Indexed OCR Text

Pages 61-63

المسؤولية
سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول
الله، ألا نقاتلهم، قال: لا ما صلوا)(١).
خلاصة القول: إن الإنسان لا يسأل عن
عمل غيره ولا يؤاخذ بسیئه، إلا ما كان هو
السبب فیه، أو الداعي إليه، أو كان راضيًا عنه
راغبًا فيه بأن يعمل مثله؛ وذلك في الحقيقة
من جملة عمله هو؛ لأنها إما آثار عمل
جوارحه، أو هي أعمال قلبه. فلا يكتب
عليه إلا ما سعى عدلًا. ومن فضل الله على
عبده المؤمن أنه تنفعه بعض أعمال غيره من
المؤمنين كالدعاء - وهو شفاعة-، والصدقة
والحج عنه.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف
الشرع، رقم ٣٤٥٢.
أثر فقه المسؤولية على سلوك العبد
الفقه هو الفهم الدقيق، والعبد الذي يفقه
المسؤولية على وجهها الصحيح يتأثر بذلك
في سلوكه تأثرًا بلیغًا، حیث یعرف السائل
والمسؤول عنه، ويعرف مبدأ المسؤولية
ومآلها، ويعرف كيفية التتبع والمحاسبة،
ویعرف فحوی السؤال ووقته. فمن عرف
ذلك كله أيس من النجاة إلا بسلوك سبيل
الحق، وتخلق بالتقوى والصدق، واستعد
ليوم الحساب، وعمل ليوم المآب، فجاء
سلوكه مستقيمًا متوافقًا مع الشريعة ظاهرًا
وباطنًا، وأناب واستجاب وأسلم لله.
إن معرفة السائل، وهو الله سبحانه،
تورث الإيمان به ربًّا، کما تورث محبته،
ورجاءه، والخوف منه سبحانه؛ محبته
سبحانه لجليل صفاته، وعظيم إنعامه
وفضله، ورجاءه لعظيم رحمته ومنته
وآلائه، وقبوله التوبة والشفاعة، وعفوه عن
السيئات، ومضاعفته للحسنات، والخوف
منه سبحانه لعظیم عقابه وشدید غضبه،
وأليم عذابه وبليغ انتقامه. وهذا يجعل طاعة
أوامره والانتهاء عن نواهيه امتثالًا أولی ما
يتقرب به العبد إليه من القربات، وتلك هي
التقوى، فيأتي سلوك العبد مستقيمًا متسقًا
مع منظومة السلوك الإسلامي المستفادة
من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
www. modoee.com
٤٥١

حرف الميم
﴿ بسمِ اللهِ الرَّحْمن
وسلم، والله سبحانه يقول:
الرَّحِيمِ ل الْعَمْدُ للَّهِ تَبِ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ
الرَّحِمِ ن مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ن إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّكَ
نَسْتَعِينُ ٥ أَهْدِنَا الْضِرَّطَ الْمُسْتَغِيَمَ ا مِرَطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الصَآلِينَ
٥﴾ [الفاتحة: ١- ٧].
فأعظم ثمرات فقه المسؤولية إذًا: توحید
الله سبحانه توحيدًا خالصًا، والإذعان لأمره،
والافتقار إليه، والاستقامة على طاعته،
﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء:
٦٩].
ومعرفة المسؤول عنه تفضي إلى
الاهتمام والعناية به، وتوجه سلوك المسلم
نحوه، فلا يتشتت جهد الإنسان في مذاهب
شتى، ویضطرب في تحديد الأولويات، ولا
یحجم عن العمل بالكلية، بل يتوجه نحو
المسؤول عنه بالرعاية التي يستحقها ليأتي
شرط السائل على الوجه المراد، ويتحرى
فيه الإتقان والإحسان، فتترتب الأولويات،
ويكون التركيز على المهمات، ويكون
الانشغال بالغايات.
أما معرفة مبدأ المسؤولية ومآلها:
التكليف الرباني، والحساب الأخروي؛
فتورث تعظيم المسؤولية في النفوس،
وتجذيرها في الهموم، فتجد من الرعاية ما
تستحق، ومن العمل ما تحتاج، ومن السعي
ما يقوم بها على وجهها.
وأما معرفة كيفية التتبع والمحاسبة،
فتفضي بالإنسان إلى المراقبة، إذ أن كل
شيء محصى، وكل عمل مكتوب، والله
تعالى منه قريب؛ قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسَوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: ١٦].
فيحصل من ذلك الإحسان: أن تعبد الله
كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأما
المحاسبة فإن معرفتها تؤدي إلى الاستعداد،
والتوبة من الزلات، والندم على التفريط
وعلى ما فات، والعزم على الرشد، والعمل
في جد واجتهاد. فمن أدرك المحاسبة
وعرف مآلاتها رجا النجاة مقتصدًا أو سابقًا
بالخيرات، والنجاة يوم القيامة فوز.
﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْوُثِّ
قال سبحانه:
وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةٌ فَمَن
زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا
الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْمُرُورِ
[آل
عمران: ١٨٥].
ومن عرف أن السؤال یکون بعد العمل،
وأن فحواه الطاعة والعصيان، عمل بطاعة
الله، وخاف من عصیانه وتاب وأناب إذا
عصاه، واجتهد في وقت العمل للفوز يوم
الحساب، ﴿وَأَلْوَزَّنُ يَوْمَيدٍ الْحَقُّ فَمَنْ تَقُلَتْ
مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وَمَنْ
٤٥٢
جوبيع
القرآن الكريمِ

المسؤولية
خَفَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا
كَانُواْ بِعَايَتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٨-٩].
ومن فقه أنه مسؤول يقينًا غلب عليه
الإشفاق، ومن غلب عليه الإشفاق في
الدنیا فهو خائف من عذاب الله راج رحمة
الله محبُّ لله فإنه يعمل بطاعة الله، ويمتثل
أمره، ويؤدى ما عليه من المسؤولية، وعن
أمثال هؤلاء.
قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلََّلُونَ
(٥) قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ
٢٧
فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ
إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ
[الطور: ٢٥-٢٨].
٢٨
في الآخرة حین یری کتابه و کسبه هلك.
قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُحْرِمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَنَا مَالِ هَذَا
اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
﴾ [الكهف: ٤٩].
أَحَدًا @
﴿تَرَى الظَّالِمِينَ
وقال سبحانه:
مُشْفِقِينَ مِنَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ
بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ
عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ الْكَبِيُرُ
٢٢
[الشورى: ٢٢].
ففقه المسؤولية يورث الإشفاق في وقت
العمل والإنابة، والإشفاق يدفع لامتثال
أوامر الله سبحانه، والاستقامة على الشرعة،
وأداء المسؤوليات على أفضل الوجوه.
إن فقه المسؤولية إذًا يؤثر إيجابًا على
سلوك العبد تأثيرًا بليغًا، إذ يؤثر على
التصورات، والدوافع، وطريقة التفكير،
والأخلاق والصفات والعادات، ومنهج
تقييم التصرفات؛ فيهديه للإيمان، ويوقظ
في نفسه الإحسان، ويدفعه للعمل، ويحمله
على الإتقان، ويدعوه للصدق والأمانة
ومكارم الأخلاق، وطيب الخلال، ويلزمه
الاستقامة على الشرعة والاستجابة لله
ولرسوله، وأداء الحقوق والواجبات على
ومن أيقن بالسؤال وغلب عليه الإشفاق وجهها، إيمانًا واحتسابًا.
موضوعات ذات صلة:
الأمانة، الجزاء، الحساب، العقاب
www. modoee.com
٤٥٣