Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨
مِنَطْنْ
عناصر الموضوع
التعريف بمريم عليها السلام
٣٥٦
مواضع القصة في القرآن
٣٥٧
أم مريم
٣٦٠
كفالة زكريا عليه السلام
٣٦٣
اصطفاء الله تعالى لمريم
٣٦٥
٣٦٨
بشارة مريم
٣٧٤
حمل مريم بعيسى عليهما السلام
٣٧٧
اتهام اليهود لمريم
٣٨١
نبوة مريم عليها السلام
٣٨٣
ضلال بعض طوائف النصارى في مريم
٣٨٥
الدروس المستفادة من قصة مريم
المُجَلَّدَ الثّلاثُونْ

حرف الميم
التعريف بمريم عليها السلام
هي مريم بن عمران، وهو من نسل داود عليه السلام، ويرجع أصله إلى إبراهيم عليه
السلام، وكان عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه (١).
وكان رجلًا صالحًا، وكانت له زوجة صالحة طيبة طاهرة خيرة تقية وفية مطيعة لزوجها،
ومطيعة لربها، ((واختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض)) (٢).
وذکر ابن کثیر نقلًا عن ابن عساكر نسب مریم إلى داود عليه السلام، قال: « ولا خلاف
أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه،
وكانت أمها وهي حنة بنت فاقوذ بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج
أخت مريم أشياع في قول الجمهور، وقيل زوج خالتها أشياع، فالله أعلم)) (٣).
٣ ذرِّيّة
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىْ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ
[ آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِّ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ
هاتان الآيتان الكريمتان تمهيد للحديث عن مريم رحمها الله، وابنها نبى الله عيسى
علیه السلام، وبيان أنه بشر رسول خلقه الله -عز وجل- من أم دون أب كما خلق آدم عليه
السلام من غير أب ومن غير أم. وفى ذلك رد على النصارى الذين زعموا كذباً وزورا أن
عیسی إله وابن إله، وهاتان الآيتان الكريمتان جزء من الآيات التى نزلت لترد على كثير من
مزاعم النصارى، وذلك أن وفدًا من نصارى نجران جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم - فى المدينة فأحسن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - استقبالهم وأكرم نزلهم ودار
حوار بينه وبينهم أقام فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حججا ظاهرة وأدلة دامغة
تدحض مزاعمهم وتدل على فساد معتقداتهم، وأنزل الله تعالى فى هذا الشأن صدر سورة
آل عمران(٤).
وآل عمران من الذين اصطفاهم الله، وهم من آل إبراهيم، وخصوا بالذكر من باب ذكر
الخاص بعد العام، تشريفًا وتكريمًا، وتمهيدا للحديث عنهم بشيء من التفصيل.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٨/١.
(٢) المصدر السابق ٣٥٨/١.
(٣) البداية والنهاية ٢ /٥٦.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٨/١، السيرة النبوية، ابن هشام ١٥٨/٢.
جوية
الْعَرَآن الكَرِيْمِ
٣٥٦

مري
مواضع القصة في القرآن
وردت قصة مريم الصديقة رضي الله عنها في سور كثيرة ولمناسبات متعددة نذكر منها
ما يلي:
في سورة آل عمران: ورد الحديث عنها في سياق الحديث عن عيسى عليه السلام وبيان
أنه بَشَرٌ رَسَوُلٌ خلقه الله - عز وجل - من غير أبٍ، كما خلق آدم من غير أب ولا أُمِّ.
قال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَفَهُ مِن تَُّابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ
٥٩
[آل عمران: ٥٩].
وعيسى عليه السلام فرعٌ طيب من شجرة طيبة مباركة، فأمه مريم رضي الله عنها خير
نساء العالمين، اصطفاها الله تعالى وطهرها وآثرها وأنعم عليها بنعم كثيرة وأكرمها بكرامات
ظاهرة، وأمها امرأة صالحة صادقة وفية تقية، نذرت حملها لله تعالى محررا فتقبل الله منها
نذرها.
وأبوها عمران -عليه السلام- العابد والحبر الزاهد صاحب المكانة السامية في قلوب
العباد المخلصين الذين تسابقوا وتنافسوا على كفالة مريم - رضي الله عنها - تقربا إلى الله
تعالى، ووفاء وعرفانا وبرا وإحسانا إلى معلمهم وإمامهم عمران عليه السلام الذي مات دون
أن تكتحل عيناه برؤية ابنته مريم رضي الله عنها، التي خلدت ذكره في العالمين، وسميت
هذه السورة بهذا الاسم تكريما لعمران عليه السلام ولأصله الطاهر ولذريته الصالحة الطيبة.
ويأتي ذكر جانب آخر من قصة مريم رضي الله عنها في سورة تحمل اسمها تكريما لها
وهى سورة مريم التي ورد فيها الحديث عن مجيء جبريل - عليه السلام- لها في صورة
بشرية وهى في خلوتها تعبد الله عز وجل، واستعادتها بالله -تعالى- منه، وإخباره إياها
بحقيقته ومهمته التي كلفه الله بها والتي جاء من أجلها، وتعجبها من تلك البشارة العجيبة
وجواب جبريل -عليه السلام- على استفهامها التعجبي، ونفخه فيها وحملها بعيسى عليه
السلام ومدة الحمل وساعة المخاض، تلك الساعة العصيبة العسيرة التي مرت بمريم
النذيرة، والتي تمنت الموت من شدة ما مر بها، ومولد عيسى عليه السلام، وما صحبه من
رحمات ونفحات وإرهاصات، وقدوم مريم إلى قومها ومعها وليدها عيسى عليه السلام
وموقفهم من ذلك ونطق عيسى عليه السلام وهو في المهد.
وتأتي إشارة لمريم في سورة المائدة فيها منقبة عظيمة لها.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الميم
قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِبِحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُّهُ صِدِّيقَةٌ
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الَْيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
٧٥
[المائدة: ٧٥].
فذكر الله تعالى صفة كريمة من صفات مريم وهي الصدق، والصديقية مقام من أسمى
المقامات، فالنبوة أعظم درجات الكمال في الرجال، والصديقية تأتي في المرتبة الثانية بعد
النبوة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩].
وفي سورة الأنبياء يرد ذكرها رضي الله عنها وابنها نبي الله عيسى عليه السلام في سياق
الحدیث عن نعم الله عز وجل ورحمته بأنبيائه وأصفيائه.
قال تعالى: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْحَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن ◌ُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ
لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩١].
قال صاحب الظلال: (( ولا يذكر هنا اسم مريم؛ لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو
ابنها عيسى عليه السلام، وقد جاءت تبعا له في السياق، وإنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها:
﴿وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أحصتته فصانته من كل مباشرة والإحصان يطلق عادة على
الزواج بالتبعية؛ لأن الزواج يُحَصِّنُ من الوقوع في الفاحشة، أما هنا فيذكر في معناه الأصيل
وهو الحفظ والصون أصلا من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية، وذلك تنزيها لمريم عن كل
ما رماها به اليهود)» (١).
كما يأتي ذكرها رضي الله عنها في سورة المؤمنون مع ابنها نبي الله عيسى عليه السلام
في سياق الحديث عن رحمة الله بأنبيائه وعنايته بهم وحفظه لهم.
قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَّهُدْ ءَايَةً وَدَاوَيْنَهُمَّا إِلَى رَبْوَقَ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾
[المؤمنون: ٥٠].
جعلهما الله آية للناس تدل على قدرته تعالى ورعايته لأنبيائه وأوليائه، وآواهما إلى
﴿رَبْوَقِ﴾: مكان مرتفع من الأرض، ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أي: مستوية وصالحة للعيش عليها وذات
خصبٍ، وماء طيبٍ جارٍ تراه العيون، وهو بيت المقدس (٢).
ويتكرر ذكرها أيضا في سورة التحريم مع آسية بنت مزاحم كمثل طيب ونموذج رائع،
(١) في ظلال القرآن ٢٣٩٥/٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٨/١.
٣٥٨
القرآن الكريمِ

مري
وصورة مشرقة متألقة للمرأة الصالحة الصادقة المؤمنة المحسنة التقية النقية، بعد أن ضرب
الله تعالى مثلا للمرأة الكافرة فيكون ذكرها وقبلها آسية رضي الله عنهما مسك الختام لهذه
السورة الكريمة التي استفتحت بالحديث عن أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ
مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّ ◌ِلِينَ
٢ وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًّاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنٍ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ
وَجِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ اُلِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا
فَنَفَخْنَافِيهِ مِنْ زُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ ﴾ [التحريم: ١٠
- ١٢].
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الميم
أم مريم
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ
إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَعْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِيّ إِنَّكَ
﴾ فَلَمَا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ
٣٥
أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
إِّ وَضَبْتُهَا أُنْقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ
الذَّكَوِ كَالْأُنَقِّ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِّ أُعِيذُهَا
بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ، فَتَقَبَّلَهَا
رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنَّا ﴾
[آل
عمران: ٣٥ - ٣٧].
بدأت قصة مريم رضي الله عنها في
بیت صالح هو بيت أبيها عمران ذلك التقى
النقي الذي أكرمه الله عز وجل بزوجة طيبة
صالحة، وكان من نتاج هذا الزواج المبارك
ومن ثمراته الطيبة: مريم رضي الله عنها،
ربيبة بيت الطهر والعفاف وسليلة آل العلم
والعبادة.
و كانت امرأة عمران رضي الله عنها تدعو
المولى عز وجل أن يرزقها ولدا ذكرا تقر به
عينها وتبتهج به نفسها وينشرح له صدرها،
فلما تحرك الحمل في أحشائها نذرت ما
في بطنها محررًا أي خالصا لوجه الله تعالى
منقطعا لعبادته وخدمة بيت المقدس، أملا
ورجاء أن توهب ذکرا يحمل اسم زوجها
عمران ويخلفه في الفضل.
طلبت امرأة عمران أن يتقبل المولى عز
وجل نذرها ویقبل نذيرها قبولا حسنا.
أولًا: حملها ونذرها
قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبِّ
إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْفِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّ إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران: ٣٥].
أجاب الله دعاء امرأة عمران، تلك المرأة
الصابرة الصادقة الصالحة التي توجهت
إلى المولى عز وجل بالدعاء والرجاء أن
يرزقها الولد الصالح، فاستجاب الله لها،
وآتاها سؤلها، فشعرت بالجنين يتحرك بين
أحشائها، فأشرقت الدنيا في عينها وغمرتها
وزوجها نشوة من السرور.
فالبنون قرة العيون، وثمرة الفؤاد، وبهجة
النفوس وريحانة القلوب وفلذات الأكباد.
ولكن لم تطل فرحتها ولم تتم بهجتها
فلقد مات زوجها عمران عليه السلام،
وقد كانت تتمنى بقاء زوجها حتى ينعم
برؤية فلذة كبده وتکتحل عيناه برؤية ولده،
ويشارکها فرحتها، ولکن قضاء الله حل،
ولقد استقبلت هذه الأمور بالصبر الجميل،
والإيمان واليقين، فلما تحرك الحمل فى
أحشائها نذرت ما فى بطنها محررا أى
خالصا لوجه الله تعالى منقطعا لعبادته،
والمحرر هو الخالص ومنه: الذهب الحر:
أى الخالص من الشوائب، وطلبت امرأة
عمران أن يتقبل المولى عز وجل نذرها
ويقبل نذيرها قبولا حسنا، فهو تعالى سميع
لقولها مجيب لدعائها وتضرعها عالم
٣٦٠
جوي
القُرآن الكَرِيْمِ

مريب
بحالها ونيتها (١).
ثانيًا: وضعها ووفاؤها بنذرها
ومضت الأيام وجاءت ساعة الوضع،
ووضعت امرأة عمران وليدها فإذا به أنثى،
فتبادر إلى الاعتذار لربها، لأنها كانت ترجو
أن يكون المولود ذكرا لتهبه لخدمة بيت
المقدس كما نذرت، والأنثى لا تصلح لهذه
المهمة، كما جرت العادة بذلك، فتوجهت
وَرَبِّ إِنِ وَضَعْتُهَا
امرأة عمران إلى ربها قائلة:
أُنْقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَِّ كَالْأَنْقَى﴾
[آل عمران: ٣٦].
قال ابن كثير: (( وكانوا في ذلك
الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من
أولادهم»(٢).
أدركت امرأة عمران أن لله في ذلك
حكمة يعلمها، فالله -عز وجل- يدبر
أحوال الخلق وفق قدرته وإرادته وعلمه
وحكمته، ولعل هذه الأنثی عند الله خير
من الذكر؛ لأن ما يفعله الرب بالعبد خير
مما يريده العبد لنفسه، فهو سبحانه لا يقع
في سلطانه إلا ما أراده، لكن المولى جل
وعلا يعلم مكانة هذه المولودة وقدرها،
فهي سيدة نساء العالمين، اصطفاها الله
وطهرها، واجتباها وآثرها، وجعلها وابنها
آية للعالمين.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/٨.
(٢) قصص الأنبياء، ابن كثير ص ٥٤٩.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَِ كَالْأُنْفٌ﴾: قالت امرأة
عمران معتذرةً لربها: وليس الذكر الذي
طلبته ونذرته کالأنثى التي وضعتها، فالذكر
يتمكن من الوفاء بالنذر بخدمته في المسجد،
أما الأنثى فإنها لا تقدر على القيام بما يقوم
به الذكر، كما أنه يعتريها من الأحوال ما
يَحُوْلُ بينها وبين البقاء في المسجد، وذلك
حين يأتيها الحيض، أو النفاس عند الولادة،
فضلا عن تفاوتهما في القوة والجلد.
﴿وَ إِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ انفردت امرأة
عمران بتسمية مريم وما ذلك إلا لوفاة
زوجها عمران عليه السلام أثناء حملها،
وسمتها مريم تقربا إلى المولى عز وجل
بهذه التسمية الحسنة، فمريم -رضي الله
عنها- تعنى في لغتهم: العابدة والخادمة،
وللاسم علاقته بالمسمى، فهي ترجو أن
يكون لها حظ وافر من اسمها(٣).
وفى هذه التسمية إشارة إلى عزمها على
إمضاء نذرها، ورجائها أن يكون عند الله
مقبولا.
﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِ
الرَّحِيمِ﴾: تضرعت امرأة عمران لربها أن
(٣) قال القاسمي في محاسن التأويل ٤ /٩١:
قال المفسرون هي في لغتهم بمعنى العابدة،
سمتها بذلك رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها
مطابقا لا سمها.
وقال ابن حجر في فتح الباري ٦/ ٥٤١ :
(مريم) بالسريانية تعني: الخادم.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الميم
يقبل وليدتها ويجعلها مباركة، ويحفظها والنفحات الربانية والمواهب اللدنية التي
تنتظر هذه الوليدة السعيدة، حيث تقبلها ربها
من الشيطان الرجيم، فالمولى عز وجل
خير حافظ، وهو سبحانه أرحم الراحمين،
وأحكم الحاکمین.
قبولا حسنا، وأنبتها نباتا حسنا حتى نمت
وترعرعت وأزهرت وأينعت، وأثمرت
كلمة من الله وروحا منه هو عبد الله ونبيه
عيسى عليه السلام، الذي جعله الله وأمه آية
للعالمين.
وسر تكرار ﴿إِ﴾ هنا للتأكيد، ولتغير
المخبر به، ولأنه قد يشعر كلامها السابق
أنها كارهة لما جاءها، فأكدت في كلامها
هذا؛ إظهارا لرضاها بما قدر الله تعالى،
ولذلك انتقلت للدعاء لها الدال على الرضا
والمحبة (١) ولقد جاءت أفعال ثلاثة بصيغة
الماضى ﴿يَذَرْتُ﴾ ﴿وَضَعَتْهَا﴾، ﴿سَمَّيْتُهَا﴾
للدلالة على التحقق والثبوت وفى التعبير بـ
﴿فَذَرْتُ﴾ و﴿سَمَّيْتُهَا﴾ ما يفيد عزمها
ومضيها على الوفاء بما نذرت به بلا تردد
ولا تراجع، وفى التعبير بـ ﴿وَ إِنّ ◌ُعِيدُهَا﴾
ما يدل على التجدد والاستمرار المستفاد
من التعبير بالفعل المضارع، لأن الاستعاذة
. (٢)
.
مطلوبة فى كل وقت وحين
ثالثًا: تقبل الله تعالی نذرها
بعد هذه المناجاة الصادقة، والدعوات
الخالصة من امرأة عمران رضي الله عنها
والتي طلبت من ربها أن يتقبل منها نذيرها،
وأن يبارك لها في وليدتها ويعيذها وذريتها
من الشيطان الرجيم، أجاب الله لها الدعاء
وحقق لها الرجاء، وكانت الإجابات الإلهية
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٤/٣.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٣٦/٣.
قال عز وجل: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُهَا بِقَبُولٍ
حَسَنِ﴾ والفاء هنا للتعقيب، لبيان سرعة
استجابة المولى عز وجل لدعائها وسرعة
تحقيقه لرجائها، فهو عز وجل من المؤمن
قریب ولدعائه مجيب.
وقال ﴿بِقَبُولٍ﴾ ولم يقل (بتقبل)؛
(«للجمع بين الأمرين: التقبل الذى هو
الترقى فى القبول، والقبول الذى يقتضي
الرضا والإثابة)» (٣)، هذا مع معهود القرآن
الكريم في عذوبة الألفاظ وسلاستها.
﴿وَأَنْبَتَهَا بَبَانًا حَسَنًا ﴾: مع قبولها عندالله
قبولا حسنا، فقد أکرمها الله وأنعم علیها بأن
أنبتها نباتا حسنا، فجمعت بين كمال الخلقة
وجمال الخلق، وحسن التربية.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٩٢/٤.
٣٦٢
مَوسُوبَةُ النَّفي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

مري
كفالة زكريا عليه السلام
قال تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنِ
وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًّا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيْهَا زَكِنَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرِيمُ
أَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِاللّهِ إِنَّاللّهَ يَزُقُ مَنْ
يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦) مُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِيَا رَبَّهُ
قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ
اُلُّعَدِّ ، فَنَادَتَّهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُّصَلِّ فِ
اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
٤
اللَّهِ وَسَيْدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
قَالَ رَبٍّ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمُ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ
وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
قَالَ رَبٍّ أَجْعَل لَّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا
٤٠
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَهْزًا وَأَذْكُرُ رَبَّكَ
كَثِيرًا وَسَيْحْ بِالْعَشِّ وَاْإِبْكَرِ ﴾ [آل
عمران: ٣٧- ٤١].
قيض الله تعالى لمريم نبيه زكريا عليه
السلام ليتعهدها ويرعاها، ويعنى بأمرها
ويهتم بإصلاحها، فكان كفالته لها نعمة من
الله ورحمة، وقد تمت تلك الكفالة بتوفيق
من الله عز وجل بعد أن تنافس الأحبار
والرهبان وتنازعوا على كفالة مريم، كلٌ
يرجو ويطلب لنفسه أن ينال هذا الشرف
وأن يحظى بذاك المقام، فمريم - رضي الله
عنها- بنت إمامهم ومعلمهم عمران عليه
السلام الرجل الصالح الذي مات دون أن
تكتحل عيناه برؤية ابنته، وحرصًا على هذا
الشرف، ووفاء للمعلم والمربي والمصلح،
وكان تنافسهم وتسابقهم الذي وصل إلى
حد النزاع والاختصام على كفالة مريم
رضي الله عنها.
قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ
إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ
يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
(٤)
فلقد كان كل واحد منهم شديد
الحرص على كفالة تلك اليتيمة، ولما لم
تجتمع لهم کلمة، ولم يتفق لهم رأي، فکل
واحد يريد أن يستأثر بهذه المكرمة، وكان
أولی بهم أن يتركوا كفالتها لنبي الله زكريا
عليه السلام، ولما طال جدالهم حول من
يكفلها اتفقوا على أن يقترعوا فيما بينهم،
فمن فاز في القرعة فقد فاز بكفالة مريم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ
أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُمَرْیَمَ﴾﴾، قال ابن عباسٍ
اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم
زكريا الجرية فكفلها زكريا (١).
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَازَّكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا
رِزْقًا﴾ لم يحمله إليها، ولا هو مما يعهد
في هذا الوقت من الزمن، وهو يعلم أنه لا
يدخل عليها غيره؛ فهو القائم على كفالتها،
حتى أثار ذلك الأمر دهشته وعجبه، وهذا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب القرعة في المشكلات
٩٥٣/٢.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الميم
الرزق الرباني يشمل غذاء الأجساد وغذاء ورضيت بقضاء الله، وعاشت مع زوجها
حياة هادئة هانئة، ولقد أكرم المولى عز
وجل زکریا علیه السلام بإکرامہ لمريم تلك
اليتيمة صاحبة المنزلة العظيمة، وكانت تلك
الكرامة التي حدثت لمريم سببًا مباشرًا في
توجه زکریا علیه السلام إلی الله و دعائه بأن
يرزقه ذرية طيبة.
الأرواح، فهو يشمل الطعام والشراب، وغير
ذلك من ضرورات الحياة، من كل ما ينتفع
به الإنسان وما يحصله، كما أنه يشمل: غذاء
الأرواح من علم وغيره، فهو أعم من الفاكهة
في غير حينها المعهود؛ ولذلك جاء بصيغة
التنكير التي تفيد التعظیم والتعميم والتکثیر،
فهو رزق حسي ورزق معنوي، وهذا الرزق
كرامة من سلسلة الكرامات التي أظهرها الله
لمريم، وتمهيدًا للآية العجيبة التي تنتظرها،
وهى خلق عيسى عليه السلام من غير أب،
فالكرامة تكريم لها وتشريف وتمهيد وإعداد
لها، حتى تكون مهيأة لما ينتظرها من کرامةٍ.
﴿قَالَ يَمَرْيُ أَنَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ
اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت الذي
رأى فيه الفاكهة في غير حينها، تعلق رجاؤه
بقدرة الله ورحمته ولطفه أن يرزقه الولد في
غير حينه، تقر به عينه، وينشرح به صدره
فَنَادَتْهُ الْمَلَتِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِى فِي الْمِحْرَاپِ
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِبَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيْدًا
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣)﴾ [آل عمران:
٣٩].
سأل زكريا مريم متعجبًا ومنبهرًا بما يقع
لها، سألها وقال لها من أين لك هذا؟ وكيف
وصل إليك ولا يدخل عليك غيري؟
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُّ مَن يَشَآءُ
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فعطاء الله ممدود، لا تحده
حدود، ولا تقيده قيود، وفضل الله عظيم
وخزائنه ملأى، فالله سبحانه يعطى العبد من
حيث لا يحتسب العبد.
﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ, قَالَ رَبِّ هَبْ لِ
مِنْ لَّدُّنْكَ ذُرِّيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ﴾: نبي
الله زكريا عليه السلام بلغ من الكبر عتیًّا،
وزوجه كانت لا تلد، فأسلمت أمرها لله
٣٦٤
جَوَسُـ
القرآن الكريمِ

مري
اصطفاء الله تعالى لمريم
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ
إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَنكِ عَلَى نِسَلِ
الْعَلَمِينَ ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ
٤٣
وَأَرَّكَعِى مَعَ الْرَّكِينَ
اٌلْغَيْبِ نُوحِيدٍ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ
أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ
إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٤٤].
عودٌ إلى مريم رحمها الله وإلى اصطفاء
الله، عز وجل لها، (وإذ) معطوف على ﴿إِذْ
قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِّ نَذَرْتُ﴾ والمعنى:
اذکر یا محمد إذ قالت امرأة عمران رحمها
الله واذكر أيضا ما قالته الملائكة لمريم
رحمها الله من بشارات، ففي هذه القصة
عبر وعظات ينبغي أن يتذكرها المؤمن،
ويستفيد منها، ویذکر الناس بها.
والاصطفاء: الاختيار والانتقاء والتصفية.
ومعنى اصطفاء الله تعالى مريم رضي
الله عنها: جعلها من بيت صالح، وقبلها
قبولا حسناً، وأنبتها نباتًا حسنًا، وجعل زكريا
عليه السلام لها كافلًا، وأجرى الكرامة على
يديها إكرامًا لها وإحسانًا إليها، وطهرها من
كل سوءٍ، طهرها بالإيمان والطاعة والتقى
والصلاح، والحياء والعفاف، فهي رضي
الله عنها العفيفة الشريفة الحيية النقية
الراضية المرضية، واصطفاها تعالى اصطفاء
خاصًّا بأن أكرمها بهذه المعجزة العظيمة
والآية العجيبة، حيث وهبها عيسى عليه
السلام المخلوق بقدرة الله عز وجل من
غير أبٍ ليكون آيةً للعالمين(١).
وطهرك: من الأدناس والأقذار، ونزهك
عن الأخلاق الذميمة والطباع الرديئة
بالأخلاق الحميدة والصفات الحسنة،
﴿وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَدِ الْعَلَمِينَ﴾: اصطفاء
بعد اصطفاء، والاصطفاء الثاني هو أنه عز
وجل أكرمها بهذه المعجزة العظيمة والآية
العجيبة، حيث وهبها عيسى عليه السلام
المخلوق بقدرة الله عز وجل من غير أبٍ
ليكون آية للعالمين (٢).
قال تعالى: ﴿وَحَعَطْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُمْ ءَايَةً
وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
٥٠
[المؤمنون: ٥٠].
وقيل: إن الاصطفاء الثاني هو عين
الأول، وكرر للتأكيد وبيان من اصطفاها
عليهن، ذكر ذلكِ الألوسي، وقال: ولعل
الأول أولى؛ لما أنَّ التأسيس خير من التأكيد.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٣/٨، روح
البيان، إسماعيل حقي ١/ ٣٢، روح المعاني،
الألوسي ١٥٥/٣، محاسن التأويل، القاسمي
٤ / ٩٦.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٣/٨ روح
المعاني، الألوسي ٣/ ١٥٥، محاسن التأويل،
القاسمي ٤ / ٩٦.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الميم
(حسبك من نساء العالمین بأربع: مريم بنت
عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد)(١).
مقتضيات الاصطفاء: قال تعالى:
يَمَرْيَهُ أَقْبِ لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ
الْرَّكِينَ﴾.
بعد هذه المنزلة الرفيعة والمكانة العالية
التي أکرم المولى عز وجل بها مريم: يأمرها
سبحانه - عن طريق خطاب الملائكة الكرام
لها - بأن تجتهد في العبادة شکرًا لله عز
وجل على هذه النعم والمواهب؛ ومواصلةً
للسير في طريق الهدى والصلاح.
قال الرازى: ((لما بين تعالى أنها
مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من
الله تعالى، أوجب عليها مزيدًا من الطاعات
شكرًا لتلك النعم السنية»(٢).
والقنوت لزوم الطاعة والعبادة والاجتهاد
فيها مع الإخلاص والخشوع والخضوع لله
رب العالمين (٣).
وقال الألوسى: ((والتعرض لعنوان
الربوبية؛ للإشعار بعلة وجوب الامتثال
لأوامره سبحانه)»(٤).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
باب فضل خديجة، ٦٦٠/٥، رقم ٣٨٧٨.
قال الترمذي: حديث صحيح.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٤٤.
(٣) انظر: المفردات، الراغب ص ٤١٣.
(٤) روح المعاني، الألوسي ١٥٨/٣.
وتكرير النداء ﴿يَمَرْيَهُ﴾ للتنبيه،
والإشارة إلى أهمية ما يرد فى ثناياه وفيه
تکریم لها.
وقوله تعالى: ﴿وَأُسْجُدِى وَاَرَّكَعِی مَعَ
الزَّكِعِينَ﴾: إن حملنا القنوت على مطلق
الطاعة والعبادة، فالسجود والركوع من ذكر
الخاص بعد العام لمزيد العناية والاهتمام،
وإن حملنا القنوت على القيام، فالركوع
والسجود من تتمة الأركان؛ لأن الصلاة
قیام وقعود ورکوع وسجود، وإن حملنا
القنوت على الإخلاص وعلى الخشوع
والخضوع، فالركوع والسجود من الأفعال
الظاهرة، والإخلاص والخشوع والخضوع
من الأفعال الباطنة، ولا تستقيم العبادة إلا
بصحة الظاهر وصلاح الباطن.
وفي هذا توجيه لمريم رضي الله عنها أن
تجمع بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح،
حتى يستوي الظاهر بالباطن، ويستقيم
الاعتقاد مع القول والعمل.
والآية الكريمة أمر من المولى عز وجل
لمريم رضي الله عنها أن تجتهد في العبادة
وأن تداوم على الطاعة وتطيل في القنوت،
وتكثر السجود وتركع مع الراكعين؛ حتى
تزداد قربًا من رب العالمين.
وجاء التعبيربـ ﴿وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾
ولم يقل مع الراكعات ((لأن هذا الجمع
أعم، إذ يشمل الرجال والنساء على سبيل
٣٦٦
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيمِ

مري
التغليب، ولمناسبة رؤوس الآي))(١).
قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ
إِلَيْكَّ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ
أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ ﴾: ذلك: إشارة إلى ما سبق ذكره
من أخبار عن اصطفاء الله للأنبياء وخبر
امرأة عمران وابنتها، وخبر زكريا ويحيى
عليهما السلام، وغير ذلك من الأخبار التي
جاءت بها السورة الكريمة.
إن كثيرًا من الأحداث الهامة في حياة
مريم رضي الله عنها لم نعرفها إلا عن طريق
القرآن الكريم، من ذلك حديث القرآن عن
حمل أمها بها ونذرها للعبادة، وتنافس
الأحبار على كفالتها، وكفالة زكريا لها،
واصطفاء الله تعالى لها، وغير ذلك من
مآثرها التي لم نعرفها إلا عن طريق القرآن،
إذ لم يرد لهذه الأحداث ذكر في العهد
الجدید.
ولم يرد في ((العهد الجديد)) أيضًا كلام
عيسى عليه السلام وهو في المهد، مع كونه
آية عظيمة وحجة ساطعة على براءة مريم
رضي الله عنها مما ادعاه اليهود.
بل إن أغلب الذي في العهد الجديد عن
مريم فيه تقليل من شأنها وتجاهل لکراماتها،
من ذلك على سبيل المثال:
في إنجيل مرقس إصحاح ٣: ٣٥/٣١
(١) روح المعاني، الألوسي ١٥٨/٣.
ما يفيد تجاهل المسيح لمريم وإخوته
وفيه: «وجاء حينئذ إخوته وأمه ووقفوا
خارجًا، وأرسلوا إليه يدعونه، وكان
الجميع جالسا حوله، فقالوا له: هوذا
أمك وإخوتك خارجا يطلبونك ؟
فأجابهم قائلا من أمي وإخوتي ؟ ثم
نظر حوله إلى الجالسين وقال: ها
أمي وإخوتي لأن من يصنع مشيئة الله
هو أخي وأختي وأمي )) . وورد فى
إنجيل لوقا إصحاح ١٩/٨، ٢٠ نفس
الموقف ويلاحظ من كلمة: من أمى
وإخوتى ؟ مدى تجاهله لأمه وإخوته
وضیقه بهم .
في إنجيل مرقس إصحاح ٦: ٥/٢:
((ولما كان السبت ابتدأ يعلم فى
المجمع، وكثيرون إذ سمعوا بهتوا
قائلين من أين لهذا هذه؟ وما هذه
الحكمة التى أعطيت له؟ ... أليس
هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب
ويهوذا وسمعان؟ فكانوا يعثرون به،
فقال لهم يسوع: ليس نبى بلا كرامة
إلا فى وطنه وبین أقربائه وفی بیته، ولم
يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة .
وفى عرس قانا الجليل كما ورد فى
إنجيل يوحنا ما يدل على انفعال المسيح
علی أمه وفیه». وفي اليوم الثالث كان
عرس فى قانا الجليل وكانت أم يسوع
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الميم
هناك، ودعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى
العرس، ولمافرغت الخمر قالت أم
يسوع له: ليس لهم خمر؟ فقال: لها
ما لي ولك يا امرأة ؟ لم تأت ساعتى
بعد )) يوحنا ٢: ٠٥/١ فهل يتفق هذا
مع أخلاق النبوة ؟ إن كل هذه الأخبار
كاذبة خاطئة، والمسيح عليه السلام
کان بارًا بأمه رفيقًا بها محسنًا إليها.
قال تعالى مبينًا ما قاله عيسى عليه
السلام عن نفسه وهو فى المهد.
إن ما ورد فى الأناجيل فى شأن عيسى
عليه السلام وفى شأن مريم متضارب
متناقض، بعيد عن الحقيقة، منحرف عن
الصواب، حتى شراح الأناجيل قد أصابتهم
الحيرة ووقعوا فى أخطاء وتناقضات وهم
يشرحون الأناجيل، وقصة يوسف النجار
قصة متضاربة متناقضة مدسوسة ومكذوبة،
وليس له أي صلة بمريم عليها السلام.
بشارة مريم
جاءت البشارات في سورتين: سورة
آل عمران وسورة مريم، جاء الحديث عن
البشارة مسهبا في سورة آل عمران، وجاءت
سورة مريم مفصلة لما لابس البشارة وما
أعقبها، وفيما يلي أتحدث عن البشارة في
السورتين الكريمتين:
أولًا: البشارة في سورة آل عمران:
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى
أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّنَ
(٢) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ
الصَّلِحِينَ ﴿ قَالَتْ رَبٍ أَنَّ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ
يَمْسَسْفِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءٍ إِذَا
قَضَقٌ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ ()﴾ [آل
عمران: ٤٥ - ٤٧].
بعد أن اصطفى الله عز وجل مريم رضي
الله عنها، وطهرها وأمرها بالاجتهاد في
العبادة والمداومة على الطاعة، وأوصاها
بالإخلاص والخشوع والخضوع له سبحانه،
تهيأت بذلك مريم رضي الله عنها للمعجزة
الكبرى والآية العجاب، وهي حملها بعيسى
عليه السلام على خلاف العادة بدون أب.
وكما بشرتها الملائكة بأنها المصطفاة
الطاهرة جاءتها بشارة أخرى وهي أن
المولى عز وجل اصطفاها لتلك المهمة
٣٦٨
قَضوري
◌َالنَّسَبـ
جوبيع
القرآن الكريمِ

مري
العظيمة الشأن.
(( والمراد بالملائكة هنا جبريل، والجمع
لما ذكرنا قبل من التعظيم» (١).
ولا مانع من تكرار البشارة، بشرتها أي: خلقه خلقًا حسنًا مباركًا، كما يقولون
الملائكة أولًا وعلى رأسهم جبريل، ثم
تمثل جبريل عليه السلام فى صورة بشرية
فأعاد بشارتها فأعادت تعجبها؛ زيادة فى
الاطمئنان واليقين واستفسارًا عن كيفية
تحقق هذه البشارة العجيبة.
سمى المسيح كلمة الله لأنه موجود لهما (٥).
بكلمة کن، وکل ما في الكون موجود بأمر
الله وكلمته، وإنما خص بهذا الاسم للتنويه
بهذه الآية العجيبة ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا
يَشَّةُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل
عمران: ٤٧].
ذكر ذلك الإمام الألوسى، ورجح أن أبٍ، لأنه لو ولد من أبٍ لصرح باسمه بدلًا
المسیح سمي بكلمة الله؛ لأنه وجد من غیر
أپ بكلمة کن على خلاف أفراد بنی آدم،
فكان تأثير الكلمة فى حقه أظهر وأكمل (٢).
ومعنى المسيح: المبارك (٣).
وقيل: سمي المسیح؛ لأنه كان يمسح
على عين الأعمى فيرتد بصيرًا بإذن الله،
ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله.
وقيل: يعني الصديق.
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه ممسوح بالزيت
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ٢/ ٣٤.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣/ ١٦٠.
(٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٣٦٣.
المبارك الذى كانت الأنبياء من قبله تمسح
به، وهو زيت طيب الرائحة.
وقيل: المسيح يعني: من مسحه الله؛
به مسحة جمال، والمسيخ: من مسخه الله،
أي: خلقه فى صورة قبيحة وجعله ملعونًا (٤).
وقيل: لكثرة سياحته، أي : سيره فى
الأرض.
وقیل: لأنه كان مسیح القدمین لا أخمص
وقيل: المسيح يعني: المبارك، أو لأنه
كان يمسح بيده المباركة على المريض
فيشفى بإذن الله تعالى.
وفي قوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ إشارة
إلى أن عيسى عليه السلام سيولد من غير
من التصريح باسم أمه.
والوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم على من يسأله فلا يرد
لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه
للمسألة فيرد، ووجاهته فى الدنيا بالنبوة
والتقدم على الناس، وفي الآخرة بقبول
شفاعته وعلو درجته.
وقيل: وجاهته فى الدنيا بقبول دعائه
بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٨٨/٤
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٣/١.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الميم
وقيل: بسبب أنه كان مبرءًا من العيوب إله، والإله لا يمر بهذه التقلبات، ولا ينتقل
التى افتراها اليهود عليه، وفي الآخرة ما من حال إلى حال، والمسيح سينتقل من
تقدم)) (١).
وتعرض له اليهود بالأذى والاضطهاد
لا ینقص من قدره ولا یقدح فی وجاهته
ومنزلته، فالأنبياء هم أشرف خلق الله،
وأكرمهم وأعزهم، وقد تعرضوا للأذى
والتضييق، فلم يزدهم ذلك إلا عزة ورفعة،
وكرامة وإباء، وعزيمة ومضاء، وإيمانًا
وتسليمًا ويقينًا وتثبيتًا ونصرًا ونجاة.
﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ عند الله تعالی وعند
كَلّمُ النَّاسَ فِي
الناس بالقبول والإجابة،
الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ كلامه فى
المهد حین أنطقه الله عز و جل ببراءة أمه من
اتهام اليهود عليهم لعنة الله.
والكهولة فى الأربعين. وقيل: ثلاث
وثلاثین، والكهل ما اجتمعت قوته وکمل
شبابه(٢)، أما عن كلامه فى الكهولة: فقيل:
ذکر هنا لتبشير أمه بأنه سيبلغ مبلغ الرجال،
وقيل: لبيان فصاحة كلامه وبلاغته فى المهد
وفى الكهولة على السواء، وقيل: إشارة إلى
أنه سيرفع إلى السماء ثم ينزل إلى الأرض
فى آخر الزمان فیکلم الناس، وقد بلغ سن
الكهولة (٣).
وقيل: رد على النصارى الذين زعموا أنه الإسلامى لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا
(١) روح المعاني، الألوسي ١٦٢/٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٥١.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٦٣/٣.
حال الطفولة إلى حال الكهولة، والمتنقل
من حال إلى حال حادث ومتغير، والحدوث
والتغير يتنافى مع صفة الألوهية، ومن فوائد
كلامه فى المهد: إثبات براءة أمه، وبيان
عبوديته لله ونبوته وبركته وبره بأمه، ونفي
کونه جبارًا شقیًّا، فهو برٌ رحيمٌ رفیقٌ حليم .
قالت مريم رحمها الله متعجبة من
هذه البشارة العجيبة، ومتسائلة عن كيفية
وقوعها: ﴿رَبِّ أَنَّ يَكُونُ لِ وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى
بَشَرٌ﴾ وجاءها الجواب: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ
مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَقَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قال صاحب الظلال: « وجاءها الجواب،
يردها إلى الحقيقة البسيطة التى يغفل عنها
البشر لطول ألفتهم الأسباب والمسببات
الظاهرة، لعلمهم القليل، ومألوفهم
المحدود: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءٍ إِذَا قَضَقَ
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ,كُنْ فَيَكُونُ﴾ وحين يرد الأمر
إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب،
وتزول الحيرة، ويطمئن القلب، ويعود
الإنسان إلى نفسه يسألها فى عجب: كيف
عجبت من هذا الأمر الفطرى !!
وهكذا القرآن الكريم ينشئ التصور
اليسر الفطري القريب، وهكذا كان يجلو
الشبهات التى تعقدها الفلسفات المعقدة،
٣٧٠
مُؤْو ◌َةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم

مري
ويقر الأمر فى القلوب وفي العقول على وكيف رزقه الله عز وجل، الولد مع كبر سنه
السواء)»(١).
ثم تمضي الآيات بعد ذلك في سورة
آل عمران لتواصل الحديث عن صفات
المسیح علیه السلام ونعم الله علیه وتأییده
له بالمعجزات التي تدل على نبوته، كما
تدل على بشريته، وعن حقيقة رسالته التي
جاء بها، ويطوي السياق الحديث عن مريم
رحمها الله، وينتقل للحديث عن المسيح
ابن مريم وعن موقف الناس من دعوته .
ثانيًا: البشارة في سورة مريم:
ورد الحديث عن البشارة ومقدماتها، وما
تبعها في سورة مريم.
قال تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِي الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ
أَنَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ، فَأَتَّخَذّتْ
مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ
لَهَا بَشَرَا سَوْنًا قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن
كُنْتَ تَقِيًّا ) قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ
لَكِ غُلَمَّا زَكِيًّا ؟ قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ
غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أٌَ يَغِيًّا ، قَالَ
كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنَّ وَلِنَجْعَلَهُ:
ءَايَةٌ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأْ وَكَانَ أَمْرًّا مَّقْضِيًّا
﴾ [مريم: ١٦ - ٢١].
بعد أن تحدث المولى عز وجل عن
زکریا علیه السلام و کمال عبوديته لله تعالى،
(١) في ظلال القرآن ١/ ٣٩٨.
وعقم زوجته، يتحدث المولى عز وجل
عن خلقه عيسى بدون أب، فالقصة الأولى
بمثابة التمهيد للقصة الثانية، وإذا كان مولد
يحيى آيَةٌ عجيبة فإن ولادة عيسى آیةٌ عجاب.
قال تعالى: ﴿وَاذَكُرْ فِ الْكِنَبِ مَريمَ إِ
أَنْتَّبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرِفِيًّا ( فَتَّخَذَتْ
مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ
لَهَا بَشَرَاسَوِيًّا ﴾ [مريم: ١٦ -١٧].
اذكر في القرآن الكريم؛ لأن القصص
القرآني هو الزاد الذي يتزود به المؤمن
في حياته والنور الذي يضيء له الدروب،
ومن ثم فلا بد من دوام التأمل والتدبر في
القصص القرآني والاعتبار به، والاقتباس
من أنوار الأنبياء والصديقين، وفي ذکر مريم
في هذا السجل الخالد تشریف وتکریم لها.
وقوله تعالى: ﴿إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا﴾ اتجهت إلى شرقي بيت المقدس
لتعتكف وتخلو للعبادة، ففي الخلوة رياضة
للنفس، وسمو بالروح، وشحذ للهمة،
وصفاء للقلب، وزيادة قرب من المولى عز
وجل.
وإنما جاءها الملك في هذا المكان
الطاهر المبارك كما جاء لزكريا عليه
السلام وهو قائم يصلى في المحراب،
حيث البركات والرحمات والنفحات،
﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: أي: جعلت
www. modoee.com
٣٧١

حرف الميم
بينها وبينهم سترًا حتى لا يشغلها شيء عن
العبادة، وحتى تستأنس بالحق عن الخلق،
وينصرف قلبها للعبادة، ولا تختلط بالرجال،
﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُوحَنَا﴾ جبريل عليه السلام،
وسمي علیه السلام روحًا؛ لأن الدين أساسه
الوحي، وهو أمينه، فبالوحي حیاة الدین،
كما يحيا الجسد بالروح وكما تحيا الأرض
بالماء.
والإضافة في ﴿رُوحَنَا﴾ للتشريف
والتعظيم، وبيان أن جبريل عليه السلام
مرسل من قبل رب العالمين منزلٌ بأمره،
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًا﴾: ظهر لها جبريل
عليه السلام في صورة جميلة وهيئة حسنة؛
لكنها بادرت إلى اللجوء والاعتصام بالله
تعالى، مخاطبة في هذا الذي قطع عليها
خلوتها تقواه، وإنما تمثل لها عليه السلام
بهذه الصورة لتستأنس به ولا تنفر منه،
ولأنها لا تطيق رؤيته عليه السلام بصورته
الطبيعية.
﴿قَالَتْ إِّيَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ
تَّقِيًّا﴾: استعاذت رضي الله عنها بربها من
ذلك الذي قطع عليها خلوتها ودخل بغير
إذن، وفي استعاذتها بالله تعالى ما يدل
على كمال إيمانها، وورعها وتمام عفافها،
وشدة حيائها وحسن أدبها، ولباقتها وسرعة
بديهتها، وفي استعادتها بالرحمن توجه إليه
سبحانه أن يرحم ضعفها ويصرف عنها
السوء، فقد شملها تعالی برحمته في سائر
أحوالها، وهي الآن أحوج إلى أن تداركها
رحمة الرحمن، وفى الاستعاذة أيضا استثارة
واستنهاض لبواعث الرحمة والتقوى في
قلب ذلك القادم، فھو إن كان رحيمًا فسوف
يرحم ضعفها ووحدتها، وإن كان تقيًّا فسوف
ينصرف عنها ولا يمسها بسوء.
قال أبو العالية : «قد علمت أن التقی ذو
نهية (١))(٢).
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَيِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
غُلَمَا زَكِيًّا﴾: بادر جبريل عليه السلام
إلى إزالة خوفها، ووضح لها أنه ملكٌ من
ملائكة الرحمن، جاء بأمر من عنده سبحانه
لیھب لها غلاما زکیًا، أي غلامًا طاهرًا مباركًا
((وعبر باسم الرب المتقضي للإحسان لطفًا
بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة،
ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على
خلص عباده))(٣).
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى
بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: علمت وأيقنت أن
هذه البشارة صادقة، وأن الذي بین یدیھا
ملكٌ مرسل من عند الله، ولكنها تعجبت
وتساءلت عن كيفية تحقق هذه البشارة
العجيبة؛ لأن العادة أن الولادة لا تكون إلا
(١) أي: ذو عقل وانتهاء عن فعل القبيح.
انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص ٥٦٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٥/٣.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ٤ / ٥٢٧.
٣٧٢
بَرُ الْتَطِّـ
جَوَبُو
القرآن الكريم

مري
عن حملٍ، وهي رضي الله عنها لم يمسسها ذلك إشارة إلى الوحدة القرآنية، فكل آية
بشرٌ بزواج، وحاشاها أن تكون بغيا.
﴿قَالَ كَذَلِكٍ﴾: أي الأمر كما تقولين
من أنك غير متزوجة ولست بغية، ﴿قَالَ
رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ فالمولى عز وجل هو
القادر، وقدرته مطلقة وإرادته نافذة، لا
يحدها حدود ولا تقیدها قیود، ومن خلق
آدم من غير أم ولا أب وخلق حواء من آدم:
قادر على خلق عيسى من أم دون أب.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ دلالة وعلامة
وحجة وبرهان على قدرة الله عز وجل كما
قال تعالى ﴿وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُرْ ءَايَةٌ ﴾[
المؤمنون: ٥٠ ].
﴿وَرَحْمَةً مِّنَا﴾ رحمة من الله عز وجل
لمریم، ولکل من آمن برسالته عليه السلام،
فهو رحمة لمريم؛ لأنه إكرام لها من الله
واصطفاء لها على نساء العالمين بهذه الآية
العجيبة الفريدة، ورحمة لها؛ لأنها صارت به
أم نبيٍ له وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة،
ورحمة لكل من آمن به، فالأنبياء جميعهم
رحمةٌ مهداةٌ، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ أمرًا
مقدورًا من الله عز وجل ونافذًا فلا رجوع
فیه.
ولقد طوى السياق القرآني في سورة
مريم الحديث عن نفخ روح القدس عليه
السلام في مريم، وجاء الحديث عن النفخ
في سورة الأنبياء وسورة التحريم، وفي
لها سياقها الذى ينتظم مع سابقها ولاحقها،
وكل آية لها صلتها بموضوع السورة، ولها
اتصالها بالسياق العام للقرآن الكريم.
في سورة الأنبياء قال المولى عز وجل:
﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن
زُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ
﴾ [الأنبياء: ٩١].
وفي سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ
أَلَّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهِ مِنْ زُوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ
الْقَنِينَ ﴾ [التحريم: ١٢].
والآية الأولى في سياق الحديث عن نعم
الله عز وجل ورحمته بالأنبياء وآلهم، وفيها
بيان لما كانت عليه مريم من العفة والطهارة،
وأن الله عز وجل قد أرسل إليها جبريل،
فنفخ فيها لتحمل بولد من غير أب، لتكون
وابنها آية للعالمين.
وفى سورة التحريم تلك السورة التى
تعالج بعض الأمور التى حدثت فى بيت
النبوة، بين أمهات المؤمنين، يوضح المولى
عز وجل أن قرابة النسب لا تغنى عن قرابة
الدين، فالعبرة بالإيمان والعمل الصالح.
ومريم بنت عمران نشأت فى بيت
صالح، وكانت عفيفة شريفة، مؤمنة صديقة،
اختارها المولى عز وجل لتكون وابنها آية
للعالمين.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الميم
قال تعالى ﴿وَمَرْيَمْ أَبْنَتَ عِمْزَنَ اُلَِّ أَحْصَنَتْ
فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَِّينَ ﴾
[التحريم: ١٢].
حمل مريم بعيسى عليهما السلام
قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ،
مَكَانَا قَصِيًّا ، فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْع
النَّخْلَةِ قَالَتْ يَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا
مَنْسِيًّا (٣)﴾[مريم: ٢٢-٢٣].
سكنت مريم لأمر الله ورضيت بقضاء
الله، وأيقنت أن تلك إرادة الله وحكمته،
ونفخ فیھا روح القدس فحملت بعیسی علیه
السلام، فاتجهت بحملها بعيدًا عن قومها،
وكان حملها طبيعيًّا كما تحمل سائر النساء،
حملته إلى مكان بعيد عن قومها حتى لا
يتعرضوا لها بسوء، وهذا المكان القصي هو
شرقي بيت لحم، حيث ولد المسيح عليه
السلام.
كما ورد في الحديث الذي رواه النسائي
في السنن والبيهقي في دلائل النبوة، عن
أنس بن مالك رضي الله عنه من حديث
الإسراء، وفيه قال صلى الله عليه وسلم
(ثم قال: انزل فصل، فنزلت فصليت، فقال
أتدري أين صليت ؟ صليت ببيت لحم؛
حيث ولد عيسى عليه السلام) (١).
وفي صلاته صلى الله عليه وسلم في
هذه البقعة المباركة التي شهدت ولادة نبي
الله عيسى تكريمٌ لهذا النبي.
والظاهر المتبادر من سياق الآيات أنها
(١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الصلاة، باب
فرض الصلاة، رقم ٤٤٦.
٣٧٤
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريم