله أن خلیفة الرجل يكون نافذ الحكم
في رعيته، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق
الله، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة
مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ
الحكم (٢).
وبعد التأمل ودراسة الآيتين السابقتين
يتبين أن هناك غايات عديدة من خلق
الناس، وأهمها الاستخلاف على هذه
الأرض، وغاية الاستخلاف هو تنفيذ حكم
الله، وإقامة شرعه على الأرض والحكم
﴿بَينَ﴾ الناس بالعدل، ومن خلال استقراء
لفظة الناس في القرآن تبين أن لفظة الناس
(٢) مفاتيح الغيب ٣٨٦/١.
www. modoee.com
٢١٩

حرفالنون
المسبوقة بـ(بين) وردت في سياق الحكم رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].
والإصلاح.
ثانيًا: عبادة الله تعالى
يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْجِنَّ وَاَلْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ومعنى العبادة هي إظهار الخضوع
للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره
ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد،
فالحصر المستفاد من قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قصر الله علة
خلق الإنس والجن على إرادته أن يعبدوه،
أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا
غيري في العبادة، فهو رد للإشراك، وليس
هو قصرًا حقيقيًّا.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشرکین
بأن الجنَّ غير خارجين عن العبودية لله
تعالى، وتقديم الجن في الذكر في قوله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين
الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن
عباد الله تعالى(١).
وبعد بيانٍ وتوضيح هذه الغاية المهمة،
وهي عبادة الله تعالى يأتي النداء الرباني
في كثير من الآيات القرآنية مؤكدًا على هذه
الغاية في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٧.
واختُلِفَ من المراد بالناس هنا على
قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه
والقول الثاني: أنه عَامُّ في جميع الناس،
فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة،
وللكافرين بابتدائها (٢).
ثالثًا: التعارف
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ
مِّن ذَكَرٍ وَأَنْقَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: ١٣].
یخبر تعالى أنه خلق بني آدم، من أصل
واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى،
ویرجعون جمیعھم إلی آدم وحواء، ولکن
الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء،
وفرقهم وجعلهم شعوبا وقبائل أي: قبائل
صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا؛
فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم
يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه
التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق
الأقارب، ولکن الله جعلهم شعوبا وقبائل؛
لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما
يتوقف على التعارف، ومعرفة الأنساب،
ولكن الكرم بالتقوى؛ فأكرمهم عند الله
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٥/١.
٢٢٠
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِير
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

الناس
أتقاهم ... وفي هذه الآية دليل على أن معرفة تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِنَا يَعُكُمْ بِّهِ إِنَّاللَّهُ كَانَ سَمِيعً
بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
الأنساب مطلوبة مشروعة؛ لأن الله جعلهم
شعوبا وقبائل، لأجل ذلك.
رابعًا: أداء الفرائض وحمل الأمانة:
يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْتَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُوْمًا
جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وقال ابن كثير: عن ابن عباس: الأمانة:
الفرائضُ عَرَضها الله على السموات
والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن
ضيعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا
من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا
يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما
فيها(١).
ومن أهم هذه الفرائض على سبيل المثال
لا الحصر:
١. حج بيت الله.
﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ
يقول تعالى:
إِثَهِيُّهٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَاً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ
اَلْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
٢. أداء الأمانة والحكم بالعدل والحق.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَّمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٨/٦.
٣. إقام الصلاة.
يقول تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُوا
الزَّكَوَةَ وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
عِندَ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[البقرة: ١١٠].
٤. الصيام.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
www. modoee.com
٢٢١

حرف النون
فضل الله تعالى على الناس
إن نعم الله على الناس لا تعد ولا
تحصى، فإنه تعالى أسبغ عليهم نعمه ظاهرةً
وباطنة، وأرسل للناس خير رسله. وشرع
لهم أفضل شرائعه، خلق آدم بیدیه وأسجد
له الملائكة، ما أعظمه من تكريم ! وفَضْلُ
الله على الناس كثير.
وسنقف على بعض وجوه هذا الفضل
فیما یأتي.
أولًا: التكريم الإلهي
وقد ظهر ذلك في عدة صور، منها:
١. خلق آدم بیدیه ونفخ الروح فيه.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴾ [الحجر: ٢٩].
٢. سجود الملائكة لآدم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ
لِلَدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وآدم عليه السلام هو أبو البشر، وتكريم
آدم بالسجود له تکریم لذریته.
٣. القول الصريح بتكريم بني آدم والتفضل
على الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ
فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠].
ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَ
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [النمل:
٧٣].
(( كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على
صورة الرحمن، وجعل لهم ذلك بحكم
الوراثة، وأن الولد سر أبيه، وفضلهم على
الكثير، بأن جعل لهم من النعم ما يستغرق
العد'(١)، والمقصود من ذلك بيان هذا
التكريم لصورة آدم وجماله والحفاظ عليه،
وعدم الاعتداء عليه.
٤. الخیریة ووصف الناس بها.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل
عمران: ١١].
((والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ
خير الأمم وأفضلهم، فاللائق بهذا أن لا
تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، وأن لا
تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة،
وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه
عليكم من التكاليف))(٢).
٥. اصطفاء الله الرسل من الناس.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ
قال تعالى:
(١) روح المعاني، الألوسي ١٥/ ١٢٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٢٢٤.
٢٢٢
جوبيـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الناس
الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ ٢. نعمة الأكل.
سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥].
تبین الآيات في ختام السورة بأن الله
اصطفی محمدًا صلی الله عليه وسلم لتبليغ
الرسالة؛ أي: ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا (١).
ثانيًا: الإنعام والتسخير
إن العلاقة القائمة بين الإنسان والكون
علاقة قائمة على المصاحبة، وهذه العلاقة
قائمة على أساس تسخير الله تعالى هذا
الكون للإنسان، واستغلاله خير استغلال،
والاستفادة منه وإعانته على نشر دعوة الله
تعالى، وقد أسبغ الله على الناس نعمه
ظاهرة، وباطنة، ونعمه كثيرة لا تعد ولا
تحصى، ولعل هذا المطلب يبين بعضًا من
نعم الله تعالى على الناس.
١. نعمة الخلق والرزق.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَذَكُرُواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالٍِ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ
وَاْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾
[فاطر: ٣].
ومعنى هذا الذكر الشكر (٢)، والخطاب
عامّ للجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في
نعمة الله(٣).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩٨/١٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٤/ ٣٢٢.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦٠٦/٣.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
اْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ
إِنَُّلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
يقول ابن كثير: يبين أنه الرزاق لجميع
خلقه، فذكر ذلك في مقام الامتنان أنه أباح
لهم أن یأکلوا مما في الأرض في حال كونه
حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه
غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم
عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه
ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم
البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما
زينه لهم في جاهليتهم (٤)،
٣. نعمة التسخير.
لقد خلق الله الإنسان وجعله خليفةً على
الأرض ليقوم على تنفيذ أحكام الله تعالی،
وإنه سیعمر هذه الأرض بالتكاثر، واستغلال
مواردها، وكان من نعم الله الكبرى عليه
تسخير الكون للناس جميعًا لقضاء وأداء
هذه المهمة العظيمة، وهي الاستخلاف
على الأرض.
ومن أهم الأشياء التي تم تسخيرها
للناس:
# تسخير الشمس والقمر.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَ
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٨/١.
www. modoee.com
٢٢٣

حرفالنون
[إبراهيم: ٣٣].
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر
عظیم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها
قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُرًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ
سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
ومنها قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ ﴾
[الرحمن: ٥].
وقوله: ﴿دَآَبِبَيْنِ﴾ معنى الدؤب في
اللغة مرور الشيء في العمل على عادة
مطردة، يقال: دأب يدأب دأبًا ودؤبًا، وقال
المفسرون: قوله: ﴿داپبين ﴾ معناه يدأبان
في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة
الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن
الشمس سلطان النهار والقمر سلطان اللیل،
ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة،
ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية (١).
تسخير الليل والنهار.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيَّلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ
بِأَمْرِيُهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[النحل: ١٢].
يتعاقبان خلفة لمنامكم واستراحتكم
وسعيكم في مصالحكم من الإسامة، وتعهد
حال الزرع ونحو ذلك، والشمس والقمر
يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة،
وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٢٦٤.
حَوْنُورُ
القرآن الكريمِ
والزروع، وإنضاج الثمرات وتلوينها، وغير
ذلك من التأثيرات المترتبة عليهما بإذن الله
تعالى(٢).
تسخير البحر لسير الفلك.
٥
قال تعالى: ﴿الَّهُالَّذِى سَخَّرَ لَكُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ
الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِبْنَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[الجاثية: ١٢].
يقول القرطبي: ((يعني أن ذلك فعله
وخلقه وإحسان منه وإنعام)» (٣).
· تسخير البحر لنأكل منه لحمًا طريًا.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى أَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
ـشـ
* [النحل: ١٤].
كَرُ
ومعنى قوله تعالى ذكره: والذي فعل
هذه الأفعال بکم، وأنعم علیکم أيها الناس
هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو
كل نهر ملحًا ماؤه أو عذبا ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ
لَحْمًا﴾ وهو السمك الذي يصطاد منه،
﴿وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهو
اللؤلؤ والمرجان (٤).
تسخير الأنهار.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٤/ ١٠٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٦٠/١٦.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٧/ ١٨٠.
٢٢٤

الناس
بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ
اٌلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهُِّ وَسَخَّرَ لَكُمُ
اٌلْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
وسخر لكم الأنهار، أي: ذَللّها،
تجري حیث تريدون، وترکبون فيها حيث
تشاؤون(١).
تسخير ما في الأرض.
قال تعالى: ﴿أَلَوْ تَرَأَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُرُمَّافِ
اُلْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِ الْبَحْرِ ◌ِأَمْرِ، وَبُمْسُِ
السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِهُ إِنَّ اللّهُ
بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
· تسخير ما في السموات وما في الأرض.
قال تعالى: ﴿أَلَوْتَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَدُ,
ظَهِرَةً وَيَاطِنَةُ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِىِ اَللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَى وَلَا كِتَبٍ مُّنِيرٍ ﴾ [لقمان:
٢٠].
يقول القرطبي: « ذکر نعمه على بني آدم،
وأنه سخر لهم ﴿مَّا فِي السَّمَوَتِ ﴾ من شمس
وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم
منافعهم. ﴿وَمَا فِ آلْأَرْضِ﴾ عام في الجبال
والأشجار والثمار وما لا يحصى. ﴿وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ أي: أكملها وأتمها))(٢).
مما سبق يتبين أن نعمة التسخير هي من
أعظم النعم التي أنعم الله بها على الناس.
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٣٦٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٧٢.
ثالثًا: الإرشاد والتبيين
إن الله تعالى قد أخذ العهد من الخلق
وهم في عالم الذر أن يعبدوا الله ولا يشركوا
به شيئًا.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَوِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
تجلت رحمة الله وعظمته، وفضله على
الناس بتذکیرهم، بعهدهم الأول مع الله،
بالإرشاد، وتبينهم لهذا العهد من خلال
إرسال الرسل.
فضل الله على الناس بالإرشاد
١. الإرشاد بإرسال الرسل.
ويقول تعالى: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَّ
اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَنْ نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَكَ لِلنَّاسِ
رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩].
يبين الله تعالى في الآية السابقة أنه أرسل
الرسل للناس، وذلك لأن مهمة الرسل
إرشاد الناس إلى الصراط المستقيم، ويعني
بقوله جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾،
إنما جعلناك يا محمد رسولًا بيننا وبين
الخلق، تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة،
وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من
أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم،
وإن ردوا فعليها، وهو مجازيك ببلاغك
www. modoee.com
٢٢٥

حرف النون
وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء
بإساءته(١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا
النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
يُحِ، وَيُّبِيثٌّ فَامِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الْأُمِيّ
الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَّبِعُوهُ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٢. الإرشاد بإنزال الكتب والحكم بما فيها.
يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن
لِّلْخَيِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: ١٠٥].
يقول الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمُ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ﴾ إنا أنزلنا إليك يا محمد
﴿اَلْكِتَبَ﴾، يعني: القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ﴾، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم
﴿يَمَا أَرَئِكَ اللَّهُ﴾ (٢).
٣. الإرشاد ببيان الحق.
﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
يقول تعالى:
جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ أُهْتَدَىْ فَإِنَّمَا
يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَا
عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨].
يقول تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله
وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٦١.
(٢) جامع البيان ٩/ ١٧٥.
ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا
مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه
فإنما یعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن
ضل عنه، فإنما يرجع وبال ذلك عليه(٣).
٤. الإرشاد بالموعظة الحسنة.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَّكُمْ
مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدِى
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: ٥٧].
في هذه الآية يذكر القرطبي رحمه الله أن
الموعظة هنا بمعنى الوعظ وهذه المواعظ
والحكم جاءت من القرآن الكريم (٤).
فضل الله على الناس بالتبيين
إن رحمة الله بعباده تظهر بإرسال الرسل،
وإنزال الكتب ليبين للناس طريق الهدى،
وإن التبيين جاء في كتاب الله تعالى لغرس
التقوى، وتذكير الناس بواجباتهم وعهودهم
مع الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ ءَايَتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وطرق التبيين في كتاب الله عديدة منها:
١. التبيين بإنزال الكتب.
يقول تعالى: ﴿يِالْبَيْنَتِ وَالزّيْرُ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
يقول الشعراوي: ومن هنا سمينا الكتب
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٠/٤،
٣٠١.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٥٣/٨.
٢٢٦
القرآن الكريمِ

الناس
مراحل، كل رسول يأتي ليذكر قومه على
حسب ما لديهم من غفلة، وإذا أطلقت كلمة
الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله
صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع
لكل ما نزل على الرسل السابقين، ولكل ما
تحتاج إليه البشرية إلى أن تقوم الساعة.
كما أن كلمة كتاب تطلق على أي
كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب)
انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه
(علم بالغلبة) فجاء القرآن بالأصول الثابتة،
وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة
أن يبينه للناس، ويشرحه ويوضح ما فيه (١).
٢. التبيين بالإنذار والبلاغ.
يقول تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِمُ
الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرِنَا إِلَى
أَجَلٍ قَرِيبٍ تُجِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ
تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن
زَوَالٍ ﴾[إبراهيم: ٤٤].
ويقول تعالى: ﴿هَذَا بَلَغٌ لِلنَّاسِ وَلِمُنذَرُواْ
بِهِ، وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ
الْأَلْبَبِ ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
تُبَيِّنُ لنا الآيات السابقة أن الإنذار والبلاغ
من الأشياء المبينة لمنهج الله ودعوته، فقوله
تعالى: ﴿ هَذَا بَلَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْبِهِ﴾.
يقول الطبري رحمه الله: هذا القرآن
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٩/ ٤٩١٢-٤٩١٤.
المنزلة ذكرًا، لكن الذكر يأتي تدريجيًّا وعلى بلاغ للناس، أبلغ الله به إليهم في الحجة
عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه
وعبره ﴿وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ يقول: وليُنذروا
عقاب الله، ويحذروا به نقماته، أنزله إلى
نبيه صلی الله عليه وسلم(٢).
وهذا القرآن بلاغ للناس، أي: هو بلاغ
لجميع الخلق من إنس وجان(٣).
٣. التبيين بضرب الأمثلة.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ.
وَإِنْ يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهٌ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
وضرب المثل أسلوب من أساليب
القرآن للبيان والتوضيح وتقريب المسائل
إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْىَ أَن يَضْرِبَ مَثَلَا مَّا
بَعُوضَةٌ فَمَافَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].
فهذا كثير فى كتاب الله، والمثل يضرب
ليُجَلِّي حقيقة، والضرب هنا لا يعني إحداث
أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع
إيجابي (٤).
وتبين الآية السابقة هذا المثل الذي
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٧.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٢٣.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ١٢/ ٧١٣٧.
www. modoee.com
٢٢٧

حرفالنون
ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان
عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب للمؤمنين
والكفار: المؤمنون يزدادون علمًا وبصيرة،
والكافرون تقوم عليهم الحجة.
﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُمْ﴾ أي: ألقوا
إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه،
ولا يصادف منكم قلوبًا لاهية، وأسماعًا
معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع.
، أَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
وهو هذا:
دُونِ اللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله،
﴿لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا﴾ الذي هو من أحقر
المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم
خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من
باب أولى.
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ بل أبلغ من
ذلك
﴿وَإِنٍ يَسْبُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا
يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وهذا غاية ما يصير من
العجز ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ الذي هو المعبود
دون الله ﴿وَالْمَطْلُوبُ ﴾ الذي هو الذباب،
فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما من
يتعلق بهذا الضعيف وينزله منزلة رب
العالمين(١).
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٥٤٦.
مَوَسُوعَرَ النَفسِالوَصْوِي
القرآن الكريم
أصناف الناس
إن الله خالق الخلق، فكان منهم المؤمن
والكافر، والبر والفاجر.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ
أُنَُّّ وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨].
والناس أصناف ثلاثة، منهم: المؤمنون
وهم أحباب الله تعالى، ومنهم الكافرون،
ومنهم المنافقون.
أولًا: المؤمنون:
وردت لفظة الناس في كتاب الله تعالى
مرات عديدة، ولها وجوه ومعاني مختلفة،
فقد جاءت بمعنى المؤمنين على النحو
الآتي:
١. المؤمنون من الصحابة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَةُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الشُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصفهم الله
ونعتهم بأنهم يقولون: ﴿مَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله،
كما صدق به الناس. ويعني بالناس المؤمنين
الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من
عند الله (٢)
٢. المؤمنون في أول الخلق.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٩٢.
٢٢٨

الناس
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيِّئْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ
فِيَّةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ تْهُمُ اَلْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاَللَّهُ
يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:
٢١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ
أُمَةً وَحِدَةٌ فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَلْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
٣. المؤمنون المؤيدون بالملائكة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنَّ جَارٌ لَكُمُّ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِشَتَانِ
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِنِكُمْ
إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنْ أَخَافُ اللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
ونظر عدو الله إلى جنود الله من
الملائكة قد أید الله بهم رسوله والمؤمنين
على عدوهم(١).
٤. المؤمنون المجاهدون.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى
نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَؤُوفٌ
بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/١٣.
والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه
للهلاك ابتغاء مرضاة الله، أي: هلاكًا في
نصر الدین وهذا أعلى درجات الإيمان؛ لأن
النفس أغلى ما عند الإنسان (٢).
٥. المؤمنون المكلفون.
قال تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ
وَمَنْ دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنَاً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ
مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وهذه آیة وجوب الحج عند الجمهور(٣)،
فحج المسلمون وقعد الكفار، ثم تمم الله
ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤)،
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفِىُّ عَنِ
الْعَلَمِينَ﴾ بمفهوم المخالفة أن من آمن هو
الذي یحج بيت الله.
٦. المؤمنون أتباع محمد و إبراهيم عليهما
السلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِّرَهِيمَ
لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ ﴾[آل عمران: ٦٨].
وهم المؤمنون(٥)، ويخبر الله تعالى أن
أولى الناس به، محمد صلى الله عليه وسلم
وأتباعه، وأتباع الخليل قبل محمد صلى الله
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٣/٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٨١.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٥/٣.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٤٩٩.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف النون
علیه وسلم (١).
ثانيًا: المنافقون
وهذا صنف أشد خطرًا على الأمة
الإسلامية من الكفار، فهو صنف يظهر
الإسلام، ويبطن الكفر ويصعب على
المسلمين تمييزه، وقد وردت كلمة الناس
في هذا المعنى في کتاب الله تعالى، ومنها:
١. المنافقون المظهرون إيمانهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ
وَبِاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
قال الطبري: وأجمع جميع أهل التأويل
على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل
النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم(٢).
٢. المنافقون المشككون للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا
وَلَّنَهُمْ عَنْ قِلَئِهِمُ الَِّى كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَاَلْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[البقرة: ١٤٢].
سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود
وأهل النفاق، وإنما سماهم الله عز وجل
سفهاء؛ لأنهم سفهوا الحق، فتجاهلت
أحبار اليهود، وتعاظمت جهالتهم وأهل
الغباء منهم، عن اتباع محمد صلى الله عليه
وسلم؛ إذ كان من العرب ولم يكن من بني
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٩٦٨.
(٢) انظر: جامع البيان ٢٦٨/١.
إسرائيل، وتحير المنافقون فتبلدوا(٣).
٣. المنافقون المخاصمون.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ
قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اَللَّهَ عَلَ مَا فِى
قَلْبِهِ قَلْوَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَارِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
نزلت في نفر من المنافقين تكلموا
في خبيب، وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع
وعابوهم(٤).
ثالثًا: الكافرون
وهذا صنف من الناس قد أعلن عداوته
للمسلمين وجاهر بها، وإن كان خطيرًا فهو
أقل خطرًا من المنافقين لمعرفة المسلمين
به، وقد وردت لفظة الناس بهذا المعنى في
عدة مواطن من كتاب الله تعالى منها:
١. الكافرون باتخاذ الأنداد.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ إِذْ يَرَوْنَ
اَلْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ
الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦].
یذکر تعالی حال المشرکین به في الدنيا
وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له
أندادًا، أي: أمثالا ونظراء يعبدونهم معه
ویحبونهم کحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٩/٣،
الكشاف، الزمخشري ١/ ٢٢٣.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٦٢.
٢٣٠
جَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ