Indexed OCR Text
Pages 21-35
المكر مصارف تافهة، تأخذ طابعها من الزمن والبيئة، ولكنها تلتقي عند حد التفاهة، والميوعة، والقذارة الحسية والمعنوية، وفي الجانب الآخر المستغلون، والمستربحون، والمحتاجون من تجار الرقيق، والمهرجین، والذيول، وحواشي المترفين، ينشرون الدعارة، والترهل، ويرخصون كل قيم الحياة الجادة، التي لا تروق للمترفين والمترفات(١). فالغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية، وهذا المعنى -أعني به أثر الشهوات في الصد عن دين الله- قد أدركته شیاطین الإنس والجن، فعملوا ولا يزالون يعملون على إثارة الشهوات بكل أنواعها وفنونها في کل درب ووادٍ من أجل اصطياد الناس وجذبهم إلى باطلهم وشركهم ومجونهم، وصدهم عن طريق الهداية والحق! قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ لِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾ [سبأ ٣٣]. فهو ليس مكر الليل وحسب ثم يستريح في نهاره، أو مکر النهار وحسب ثم يستريح (١) انظر: العدالة الاجتماعية، سيد قطب ص١٢٩. وطاقة المال، وطاقة الوقت، وغالبًا ما تكون في ليله، لا، بل هو مكر الليل والنهار، مكر على مدار الساعة والوقت، وهدفه وغايته: أن نكفر بالله تعالى، ونجعل له الأنداد والشركاء من الآلهة المزيفة التي يصطنعونها بأیدیھم وأهوائهم! ٣. الصد عن سبيل الله. ومن أعظم دواعي المكر عند أعداء الله محاربة الإسلام وأهله؛ فمنذ فجر التاريخ الإسلامي والأعداء يمكرون ويخططون لقمع هذا الدين، والصد عن سبيله، وفتنة معتنقيه، وفي سبيل ذلك يجمعون أموالهم ويبذلونها بطريقة هستيرية لمحاربته والكيد لأهله، واجتثاثهم من بلدانهم، وقتلهم وسجنهم، ورغم ذلك لم يكلل سعيهم بالنجاح إلا بشكل نسبي، فكلما سددوا ضرباتهم إلى الإسلام ازداد قوة وانتشارًا في ربوع العالم، رغم أنه قد تمر بالإسلام فترات يعاني فيها من حالات ضعف أو انزواء، إلا أنه يعاود الخروج للعالم بقوة، ینشر تعاليمه، ويفرض احترامه حتى على غير المؤمنين به. وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما قام به أهل الكتاب من مكر وكيد لصد المسلمين عن دينهم، فقال: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ اَلْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَّبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءٌ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ٩٩]. أي: لأی سبب تصرفون من آمن بمحمد www. modoee.com ١٤٣ حرف الميم صلى الله عليه وسلم واتبعه عن الإيمان عن سبيل الله. الذي يرتقى بعقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، ويرتقى بروحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، والأعمال الصالحة، وتكذبون بذلك کفرًا وعنادًا، و کبرًا وحسدًا، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيًا وكيدًا للنبي صلى الله علیه وسلم، تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحق عوجًا وضلالًا وزيغًا عن الاستقامة، وعلى الهدى والمحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن کان کذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال. ﴿وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ٩٩]. من هذا الصد وغيره من الأعمال، فمجازيكم عليه، وغير خاف ما في هذا من تهديد ووعيد، كما يقول الرجل لعبده وقد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه: لا يخفى علي ما أنت عليه، وما أنا بغافل عن أمرك، وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة؛ لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر والكيد، (١) ووجوه الحيل فالمكر وسيلة شيطانية يسلكها شياطين الإنس والجن ليكون ذلك هو منطلق الصد قال تعالى على لسان فرعون: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكّرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِثُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٢٣]. وهذه الآية تقرر أن المكر هو وسيلة لإخراج أهل المدينة منها، ولكن هذا زعم وافتراء من فرعون على نبي الله موسى عليه السلام. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُغْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. والمكر في هذه الآية من كفار قريش لأجل أن يسجنوا النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقتلوه، أو يخرجوه من بلده مكة، وهذا هو غاية الصد عن سبيل الله؛ ولذلك رتب الله الصد على المكر في آية الرعد. قال تعالى: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الرعد ٣٣]. فزين الشيطان لهم المكر وزين لهم أن يصدوا عن سبيل الله مما يؤكد أن المكر طريق من طرق الصد، وأداة من أدواته، ووسيلة فاعلة من وسائله. (١) تفسير المراغي ٤ / ١٣. جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريمِ ١٤٤ المكر عواقب المكر بين القرآن الكريم عاقبة المكر والماكرين وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: عواقب المكر في الدنيا: ١. هلاك أهل المكر وانهزامهم. أخبر الله سبحانه وتعالى أن عاقية الماكرين بالحق وأهله الخزي والهلاك والدمار في الدنيا قبل الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. فقوله: ﴿فَأَنْظُرْ﴾ أي: ففكر كيف آل أمرهم؟! وكيف كانت عاقبة مكرهم؟! فقد أهلكناهم وقومهم الذين لم يؤمنوا على وجهٍ يقتضي النظر، ويسترعي الاعتبار، ويكون عظة لمن غدر كغدرهم في جميع الأزمان(١). والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من كان أهلًا للنظر والاعتبار، وفي هذا النظر إلى مكر هؤلاء الرهط، وإلى ما أعقب هذا المكر، وما نزل بهم من نقم الله، وما حل بهم وبقومهم جميعًا من هلاك لهم، وتدمير لديارهم! يورث الخوف من الوقوع فيما وقعوا فيه. وهكذا يصيب الشر أهله، ثم يمتد فيشمل من كان معهم ممن لم يشاركوا في (١) تفسير المراغي ١٤٨/١٩. هذا الشر، ولكنهم لم يتصدوا للأشرار، ولم يأخذوا على أيديهم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةٌ﴾ [الأنفال ٢٥]. ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةٌ أَمَّرْنَا مُتْرَفِيَهَا فَفَسَقُواْ فِبَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء ١٦]. وهكذا أرادوا الهلاك لصالح عليه السلام وأهله فأهلكهم الله، وأهلك أهلهم جميعًا، فقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَبَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢](٢). فالاعتبار بمكر الله بهم هو المقصود من سوق القصة تعريضًا بأن عاقبة أمره مع قریش أن یکف عنه کیدهم وینصره عليهم، وفي ذلك تسلية له على ما يلاقيه من قومه، والنظر: نظر قلبي، وقد علق عن المفعولين بالاستفهام، فتكون الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لما يثيره الاستفهام في قوله: ﴿گيف كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل ٥١]. من سؤال عن هذه الكيفية، والتأكيد للاهتمام بالخبر(٣). فالذين كانوا يمكرون السيئات لمقاومة إصلاح الرسل حرصًا على رياستهم وفسقهم وفسادهم لم يكونوا يشعرون بأن (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٠ /٢٥٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/ ٢٨٥. www. modoee.com ١٤٥ حرف الميم عاقبة مكرهم تحيق بهم؛ لجهلهم بسنن الله تدبير؟ وأين قوة من قوة؟ وكم ذا يخطىء الجبارون، وينخدعون بما يملكون من قوة تعالی في خلقه، وهم جديرون بهذا الجهل، وأما أكابر المجرمين في هذا العصر فهم لا يعذرون بالجهل بعد هذا الإرشاد (١). ومن حيلة، ويغفلون عن العين التي ترى ولا تغفل، والقوة التي تملك الأمر كله، وتباغتهم من حيث لا يشعرون ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ لَّجْمَعِينَ (٦) فَتِلْكَ بُيُوتُّهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١-٥٢]. وقد مكر الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية بأنبيائهم كعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط، واستنفدوا جهدهم وطاقتهم في إطفاء نور الحق، أو لم يعلموا أن لله وحده المكر جميعًا، وقد أبى الله إلا إتمام نوره، ولو كره الكافرون، والله وحده يعلم ما تکسب کل نفس في کل حر کة تتحر کھا، وسيعلم الكفار -يوم لا يغني عنهم ذلك شيئًا- لمن عقبى الدار؟! وفي هذا سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يعلم أن ديدن الناس قديمًا مع إخوانه الرسل، وحديثًا معه لم يتغير ولم يتبدل، وفي هذا تقوية لعزمه ببيان أن النصر في النهاية له، وأن الدائرة على الكفار(٢). يقول سيد قطب رحمه الله: (كذلك دبروا، وكذلك مكروا، ولكن الله كان بالمرصاد، يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم، ويطلع على مكرهم، وهم لا يشعرون ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠]. وأين مكر من مكر؟ وأين تدبير من (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٣١. (٢) التفسير الواضح، محمد حجازي ٢٤١/٢. ومن لمحة إلى لمحة إذا التدمير والهلاك، وإذا الدور الخاوية، والبيوت الخالية، وقد كانوا منذ لحظة واحدة في الآية السابقة من السورة يدبرون ويمكرون، ويحسبون أنهم قادرون على تحقيق ما يمكرون! وهذه السرعة في عرض هذه الصفحة بعد هذه مقصودة في السياق؛ لتظهر المباغتة الحاسمة القاضية، مباغتة القدرة التي لا تغلب للمخدوعين بقوتهم ومباغتة التدبير الذي لا يخيب للماكرين (٣) المستعزین بمكرهم ٠ والمقصود أن عاقبة المكر الهلاك؛ ولهذا قال الله: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١]. أي: فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر الغادرين، ومكر الماكرين، (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٤٦/٥. ◌َ البَشَيـ جوببيو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٤٦ المكر كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغیانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلق، فحذر قومك من قريش أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال هؤلاء من المثلات، إنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فلم نبق منهم أحدًا. ٢. انتصار أهل الحق على أعدائهم. إن الله تعالى يدافع عن المظلوم، ويدفع عنه ظلم ظالمه، وخداع مخادعه، ومکر ماکره، خاصة حینما یلجأ إليه، ويستعين به، ويتحصن بحصوله وقواه ومعوناته، ويبدأ في اتخاذ أسباب دفع المكر والظلم عنه ما استطاع، يدفعه عز وجل سريعًا عند بدئه، وقبل أن يمسه! فيضعف تأثيره أو ينعدم، على قدر لجوئه لربه، واستخدامه للأسباب الممكنة المتاحة أمامه. يقول الله تعالى تأكيدًا لهذا: ﴿قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس ٢١]. يقول البغوي في تفسيره: ((عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق))(١). ويقول العز بن عبد السلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحج ٣٨]. يدفع الكفار عن المؤمنين، والعصاة عن المطيعين، والجهال عن العلماء، أو يدفع (١) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٤١٥. عنهم وساوس الشيطان، أو يدفع بنور السنة ظلمات البدعة)»(٢). ويضيف الإمام ابن عادل في تفسيره اللباب: لم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم))(٣). قال سيد قطب رحمه الله: ((فالله أقدر على التدبير بإبطال ما يمكرون، ومكرهم مكشوفٌ لديه ومعروف، والمكر المكشوف إبطاله مضمون ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ فلا شيء منه يخفى، ولا شيء (٤) منه ینسی»(٤). فمكر الماكر، وخداع المخادع، والتواء الملتوي، وظلم الظالم، وشر الشرير يعود مكره وخداعه والتوائه وظلمه وشره على فاعله أولًا أكثر من غيره! فإِذا کان الماکرون یمکرون فهو سبحانه له أيضًا مكره! ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمُكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. وعلى كل مظلوم أن يوقن بذلك الوعد من ربه، وأن له ناصرًا هو خالقه سبحانه وتعالى، وهو على أعلى مستوى من فنون النصر والمكر بشتى صوره، والتي لا تقارن بخلقه، ولا تخطر ببالهم! وشتان ما بين المکرین! (٢) تفسير العز بن عبد السلام ٣٥٧/٢. (٣) اللباب في علوم الكتاب ١٤/ ٩٩. (٤) في ظلال القرآن ٣/ ١٧٧٣. www. modoee.com ١٤٧ حرف الميم يقول إسماعيل حقي في تفسيره للآية تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا﴾ وجهان: أحدهما: فانتقمنا، وكان الانتقام حقًّا، السابقة: إن للخلق مكرًا، وللحق مكرّا، فمكر الخلق من الحيرة والعجز، ومكر واستأنف وقال: ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الخالق من الحكمة والقدرة، فمكر الخلق وعلى هذا يكون هذا بشارة للمؤمنين الذين آمنوا بمحمد صلی الله عليه وسلم، أي: مع مکر الحق باطل زاهق، ومکر الحق حق ثابت(١). علينا نصركم أيها المؤمنون. وذلك مهما کان سوء وشدة وإحكام مکر الماكرين ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ﴾ [إبراهيم ٤٦]. فهو نسبةً لمكر المنتقم الجبار أوهن من بيت العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ٤١]. إنه تعالى لا يدفع فقط عن المظلوم، وإنما لا بد من أن ينصره! كما وعد في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهَدُ﴾ [غافر ٥١]. قال القرطبي في تفسيره: «هو عام، نصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها، بالانتقام من أعدائهم)) (٢). ويقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]. قال الرازي في تفسيره: ((وفي قوله والوجه الثاني: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ أي: نصر المؤمنين كان حقًّا علينا، وعلى الأول لطيفة، وعلى الآخر أخرى، أما على الأول فهو أنه لما قال ﴿ فَأَنْتَقَمْنَا﴾ بين أنه لم يكن ظلمًا، وإنما كان عدلًا حقًّا؛ وذلك لأن الانتقام لم یکن إلا بعد کون بقائهم غير مفيد إلا زيادة الإثم وولادة الكافر الفاجر، وکان عدمهم خیرًا من وجودهم الخبيث، وعلى الثاني تأكيد البشارة؛ لأن كلمة (على) تفید معنى اللزوم، يقال: على فلان كذا ينبئ عن اللزوم، فإذا قال: حقًّا أكد ذلك المعنى، وقد ذكرنا أن النصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة))(٣). والمتأمل في سيرة الإسلام وأهله يجد أن الماكرين قد حاولوا كثيرًا المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين سابقًا ولاحقًا، فانقلب المكر والظلم عليهم، وفي نحورهم، وتساقطوا وهلكوا وتعسوا، بينما انتصر الذين تمسكوا بربهم وإسلامهم وارتفعوا وارتقوا وسعدوا. (١) روح البيان ٣/ ٣٣٩. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ٣٢٢. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠٨/٢٥. صَوْسُو ◌َرُ النَّفْسِيَّة القرآن الكريم ١٤٨ المكر يقول تعالى مؤكدًا هذا: كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْيَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا﴾ [الأحزاب ٢٥]. وفسره الإمام ابن عجيبة في تفسيره البحر المديد بقوله: ((هذه عادة الله مع خواصه، يجعل دائرة السوء على من ناوأهم، ویکفیھم أمرهم من غير محاربة ولا قتال، ثم یکون لهم التصرف في الوجود بأسره، والله غالب على أمره»(١). فکن أيها المسلم علی یقین من نصر الله لأوليائه، وانتظر حينئذ عون ربك ونصره، واستبشر بسرعة مکره بأعدائه إن لم ينتهوا عن مکرهم، ويعودوا لرشدهم، مهما كانت ضخامة مكرهم؛ فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل ٤٦]. ومهما ينفقون من جهود وأموال وأفكار سيعود وباله عليهم حسرة وخسرانًا وانهزامًا ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال ٣٦]. والمقصود أن الله وعد بنصر أوليائه، وإبطال مكر أعدائهم، ووعده الحق الأکید الذي لا یمکن لأحدٍ منعه أو تبدیله أو تغییرہ، کما يقول تعالى: ﴿آُسْتِكبارًا فِى اٌلْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَّ فَلَنْ تَجِدَ (١) البحر المديد ٤ / ٤٢٤. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًاً وَلَن ◌َجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣]. قال النيسابوري في تفسيره لهذه الآية: ((عاقبة الماكر وخيمة، يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلًا))(٢). وقال السعدي: ((فعاد مكرهم في نحورهم، ورد الله کیدهم في صدورهم، فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة الله في الأولين التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فليترقب هؤلاء ما فعل بأولئك))(٣). ٣. نزول العذاب بالماكرين من حيث لم يحتسبوا. خسر من أمن مكر الله، وجهل بقدرته، وسرعة مكره وتدبيره، وقد أنذر سبحانه وتعالى الجاحدین بآیاته، المکذبین لرسله، الماكرين بالخلق، الصارفين لهم عن اتباع الحق، بأنهم ليسوا بمأمن من مكر الله، وضرب لهم أمثلة على ما سيحل بهم إن استمروا على ضلالهم، فقال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴿ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُّحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهَّ (٢) غرائب القرآن ٥/ ٥٢٠. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٩١. www. modoee.com ١٤٩ حرف الميم فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلََّّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٧ - ٩٩]. وفي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله))(١). فهذه أمثلة على أساليب الله في المكر بأعدائه، فالله قادر على أن يخسف بهم الارض «کما خسف بقارون من قبلهم، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، يعني: إن العذاب یأتیهم بغتة، فيهلكهم فجأة، كما أهلك قوم لوط وغيرهم ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْفِى تَقَلُّبِهِمْ﴾ بمعنى: في تصرفهم في الأسفار، فإنه سبحانه وتعالى قادر على إهلاكهم في السفر، كما هو قادر على إهلاكهم في الحضر) (٢) . «وکان ذکر وقت البيات ووقت اللعب تهديدًا لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله؛ إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكايةً بهم))(٣). (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٥٦/٩، رقم ٨٧٨٣، والبيهقي في شعب الإيمان ١ / ٤٦١، رقم ٢٨٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٤/١ : إسناده صحيح. وقال ابن كثير في التفسير ٢٧٩/٢: وهو صحيح إليه - أي إلى ابن مسعود- بلا شك. (٢) لباب التأويل، الخازن ٧٩/٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/٩. وقال تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَّن فِ السَّمَلِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ [الملك ١٧]. أي: أن يمطر عليكم حصباء من السماء، فستعلمون کیف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ (٤). وهذه العقوبات حلت بمستحقيها دون أن يتوقعوها، أو يشعروا بها قبل وقوعها، فلم يسبقهم بها أحد من قبل. قال الطبري في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠]: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيلنا العذاب لهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرة، أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غرة وغفلة(٥). ٤. فضح أهل السوء وزوال سلطانهم. منذ بزغ الإسلام بنوره والماكرون يدبرون المكائد، ويحيكون الدسائس لإطفاء نور الله، ولکن الله متم نوره ولو كره الكافرون، ويأبى الله إلا أن يفضح أهل المكر والغدر؛ ولهذا تولى الله فضح مكر الماکرین، و کید الکائدین، وعری حالهم، وكشف أمرهم، وفضح مخازيهم، وأظهر (٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٣٠/٥. (٥) جامع البيان، الطبري ٩٢/١٨. ١٥٠ مَوَسُولَة القرآن الكريمِ المكر قبائحهم؛ قال تعالى: ﴿أَمَّ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُّ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ﴾ [محمد ٢٩]. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ وقال: [الأعراف ١٥٢]. أي: ومثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي المفترين على الله في كل زمان؛ إذ فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء(١). ((ولقد كان ما صنعه الله بالمنافقين في عهد الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وفي فضح من فضح منهم- حماية للمجتمع الإسلامي الأول من هذا الداء الخبيث، ووقاية للمؤمنين من أن يطوف بهم طائف منه، حتى لقد کان صحابة رسول الله -وهم من هم- يضعون أنفسهم تحت مراقبة دقيقة منهم لكل خاطرة تخطر لهم، ولكل وسواس يطوف بهم(٢). ولهذا يوصي القرآن الرسول صلى الله عليه وسلم وهي وصية لكل داعية من بعده ألا یأخذه الحزن إذا رأی الناس لا يهتدون، فإنما عليه واجبه يؤديه، والهدى والضلال بيد الله، وفق سنته في فطرة النفوس واستعداداتها واتجاهاتها ومجاهدتها للهدى أو للضلال، وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر (١) تفسير المراغي ٩/ ٧٤. (٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥/ ٨٢٩. والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته، لا يبتغي من ورائها شيئًا لنفسه، ولقد یقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨]. ومن کان الله معه فلا علیه ممن یکیدون وممن یمکرون، هذا هو دستور الدعوة إلى الله کما رسمه الله، والنصر مرهون باتباعه، کما وعد الله، ومن أصدق من الله؟))(٣). وقد أخبر الله في كتابه أن الماكرين بالحق وأهله مهما يمكرون من مكر، ويكيدون من كيد، فإن الله يجعل وبال ذلك عليهم، بإهلاكهم، وإزالة سلطانهم، فقال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اُلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل ٢٦]. أي: إن حال من قبلهم وقد دبروا الحيل، ونصبوا الحبائل ليمكروا بها رسل الله، فأبطلها الله، وجعلها سبيلًا لهلاكهم، كحال قوم بنوا بنيانًا، وعمدوه بالأساطين، فضعضعت أساطينه، وسقط عليهم السقف، فهلکوا تحته من حیث لا يشعرون بسقوطه- فما نصبوه من الأساطين، وظنوه سبب القوة (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٠٣ بتصرف. www. modoee.com ١٥١ حرف الميم والتحصين في البنيان صار سبب الهلاك، والهلاك وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله، ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا یخیب، والله من ورائهم محيط! كذلك هؤلاء كانت عاقبة مكرهم وبالًا عليهم، ونحو الآية قولهم في المثل: من حفر لأخيه جبًّا، وقع فيه منكبًّا، وخلاصة ذلك- إن الله أحبط أعمالهم، وجعلها وبالًا عليهم، ونقمة لهم(١). وهذا التعبير القرآني في غاية الروعة؛ إذ صور هذا المكر في صورة بناء ذي قواعد وأركان وسقف، إشارة إلى دقته وإحكامه ومتانته وضخامته، ولكن هذا کلہ لم يقف أمام قوة الله وتدبيره: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل ٢٦]. وهو مشهد للتدمير الكامل الشامل، يطبق عليهم من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، فالقواعد التي تحمل البناء تتحطم وتتهدم من أساسها، والسقف يخر عليهم من فوقهم، فیطبق علیھم ویدفنهم. ﴿وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النحل ٢٦]. فإذا البناء الذي بنوه وأحكموه واعتمدوا على الاحتماء فيه إذا هو مقبرتهم التي تحتويهم، ومهلكتهم التي تأخذهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وهو الذي اتخذوه للحماية، ولم يفكروا أن يأتيهم الخطر من جهته! إنه مشهد كامل للدمار (١) تفسير المراغي ٧١/١٤. جَوَسُورَةُ النَفسِير لِلْقُرآن الكَرِيمِ وهو مشهد مکرر في الزمان قبل قريش وبعدها، ودعوة الله ماضية في طريقها مهما يمكر الماكرون، ومهما يدبر المدبرون، وبین الحین والحین یتلفت الناس فیذکرون ذلك المشهد المؤثر الذي رسمه القرآن الكريم ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اُلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل ٢٦](٢). والمقصود أن الله يمكر بأهل المكر، ویفضحھم، ولیس ذلك في الدنيا فحسب، بل يفضحهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة؛ ولهذا قال الله بعد ذلك: يوم اَلْقِيَامَةِ يُخْزِيِهِمْ﴾ [النحل ٢٧]. أي: يفضحهم على رءوس الأشهاد، ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَمَا فِ اَلْقُبُورِ ) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩-١٠]. أي: أظهر علانية ما كانت تکنه الصدور، (٢) في ظلال القرآن ٤ /٢١٦٨ بتصرف. ١٥٢ المكر وقوله: ﴿يَوْمَ تُلَ اَلسَّرَآبِرُ﴾ [الطارق ٩](١). ثانيًا: عواقب المكر في الآخرة: ١. سوء العذاب. أخبر الله سبحانه وتعالى أن عاقبة المكر سوء العذاب يوم القيامة، فقال مخبرًا عما حل بفرعون وجنوده جزاء مكرهم: فَوَقَتَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّهُ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٥]. والضمير: في (فوقاه) يحتمل أن يعود على موسى عليه السلام، ويحتمل أن يعود علی مؤمن آل فرعون، وقال قائلو ذلك: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى عليه السلام في البحر، وفر في جملة من فر معه من المتبعين(٢). فعندما قال هذه الأقوال، ونصح هذه النصیحة، وأعلن إيمانه، وتحدی فرعون، وخرج عن سلطانه، منحازًا إلى جبهة موسى، طلبه فرعون ليقتله، فهرب، فوقاه الله من شرهم، أي: حفظه مما أرادوا به من المكر السيئ في الدنيا؛ إذ نجاه مع موسى عليه السلام، وأحاط بفرعون وقومه سوء العذاب في الدنيا بالغرق في اليم، وفي الآخرة بدخول جهنم، وبئس القرار(٣). ولما قيل: ﴿فَوَقَنَهُ اللهُ﴾ وكان المؤمن (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٦٦/٢. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٦٢. (٣) انظر: تفسير المراغي ٢٤/ ٧٧. من أمة موسی، وتابع له، علم منه أن موسی وسائر قومه قد نجوا أيضًا من باب أولى، وغلبوا على فرعون وقومه، وقد صرح بذلك، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٥١]. ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق، وحصول الذكر الجميل، واقتداء الناس بسیرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم، وأما نصرهم في الآخرة: فمن رفع الدرجات، والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين (٤). وهذا التعبير: ﴿ فَوَقَتُهُ اَللَّهُ﴾ مؤذن بأنهم أضمروا مکرًا به، وتسميته مکرًا مؤذن بأنهم لم يشعروه به، وأن الله تكفل بوقايته؛ لأنه فوض أمره إليه(٥). و(ما) مصدرية، والمعنى: سيئات مکرهم، وإضافة سیئات إلى (مكر) إضافة بيانية، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن المكر سيِّئ، وإنما جمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بیتوها. وقوله: ﴿وَحَاقَ﴾ أي: نزل محيطًا بعد إحاطة الإغراق(٦). والمراد بآل فرعون: فرعون وقومه، وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن (٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٤١/٦. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٥٧. (٦) السراج المنير، الشربيني ٤٨٦/٣. www. modoee.com ١٥٣ حرف الميم ذكره؛ لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد إلى أن تقوم الساعة (٤). بآل فرعون فرعون نفسه، والأول أولی؛ لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعًا بالغرق، وسيعذبون في الآخرة بالنار (١). و﴿سُوَّءُ الْعَذَابِ﴾ أي: الغرق، والتعريف للعهد؛ لأنه مشهور معلوم، وإنما كان الغرق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النفس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه، ويرعبه هول الأمواج، وهو موقن بالهلاك، ثم يكون عرضة لأكل الحيتان حيًا وميتًا؛ وذلك ألم في الحياة، وخزي بعد الممات، یذکرون به بین الناس(٢). ولعل الأولى أن يكون المراد من سوء العذاب: الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة. قال الطبري: وعني بقوله: ﴿سُؤَّءُ الْعَذَابِ﴾ ما ساءهم من عذاب الله، وذلك (٣) نار جهنم (٣). وقوله تعالى: ﴿النَّارُ﴾ قال القرطبي: يقول تعالى ذكره مبينًا عن سوء العذاب الذي حل بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر ٤٦]. أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٦٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٥٧. (٣) جامع البيان، الطبري ٣٩٥/٢١. ثم يوم القيامة هو يوم الفصل والقضاء بين الخلق وربهم، وبين الخلق مع بعضهم البعض، وهو يوم الجزاء والعقوبة، ونشر الصحف، وانكشاف السرائر، وفي هذا اليوم تتجلى رحمة الله بعباده المؤمنين، وعدله مع أعدائه، بكشف أهل المكر وأعمالهم التي أحصاها عليهم، وكتبها الحفظة في سجل أعمالهم، فتكون المفاجأة الكبرى، والطامة العظمی علیھم من حیث لم يحتسبوا، لما قابلوا نعمة الله بالمکر، قابل مكرهم بمكر أشد منه، وهو أنه أمهلهم إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدٍ ضَرَّةٍ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى ءَايَائِنَاْ قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرَأْ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس ٢١]. وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية؛ لأن هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم کھیئة فعل الماكر، وحسنته المشاكلة (٥). ٢. العذاب الشديد في النار. ومن العقوبات التي تحل بالماكرين إنهم لما هلكوا وأغرقهم الله جعلت -وهي أعظم العقوبات- خلودهم في النار. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَِّّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَيْكَ هُوَيَبُورُ﴾ [فاطر (٤) المصدر السابق. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٤/١١. ١٥٤ لِلْقُرآن الكَرِيمِ المكر ١٠]. قال ابن جرير: ((وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول تعالى ذكره: والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم، عن قتادة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قال: هؤلاء أهل الشرك(١). وقد ذكر ابن كثير في المراد بالذين يمكرون السيئات قولين: أنهم المراؤون بأعمالهم، يعني: یمکرون بالناس، یوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراؤون بأعمالهم ﴿وَلَا يَذْكُونَ اللّهَ إِلَّاقَلِيلًا﴾ [النساء ١٤٢]. أو أنهم: هم المشركون. ثم قال: والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريقِ الأولى؛ ولهذا قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَيَبُورُ﴾ [فاطر ١٠]. أي: یفسد ویبطل ویظهر زیفهم عن قريب الأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا کساه الله رداءها، إن خيرًا فخیر، وإن شرًا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك علیھم، بل یکشف لهم عن قریب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية (٢). (١) جامع البيان، الطبري ٤٤٦/٢٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٨/٦. والسئيات هنا: صفة لمصدر محذوف؛ لأن الفعل لازم ليس بمتعدٍ الى مفعول به، قيل: بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات، فهو وصف مصدر محذوف، ويحتمل أن يقال: استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته، كما قال: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [العنكبوت ٤]. وفي قوله: ﴿اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ يحتمل ما ذكرناه أن يكون السيئات وصفًا لمصدر تقديره: الذين يعملون العملات السيئات، وعلى هذا فيكون هذا في مقابلة قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر١٠]. مَكْرُ أَوْلَيَكَ إشارة إلى بقائه وارتقائه أي: العمل السيء، وهو يبور إشارة إلى فنائه(٣) . وعنى بهن -السيئات- مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة، وتداوروا الرأي في إحدى ثلاث مکرات يمكرونها برسول الله صلى الله عليه وسلم: إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه، كما حكى الله سبحانه عنهم: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال ٣٠]. ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة ییور، أي: یکسد ويفسد، دون مکر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٢٧. www. modoee.com ١٥٥ حرف الميم عليهم مكراتهم جميعًا، وحقق فيهم قوله: لَهُ أَنْدَادَأْ وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ [سبأ ٣٣]. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [الأنفال ٣٠]. وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣](١). وقيل: إن (يمكرون) هنا مضمنة معنى (يدبرون) ولكنه عبر بها لغلبة استعمالها في السوء، فهؤلاء لهم عذاب شدید فوق أن مکرهم وتدبيرهم ییور، فلا یحیا ولا یثمر، من البوار ومن البوران سواء. والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبًا للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة، وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء، ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه، وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل، فأما المكر السيئ قولًا وعملًا، فليس سبيلًا إلى العزة، ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان، إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد، وعد الله، لا يخلف الله وعده، وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم(٢). وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْتَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ (١) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٦٠٣. (٢) انظر: في ظلال القرآن ٢٩٣١/٥. أي: قال المستضعفون: بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار، وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما؛ ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة کما قالوا: لیل نائم، ونھار صائم، وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل، والاغترار بالأيام، مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله(٣). والضمير في قوله: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾ راجع إلى الفريقين (٤). المستكبرين والمستضعفين. والندامة من المعاني القلبية لا تظهر، وإنما يظهر ما يدل عليها، وما يدل عليها غيرها(٥). وهي التحسر في أمر فائت، أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والإضلال حين ما نفعتهم الندامة، وأخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعبير (٦). وقيل: المراد بأسروا هنا: أظهروا؛ لأنه من الأضداد، يكون تارة بمعنى: الإخفاء، وتارة بمعنى: الإظهار، ومنه قول امرئ (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٤٢١. (٤) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٣٧٧. (٥) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٥٥٢. (٦) روح البيان، حقي ٢٩٨/٧. ١٥٦ فَضْو جوب القرآن الكريمِ المكر القيس (١): تجاوزت أحراسًا وأهوال معشرٍ علي حراصًا لو يسرون مقتلي فالإسرار: الإظهار والإضمار جميعًا، وهو من الأضداد، ويروى: لو يشرون مقتلي، بالشين المعجمة، وهو الإظهار لا غير. وقيل معنى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ﴾: تبينت الندامة في أسرة وجوههم(٢). وقوله تعالى: ﴿لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ﴾ أي: وافوه، وتيقنوا حصولهم فيه. أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو من العذاب، وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم، وتمنى أن لو كان على الحق، وأنه ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب سرًّا في أنفسهم لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. وفي بعض مواقف القيامة وعند دخولهم النار يظهرون ذلك الندم جهرًا (٣). موضوعات ذات صلة: الخسران، الخشية، الخيانة، العذاب، الكتمان، النجوى (١) ديوانه ص ١٠٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٣٧٧. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨١. www. modoee.com ١٥٧