Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقْرَآن الْكِرِيْمِ ٧ هـ المسارعة عناصر الموضوع مفهوم المسارعة ٨ المسارعة في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ ١٣ أنواع المسارعة ٢٦ مقام المسارعين في الخيرات وصفاتهم ٣٣ ثواب المسارعين في الخيرات المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المسارعة أولًا: المعنى اللغوي: السين والراء والعين أصل صحيح يدل على خلاف البطء، وسرعان الناس: أوائلهم الذين يتقدمون سراعا، وتقول العرب، لسرعان ما صنعت كذا، أي ما أسرع ما صنعته (١). والسرعة: نقيض البطء، والمتسرع: المبادر إلى الشر، وجاء سرعا: أي سريعا، والفرق بين السرعة والإسراع أن الإسراع فيه طلب وتكلف، وأما السرعة فكأنها غريزة، يقال: أسرع أي طلب ذلك من نفسه وتكلفه كأنه أسرع المشي أي عجله، وأما سرع فلان، فالمعنى أن السرعة فيه طبع وسجية. وأسرع الرجل: سرعت دابته، أي: أخف، إذا كانت دابته خفيفة، وسرعان الخيل: أوائلها(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المسارعة: هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها)) (٣). ونجتهد في تحديد نوعي المسارعة المحمودة والمذمومة وذلك فيما يأتي: المسارعة الممدوحة: هي المبادرة إلى فعل الخيرات والإسراع في ذلك، لنيل الأجر والثواب، والشعور بالسعادة والطمأنينة. المسارعة المذمومة: هي المبادرة إلى فعل المنكرات والإكثار منها رغبة فيها، دون الخوف والخشية من عقاب الله وسخطه. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٢/٣. (٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١ / ٤٨١، لسان العرب، ابن منظور ٨/ ١٥١، الصحاح، الجوهري ٢٢٨/٣، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٤٢٧/١. (٣) نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٣٣٨٧/٨. ٨ جوية القرآن الكريم المسارعة المسارعة في الاستعمال القرآني ورد مادة (سرع) في القرآن الكريم (٢٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ الفعل المضارع ٨ [الأنبياء: ٩٠] وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل فعل الأمر ١ عمران: ١٣٣] اسم تفضيل ٢ ﴿أَلَا لَهُ الْحِكْمُ وَهُوَ أَشْرَعُ اَلْنَسِينَ : ٦٢ ﴾ [الأنعام: ٦٢] صيغة مبالغة ١٢ ٢٠٢ ﴾ [البقرة: ٢٠٢] ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وجاءت المسارعة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو المبادرة والعجلة، نقيض البطء(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٤٩. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٣٠. www. modoee.com ٩ حرف الميم الألفاظ ذات الصلة المسابقة: ١ المسابقة لغةً: ((السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم، يقال سبق يسبق سبقا، فأما السبق فهو الخطر الذي يأخذه السابق)) (١). المسابقة اصطلاحًا: هي تسابق وتنافس بين شخصين أو عدة أشخاص للفوز أو للحصول على علو المرتبة. وقيل: (التقدم والمبادرة وبذل غاية الجهد والطاقة بين متسابقين أو أكثر في أمر من الأمور الدنيوية أو الأخروية لتحصيل السبق والفوز على الآخر) (٢). الصلة بين المسابقة والمسارعة: یفرق بينهما بعدة أمور: أن المسابقة متقدمة على المسارعة، وسابقة عليها؛ حيث إن أي سباق مهما كان نوعه ومسافته لا بد له من مرحلتين: الأولى: مرحلة السباق والانطلاق، والثانية: مرحلة الإسراع في السباق، فمثلًا السباق في الجري، عندما يبدأ الشوط الأول يتسابقون، وبعد فترة يسارعون في السباق، بأن يضاعف المتسابقون سرعتهم، ويتحولوا من مجرد مسابقة إلى المسارعة في المسابقة، وسنجد أن بعض المتسابقين قد يسقط في الطريق، ويخرج من السباق، ولا يصل إلى مرحلة المسارعة إلا أصحاب الطاقات والهمم والسرعات والعزائم، أولئك الذين لديهم زاد قوي يعينهم على إكمال أشواط المسارعة. المسارعة أسمى درجة من المسابقة؛ حيث إن المسابقة تقتضي وجود قرين يسابق، فيجتهد المتسابق لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعًا لمزيد من بذل الجهد والسبق، أما المسارعة فتتعلق بذات العامل نفسه بقطع النظر عمن ينافسه في ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر وهذا لا يكون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته(٣). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٩/٣. (٢) انظر: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم، محمد الزغول، محمد حوى ص٦. (٣) المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم، دراسة موضوعية بيانية، د/ محمد علي الزغول، د/ محمد سعید حوی ص٧ بتصرف. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ١٠ المسارعة كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية واضحة (١). (ج) يقول البقاعي مفرقًا بين فعلي ((سابقوا)) و((سارعوا): (سابقوا: فعل من يسابق شخصًا فهو یسعی ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرینًا بطيئًا فسار هوینًا، أما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف)(٢). وبهذا تتضح العلاقة بين المصطلحين، وإن كان كل منهما يفيد في مجمله المبادرة، وبذل قصارى الجد والاجتهاد في تحصيل أمر من الأمور، والله أعلم. المبادرة: ٢ المبادرة لغةً: الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء، أما الأول فهو قولهم لكل شيء تم: بدر، وبدر، موضع يذكر ويؤنث، والأصل الآخر: قولهم بدرت إلى الشيء وبادرت، وإنما سمي الخطاء بادرة؛ لأنها تبدر من الإنسان عند حدة وغضب(٣). المبادرة اصطلاحًا: هي الإسراع إلى فعل الأشياء من تلقاء نفسه لتحقيق الهدف المنشود. وقيل: هي (انطلاقة المؤمن ومسارعته إلى عمل صالح بحافز ذاتي من نفسه، بعد أن يتوافر في نفسه الميزان الأمين ليحدد العمل الصالح من سواه، وليطمئن إلى أنه لا يتجاوز حدوده، ولا يعتدي على غيره، ولا يدخل في فتنة تغضب الله تعالى) (٤). الصلة بين المسارعة والمبادرة: المسارعة: اندفاع من الشخص اتجاه الشيء وقد يكون ذلك بدافع ذاتي أو عن منافسة، أما المبادرة: فقيام الشخص بفعل الشيء ولا يكون إلا بدافع ذاتي. (١) المصدر السابق ص ٧ بتصرف. (٢) نظم الدرر، البقاعي ١٩/ ٢٩٢. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٨/١، شمس العلوم، نشوان الحميرى ٤٥٣/١، تاج العروس، الزبيدي ١٠/ ١٣٧. (٤) انظر: الحوافز الإيمانية بين المبادرة والالتزام، عدنان النحوي، ص١٥. www. modoee.com حرف الميم المنافسة: ٣ المنافسة لغة: مأخوذة من الفعل ((نافس)) يقال: نافس في الشيء منافسةً إذا رغب فيه على وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه أي رغبوا (١) أو مشتقة من النفاسة، يقال: شيءٌ نفيسٌ، أي ذو نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتنافس: أن يبرز كل واحدٍ من المتبارزين قوة نفسه(٢). المنافسة اصطلاحًا: هي قمة الاندفاع والمباراة بقوة بين الأشخاص للوصول إلى أعلى المراتب. وقيل: مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل، واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على أحد(٣). الصلة بين المسارعة والمنافسة: المسارعة: الغالب فيها أنها تكون ظاهرة من قبل الشخص للإسراع إلى فعل الشيء، المنافسة: تكون ظاهرة وخفية من قبل الشخص للوصول إلى الشيء. العجلة: ٤ العجلة لغةً: العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء (٤). العجلة اصطلاحًا: ((هي طلب الشيء وتحريه قبل أوانه)) (٥). وقال المناوي: ((العجلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به))(٦). الصلة بين المسارعة والعجلة: المسارعة: ((التقدم في ما ينبغي أن يتقدم فيه وهي محمودة ونقيضها مذموم وهو الإبطاء، والعجلة: التقدم في ما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة ونقيضها محمود وهو الأناة))(٧). (١) مختار الصحاح، الرازي ص٣١٦. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦١/٥. (٣) المفردات، الراغب الأصفاني ص٨١٨. (٤) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ٦٤٩/١. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٤٨. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٣٧. (٧) الفروق اللغوية، العسكري ٢٠٤/١. جونيور لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٢ المسارعة أنواع المسارعة عند تأمل الآيات القرآنية التي تحدثت عن المسارعة لفظًا ومعنًا، نجدها ذكرت نوعین رئیسین: أولًا: المسارعة الممدوحة: جماع المسارعة الممدوحة يتمثل في المسارعة إلى كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من الإيمان والتقوى، والأعمال الصالحة (( مع العلم أن المؤمنين في المسارعة على أقسام: : العابدون يسارعون بقدمهم في الطاعات. والعارفون يسارعون بهممهم في القربات. والعاصون يسارعون بندمهم بتجرع الحسرات. فمن سارع بقدمه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته»(١). وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من المسارعة الممدوحة، ومن ذلك: * المسارعة في الخيرات بعمومها. * المسارعة إلى الاستغفار والتوبة. * المسارعة للاستجابة والطاعة لأمر الله (١) تفسير القشيري ١/ ٢٧٧. عز وجل. المسارعة إلى أداء العبادات؛ كالصلاة والزكاة وغيرها. ويتم الحديث عن كل صورة من هذه الصور، وذلك على النحو التالي: ١. أمرنا الله سبحانه وتعالى للمسارعة إلى فعل الصالحات، والمسابقة في عمل الخيرات. ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّهَا قال تعالى: فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ()﴾ [البقرة: ١٤٨]. و کذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على المبادرة والمسارعة في عمل الخير، قبل أن تتغير النفوس وتتقلب القلوب، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًاو یمسی مؤمنًا ويصبح كافرًا، یبیع أحدهم دينه بعرضٍ من الدنيا)(٢). وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في المسارعة والمبادرة وعدم التسويف، فعن عقبة قال: (صليت وراء النّبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، ١ / ١١٠، رقم ١١٨. www. modoee.com ١٣ حرف الميم * وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من لقوله تعالى: قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَِلْتُ ٨٣ سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئًا من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته) (١). وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما یکون في رمضان حین يلقاه جبريل، وکان يلقاه في کل ليلةٍ من رمضان فیدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة)(٢). وكذلك من سبقه من الأنبياء والرسل الصالحين الذين تحدث القرآن الكريم عن مسارعتهم إلى الخيرات، ومسارعتهم إلى تنفيذ الأمر الإلهي، وذلك ما قاله الله عز وجل في حق إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ بَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِ اَلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ قَالَ يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب من صلى بالناس، فذكر حاجة فتخطاهم، ١٧٠/١، رقم ٨٥١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١٣، رقم ٣٢٢٠. يَمُوسَى إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى ﴾ [طه: ٨٣ -٨٤]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَزَكَرِيَّ إِذَ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا الْوَرِئِينَ (٥) لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّْ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: ٨٩- ٩٠]. وقال فخر الدين الرازي في معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ﴾ أراد بها زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعضٍ من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أکبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرصٍ عظيمٍ على الطاعة. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَا﴾ و قوله: ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ١٠٢ والمعنى: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات وعندما عجل موسى عليه السلام من والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى أجل لقاء ربه سبحانه وتعالى طمعا في رضاه الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه، والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم (٣). وقيل: أي: ((يبادرون في الطاعات، (٣) انظر: مفاتيح الغيب ١٨٣/٢٢. ١٤ جوسين القرآن الكريم المسارعة يعني: زكريا وامرأته ويحيى - عليهما في الصلاة، وإلى الصف المقدم في القتال، وقيل: وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح (٢). السلام - ويقال: الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وقوله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، يعني: بینما ذکر فخر الدين الرازي في كتابه أن الآية فيها مسائل: رغبة فيما عند الله من الثواب وهو الجنة، ورهبًا أي فزعا من عذاب الله تعالى، المسألة الأولى: أطيعوا الله والرسول وسارعوا. وكانوا لنا خاشعين، يعني: مطيعين، ويقال: متواضعين)) (١). ووصف الله عز وجل المؤمنين الصالحين المتقين بأنهم هم الذين يسارعون في الخيرات ويتسابقون إلى فعلها دون تردد، ویستجیبون لأمره، ووصفه لهم في كتابه العزيز بمنزلة مدح وثناء عليهم، لقوله ﴿أُوْلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِّ وَهُمْ لَّا تعالى: ه [المؤمنون: ٦١]. سَبِقُونَ وقوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن زَّيِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَاَلْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. والمعنى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي: سارعوا إلى التوبة من الربا، وقيل: وسارعوا بالأعمال الصالحة التي هي مغفرة الذنوبكم وإلى الجنة، وقيل: يعني سارعوا إلى النجاء الأكبر إلى الصف المقدم (١) تفسير السمر قندي ٢/ ٤٤٠. المسألة الثانية: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرةً من ریکم، وللمفسرین فیه أقوال: الأول: عن ابن عباسٍ قال: هو الإسلام الثاني: عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أنه قال: هو أداء الفرائض. الثالث: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه الإخلاص. الرابع: عن أبي العالية قال: هو الهجرة. الخامس: عن الضحاك ومحمد بن إسحاق: أنه الجهاد. السادس: عن سعيد بن جبيرٍ: إنها التكبيرة الأولى. السابع: قال عثمان رضي الله عنه: إنها الصلوات الخمس. الثامن: قال عكرمة: إنها جميع الطاعات. التاسع: قال الأصم: سارعوا، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولًا عن الربا، ثم قال: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم فهذا يدل على أن المراد (٢) انظر: المصدر السابق ٢٤٦/١. www. modoee.com ١٥ حرف الميم منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه، من الإكثار منها (٣). والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه (١). فکان مدلول هذه الآيات الکریمة محرگا للمسارعة عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك في قصة غزوة بدر: لما دنا المشركون قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) فقال: عمير بن الحمام الأنصاري یا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم) قال: بخ بخ (كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما یحملك على قولك بخ بخ)؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أُکون من أهلها قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل (٢). فالمداومة على الأعمال الصالحة كلها تقوي الإيمان بالله سبحانه وتعالى فلا بد (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٦٤، لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٥٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، ١٥٠٩/٣، رقم ١٩٠١. المسارعة إلى الاستغفار والتوبة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَّةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْعَلَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ()﴾ [آل عمران : ١٣٥]. فعلى الإنسان أن يسارع إلى ما فيه مغفرة الذنوب؛ من الاستغفار، كقوله: أستغفر الله، أو اللهم اغفر لي، أو اللهم إني أستغفرك، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا: الإسراع إلى ما فيه المغفرة، مثل الوضوء، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلی رمضان. فكان الصحابة الأجلاء ممن يسارعون إلى طلب المغفرة والإكثار منها، وتجنب الذنوب خوفًا من فقدان رحمة الله ورضوانه، فلا بد أن نكون مثلهم في ذلك؛ لكثرة المغريات والملهيات من حولنا، فالحذر ثم الحذر. المسارعة للاستجابة والطاعة لأمر الله عز وجل. فغاية العبد نيل رضى الله عز وجل ومحبته، ولن تتحقق المحبة إلا بطاعة الله والاستجابة لأوامره. (٣) انظر: ظاهرة ضعف الإيمان، محمد المنجد ٤٦/١. ١٦ جوسين القرآن الكريم المسارعة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَِّعُونِ يُحْبِبُّكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. والمعنى: ﴿تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ((أي تقصدون طاعته وترضون بشرائعه والمحبة على ضروب، فالمحبة من جهة الملاذ في المطعم والمشرب والنساء، والمحبة من الله لخلقه عفوه عنهم وإنعامه علیهم برحمته ومغفرته وحسن الثناء عليهم، ومحبة الإنسان لله ولرسوله طاعته لهما ورضاه بما أمر الله به، وأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (١). فمثلا عندما دعاهم الله سبحانه وتعالى إلى الانفاق في سبيله، سارعوا إلى الإنفاق في سبيله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِىِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ [آل النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ عمران: ١٣٤]. والله سبحانه وتعالى لم يبين في هذه الآية المقدار من الانفاق، ولكن في آيات أخرى بين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. والمعنى: ((لقد سألوا مرة: ماذا ينفقون؟ فكان الجواب في آية سابقة عن النوع والجهة، فأما هنا فجاء الجواب عن المقدار (١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٩٧/١. والدرجة، والعفو: الفضل والزيادة، فکل ما زاد على النفقة الشخصية في غير ترف ولا مخيلة فهو محل للإنفاق» (٢). وعندما دعاهم إلى الجهاد، سارعوا للجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ لقوله تعالى: اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَائِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَّ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَنةِ وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِ. وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١)﴾ [التوبة: ١١١]. وقد ضرب لنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في المسارعة إلى الجهاد في سبيله، متمثلًا في موقف الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: (أرأيت إن قتلت فأين أنا ؟ قال: (في الجنة)، فألقى تمرات كن في يده، ثم قاتل حتى قتل) (٣). هؤلاء هم الصحابة الأجلاء لا يلهيهم متاع الدنيا وشهواتها، بل يسعون إلى ما هو أفضل وأحسن ألا وهي الجنان (٤). المسارعة إلى أداء العبادات من صلاة (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٣١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٩٥/٥، رقم ٤٠٤٦. (٤) انظر: موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، ياسر عبد الرحمن ١٦١/١. www. modoee.com ١٧ حرف الميم وزکاة وغيرها الكثير. يتقلب في الجنة أي: يروح فيها ويجيء مما يدلل أن ديننا له سبله المتنوعة كما شاء، من شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس) (٢). وطرقه المتشعبة والمتعددة أمام عباد الله، لنيل ما يتمنونه من الثواب الجزيل، مثلًا من وجد شخصًا یرید أن یحمل علی دابته شيئًا، فساعده على حمله، أو أمسك دابته فهو صدقة، وجعل النبي صلی الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة تشمل کل قول پتقرب إلى الله سبحانه وتعالی به، فالأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وبكل تسبيحة أو تكبيرة أو تهليلة صدقة، وتعلیم العلم النافع صدقة، وابتداء السلام ورده صدقة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم بكل خطوة يخطوها العبد إلى الصلاة صدقة، وكلما بعدت طريق الصلاة كانت الصدقات أكثر، وهذا من أكبر فضائل صلاة الجماعة في المساجد، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم إزالة الأذى عن الطريق صدقة، فمن عزل حجرًا أو شوكةً أو عظمًا عن طريق الناس، فذلك صدقة يثاب عليها ويؤجر. فمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة)(١)، وفي رواية: (لقد رأيت رجلا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة جَوَسُولَةُ النَّفي الْقُرآن الكَرِيمِ وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له) (٣). ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله والإحسان إلى عباد الله، فسوف یلقی الذکر الطيب في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ﴿﴿ لَاخَيْرَ فِی إن شاء الله، لقوله تعالى: ڪَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيِّنَ النَّاسَِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١)﴾ [النساء: ١١٤].(٤). إِذَا طرق الخير والنفع كثيرةٌ متاحةٌ للجميع، ولكن أين السالكون؟ وأين السائرون؟ وأبواب البر متعددةٌ، ولكن أين المتسارعون إليها؟ وأين الطارقون لها؟ ويستفاد من ذلك: أن يكون الإنسان والآداب، باب فضل إزالة الأذى عن الطريق، ٢٠٢١/٤، رقم ١٩١٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل إزالة الأذى عن الطريق، ٤/ ٢٠٢١، رقم ١٩١٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل إزالة الأذى عن الطريق ٤ /٢٠٢١، رقم ١٩١٤. (٤) انظر: الضياء اللامع من الخطب الجوامع، ابن عثيمين ١ / ١٠٣. ١٨ المسارعة ﴾ [آل عمران: ١٧٦]. حريصًا كل الحرص على فعل الخيرات، والمسارعة إليها؛ فالعمر قصير، والأجل قریب، ونحن لا ندري متی یأتي الموت، إذًا فالمسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، والمسابقة إلي الصالحات، المؤديات إلى الفلاح والنجاة ثم إلى وسلم على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن الجنات. ثانيًا: المسارعة المذمومة: هذا النوع من المسارعة الذي ذم الله عز وجل فعله، والاتصاف به بل أنه حذر من اتباعه؛ وذلك لما يترتب عليه من عواقب وخيمة ومهلكة للإنسان في الدنيا والآخرة، وقد ذكر القرآن الكريم ثلاث صور للمسارعة المذمومة، فالباقي تدور حولها، وتتفرع عنها، وهي على النحو التالي: ١. المسارعة في الكفر. الكفر بالله من أكبر الكبائر التي حذرنا الله سبحانه وتعالى منها، و كذلك نبيه صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان بذلك يكون قد ظلم نفسه، بإيقاعها في سخط الله وغضبه، وزجها في نار جهنم - والعياذ بالله -وكيف الحال مع المسارعين إليها ؟ يتم توضيح ذلك على النحو التالي: قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِي الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللّه شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِىِ الْآَخِرَةِّ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ لا بد من العلم أن الله سبحانه وتعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع، وكان قد علم أن بعض الناس ستسارع إلى الكفر، لا جرم أنه صبر رسول الله صلى الله عليه لأجل ذلك أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفران في موالاة الكفار، فإنهم لن يعجزوا الله شيئًا (١). وذكر جمال الدين الجوزي أن معنى: ﴿الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ﴾ فيها أربعة أقوال: أحدها: أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود. والثاني: المنافقون. والثالث: كفار قريش. والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام. وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم، فإن قيل: كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟ فالجواب: لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور علیھم. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فيها قولان: أحدهما: لن ينقصوا الله شيئًا بكفرهم. والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئًا(٢). (١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٣٤/٧. (٢) انظر: زاد المسير ١/ ٣٥٠. www. modoee.com ١٩ حرف الميم وقيل: المراد بالموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ اَلْكُفْرِ﴾ من المنافقون المتخلفين، وطائفةٌ من اليهود حسبما عين في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وقيل: قوم ارتدوا عن الإسلام والتعبير عنهم بذلك للإشارة بما في حیز الصلة إلى مظنة وجود المنهي عنه واعترائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: لا يحزنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتهم إلى تمشية أحكامه ومظاهرتهم لأهله وتوجيه النهي إلى جهتهم مع أن المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن النهي عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفي له بالمرة (١). وقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِى اُلْآَخِرَةِ﴾ هذه الآية حجة عليهم، لأن إرادة الله عز وجل في حرمان حظهم من الآخرة حائلة بينهم وبين المسارعة إلى الإيمان الذي ينمي لهم حظ الآخرة، و کیف يقدرون أن يكتسبوا بالطاعة حظ الآخرة، والله يريد ألا يجعله لهم، وهذا من العدل الذي لا يحيطون بمعرفته فيتصور عندهم بصورة (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١١٦/٢. الجور (٢). والمعنى: ((أن الله عز وجل بين ما يعود عليهم من الوبال، نتيجة مسارعتهم في الكفر، وذلك ﴿أَلَّيَجْعَلَ لَهُمْ حَفَّا فِى الآخرةِ ﴾ أي: نصيبًا من الثواب، ولهم بدل الثواب عذابٌ عظيمٌ، وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه» (٣). وأين الفائدة في ذكر الإرادة ؟ قلت: فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصًا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيهًا على تمادیهم في الطغيان وبلوغهم الغاية حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم (٤). وقوله: ﴿وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي:(( لا يقادر قدره قيل ما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعايةً للمناسبة وتنبيهًا على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، والجملة إما مبتدأةٌ مبينةٌ لحظهم من العقاب إثر بيان أن لا شىء لهم من الثواب، وإما حالٌّ من الضمير في لهم أي يريد الله سبحانه وتعالى حرمانهم من الثواب معدًا (٢) انظر: النكت الدالة على البيان، الكرجي ٢٣٥/١. (٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٤٣. (٤) انظر: نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، السيوطي ٩٩/٣. ٢٠ جوثيق القرآن الكريم المسارعة لهم عذابٌ عظيم)) (١). إذًا لا يظنون بأنه سينجون من عقابه سبحانه وتعالى وأن ما يمليه لهم الله عز وجل خيرا لهم، بل وبالًا عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُهْلِيٍ لَمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا تُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وبعد أن بين الله عز وجل حكم أولئك الذين يسارعون إلى نصرة الكفر والدفاع دونه ومقاومة المؤمنین لأجله، وأرشد إلى أنه لا يهتم بشأنهم، فهم إنما يحاربون الله والله غالب على أمره، أشار هنا إلى أن هذا حكم عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان واستبدله به، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٧)﴾ [آل عمران: ١٧٧](٢). والمعنى: قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية في معنى الآية الأولى من سورة آل عمران السابقة الذكر، وقد أعيدت تأكيدًا، والصحيح أن الأول ذٌ للذين تحروا الكفر وتزايدوا فيه متسارعين، وهذه الآية ذمٌ لمن حصل له الإيمان فأفرج عنه ؟؟ واستبدل به كفرًا، وهم الذين وصفهم بالارتداد على أعقابهم، وذم لمن مكن من (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢ / ١١٦. (٢) انظر: تفسير المراغي ٤ / ١٤٠. الإیمان فرغب عنه، وآثر الکفر علیه، فصار کالبائع إيمانه بكفر (٣). وهؤلاء لهم عذاب شديد من الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة نار جهنم والعياذ بالله، والله سبحانه وتعالى سريع في حسابهم، لا يصرفه شيءٌ عن إلحاق العقاب بهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِئَايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيِعُ اَلْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]. أي: أن الله سبحانه وتعالى هده بأنه من كفر بآيات الله التكوينية في الأنفس والآفاق، والآيات الدالة على وجوده وتوحيده وصدق أنبيائه، وأنكر وجحد ما أنزل الله عز وجل في كتابه مما يوجب الاعتصام بالدین ووحدته، فإنه ظلم نفسه، والله عز وجل سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذیبه، ویعاقبه على مخالفته کتابه، وهو سريع الحساب وشديد العقاب (٤). ((وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها: سرعة مجيء القيامة، والحساب إذ هي متقنة الوقوع، فکل آت قريب. ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب: أن الله تعالى بإحاطته بكل شىء علمًا لا يحتاج إلى عد ولا فكرة»(٥). ويستفاد من ذلك: الإيمان نجاة، والكفر ضياع، فأيهما تختار؟ (٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني، ٣/ ١٠٠٠. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٨٠/٣. (٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤١٣. www. modoee.com ٢١ حرف الميم ٢. المسارعة في الإثم والعدوان. ومن الصفات المذمومة أيضًا الاتصاف بالإثم والعدوان ومعصية الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم والمسارعة إلى التحلي بها وفعلها والاكثار منها، فبئس ما اتصفوا به، وسارعوا إليه، ويتم بيان ذلك وتوضيحه على النحو التالي: قال الله تعالى ناعيًا على اليهود: ﴿وَتَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لَوْلَا يَنْهَنهُمُ الَّتَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٣) [المائدة: ٦٢- ٦٣]. والمعنى: المسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ، قيل: الإثم الكذب، والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم، وأما أكل السحت فهو: أخذ الرشوة، وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: ﴿وَتَرَى كَثِيرًامِنْهُمْ﴾، والسبب: أن كلهم ما كان يفعل ذلك، بل كان بعضهم يستحيي فيترك. الفائدة الثانية: أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير، لقوله تعالى: ﴿وَيُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ [آل عمران: ١١٤]. وقوله أيضًا: ﴿َُارِعُ لَمْ فِ لَلَيْرَتِ ﴾ [المؤمنون: ٥٦]. فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدةٍ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنها خيرات في نظرهم، ومحقون فيها، فجاء التعبير موافقًا لحالهم ومفهومهم، وذلك من أسرار البيان في القرآن الكريم. الفائدة الثالثة: لفظ الإثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات، فلما ذكر الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دل هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم(١). ((والربانيون علماء أهل الإنجيل، والأحبار علماء أهل التوراة، وقال غيره: كلهم في اليهود؛ لأنه متصل بذكرهم، والمعنى: أن الله استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك يدل على أن ترك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظٍ واحدٍ، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأکلهم السحت. قال تعالى: ﴿لَتْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٢]. وقال في العلماء التاركين للنهي عن (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٢/١٢، الجدول في إعراب القرآن الكريم، محمود صافي ٦/ ٣٩٨. ٢٢ جَوْسُو القرآن الكريم المسارعة المنكر: ﴿لَيْسَ مَاكَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ والصنع ويتسابقون في ذلك قویهم وضعيفهم سواء، فكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام، أقوى من العمل؛ فإنما العمل یسمی صناعةٌ، إذا صار مستقرًا راسخًا متمكنًا))(١). ويستنكر الله عز وجل سكوت الربانيين القائمين على الشريعة، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني، عن مسارعة القوم في ذلك، وهذا ما وصفهم الله عز وجل بهم في كتابه الكريم فيقول: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: ٧٩]. ويذكر علي الشحود في كتابه: أن الله سبحانه وتعالى ينحي باللائمة على الربانيين والأحبار، الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت، الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله، وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر يقتضي سلطة تأمر وتنهى، وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع فلا يكون مطلق كلام ! وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود اللئيم فقال: ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللّهِ مَعْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيَدِهِمْ وَلُعِنُوْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ [المائدة : ٦٤]. وذلك من سوء تصور اليهود لله سبحانه وتعالى وهناك الكثير مما حكى القرآن الكريم عن سوء تصورهم ذاك، وكأن القوم يتسابقون تسابقًا في الإثم والعدوان، وأكل الحرام، وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع، (١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٧/ ٤٢٤. وفعلهم ذاك على العكس تمامًا من سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك الذي يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). ٣. المسارعة في النفاق. هذه الصفة المذمومة من الصفات التي يتصف بها أصحاب القلوب المريضة والضعيفة، ببعدها عن دين الله وشريعته، وهؤلاء ذكرهم الله عز وجل وفضحهم، لسوء ما يقومون به، ويسارعون إلى فعله، من أجل أخذ الحيطة والحذر منهم، ويتم بيان ذلك على النحو التالي. فالله سبحانه وتعالى ينهى عن موالاة اليهود والنصارى، ولكن المنافقين أبوا إلا أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه (٢) انظر: العصبة المؤمنة بين عناية الرحمن ومكر الشيطان ١ / ١٦١. www. modoee.com ٢٣ حرف الميم وسلم والمؤمنين، ولم ينتهوا عن ذلك، المؤمنين عن توليهم في الآيات السابقة لها، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، لقوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة: ٥١]. فقال: ﴿فَرَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة» (٢). (جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيرٌ عددهم حاضرٌ نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلی الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبيٍ: إني رجلٌ أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم (یا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه)، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَقَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يعني عبد الله بن أبي ﴿يُسرِعُونَ فِهِمْ﴾ في ولايتهم ﴿يَقُولُونَ تَخْشٌِّ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ ﴾ أي مصيبة))(١). وبين الله سبحانه وتعالى حرصهم على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى، في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَآبِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ :[المائدة: ٥٢]. والمعنى: ((لما نهى الله عز وجل (١) أسباب نزول القرآن، الواحدي ص ١٩٩. وقوله: ﴿يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾ أي في مودة اليهود والنصارى وموالاتهم ومناصحتهم؛ لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار يخالطونهم ويغشونهم لأجل ذلك نزلت في ابن أبي المنافق وأصحابه، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغبتهم في ذلك حتی کأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم. وقوله: ﴿يَقُولُونَ تَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾ جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة أي: أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة، والدائرة يعني: ما يدور من مکابرة الدهر ودوائره کالدولة التي تزول، أي يقول المنافقون إنما نخالط اليهود؛ لأننا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه وهو الهزيمة في الحرب، والقحط، والجدب، والحوادث المخوفة. وقيل: نخشى أن لا يتم أمر محمد صلى الله علیه وسلم فیدور علینا الأمر کما کان قبل محمد، يعني نخشى أن يظفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فتكون الدولة لهم (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٥. ٢٤ القرآن الكريم المسارعة فیصیبنا منهم مكروه. وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، فقال الله سبحانه وتعالى رادًا لظنهم السيء: ﴿فَعَسَى اللّهُ أَن یأتِ ◌ِالْفَتْحِ ﴾ وجاء في هذه الآية تهدید للمستنصرین بأعداء دینهم، المتألبین علیھم، المنافقين الذين لا يخلصون لله اعتقادهم ولا ولاءهم ولا اعتمادهم .. ، وجاءت أيضًا ردًّا عليهم ودفعًا لما وقع لهم من الخشية، وعسی في كلام الله سبحانه وعد صادق لا يتخلف، وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو كلمته، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبى ذراريهم وإجلاء بني النضير. وقيل: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين. وقيل: فتح مكة، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود، ویری المنافق أن الله لم يوجد سبيلاً إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين کالذي وقع وظهر بعد. وقوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم، وقيل: هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما أسروا في أنفسهم، وأمره بقتلهم، وقيل: هو الجزية التي جعلها الله عليهم، وقيل: الخصب والسعة للمسلمين، وقال ﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ أي: المنافقون، وقوله: ﴿عَ مَآ أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ من النفاق الحامل لهم على الموالاة ﴿َدِمِينَ﴾ على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها (١). (١) انظر: فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان ٣/ ٤٥٠. www. modoee.com ٢٥ حرف الميم مقام المسارعين في الخيرات وصفاتهم بين الله عز وجل في كتابه العزيز مقام هؤلاء المسارعين في الخيرات، والمكثرين لفعلها، بما هم فيه من نعيم وثواب جزيل، وكذلك ذكر الصفات النبيلة والحميدة التي اتصفوا بها؛ ليعتبر أولوا الألباب لفعل الخيرات قبل ضياع الأوقات، وذهاب الحسنات، ويتم بيان ذلك على النحو الآتي: أولًا: مقام المسارعين في الخيرات: هم في مقامٍ عالٍ عند مليك مقتدر، يستحقونه وينالونه جزاء أعمالهم الخيرة، فهم في جنات النعيم، لقوله تعالى: ﴿كَلَّآ وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ ١٨ عِلْيُونَ ١ كِتَبُ مَرْقُومُ ن يَشْهَدُهُ الْمُرَُّنَ [المطففين: ١٨ - ٢١]. والمعنى: أنه أريد بالأبرار: هم الذين آمنوا؛ فلذلك قيل: بأن الأبرار هم المؤمنون. والبر هو الذي یکثر منه تعاطي فعل البر، فسمي: بارا؛ إذا كثر منه البر، وقوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَُّونَ﴾ ذكر شهود المقربين في ذكر كتاب الأبرار، فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم لعملهم، والدعاء لهم، وغير ذلك، وقيل: المقربون: هم مقربو أهل كل سماء(١). وقوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّيِقُونَ أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ (١) فِ جَنَتِ اٌلَّعِيمِ [الواقعة: ١٠- ١٢]. ١٠ ١٢ والمعنى: ((السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، وقوله: ﴿أُوْلَكَ الْمُقَرَُّنَ﴾ من صفتهم، وقیل: إذا خرج رجلٌ من السابقين المقربين من منزله في الجنة کان له ضوء یعرفه به من دونه» (٢). فالله سبحانه وتعالى أكرمهم بالإقامة بالجنة يتنعمون بنعيمها الدائم دون مشقة ولا تعب، فلا يجدون فيها إلا كل خير، لقوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَافِيَهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَسُّنَافِيهَا لُغُوبٌ ٣٥ ° [فاطر: ٣٥]. والمعنى: ((دار المقامة هي الجنة، والمقامة هي الإقامة، والموضع؛ وإنما سميت الجنة دار المقامة، لأنهم يقيمون فيها ولا يخرجون منها، وقال تعالى: يَمَسُّنَافِيهَا نَصَبٌّ﴾ والنصب: تعب البدن، وقوله: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ ﴾ واللغوب: تعب النفس، اللازم عن تعب البدن)) (٣). وقال النسفي في معنى قوله: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي الإقامة لا نبرح ولا نفارقها، يقال: أقمت إقامة ومقامًا ومقامة، وقوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من عطائه وأفضاله لا (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٠/ ٤٦١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢٠٠. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١٧٦/٢. ٢٦ مَةُ النَّسَةْ القرآن الكريم