Indexed OCR Text
Pages 21-40
المسؤولية ٢٥-٢٦]. فالمرجع والمنقلب إلى الله سبحانه، والحساب والجزاء عليه سبحانه على وفق العمل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (١). وقال سبحانه: ﴿لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى اٌلْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَكَةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قال الطبري: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ ﴾ يعني بذلك: يحتسب به عليكم من أعمالكم، فمجاز من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر لمن شاء منكم من المسيئين (٢). القضاء والجزاء: قال سبحانه في القضاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى ٩٣ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: ٩٣]؛ أي: یحکم بينهم ویفصل يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي (٣). والحكم والفصل بالعدل بين المتنازعين والمختلفين يقتضي الحساب والسؤال والتقرير بالوقائع. وقضاء الله مبني على العدل والإحسان، فلا تظلم نفس شيئا. قال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيَامَةِ فَلاَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٩/٨. (٢) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٠١-١٠٢. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٨١/٨. مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَفَىبِنَا حَسِبِينَ (٣)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال سبحانه في الجزاء: تَجْزَى الْيَوْمَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتَّ لَاُظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهُ سَرِيعُ اْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]. وهو إخبار عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب؛ یقول: الیوم یثاب كل عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه (٤). وقال جل من قائل: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْمَنِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا [الجاثية: كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢) ٢٢]. كما في الحديث القدسي: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصیھا لکم ثم أوفیکم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا یلومن إلا نفسه)(٥). وقال سبحانه: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّمَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ: سَوْفَ يُرَى ) ثُمَّ يُجْزَنُهُ [النجم: ٣٩-٤١]. ٤١ الْجَزَّآءَ الْأَوْفَى أي: يجزى الإنسان بسعيه الجزاء الأكمل والأتم (٦). والآيات في ذكر الجزاء وترتيبه بعد (٤) جامع البيان، الطبري ٣٦٦/٢١. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم، رقم ٤٦٨٠. (٦) معالم التنزيل، البغوي، ٧/ ٤١٧. www. modoee.com ٤١١ حرف الميم الابتلاء كثيرة. والله سبحانه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم إذ يعفو عن كثير، فلا يحاسب المؤمنين بحديث النفس، ويغفر الكثير من الخطأ والزلات، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. وقد جمع الله سبحانه في آية الأنعام المعاني السابقة؛ فقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوَا إِلَى اَللَّهِ مَوْلَّهُمُ الْحَقُّ أَلَا لَهُ اَلْنَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اْحَسِيِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. فالرد كالرجع في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨](١)، قيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق مالك الكل ومتولي الأمور، الذي له القضاء دون خلقه، وهو إذا حاسب فحسابه سريع؛ لأنه لا یحتاج إلی فكرة ورؤية وعقد ید (٢)، بل إنه سبحانه أسرع من يحاسب فلا يتأخر جزاؤه(٣). (١) المفردات، الراغب الأصبهاني، ١/ ٣٩٣. (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٥١/٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٢٨٠. المسؤول أولًا: الرسل عليهم السلام: والرسل عليهم السلام في القرآن: هم من اختارهم الله سبحانه واصطفاهم من الملائكة والناس، وكلفهم بإنفاذ ما شاء من قدره، أو بلاغ ما شاء من رسالاته وشرعه؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسَِّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٧٥]. فالملائكة رسل الله فيما شاء من شرعه وقدره، ورسله من الناس لإبلاغ رسالاته، وهو سمیع لأقوال عباده بصیر بهم عليم بمن يستحق ذلك منهم، قال سبحانه: ﴿الهاَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤). وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا بِالحَقِ﴾ [الحجر: ٨]. قال: بالرسالة والعذاب(٥). أما الملائكة فإنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ قال تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقال سبحانه ردًا على من قال إن الملائكة بنات الله: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَّ الرَّحْمَنُ وَلَدَّا سُبْحَنَةٌ بَلْ عِبَادٌ تُكَّمُونَ ن لَا (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٥٤/٥. (٥) جامع البيان، الطبري، ٦٨/١٧. ٤١٢ جوببيو القرآن الكريمِ المسؤولية يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوَّلبِ وَهُم بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا ٢٧ يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨]. فأبطل الله سبحانه دعوى القائلين بذلك، بوصفهم بأنهم عباد مكرمون بكرامته سبحانه لهم، مقربون عنده، وبأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يقولون شيئًا حتى يقوله، أو یأمرهم به، وفي هذا دلیل علی کمال طاعتهم وانقیادهم. ثم وصفهم بأنهم العاملون بما يأمرهم به سبحانه، التابعون المطيعون له (١). وبمثل هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلَ أَجْنِحَةٍ مَّتْفِى وَثُلَتَ وَرُبَحَّ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٢)﴾ [فاطر: ١]. قال السعدي: وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا، ولم يستثن منهم أحدًا، دليل على كمال طاعتهم لربهم، وانقيادهم لأمره (٢). فلا يقع عليهم السؤال والمحاسبة إذ لا تقع عليهم المسؤولية والتبعة. وهذا هو الأصل. وأما الرسل من البشر، فالمسؤولية في حقهم ثابتة، وسؤالهم في القرآن وارد في غير موضع؛ قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ (١) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ٩٣٣ -٩٣٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٠٣. أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧] . يعني لنسألن الأمم عن إجابتهم الرسل، ﴿وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ ﴿وَمَا كُنَّا غَيِينَ﴾ عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا(٣). مقاصد سؤال الرسل: إن الرسل أحرى الخلق بالاستقامة على الحق، ولكن ثبت سؤالهم في القرآن الكريم في غير موضع، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. والرسل يسألون عن الإبلاغ كما تقدم، والله سبحانه غیر غائب عن خبرهم بل یعلم جميع ذلك، فلم يسألهم؟ والجواب أن الله سبحانه يسأل الرسل يوم القيامة لمقاصد عظيمة؛ منها: ١. إقامة الشهادة. قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ( ٤٢ [النساء: ٤١ - ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. (٣) معالم التنزيل، البغوي، ٢١٤/٣. www. modoee.com ٤١٣ حرف الميم وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَّتِ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءٍ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. فهذه الآيات توضح أن سؤال الرسل عن البلاغ إقامة للشهادة على أقوامهم بأن أمر الله ودعوته وعهده قد وصلتهم، کما یشهد الرسل على إجابتهم ما داموا فيهم، كما جاء في التنزيل على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيِهِمْ فَلَمَّا تَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَ كُلِّ ﴾ [المائدة: ١١٧]. شَىْءٍ شَهِيدُ ® ٢. تبکیت وتوبيخ المكذبين وتحقيرهم. وذلك لما يرون من تبرؤ معبوديهم من عبادتهم، وإثبات وصول دعوة الحق لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُوِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِىِ بِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدٍ عَلِّمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ( مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَّا أَمْتَّفِى بِه أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا. دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٦- وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ قال القرطبي: واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين؛ أحدهما: أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع(١). تعريف الرسل بما غير أقوامهم من بعدهم: وهذا هو القول الثاني في الآية السابقة، فإنه سبحانه بهذا السؤال قصد تعريف عيسى عليه السلام أن قومه غيروا بعده، وادعواعليه ما لم يقله(٢). سلوك الرسل حال السؤال: يظهر الرسل حال سؤالهم عظيم تنزيههم لربهم وتعظيمه ومعرفة قدره سبحانه، وعظيم امتثالهم لأمره وشرعه، وعظيم تواضعهم لله وافتقارهم إليه، واستحالة ادعائهم ما ليس لهم بحق، وجواب عیسی عليه السلام عن السؤال مثال بين على ذلك. وفي سورة المائدة يسأل الله سبحانه الرسل عما أجابتهم أممهم، وكيف ردوا علیهم حین دعوهم إلى طاعته وتوحيده، قال عز من قائل: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اٌلْغُيُوبِ ﴾ [المائدة: ١٠٩]. فردوا إليه سبحانه العلم إذ أجلوه وتأدبوا (١) معالم التنزيل، البغوي، ١٢١/٣-١٢٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٧٥/٦. (٢) المصادر السابقة. ١١٧]. ٤١٤ جَوَبي القرآن الكريمِ المسؤولية معه فيما عندهم من العلم، وفزعوا من هول كلامه، ويكون المعني بالرسول -بالتالي- يوم القيامة، واعترفوا بفوات ما غاب منهم مما هو في صدور الناس، أو مما أحدثوا بعدهم، ومما كان من عاقبة أمرهم(١). وفي سلوك الرسل حال السؤال إظهار منهجهم في أداء رسالاتهم وأنهم يبلغون رسالات الله ويخشونه، كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. و کمال تأدبهم مع الله سبحانه، والتسليم لأمره ولحکمته. مسؤولية الرسل: مسؤولية الرسل في مقام الرسالة تقتصر على البلاغ المبين؛ قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]. وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة(٢). وقال عز من قائل: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْفَقَدْ كَذَّبَ أُمَّدٌ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا اٌلْبَغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨]. إبراهيم عليه السلام تكملة لما سبق من (١) معالم التنزيل، البغوي، ١١٥/٣- ١١٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٢/٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٣/١٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٤٠. إبراهيم، وهذا إظهار في مقام الإضمار لتقرير أن واجب الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا (٣). وقال تعالى على لسان الثلاثة الرسل في معرض ضرب المثل لمشركي قريش بأصحاب القرية: ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ (١٧) ﴾ [يس: ١٦-١٧]. وقد جاء بيان أن مسؤولية الرسل في مقام الرسالة مقتصر على البلاغ المبين في مقام التهديد والوعيد خطابًا للمرسل إليهم، كما جاء في مقام التسلية والتعزية والتخفيف خطابًا للرسل؛ فمما جاء خطابًا للمرسل إليهم قوله تعالى: ﴿ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]. قال أبو جعفر الطبري: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، فمهمة الرسول أن يؤدي إليكم رسالتنا، والله المطلع على المطيع والعاصي؛ لأنه يعلم ما عمله العامل في الظاهر بجوارحه، وما وهذه الآية تحتمل أن تكون من كلام أخفاه في نفسه من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق(٤). ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُواْ (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢٧/٢٠. (٤) جامع البيان، الطبري، ١١ / ٩٦. www. modoee.com ٤١٥ حرف الميم اَللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]. وهذه الآية أيضًا في مقام التهديد والوعيد؛ فهو سبحانه يقول للناس: إن الرسول قد أعذر إلیکم بالإبلاغ والله ولي الانتقام ممن عصاه وخالف أمره (١). ومما جاء خطابًا للرسل قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢]. وهو خطاب للنبي صلی الله عليه وسلم أن يخفف عن نفسه، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم إن قابلوه بالإعراض وعدم الاستجابة، فيخبره سبحانه أنه ليس عليه من لوم ولا عذل إذ أدى ما عليه من بلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا(٢)، ويقول له: فلا عليك منهم (٣). ومنه أيضًا قوله سبحانه: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَّ أَزْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا البَلَغَة [الشورى: ٤٨]. وتعني: أن الله لم يرسلك رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحصيها، فإن أعرضوا ولم يستجيبوا لك فدعهم، فما عليك إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، فإذا بلغتهم فقد أديت ما عليك (٤). (١) المصدر السابق ٤٢٢/٢٣. (٢) المصدر السابق ١٧/ ٢٧٢. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٩٢/٤. (٤) جامع البيان، الطبري، ٢١/ ٥٥٦. القرآن الكريم فيظهر من ذلك كله أن مخاطبة المرسل إليهم عن انحصار مهمة الرسل في البلاغ المبين فحواه: التهديد والوعيد بأن خصمهم ليس هو الرسول وإنما من بعثه وهو الله سبحانه وليسوا بأهل لخصومته. ويظهر أن الغرض من مخاطبة المرسلين بذات الخطاب؛ وهو: التخفيف عنهم، وتسلیتهم، وبيان لحدود واجبهم. والرسل في مقام العبودية مخاطبون بفروع الشريعة كما هو شأن عامة المؤمنين، وبالتالي فهم مسؤولون عما أسند إلى عامة المؤمنين من مسؤوليات، فليس معنى اقتصار مسؤوليتهم على البلاغ أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، بل إن الله سبحانه أمرهم بما أمر به المؤمنين، لكنها مسؤولية خاصة. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ حُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِنِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء یا رب یا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب ٤١٦ المسؤولية لذلك)(١). ثانيًا: المؤمنون: إن الله سبحانه كما يسأل الرسل فإنه يسأل المؤمنين، وقد ثبت في القرآن مسؤولية المؤمنين في غير ما آية. قال سبحانه: ﴿وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآَةٌ وَلَتُكَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]. يأتي هذا الحديث في معرض وصايا للمؤمنين، حيث أمرهم الله سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، كما أمرهم بالوفاء بعهد الله ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وغيرها. وهذا السياق يدل على أن المسؤولين هم المؤمنون. فالمؤمنون مسؤولون يوم القيامة. وقال تعالى: ﴿لَيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨]. وجملة الأقوال في المقصود بالصادقين أربعة؛ منها: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، فيشمل بذلك المؤمنين. وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم ١٦٩٢. رجح القرطبي أن يكون المقصود بالذكر هنا القرآن لانبناء الكلام عليه ورجوع المصير إليه. وأشار الماوردي(٢) إلى قولين في قوله تعالى ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ أحدهما: من اتبعك من أمتك، والثانى: لقومك من قريش. والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم. وقد وردت الأدلة المتكاثرة أنه لا فضل إلا بالتقوى، وقد قال صلی الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرین)(٣). فيكون المقصود بقومك المؤمنون، ويكون السؤال عن الشكر عن رفع القدر بهذا القرآن، أو تسألون على ما أوتيتم. وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُّتْشَلُونَ﴾ أي: عن الشكر عليه؛ قاله مقاتل والفراء. وقال ابن جريج: أي: تسألون أنت ومن معك على ما أتاك. وقيل: تسألون عما عملتم فيه؛ والمعنى متقارب (٤). كذلك فقد ثبت في القرآن الكريم أن أمة الإجابة تشهد، ولا تكون الشهادة إلا إجابة (٢) النكت والعيون، الماوردي، ٢٢٧/٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمةً من فقهٍ أو غيره فعمل بها وعلمها، رقم ١٣٥٩ . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/ ٩٤. www. modoee.com ٤١٧ حرف الميم عن سؤال. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وأمة الإجابة هم المؤمنون في الجملة. ثالثًا: الكافرون: إن سؤال الكافرين ثابت في القرآن في آيات كثيرة جدًا، وسؤال الله للكفار في القرآن کله توبيخ و تقریع(١). ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ومن ذلك قوله تعالى: مِن دُونِ ٢٢ ◌َمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ ) [الصافات: مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾ ٢٢ - ٢٥]. وقوله سبحانه: ﴿فَوْرَبِّكَ لَنَشَْلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. وقال عز من قائل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]. وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِ يهِمْ فَيَقُولُ مَاذَاً أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْفِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَتِكَةَ (١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ٧. الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَشَهِدُواْ خَلْفَهُمَّ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَهُمْ تَاللَّهِ لَتُشْعَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]. وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ أَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم [الغاشية: ٢١-٢٦]. وقد يشكل على البعض سؤال الكافر بسبب بعض الآيات التي تشير إلى حجب الكفار وعدم سؤالهم وعدم تکلیمهم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُسْتَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وقوله عز من قائل: ﴿فَوَّمَيٍِ لَّا يُسَّلُ عَن ذَلْبِهِإِنسُ وَلَا جَانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدٍ وقوله تعالى: اللّهِ وَأَيْمَنِمْ تَمَتَلَغَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى اْلَآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقوله سبحانه: ﴿كلَّ إِنَّهُمْ عَن ◌ِِّهِمْ یومیدٍ ◌َّحْجُوبُونَ﴾﴾ [المطففين: ١٥]. والذي يظهر أنهم مسؤولون لآية الحجر السابقة، ولقوله سبحانه: ثُمُ وَقِفَوْهَمْ ﴾ [الصافات: ٢٤]. مَسْئُولُونَ ٤١٨ فَضْو جَوَبُو ◌َرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ المسؤولية عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦](١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (ما منکم أحدٌ إلا سیکلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمانٌ، فینظر أیمن منه فلا یری إلا ما قدم، وینظر بین یدیه فلا یری إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرةٍ)(٥) أن يكون المقصود المؤمنون، كما يحتمل أن يكون المقصود العموم. وقوله سبحانه: ﴿لَنَسَْلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: توبيخا وتقريعًا(٣). وقيل: لنسألنهم أجمعين يعني المؤمنين المكلفين، بيانه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. والقول بالعموم أولى كما ذكر (٤). ويحتمل في الحديث عن عدي بن (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٦١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٦١. (٣) معالم التنزيل، البغوي، ٣٩٥/٤-٣٩٦. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٦١. وقد جمع القرطبي توجیهات الجمع بین الآيات عند أهل العلم في وجهين؛ الوجه إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى الأول: أن القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فیه. وهو قول عكرمة؛ قال: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. رابعًا: المنافقون: الوجه الثاني: وهو قول ابن عباس؛ قال: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم المنافقون هم آفة هذه الأمة، والنفاق في اللغة من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان الشر، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: كذا وكذا ، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه ؟ واعتمد قطرب هذا القول (٢)؛ فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: فَقَّمَيِذٍلَّا يُتْكَلُ عَنْ ذَنْبِسُّ وَلَا جَآَنٌّ ﴾ يعني: استعلاما. أحدهما: النفاق الأكبر؛ وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار. والثاني: النفاق الأصغر؛ وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم ٦٩٨١، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، رقم ١٦٩٤. www. modoee.com ٤١٩ حرف الميم صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك(١). وأصول هذا النوع ترجع إلى خمس خصال ذکرها النبي صلی الله عليه وسلم؛ قال: (آية المنافق ثلاثٌ، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)(٢). وفي الحديث الآخر قال: (أربعٌ من کنِ فیه کان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن کانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها إذا، اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(٣). وهي: الكذب، إخلاف الوعد، الفجور في الخصومة، الغدر بالعهد، والخيانة في الأمانة (٤). خص ربنا سبحانه وتعالى المنافقين بالذكر في سورة كاملة بين فيها سبيل النجاة من سبيلهم، وعرف بهم في آيات كثيرة من القرآن. قال سبحانه: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ (١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ٤٨١/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم ٣٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ٩٢، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم ٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ٩١. (٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، ٤٨٢/٢-٤٨٨. نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ أَخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إِنَّهُمْ سَآَّهَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ [المنافقون: عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ١- ٣] . فوصفهم سبحانه بالكذب، وبأن أيمانهم وحلفهم بأنهم منکم ادعاء یریدون به حمایة أنفسهم وأموالهم وذراريهم(٥)، والإعراض والصد عن سبيل الله، وإضعاف المؤمنين من خلال التغلغل في نسيجهم. قال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُومًا زَادُوكُمْ إِلَّا خَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمُّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: ٤٧]. وقد دل القرآن الكريم على إمارات التعرف إليهم، والتي تظهر في أقوالهم وأفعالهم. ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَزَبْنَكَهُمْ قال سبحانه: فَلَعَرَ فْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ اَلْقَوْلِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠]. فوصف من أقوالهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. قال سبحانه: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (٥) جامع البيان، الطبري، ٢٣/ ٣٩٤. جُوْسُورَة النَّفِيَّ القرآن الكريمِ ٤٢٠ المسؤولية نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ (٣)﴾ [التوبة: ٦٧]. ووصف منها أيضًا: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ويروغون عن مسؤولية قولهم هذا بكونه مجرد خوض ولعب. قال تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبَِللَّهِ وَءَايَمِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]. ووصف من أفعالهم التكاسل عن الصلاة، بل إنهم كانوا في عهد رسول الله يغيبون عن صلاتي العشاء والفجر من أجل أن العتمة تخفي الوجوه فلا يعرف الحاضر من الغائب. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهِإِلََّقَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. ووصف كذلك من أفعالهم موالاة الكفار وأعداء الأمة المسلمة. قال سبحانه: ﴿أَلَّمَ إِلَى الَّذِينَ قَولُوا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَهِم مَّاهُمْ مِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَعْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]. وبسبب سوء صنيعهم الذي يشكل معاول لهدم الصف المسلم، وهدم قيمه وثوابته، توعدهم الله سبحانه أشد الوعيد. قال سبحانه: ﴿بَشِرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الْتُنْفِقِينَ فِ الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَأَ هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٨]. وقد جمع القرآن بين صفاتهم وبيان أنهم سیسألون ويحاسبون، كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا () وَإِذْ قَالَتِ ◌َآئِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ ◌ُيُوتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّ فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوْهَا وَمَا تَلَبَثُواْبِهَآ إِلَا يَسِيرًا ) وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُ واْاللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ١٥)﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٥]. والآيات جاءت في وصف أحداث غزوة الأحزاب حين حاصرت جموع المشركين المدينة، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون أشد البلاء، وأظهرت شدة البلاء ما في قلوب المنافقين من الغيظ، هنالك ادعى المنافقون أن وعد الله ورسوله بالنصر متخلف، وسعى فريق منهم للتخذيل، وفريق سعى للفرار والنأي بنفسه بادعاءات كاذبة و حجج واهية، وأخبر www. modoee.com ٤٢١ حرف الميم الله سبحانه أنهم لو دخلت عليهم جيوش إلا في موضع سورة الأحزاب، وأن الموضع الذي ذكر فيه هو موضع الخيانة والخذلان والتخذيل، ويشير ذلك إلى أن شر المنافقين الأساسي، وضررهم الأكبر يتمثل في هذه الأعمال التي تستهدف تماسك الأمة وروحها المعنوية. خامسًا: الولاة: يخبر القرآن الكريم أن الولاية محل للسؤال، وأن الولاة مسؤولون مهما كانت درجة ولایتهم. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن ◌َّحْكُمُواْ بِالْعَدَّلِ إِنَّ الَهَ نِمَا يَعُِّكُمْ بِّهِ إِنَّاللّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾﴾ [النساء: ٥٨]. وقد رأى كثير من المفسرين أن هذه الآية خاصة بالأمراء، قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في الآية التالية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي ٤٢٢ جَوَبُو حَرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ المشركين التي يريدون قتالها من أطراف المدينة ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا، يحملهم على ذلك: الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق عليه. والفتنة هي الكفر، وهي التي يقول الله: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. أي: الكفر. هذا مع کونهم كانوا عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوهم الأدبار إن لقوهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ أي: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه (١). ومن عجيب أمر المنافقين أنهم عند السؤال والحساب يكذبون ويحلفون على الكذب كما كانوا يفعلون في الدنيا، قال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَيْلِفُونَ لَهُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]. فانظر إلى أقوالهم وأفعالهم، وانظر إلى وعد الله لهم بسؤالهم عن عهدهم معه، وانظر إلى جدالهم ربهم عند الحساب، وانظر إلى عاقبة أمر المنافقين، تعرف أن المنافقين من شر العباد. ويلاحظ أن ذكر السؤال في حق المنافقين رغم سيء أفعالهم، وخبيث خصالهم لم يرد (١) جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢٢١ -٢٢٨. المسؤولية بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، وبمثل هذا وأردف: (هذه الآية في أداء الأمانة والحكم القول قال زيد بن أسلم(١). عامة في الولاية والخلق، لأن كل مسلم ورأت طائفة من المفسرين أن المقصود عالم، بل كل مسلم حاكم ووال) (٤). بها العموم. قال ابن کثیر: وهذا یعم جمیع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض کالودائع وغير ذلك مما یأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة(٢). ورأت طائفة ثالثة أن المقصود بها قضاء الدين، ورد حقوق الناس (٣). قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَّمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدَّلِّ﴾: (قال ابن زيد: قال أبي: هم السلاطين، بدأ الله سبحانه بهم، فأمرهم بأداء الأمانة فيما لدیھم من الفيء، وکل ما يدخل إلى بيت المال حتى يوصلوه إلى أربابه، وأمرهم بالحكم بين الناس بالعدل، وأمرنا بعد ذلك بطاعتهم، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ مَا مَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩])، (١) جامع البيان، الطبري، ٨/ ٤٩٠ -٤٩٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٣٨/٢. (٣) جامع البيان، الطبري، ٤٩٣/٨. فالقرآن هنا إذًا يشير إلى أن الأمانة عامة في کل أمر، وخص بالذكر منها الحكم بعد العموم تنويهًا بكونه أعلى الأمانات شأنًا، وأعظم التكاليف مسؤولية، فإن الولاية العامة تدخل في باب الأمانة باعتبارها رأس الأمانات والتي عليها قوام حياة الناس ومعاشهم، وصلاح دنياهم وأخراهم؛ وفي الحدیث عن أبی ذٍ قال: (قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منکبي ثم قال: (يا أبا ذرِ إنك ضعيفٌ وإنها أمانةٌ وإنها يوم القيامة خزىٌّ وندامةٌ إلا من أخذها بحقها وأدی الذی علیه فيها)(٥). والولاة مسؤولون على مختلف مواقعهم ومراتبهم ومسؤولياتهم، من كان منهم أمير الناس، ومن كان عبدًا عاملًا في مال سيده؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئولٌ عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهَوَّ مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سیده ومسئول عن رعيته)، قال: وحسبت أن قد قال والرجل راعٍ في مال أبيه (٤) أحكام القرآن، ابن العربي، ١/ ٥٧٢. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، رقم ٣٤١٠. www. modoee.com ٤٢٣ حرف الميم ومسئولٌّ عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئولٌّ عن مستكبرٌ) (٣). رعيته)(١). على رأس الناس، وهو أمير العامة، ويتأكد عظم هذه المسؤولية بما توعد به ربنا سبحانه فقال: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِإِنَّالَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. عليه وسلم الحاكم الظالم الجائر أو الغاش لرعيته، أو المحتجب دون خلتهم وحاجتهم؛ فقال: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمین فیموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة)(٢). وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا یکلمهم الله يوم القيامة، ولا یز کیھم)، قال أبو معاوية: (ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذابٌ، وعائلٌ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم ٨٤٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم ٣٤١٤، عن عبد الله بن عمر. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعيةً فلم ينصح، رقم ٦٦٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم ٢٠٧. عن معقل بن يسار. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رقم ١٥٩. عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من خاصم في باطل وهو جَوَسُوع القرآن الكريمِ ٤٢٤ والقرآن مع بيان مهام المسؤولين من إلا أن أشد الناس مسؤولية الذي يكون الولاة، فإنه يوضح المزالق التي تسبب لهم الكبوات والنكبات لا سيما في ولاية العامة. قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ اَلنَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٨]. قيل: هي في ولي الیتیم، يرفع المال إلى وبما حذر منه رسولنا صلى الله الحاكم يريد أكل شيء منه بحكمه، فهي في الولاية الخاصة، وقيل معناها: لا تحاجوا عند الحكام فترفعوا إليهم حججكم وأنتم تعلمون أن هذه الأموال التي أخذتموها من الناس إنما أكلتموها واغتصبتموها، وأنكم آثمون فيها، فإن حكم الحاكم أو القاضي لا یحل حرامًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌّ، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعةٌ من النار فلیأخذها أو فلیتركها)(٤). المسؤولية الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها. قال ابن عطية: وهذا القول يترجح؛ لأن إن أدوها ورعوها حق رعايتها بالأجر العظيم الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل، وأيضا فإن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. ويقوي هذا عطف تدلوا على تأكلوا في موضع الجزم. وفي مصحف أبي: (ولا تدلوا) بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة. وقيل: (تدلوا) في موضع نصب الخلق. على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عندسيبويه (أن) مضمرة، والهاء في قوله (بها) ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر، فقوي القول الثاني لذکر الأموال، والله أعلم. والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رشی ورشی، وقد رشاه یرشوه، وارتشى: أخذ الرشوة، واسترشى في حکمه: طلب الرشوة عليه(١). من جملة ما سبق يظهر أن الولاة يعلمه، رقم ٢٢٩٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، رقم ٣٢٣٨. عن أم سلمة رضي الله عنها. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/ ٣٤٠. وقيل: إن المعنى: لا تصانعوا بأموالكم المسؤولين هم: جميع من استرعي أو ائتمن على رعية أو مال قل ذلك أو كثر. وهم مع التخويف من إهمال مسؤولياتهم موعودون والفضل الكبير؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن یمین الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمينٌ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)(٢). ويعرف أخذ الأمانة بحقها، وأداء الذي على المرء فيها بالشرع، فإن الحكم بالعدل إنما يكون على وفق ما أنزل الله، لا أهواء قال سبحانه: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَقَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم ٣٤١٢. عن عبد الله بن عمرو. www. modoee.com ٤٢٥ حرف الميم المسؤول عنه أولًا: الرسالة: يسأل الله سبحانه وتعالى عن الرسالة من ناحيتين، والمقصد من سؤاله ليس الاستعلام ولكن ما يترتب عليه. يسأل الله سبحانه وتعالى المرسلين عن الرسالة من ناحية تبليغها، وناحية الاستجابة لها. قال تعالى: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. فيسأل الرسل: هل بلغتم الرسالة؟، ويسأل الذين أرسل إليهم: هل بلغتكم الرسالة؟. والسؤال عن الرسالة لا يعني الاستفهام المفضي إلى العلم -كما سبق بيانه - فالله سبحانه وتعالى عالم بما كان وما سیکون وما لم یکن لو کان کیف یکون، ولا لمحاسبة الرسل عن تبليغهم الرسالة لعلمه أنهم صادقون، ولكن لتبكيت الكافرين (١)، ولإقامة الحجة على المكذبين، بأن الرسل بلغوا ما عليهم من الرسالة بلاغًا مبينًا، إذ أن عدم البلاغ حجة لهم على ترك العمل. ءُ وَلَوْلاً أن تَصِيبَهُم كما قال تعالى: مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ مَايَدِئِكَ وَنَكُونَ ﴾ [القصص: ٤٧ ]. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ® (١) معالم التنزيل، البغوي، ٣٢١/٦. فيتحقق على الكافرين السؤال، ويحتاروا في الإجابة. ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِ يهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ قال سبحانه: (٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ يَوْمَيِدٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ ﴾ [القصص: ٦٥-٦٦]. وثبت هذا أيضًا في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَّهُمْ وَمِنِكَ وَمِنْ ٧٧٠ تُرِجٍ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌّ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًّا غَلِيظًا ) لِيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ® [الأحزاب: ٧-٨]. قال القرطبي: فيه أربعة أوجه: أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلی قومهم،وفي هذا تنبيه، أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم؟. الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم. الثالث: ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم. الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة (٢). وقال الطبري: يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ومافعل قومهم فیما أبلغوهم عن ربهم من (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤ / ١٢٨. مَوَسُولَةُ الْمَسِيرُ القرآن الكريمِ ٤٢٦ المسؤولية الرسالة(١). إن الله سبحانه يسأل الرسل عن إبلاغ الرسالة، ويسأل المرسل إليهم عن وصولها الإقامة الحجة والبينة والبرهان على وصول الرسالة وتبلیغها بأحسن بیان. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]. فالاحتجاج بانتفاء البلاغ سائغ، فكان سؤال الرسل عن الرسالة حجة في وصولها إلى المرسل إليهم، وكان سؤال المرسل إليهم عنها للتقرير والتبكيت. قال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ٤١ ◌َ يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤١ - ٤٢ ]. وقدم سبحانه سؤال المرسل إليهم، ليكون جواب الرسل عن الرسالة شهادة عليهم، كما في قوله سبحانه: فَلْنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. ثانيًا: العهد مع الله ومع الناس: قال الزجاج: العَهْدُ كل ما عُوهِدَ اللّهُ (١) جامع البيان، الطبري، ٢١٣/٢٠. عَلَيْهِ، وكل ما بينَ العِبَادِ من المواثيق فھِيَ ـ و عُهُود (٢). القرآن بالسؤال عن العهد؛ وقد صرح فقال تعالى: ﴿وَأَوْقُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. قال ابن عاشور: أمروا بالوفاء بالعهد، والتعريف في العهد للجنس المفيد للاستغراق(٣)؛ فيشمل العهد مع الله ومع الناس. فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما بين العباد بعضهم البعض. وقد رتب سبحانه على الوفاء بالعهد أجزل العطاء، کما رتب على إخلافه أشد الوعید. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرَا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِهَ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُوْلَيْكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]. وتفصيل ذلك كالتالي: ١. العهد مع الله. المراد بعهد الله: كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه (٤). وفي القرآن أتى الأمر واضحًا جليًا (٢) معاني القرآن وإعرابه ٢٣٨/٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٥/ ٩٧. (٤) المصدر السابق ٢٨٩/٢١. www. modoee.com ٤٢٧ حرف الميم بالوفاء بعهد الله؛ قال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ ملابسة، أي: العهد الذي أمر الله بحفظه، أَوْفُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. أي: أوفوا بوصية الله التي أوصاكم، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم، وأن تعملوا بکتابه وسنة رسوله صلی الله علیه وسلم، فبهذا يكون الوفاء بعهد الله (١). وأتى التحذير والوعيد والتهديد من إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإخلال بالعهد بأن الله عز وجل سيسأل عن عهده سبحانه الذين عاهدوه (٢). وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ قال عز من قائل: اَللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ [الأحزاب: ١٥]. وقد تضمنت الآية مع التهديد: الوعد والتأكيد بأن الله سائل عن العهد لا محالة(٣)، وأن سؤاله سبحانه عن العهد یکون تبکیتًا لناقضه(٤). قال الطاهر بن عاشور: وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلی الفاعل، أي: ما عهد الله به إلیکم من الشرائع، ويصح أن تكون إلى مفعوله، أي: ما عاهدتم الله أن تفعلوه والتزمتموه وتقلدتموه، ويصح أن تكون الإضافة لأدنى (١) جامع البيان، الطبري، ٢٢٥/١٢-٢٢٦. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٨٩/٢١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٩٠/٦. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٨٢٢/٣. وحذر من ختره، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم کان بین الآحاد. ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق الإضافة دون طريق الفعل، بأن يقال: وبما عاهدتم الله عليه، أو نحو ذلك مما لا یحتمل إلا معنی واحدًا. وإذا كان الخطاب بقوله: (تعالوا) للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاةوالصلح أو نحو ذلك، فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه. وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفًا. فالآية آمرة لهم بالوفاء، وكان العرب يتمادحون به. ومن العهود المقررة بينهم: حلف الفضول، وحلف المطيبين، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السلام أن يجعل مكة بلدًا آمنا ومن دخله كان آمنًا. وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثل عمار، وبلال، وعامر بن فهيرة، ونحوهم، فهو يقول لهم ٤٢٨ جوسين القرآن الكريم المسؤولية فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان البربنذر أويمين فهو عهد عاهد ربه عليه(٢). وبين القرآن أن من نقض العهد مع اللهانما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك، كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدٌ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]. مکة،و خفر عهودکم بذلك أولی بأن تحرموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم، فهذا هو الوجه في تفسير قوله: ﴿وَبِعَهْدِ اَللَّهِ أَوْفُواْ﴾ وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السامع عنه، لیتقرر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء، أي: إن كنتم ترون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه(١). والقرآن يخبرنا عن أصناف من الناس عاهدوا الله من عند أنفسهم ابتداء، لئن آتاهم من فضله ليتصدقن، يرجون بذلك نواله وفضله. قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. لكنهم أخلفوا عهدهم فأعقبهم الله سبحانه وتعالی نفاقًا في قلوبهم جزاء وفاقًا. قال سبحانه: ﴿فَلَمَآ ءَاتَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ ) فَأَعْقَبَهُمْ ◌ِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ٧٧ [التوبة: ٧٦ -٧٧]. فدل على أن ما يلتزمه الإنسان من عمل (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٨/٨. وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق والعهد يستوجب اللعن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ [المائدة: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ﴾ ١٣](٣) . وجزاءه سبحانه عن الوفاء بالعهد: توفيه الموفين بعهدهم معه سبحانه الجزاء الفاضل الذي وعدهم حال الوفاء بعهده، فجعله كالعهد منه سبحانه الذي يقابل العهد. قال سبحانه: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَهِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ اُلَِّ أَنْتُمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌ أُوْفِ بِمَهْدِكُمْ وَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِّدِىٌ أُوْفٍ بِمَهْدِكُمْ﴾ أمر وجوابه، وعهد الله المذكور هنا قيل: هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذکرمحمدصلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره، وهذا قول الجمهور من (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٨/ ١٧٠. (٣) أضواء البيان، الشنقيطي، ٤٣٩/٢. www. modoee.com ٤٢٩ حرف الميم العلماء وهو الصحيح وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. وما طلب من بني إسرائيل من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا - أمة محمد صلى الله عليه وسلم - فقال الله تعالی: ﴿أُوقُوا پآلعُقُودِ ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾(١). ومع أن وفاءه سبحانه بعهده ووعده تفضل منه سبحانه إلا أنه أتى به في صورة جواب الشرط ويدل على اللزوم، قال الطبري: وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ من قوله سبحانه: ﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُ ونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ﴾ [الفرقان: ١٦]. إلى أنه معني به: وعدًا واجبًا، وذلك أن المسئول واجب، وإن لم يسأل کالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب، لأعطينك ألفًا وعدًا مسئولًا، بمعنى واجب لك فتسأله. وعن ابن عباس ﴿كَانَ عَلَى رَّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه(٢). فالوفاء بالعهد مع الله يأتي بالكرامة، ويكون عاقبة السؤال عليه خيرًا، أما الحنث والنكث فإن السؤال عن العهد به يكون تبكيتًا للمسؤول، والإخبار عن ذلك في القرآن تخويف وتحذير من النکث بالعهد مع الله سبحانه. ٢. العهد مع الناس. إن القرآن كما يخبر عن السؤال عن العهد مع الله سبحانه، يشير إلى السؤال عن العهد مع الناس. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. والوفاء بالعهد مع الناس من مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال التي لا خلاف فیھا بین أهل العقول، لذلك فإن ربنا سبحانه يوصي ويوجب على أمة الإسلام الوفاء بالعهد، ویحذر سبحانه من النکوث بالعهود، وعدم الوفاء بالعقود، وأبلغ التحذير جعل العهد مسؤولًا عنه، محاسبًا عليه. قال الإمام أحمد رحمه الله: العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله، وذكر: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾(٣). وفي موضع آخر من القرآن قال سبحانه: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: ٩١]. وهو أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، وظاهر الآية أن عهد الله المذکور شامل لجميع العهود فيما (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١/ ٣٣٢. (٢) جامع البيان، الطبري، ٢٤٦/١٩-٢٤٧. (٣) المغني، ابن قدامة، ٩/ ٤٠٠. ٤٣٠ القرآن الكريمِ