Indexed OCR Text

Pages 41-60

محمد صلى الله عليه وسلم
الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك
للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس
على دخائلها، كما يضيء السراج الوقاد
ظلمة المكان. وهذا الوصف يشمل ما جاء
به النبي صلى الله عليه وسلم من البيان
وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله
في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف
فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط
والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبه
بالنور فناسبه السراج المنير»(١).
وهذا الوصف للنبي صلى الله عليه
وسلم ورد في هذا الموضع فقط، ولكننا
بعد التأمل نجد أن له نظائر؛ فقد وصفه الله
سبحانه وتعالى بـ ((السراج المنير))، ووصف
القرآن بـ ((النور)) في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِشَبُ وَلَا
اَلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ
عِبَادِنَأْ وَإِنَّكَ لَنَّهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[الشورى: ٥٢].
ولا ینیر السراج إلا وله نور. كما أن الآية
صريحة في أنه صلی الله عليه وسلم لما
أوحي إليه بهذا النور صار يهدي إلى صراط
مستقیم.
ومثل القرآن الكريم النور في قلب
المؤمن بالمصباح الذي يوقد من زيت
شجرة مبارکة کأنه کو کب دري، فقال تعالى:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٣/٢٢.
اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ
كَنَّهَا كَوَّكَبُ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىُّ وَلَوْ لَمْ
تَمْسَسْهُ نَارُّ نُورٌّ عَلَى نُورٌّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْشَلَ لِلنَّاسُِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٣٥].
قال السعدي: ((﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ الحسي والمعنوي، وذلك أنه
تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا
لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه
بصره من خلقه - نور، وبه استنار العرش،
والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه
استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي
پرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور،
والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده
المؤمنين نور. فلولا نوره تعالى، لتراكمت
الظلمات، ولهذا: كل محل، يفقد نوره فثم
الظلمة والحصر. ﴿مَثَلُ نُورِهِ،﴾ الذي يهدي
إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب
المؤمنين، ﴿كِشْكَوْمْ﴾ أي: كوة
مِصْبَاحٌ﴾ لأن الكوة تجمع نور المصباح
بحيث لا يتفرق ذلك ﴿اَلْبِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٌ
الزُّجَاجَةُ ﴾ من صفائها وبهائها ﴿كأنّها گؤْكَبُ
دُرِّىَّ﴾ أي: مضيء إضاءة الدر.
ذلك المصباح، الذي في
تلك الزجاجة الدرية ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ
www. modoee.com
١٣٩

حرف الميم
أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره
زيـ
من أنور ما يكون، ﴿لََّّشَرْقِيَّةِ﴾ فقط، فلا
تصيبها الشمس آخر النهار، ﴿وَلَا غَرِبِيَّةِ﴾
فقط، فلا تصيبها الشمس أول النهار، وإذا
انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من
الأرض، كزيتون الشام، تصيبها الشمس
أول النهار وآخره، فتحسن وتطیب، ویکون
أصفی لزیتها، ولهذا قال: ﴿یَكَادُزَیتها﴾ من
صفائه ﴿يُضِىَّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فإذا
مسته النار، أضاء إضاءة بليغة ﴿قُرُّ عَلَ نُورِ﴾
أي: نور النار، ونور الزيت))(١).
فإذا كان العلم والمعرفة صورة نور الله
في قلوب رسله وعباده المؤمنين، فإن أحق
من أشع منه هذا النور السراج المنير صلى
الله عليه وسلم. جاء في تفسير ابن كثير:
(( وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى
کعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله:
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾،
قال: یکاد محمد یبین للناس، وإن لم یتکلم،
أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء))(٢).
ولقد صدق کعب، فقد كان وجهه صلی
الله عليه وسلم يشع صدقا كما قال عبد
الله بن سلام: (( لما قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس نحوه
فأتیته، فلما نظرت إليه، عرفت أن وجهه لیس
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٦٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٦٠.
وجه كذابٍ))(٣)، وكان أذن خير ﴿قُلْ أُذُنُ
خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
ـى الله لسانه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَىَّ!
[النجم: ٣].
وبصره: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى
١٧
[النجم: ١٧].
وشرح صدره: ﴿أَرْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
[الشرح: ١].
وختم على قلبه لئلا يدخله باطل وربط
عليه بالصبر ﴿فَإِن يَشَلِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ وَيَمْحُ
اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ أَلَقَّ بِكَلِمَتِهِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
٢٤ [الشورى: ٢٤].
الصُّدُورِ(
وامتدح خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[القلم: ٤].
وأقسم بعمره: ﴿لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَهْ
يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [الحجر: ٧٢].
ورفع ذكره: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾
[الشرح: ٤].
وألقى في قلوب المؤمنين حبه: (فو
الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون
أحب إليه من والده وولده)(٤). فمن رآه أو
سمع عنه أشع له من صدق الحق الذي
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٢١٧/٥،
رقم ٢٥٣٨٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حب الرسول من الإيمان، ١٢/١، رقم
١٤.
١٤٠
جَوَبُو ◌َرَ النَّفْسَيد
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
يدعو إليه أشد من نور الشمس في ضحاها.
فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين
الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين،
وصحبه الصادقين المرضيين، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
خلقه عليه السلام من خلال القرآن
جمع محمد صلی الله عليه سلم مكارم
الأخلاق كلها واتصف بكمالها الإنساني،
ولقد امتدحه ربه عز وجل فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤].
((والخلق العظيم: هو الخلق الأكرم
في نوع الأخلاق وهو البالغ أشد الكمال
المحمود في طبع الإنسان لاجتماع مكارم
الأخلاق في النبي صلی الله عليه وسلم فهو
حسن معاملته الناس على اختلاف الأحوال
المقتضية لحسن المعاملة، فالخلق العظيم
أرفع من مطلق الخلق الحسن. ولهذا قالت
عائشة: ((كان خلقه القرآن»، ألست تقرأ: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١] - الآيات
العشر-، وعن علي: الخلق العظيم: هو أدب
القرآن ويشمل ذلك كل ما وصف به القرآن
محامد الأخلاق وما وصف به النبي صلى
الله عليه وسلم من نحو قوله: ﴿فَيِمَارَحْمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ ◌ِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
[الأعراف: ١٩٩].
اَلَْهِلِينَ
وغير ذلك من آيات القرآن. وما أخذ به
من الأدب بطريق الوحي غير القرآن، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))(١).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٤/٢٩.
www. modoee.com
١٤١

حرف الميم
فهو صلى الله عليه وسلم متصف كان لهم حظ من البلاء الذي أصاب
بالخلق العظيم المستوحى من القرآن المسلمين يوم مؤتة وفي مشاهد من بعدها
الكريم والحاصل من تأديب الحق سبحانه
وتعالى له حتى بلغ في حسن الخلق منتهاه،
وكان خلقه القرآن.
هذا على الإجمال، أما على التفصيل،
فإننا نجد أنه عليه الصلاة والسلام قد وصف
في نصوص القرآن الكريم بجملة من
الأخلاق، هي:
أولًا: الصبر:
لا يختلف اثنان في أن محمدًا صلی الله
عليه وسلم كان آية في الصبر، ولقد أصابه
من البلاء في الله ما أصابه: فمنذ أوحى الله
إليه وصدع في الناس بالحق واجهه الناس
بالصد والتكذيب والاستهزاء والإيذاء
النفسي والبدني؛ ألقوا التراب على رأسه،
واجتمعوا حول بيته يريدون قتله، وقاطعوه
وقومه سنين عدة حتى أكلوا أوراق الشجر،
وقتلوا من أصحابه من قتلوا وسلطوا على
من قدروا عليه منهم العذاب الشديد، ولم
يزالوا به حتى هاجر من مكة مستخفيا،
وسيروا البعوث والجيوش لقتاله، وتحالفوا
على ذلك وتراسلوا فيما بينهم.
وما جمع قبائل العرب المتعادية مع
اليهود إلا الرغبة في استئصال الإسلام
وأهله، حتى تعدى الأمر إلى الروم الذين
ولكن الناس لم يروا النبي صلى الله عليه
وسلم يوما شاكيا أو ضاجرا أو ضعيفا أو
يائسا، ولما أمكنه الله من رقاب أعدائه قال
لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)
مع أنه صلى الله عليه وسلم كان آية في
الصبر، إلا أن القرآن الكريم لم يصفه بهذه
الصفة كما وصف أيوب عليه السلام مثلا
من قبل بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَابًِا﴾ [ص:٤٤].
بل نجد في مقابل ذلك وصية له صلى
الله عليه وسلم بالصبر، وأمرا له بالاقتداء
في ذلك بالأنبياء من قبله.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌٍ وَلَيْن صَبّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ
لِلصَّبِنَ ®
إِلَّا بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى
إِنَّ اللَّهَ مَعَ
ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٢)
الَّذِينَّ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ ﴾
[النحل: ١٢٦-١٢٨].
وقال سبحانه: ﴿فَأَصّبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ
اَلْعَزْرِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَهُمَّ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ
يَرَوَّنَ مَا يُوحَّدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّ سَاعَةً مِّن ◌َّهَارٍ
بَلَغُ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
٣٥
[الأحقاف: ٣٥].
وقد دلت الآيتان على أن الله عز وجل قد
أدب نبيه صلی الله عليه وسلم فاختار له من
١٤٢
جوي
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
الأخلاق مكارمها، وأمره أن يتمثل الصفات
الطيبة في خلق أولي العزم من الرسل.
في هذه الواقعة الخاصة، ولكن لفظها جار
مجرى العموم خاصة مع الضعف الذي
أخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله يعتري سبب النزول، وفيها أنه سبحانه
وتعالى ((رخص في القصاص للمظلوم
في غیر عدوان وندب له العفو والإحسان،
وعزم لنبيه على الصبر يقول تعالى -مبيحا
للعدل وناديًا للفضل والإحسان -: ﴿وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ﴾ من أساء إليكم بالقول والفعل
﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوِبْتُم بِهِ،﴾ من غير
زيادة منكم على ما أجراه معكم. ﴿وَلَین
صَبٌّ﴾ عن المعاقبة وعفوتم عن جرمهم
﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَِّنَ﴾ من الاستيفاء
وما عند الله خير لكم وأحسن عاقبة كما
قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ، عَلَى اللَّهِ﴾
[الشورى: ٤٠].
عنه: (أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
وقف على حمزة بن عبد المطلب حين
استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر
أوجع للقلب منه -أو قال لقلبه منه- ونظر
إليه وقد مثل به فقال:(رحمة الله عليك
إن كنت ما علمت لوصولا للرحم فعولا
للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك
لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من
بطون السباع - أو كلمة نحوها-، أما والله
على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك)، فنزل
جبريل عليه السلام على محمد صلى الله
عليه وسلم بهذه السورة وقرأ: ﴿وَإِنّ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوِبْتُم بِهِ﴾ - إِلى
آخر الآیة-، فکفر رسول الله صلی الله عليه
وسلم وأمسك عن ذلك)(١).
ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق
إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم
الاتكال على النفس فقال: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا
صَبْرُكَ إِلَّا بِاللّهِ﴾ هو الذي يعينك عليه
واستئناسًا بهذا السبب، فإن الآية قد
أمرته صلى الله عليه وسلم بالصبر والعفو ويثبتك. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إذا دعوتهم
فلم تر منهم قبولا لدعوتك، فإن الحزن لا
يجدي عليك شيئا. ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ
(١) أخرجه البزار في مسند، ٢١/١٧.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه، إلا من هذا
الوجه، ولا نعلم أخرجه عن سليمان التيمي
إلا صالح.
أي: شدة وحرج ﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ
فإن مكرهم عائد إليهم وأنت من المتقين
المحسنين، والله مع المتقين المحسنين،
بعونه وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا
الكفر والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله،
قال ابن كثير في تفسيره ٦١٤/٤: وهذا إسناد
فيه ضعف؛ لأن صالحا، هو ابن بشير المري،
ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر
الحديث.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الميم
بأن عبدوا الله کانھم یرونه فإن لم يكونوا
يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق
ببذل النفع لهم من كل وجه»(١).
فعزم الله لنبيه صلی الله علیه وسلم على
الصبر، ورخص لغيره في القصاص وجعل
الصبر له مندوبا، ((ويروى أنه عليه السلام
قال لأصحابه: (أما أنا فأصبر كما أمرت،
فماذا تصنعون؟ فقالوا: نصبر يا رسول الله
كما ندبنا) (٢).
و كما أمره الله عز وجل أن يصبر ويعفو،
فقد أمره أن يتمثل ذلك في خلق أولي العزم
من الرسل وأن يقتدي بهم في کونھم صابرين
في قوله سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُ الَّذِينَ مُجَدِلُونَ فِىّ
ءَايَتِنَا مَالَهُم مِّن ◌َحِيصِ )﴾ [الشورى : ٣٥].
وهم ذوو الحزم والجد والصبر))(٣).
وأما من هم أولوا العزم من الرسل فقد
ذكر المفسرون فيه أقوالًا:
«أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى،
وعیسی، ومحمد صلی الله عليه وسلم،
رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال
مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن
السائب.
والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد
صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية
الرياحي.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٢.
(٢) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤٤٨/٣.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٤ / ١٣٧.
والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنةٌ من
الأنبياء، قاله الحسن.
والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله
مجاهد، والشعبي.
والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى،
وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى
الله عليه وسلم، قاله السدي.
والسادس: أن منهم إسماعيل، ويعقوب
وأیوب، وليس منهم آدم، ولا يونس، ولا
سلیمان، قاله ابن جریج.
والسابع: أنهم الذين أمروا بالجهاد
والقتال، قاله ابن السائب، وحكي عن
السدي.
والثامن: أنهم جمیع الرسل، فإن الله لم
يبعث رسولاً إلا كان من أولي العزم، قاله
ابن زید، واختاره ابن الأنباري، وقال: ((من)»
دخلت للتجنیس لا للتبعيض، كما تقول: قد
رأيت الثياب من الخز والجباب من القز.
والتاسع: أنهم الأنبياء الثمانية عشر
المذكورون في سورة (الأنعام)، قاله
الحسين بن الفضل.
العاشر: أنهم جميع الأنبياء إلا يونس،
حكاه الثعلبي)» (٤).
ورغم أن الآية لم تنص نصًا صريحًا على
اتصافه صلى الله عليه وسلم بالصبر، فإنها
دلت على ذلك دلالة ضمنية.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١١٤.
١٤٤
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
قال ابن عاشور: ((وهذه الآية اقتضت
أن محمدا صلی الله عليه وسلم من أولي
العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر
أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه
ممتثل أمر ربه، فصبره مثیل لصبرهم، ومن
صبر صبرهم كان منهم لا محالة)) (١).
فقد نص على أن الآية تدل ضمنا على
دخوله صلی الله عليه وسلم في عداد أولي
العزم من الرسل واتصافه بالصبر، ويكون
ذلك من الأساليب القرآنية البليغة التي
تسري على قلبه صلى الله عليه وسلم وتثبته
على الحق بما تضرب له من المثل في صفة
إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ
الرُّسُلِ مَا تُشَيِّثُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِىِ هَذِآلْحَقُّ
وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: ١٢٠].
علی أن عدم وصفه بالصبر وصفا صريحا
قد تضمن معنا بلیغا يستشف من النصوص،
فإنه صلى الله عليه وسلم جاوز مرحلة
التأذي بصد المشركين عنه إلى الحزن
عليهم لشدة الحرص والرغبة في استنقاذهم
حتى قيل له ﴿فَلَعَلَّكَ بَجِعُ نَّفْسَكَ عَلَى
ءَاتَِّهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا
﴾ [الكهف: ٦].
فإن الأذى الذي تهون منه الآية في نفسه
صلى الله عليه وسلم لم يكن سببه ما لقيه
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٧/٢٦.
من صد وجفوة، بل الحزن على إهلاك
المعادين له أنفسهم بتكذيبهم بالحق،
فکانت «هذه الآية تسلیة للنبي عليه السلام،
وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ تقرير وتوفيق بمعنى
الإنکار علیه أي: لا تکن کذلك، و ((الباخع
نفسه)) هو مهلكها وجدا وحزنا على أمر ما،
وقوله:﴿عَلىءاثرهِم ﴾ استعارة فصيحة، من
حیث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان وإعراض
عن الشرع، فکانھم من فرط إدبارهم قد
بعدوا فهو في آثارهم يحزن عليهم، وقوله:
﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: بالقرآن الذي
يحدثك به، و ((الأسف)): المبالغة في حزن
أو غضب»(٢).
وعليه فقد بلغ عليه الصلاة والسلام
مرتبة عالية من الصبر جعلته يجاوز الأسف
والحزن على ما يصيبه من أذى إلى الحزن
على من يؤذيه لإهلاكه نفسه بالتكذيب.
ثانيًا: الحياء:
كان النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد
حياءً من العذراء في خدرها)(٣)، كما قال
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، ومن
مظاهر حياته عليه الصلاة والسلام: ((أنه لم
یکن يواجه أحدا بما يكرهه بل يتغير وجهه
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٤٩٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه
وسلم، ٤ /١٩٠، رقم ٣٥٦٢.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الميم
فیفهم أصحابه كراهيته لذلك))(١).
إذا وضع رجله في أسكفة (٢) الباب داخلةً،
ولقد أصابه عليه الصلاة والسلام أذى وأخرى خارجةً أرخى الستر بيني وبينه،
وأنزلت آية الحجاب)(٣).
من بعض الناس على غير قصد منهم فمنعه
حياءه أن يواجههم به، ولكن القرآن الكريم
نزل مربيًا ومؤدًا وموجهًا للمؤمنين ومرشدًا
لهم إلى التیقظ والتنبه في معاملتهم له إلى
ما فيه إيذاء له، فإنه يستحيي أن يرده عليهم.
عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: (بني على
النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت
جحشٍ بخبزٍ ولحمٍ، فأرسلت على الطعام
داعيًا فيجيء قومٌ فَيأكلون ويخرجون، ثم
يجيء قومٌ فيأكلون ويخرجون، فدعوت
حتى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبي الله
ما أجد أحدًا أدعوه، قال: (ارفعوا طعامكم)
وبقي ثلاثة رهطٍ يتحدثون في البيت، فخرج
النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى
حجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل
البيت ورحمة الله)، فقالت: وعليك السلام
ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك
الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول
لهن کما یقول لعائشة، وقلن له كما قالت
عائشة، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم
فإذا ثلاثةٌ من رهطٍ في البيت يتحدثون، وكان
النبي صلی الله عليه وسلم شديد الحياء،
فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة فما أدري
آخبرته أو أخبر أن القوم خرجوا فرجع، حتى
(١) فتح الباري، ابن حجر ٦ / ٥٧٧.
وقد نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيّا
الَّذِينَ ءَآَمَنُواْ لَّا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن
يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَاءٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَّهُ وَلَكِنْ
إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا
مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْزِى
النَّبِىَّ فَيَسْتَحْيِ، مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِء
مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ
وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ
تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ- أَبَدًّا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ
عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والمعنى: ((﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
يعني: إلا أن تدعوا إلى ﴿طَعَامٍ﴾ فيؤذن
لكم فتأكلون ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنْهُ﴾ يعنى:
منتظرين نضجه ووقت إدراكه ﴿وَلَكِنْ
إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ أي: أكلتم
الطعام ﴿فَأَنتَشِرُوا﴾ أي: فاخرجوا من منزله
وتفرقوا ﴿وَلَا مُسْتَّئْنِسِينَ وَيَرْضَيْنَ لِحَدِيثٍ﴾
(٢) الأسكفة: خشبة الباب التي يوطأ عليها.
انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص
٨٢٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن
يؤذن لكم)، ١١٩/٦، رقم ٤٧٩٣.
١٤٦
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
أي: لا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم
بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام
يتحدثون فنهوا عن ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ
أي:
يُؤْزِى النَّبِىِ فَيَسْتَخی، مِنكُمْ﴾
فيستحيي من إخراجكم ﴿وَاللهُ لَا يَسْتَحْي»
مِنَ الْحَقِّ ﴾ أي: لا يترك تأدییکم وبيان الحق
حياء، ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من
بعض الأفعال، قال: ﴿لَا يَسْتَحْيِ، مِنَ الْحَقِّ﴾
بمعنى: لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحبي
منكم وهذا أدب أدب الله به الثقلاء))(١).
وقد أبرزت الآية مظهر خلقه صلی الله
عليه وسلم الكريم، فهذه السريرة الطيبة،
وتلك النفس العظيمة، قد تدثرت بلباس
العظمة التي تشفق على المخطئ أن يتطاير
إليه منها شرارة تمسه ببعض الأذى أو تنبهه
على أنه أتى شيئا لا يليق، وقد تظافر في
تشكيل هذه النفسية العظيمة حياء العظماء
وشفقة الرحماء.
ثالثًا: الرأفة والرحمة بالمؤمنين:
کان النبي صلی الله عليه وسلم رحيمًا
رؤوفًا هِيِنَا لِيِنَا عفوًا قابلًا للعذر حريصًا
على سوق الخير للناس؛ عامل بهذا الخلق
أصحابه وأعداءه، إلا أن يقابل في ساحة
الوغى قوما يعادون الحق ويحاربونه فيغلظ
عليهم في الله انتصارا للحق والضعفاء لا
(١) لباب التأويل، الخازن ٤٣٤/٣.
لنفسه.
ولقد تفرق عنه أصحابه يوم أحد وهو
يدعوهم في أخراهم، ثم أنزل الله العفو
عنهم وأمره هو صلى الله عليه وسلم أن
يعفو عنهم أيضا فقال: ﴿فَِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمَّيِّ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِلِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والمتأمل للآية يجد أنها قد مهدت لهذا
الأمر بالعفو بالنص على أنه صلى الله عليه
وسلم رحمة رحم الله بها المؤمنين فلان
لهم، فاجتمعوا على محبته، ولو أنه كان فظا
غليظ القلب لكانوا قد تفرقوا عنه. قال ابن
جرير: ((يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَاللَّهِ﴾، فبرحمة من الله، و((ما)) صلة. وأما
قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ﴾، فإنه يعني بـ((الفظ)) الجافي،
وبـ((الغليظ القلب)): القاسي القلب،
غير ذي رحمة ولا رأفة. وكذلك كانت
صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه
الله به: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨].
فتأويل الكلام: فبرحمة الله، یا محمد،
ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك
﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾: لتباعك وأصحابك، فسهلت
لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتی
www. modoee.com
١٤٧

حرف الميم
احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام
عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه
عن کثیر ممن لو جفوت به وأغلظت علیه
لترکك ففارقك ولم يتبعك ولا ما بعثت به
من الرحمة، ولکن الله رحمهم ورحمك
معهم، فبرحمة من الله لنت لهم)) (١).
ولئن كان هذا خلقه صلى الله عليه
وسلم مع أصحابه فقد كان ذلك خلقه مع
أعدائه، وحتی مع أشد الناس أذى له في
نفسه وأهله کما فعل مع عبد الله بن أبي
بن سلول رأس المنافقين والذي رمى أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة
في قصة الإفك المشهورة، وما كان قصده
إلا إيذاء النبي صلی الله عليه وسلم، وهو
الذي كاد للمؤمنين يوم أحد، وراسل بني
النضیر یعدهم بالنصرة، ووصف النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين
بالكلاب، وقال لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل وتربص وأصحابه
بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين
الدوائر
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:
(لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله
بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فسأله أن یعطیه قميصه یکفن فيه أباه،
فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول
(١) جامع البيان، الطبري ٣٤١/٧.
فَضْو
وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه،
وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إنما خيرني
الله فقال:) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم،
إن تستغفر لهم سبعين مرة، وسأزيده على
السبعين (قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل
الله: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَهُمْ
عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤])(٢).
ولقد نسي النبي صلى الله عليه وسلم كل
أذى أصابه من ابن سلول وهم أن يستغفر له
أكثر من سبعين مرة، وهو أمر يجاوز مجرد
مواساة ابنه المؤمن، ولقد كان صلى الله
عليه وسلم ينظر إلى ما أصابه هو من أذى
منه مختارا سبيل الصفح والعفو، ولكن الآية
نزلت تأمر بالنظر إلى جرمه في حق الإسلام
وأهله، وهي دالة على أن موجب الرحمة
یزول في حق المحاد لله ورسوله من باب
كونه عدوا للحق محاربا له صادا عنه، ولعل
الآية قد قصرت رأفته ورحمته صلى الله
عليه وسلم على المؤمنين لأجل أن الغلظة
واجبة عند انتهاك حرمات الله كما يأتي - إن
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر
لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله
لهم) ٦/ ٦٧، رقم ٤٦٧٠.
١٤٨
جَوُورُ
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
شاء الله -.
وحين سخر المنافقون من إنصات النبي
صلى الله عليه وسلم لهم وهم له كاذبون
وقالوا: ((هو أذن))، رد عليهم القرآن الكريم
بأنه أذن خير ورحمة للمؤمنين، وأن الله
قد أعد للمؤذين له والمستهزئين به عذابا
عظیما.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْ مِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
[التوبة: ٦١].
أَلِيمٌ )
((فلأجل كرم خلقه كان صلى الله عليه
وسلم رحمة أي: هو رحمة ﴿لَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ﴾، وإنما قال: ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن المنافقين
كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فبين الله سبحانه
وتعالى كذبهم بقوله: إنه رحمة للمؤمنين
المخلصين لا للمنافقين، وقيل: في كونه
صلى الله عليه وسلم رحمة: لأنه يجري
أحكام الناس على الظاهر ولا ينقب عن
أحوالهم ولا يهتك أسرارهم»(١).
فکان صلی الله عليه وسلم رحمة، وكان
رحيما بالمؤمنين وبمن أظهر الإيمان بل
بمن ينافقه ويعاديه ويكذب عليه وإن علم
كذبه رغبة في هدايته وإصلاحه ولئلا يغلق
باب الإنابة دونه بفضح أمره.
(١) لباب التأويل، الخازن ٣٧٧/٢.
رابعًا: الحرص على المؤمنين والتألم
لألمهم:
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه
وسلم أنه كان حريصا على هداية الناس
جميعا يعز عليه ما يعنتهم، كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيِّصُ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِمُ س)
[التوبة: ١٢٨].
ومعنى ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾: ((من جنسكم
عربي مثلكم. وقرئ: ((من أنفسكم)) أي: من
أشرفکم»(٢).
والميم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ﴾ إما أن تعود على العرب، أو
على الناس كافة، وينبني على ذلك أن قوله
سبحانه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ
عَلَيْكُم ﴾ عائد كذلك على العرب أو
على الناس كافة غير مقتصر على المؤمنين
وحدهم لأنه قال بعد ذلك: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ
رءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فخصھم بها من دون سائر
الناس.
قال ابن عطية: ((﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ﴾
مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا
على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ
جاء بلسانهم ويما يفهمونه من الأغراض
والفصاحة وشرفوا به غابر الأيام، وقال
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠٣/٣.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الميم
الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم، بالجهاد، وإنحاء على المقصرين في شأنه.
والمعنى لقد جاءكم رسول من البشر،
والأول أصوب))(١).
و(«﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ شديد شاق ﴿مَا
عَنْتُمْ﴾ عنتكم ولقاؤكم المكروه.
﴿حَرِيمُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على
إيمانكم وصلاح شأنكم. ﴿بِلْمُؤْمِينَ﴾
منكم ومن غيركم. ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾: قدم
الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة
الرحمة)) (٢).
واختصاص الرأفة والرحمة بالمؤمنين
يدل على أن قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ يعم
المؤمنين والكافرين، وحتى الرأفة والرحمة
قد لا تكون قد قصرت في الآية على
المؤمنين وحدهم إلا لأجل أن الغلظة واجبة
عند انتهاك حرمات الله -والله أعلم -.
وقد نظر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
إلى أن الآية هي خاتمة سورة التوبة التي
جاءت بتعذيب الكافرين وفضح المنافقين
وأنها أعقبت ذلك ببيان أن النبي صلى الله
علیه وسلم رحمة رحمهم الله بها، قال:
((كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على
المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من
أهل المدينة ومن الأعراب، وأمرا للمؤمنين
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ١٠٠.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠٣/٣.
وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك
من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصروا
واتبعوا الرسول في ساعة العسرة. فجاءت
خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة
ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والتنويه
بصفاته الجامعة للكمال. ومن أخصها
حرصه على هداهم، ورغبته في إيمانهم
ودخولھم في جامعة الإسلام لیکون رؤوفا
رحيما بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن
الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل
ما هو إلا استصلاح لحالهم. وهذا من
مظاهر الرحمة التى جعلها الله تعالى مقارنة
لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
١٠٧
[الأنبياء: ١٠٧].
بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه
أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت
فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيبا
للشدة بالرفق والغلظة بالرحمة، وكذلك
عادة القرآن. فقد انفتح بهاتین الآيتين باب
حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله
إليها. فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا. وفي
وقوعها آخر السورة ما يكسبها معنى التذييل
والخلاصة)) (٣).
وقد بنى على ذلك أن المقصود جميع
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٧٠.
١٥٠
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
من بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه في النبي صلى الله عليه وسلم فنهى بعضهم
وسلم وأولهم المشركون والمكذبون، بعضا وقالوا: إنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع
بكم، فقال بعضهم: إنما محمد أذن نحلف
قال: ((فالخطاب بقوله: جاءكم وما تبعه من
الخطاب موجه إلى جميع الأمة المدعوة له فيصدقنا، وعندهم غلام من الأنصار
يدعى عامر بن قيس فحقروه فتكلموا
للإسلام. والمقصود بالخطاب بادئ ذي بدء
هم المعرضون من المشركين والمنافقين
من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب
﴿بَلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾))(١).
وقالوا: ((لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن
شر من الحمير))، فسمعها الغلام فغضب
وقال: والله إن محمدا لصادق، وإنكم لشر
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم من الحمير ثم ذهب فبلغها النبي صلى الله
أنه كان سماعا للخير قابلا للعذر.
علیه وسلم فدعاهم، فحلفوا بالله إن عامرا
لكاذب، وحلف عامر إنهم لكذبة فصدقهم
خامسًا: أذن الخير:
النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: اللهم
لا تفرق بيننا حتى تبين صدق الصادق من
حين سخر المنافقون من إنصات النبي
صلى الله عليه وسلم لهم وهم له كاذبون
وقالوا: ((هو أذن))، رد عليهم القرآن الكريم
بأنه أذن خير ورحمة للمؤمنين، وأن الله
قد أعد للمؤذین له والمستهزئين به عذابا
عظيما.
کذب الكاذب، وقد کان مخشي بن حمير
قال في ذلك المجلس: ويحكم يا معشر
المنافقين، والله إني لأرى أنا شر خلق الله
وخليقته، والله لوددت أني قدمت فجلدت
مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا
فعند ذلك قالوا: والله إن کان محمد صادقا،
وقالوا: هو أذن))(٢).
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ
﴾ [التوبة: ٦١].
قال السدي: ((اجتمع ناس من المنافقين
فيهم: جلاس بن سويد بن صامت ومخشي
بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا
وقد فضحت الآية المنافقين وحكت
قولهم، والمعنى: ((ومن هؤلاء المنافقين
جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه
وسلم ويعيبونه (ويقولون هو أذن) سامعةٌ،
يسمع من كل أحدٍ ما يقول فيقبله ويصدقه.
وهو من قولهم: ((رجل أذنة))، مثل ((فعلة)»
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٢٦.
(١) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٥١

حرف الميم
إذا كان يسرع الاستماع والقبول، كما يقال: أذن في الخير والرحمة))(٤). ((وقرئ:
((أذنٌ خيراً -مرفوعين منونين- ومعناه
يقال: ((هو يقن، ويقن)) إذا كان ذا يقين
بكل ما حدث))(١). وقد كان قولهم هذا يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن
يكذبكم ولا يقبل قولكم»(٥). فهو أذن في
الخير لو كان قولهم من جنسه، وهو نعم
الأذن لأجل ذلك، وليس سماعا للشر ولا
منخدعا به.
استهزاء، وهو « منھم تنقیص للرسول صلى
الله عليه وسلم، إذ وصفوه بقلة الحزامة
والانخداع))(٢). ((أي: من قال له شيئًا صدقه،
ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئنا وحلفنا له
صدقنا. روي معناه عن ابن عباسٍ، ومجاهدٍ،
وقتادة))(٣).
ولم تكتف الآية بفضيحتهم وحكاية
قولهم ولكنها ردت علیهم -مادحة له صلی
الله عليه وسلم دالة على رفعة قدره- بأنه
أذن خیر في الحق ورحمة لمن أظهر الإيمان
﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾.
و(( ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ ﴾: من قبیل
رجل، صدق فهو من إضافة الموصوف إلى
الصفة للمبالغة في الجودة والصلاح، كأنه
قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز
أن تكون الإضافة على معنى في؛ أي: هو أذن
في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله
وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة
حمزة: ((ورحمةٍ)) بالجر عطفا على خير، فإنه
سبحانه: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ تفسير
لكونه عليه الصلاة والسلام أذن خير لهم،
أي: يصدق بالله تعالى لما قام عنده من
الأدلة والآيات الموجبة لذلك، وکون ذلك
صفة خير للمخاطبين كما أنه خير للعالمين
مما لا يخفى ﴿وَيُؤْ مِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي:
يصدقهم لما علم فيهم من الخلوص)» (٦).
وإذا كان كذلك فقد باءوا بأخسر الحظین
أن
إياهم على
لما رضوا بعدم مؤاخذته
یصیبهم حظ المؤمنین منه، فـ «المعنى هو
أذن خير يسمع آيات الله تعالى ودلائله
فيصدقها ویسمع قول المؤمنین فیسلمه لهم
ويصدقهم به، وهو تعريض بأن المنافقين أذن
شر يسمعون آيات الله تعالى ولا ينتفعون
بها ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه،
وأنه صلى الله عليه وسلم لا يسمع قولهم
لا يحسن وصف الأذن بالرحمة ويحسن أن إلا شفقة عليهم لا أنه يقبله لعدم تمييزه عليه
(١) جامع البيان، الطبري ٣٢٤/١٤.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٤٤٨/٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١٧٠.
جوبنيـ
القرآن الكريم
(٤) روح المعاني، الألوسي ٣١٦/٥.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٣٧٧/٢.
(٦) روح المعاني، الألوسي ٣١٦/٥.
١٥٢

محمد صلى الله عليه وسلم
الصلاة والسلام كما زعموا)) (١).
وكل هذه الأخلاق والطباع الطيبة تعكس
نفسا عظيمة وقلبا رحيما حريصا على كل
مؤمن رؤوفا به مشفقا عليه، ولذلك كانت
منزلته صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين
عالية رفيعة؛ فكان أحب إليهم من أنفسهم
وأهليهم والناس أجمعين، وكانت منزلته
عند آله أعظم وأرفع.
(١) المصدر السابق.
منزلته عند الله عز وجل
أولًا: منزلته في الدنيا:
أعلی الله قدر نبيه صلی الله عليه وسلم
فشرح صدره ورفع ذكره ﴿أَلَ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
١
{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ا الَّذِ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
﴿ وَرَفَعْنَالَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾ [الشرح: ١ -٤].
فأما شرح صدره فهو تنويره وتوسيعه
بمعنى: (( نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا
واسعا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُأَن يَهْدِيَهُيَشْرَحْ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وكما شرح الله صدره كذلك جعل
شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج
فیه ولا إِصر ولا ضيق»(٢).
وفي رفع ذکره صلی الله عليه وسلم: (
خمسة أقوال:
أحدها: ما روی أبو سعيد الخدري عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل
جبريل عن هذه الآية، فقال: (قال الله عز
وجل: إذا ذكرت ذكرت معي). قال قتادة:
فليس خطيب، ولا متشهدٌ، ولا صاحب
صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمدًا رسول الله، وهذا قول
الجمهور.
والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله
یحیی بن سلام.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٩/٨.
www. modoee.com
١٥٣

حرف الميمر
والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله،
والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه
فهو كوالدهم»(٢).
رفعناه في الدنيا، حکاه الماوردي.
والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة
في السماء.
ولرفعة قدره صلى الله عليه وسلم ما كان
والخامس: بأخذ الميثاق لك على يسمى في القرآن إلا بأوصاف المدح وعلى
الأنبياء، وإلزامهم الإيمان بك، والإقرار رأسها النبي والرسول، قال القاضي عياض:
بفضلك)»(١).
وهذهالأقوال، رغم كونها متعددة، فلیس
بينها تعارض، فرفع ذكره في الأذان والصلاة
والتشهد ونحوها لا ينافي رفع ذكره بأخذ
الميثاق على الأنبياء من قبل أو عند الملائكة
أو غيرها.
وفي مقابل رفع ذكره صلى الله عليه
وسلم، جعل الله مبغضه منقطع الذكر لا
يذكر إلا بسوء ﴿إِنَّ شَائِئَكَ هُوَ الْأَبْر
﴾ [الكوثر: ٣].
٣
و((الشانئ: هو المبغض، وهو الشنآن
بمعنى: العداوة، ونزلت هذه الآية في
العاصي بن وائل، وقيل: في أبي جهل على
وجه الرد علیه إذ قال: إن محمدا أبتر أي: لا
ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع
أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو
الأبتر وإن کان له أولاد لأنه مبتور من رحمة
الله أي: مقطوع عنها، ولأنه لا یذکر إذا ذکر
إلا باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه
وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٤٦١.
((ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن
الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم،
فقال: یا آدم، یا نوح، يا إبراهيم، یا موسى،
یا داود، یا عیسی، یا زکریا، یا یحیی، ولم
يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول، يا أيها
النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر))(٣).
ثم إن القرآن الكريم نهى المؤمنين
عن أن ينادوه بالصفة التي ينادي بعضهم
بها بعضا، وصورته أن ينادوه باسمه أو
بالصفة التي يدعو بها الرجل مثله، فقال
تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ
كَدُعَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]: أي: ((لا
تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا:
يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي
الله، يا رسول الله»(٤). وهو المعنى ذاته
المنصوص عليه في قوله سبحانه: ﴿يَأَيّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ
وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٥١٧/٢.
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي
عیاض ١/ ٣١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٩/٦.
١٥٤
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
[الحجرات: ٢].
بمعنی: « ولا تنادوه كما ينادي بعضكم
بعضا: یا محمد، یا محمد، یا نبي الله، یا
نبي الله، يا رسول الله))(١)، وعلة النهي
عن ذلك ما يتضمن من « عدم المبالاة وقلة
الاحترام»(٢).
وقد تضمنت الآية شيئًا آخر، وهو نھیھم
عن أن يرفعوا أصواتهم في حضرته فتعلو
على صوته ولو بغير قصد تعظيما واحتراما؛
فالنهي الأول عن رفع الأصوات والجهر
بها في حضرته صلی الله عليه وسلم حتى
لا تعلو على صوته، «وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ نهي عن
جهر آخر وهو الجهر بالصوت عند خطابهم
الرسول صلى الله عليه وسلم لوجوب
التغاير بين مقتضى قوله: ﴿لَاتَرْفَعُوا أَصْوَتَكُمْ
فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ ومقتضى ﴿وَلَا تَجْهَرُواْ
لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. واللام في له لتعدية «تجهروا»
لأن ((تجهروا)) في معنى: تقولوا، فدلت اللام
على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته، وزاده
وضوحا التشبيه في قوله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ﴾))(٣).
ثم أكدت الآية على عظم إتيان هذين
المنهيين بالنص على أن عاقبة ذلك
(١) جامع البيان، الطبري ٢٧٧/٢٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٥٠٨.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٠/٢٦.
حبوط العمل: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
تَشْعُرُونَ﴾، ((والحبط: تمثيل لعدم الانتفاع
بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها
من الكفر، مأخوذ من حبطت الإبل إذا
أكلت الخضر فنفخ بطونها وتعتل وربما
هلكت)» (٤).
وقد وقع النهيان السابقان على جهة
تعريف المؤمنين بقدره صلى الله عليه
وسلم ومنزلته عند الله التي توجب له
التوقير والتقدير (( ولم يكن الرفع والجهر
إلا ما كان في طباعهم، لا أنه مقصود بذلك
الاستخفاف والاستعلاء، لأنه كان يكون
فعلهم ذلك كفرا))(٥).
ولقد أعلن القرآن الكريم أن المتأدبين في
حضرته صلى الله عليه وسلم هم المتقون:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اَللَّهِ
أُوْلَيْكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحجرات: ٣].
وهم الذين (( يخفضون أصواتهم عنده
إذا تكلموا إجلالا له، أو كلموا غيره بين
یدیه إجلالا له والامتحان افتعال من محنت
الأديم محنا حتى أوسعته. فمعنى ﴿أَسْتَحَنَ
اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَى ﴾﴿
وسعها وشرحها
للتقوى)) (٦).
ونص على أن الموقرين له هم المفلحون.
(٤) المصدر السابق.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٥٠٨/٩.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٨/١٦.
www. modoee.com
١٥٥

حرف الميم
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ
الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِی
التَّوْرَكَةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَاْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {
١٥٧
[الأعراف: ١٥٧].
ومعنى ﴿وَعَزَُّوهُ﴾: «وقروه وعظموه،
وأصل التعزير: المنع والنصرة وتعزير النبي
صلی الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع
الأعداء عنه وهو قوله: ﴿وَنَصَرُوهُ ﴾:
يعني على أعدائه ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اَلَّذِىَّ أُنْزِلَ
مَعَدُر﴾: يعني: القرآن؛ سمي القرآن نورا
لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من
ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين
والعلم ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني:
هم الناجون الفائزون بالهداية)»(١).
ولقد أقسم الله سبحانه وتعالى بنبيه صلى
الله عليه وسلم إعلاء لقدره فقال: ﴿لَعَمُكَ
إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَ بِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: ٧٢].
((و((العَمْر)) و((العُمْر)) بفتح العين وضمها
واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في
القسم إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف
لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم
(١) لباب التأويل، الخازن ٢٥٨/٢.
بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه» (٢).
قال القاضي عياض: (( اتفق أهل التفسير
في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة
حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وأصله
ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة
الاستعمال، ومعناه: ويقائك يا محمد،
وقیل وعيشك، وقيل: وحياتك، وهذه نهاية
التعظيم وغاية البر والتشريف. قال ابن عباس
رضي الله عنهما: ما خلق الله تعالى وما ذرأ
وما برأ نفسا أکرم علیه من محمد صلى الله
عليه وسلم، وما سمعت الله تعالى أقسم
بحياة أحد غيره، وقال أبو الجوزاء: ما أقسم
الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله
عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده))(٣).
وحين استطاب بعض الغافلين المكوث
في بيته صلى الله عليه وسلم نزل القرآن
ينبههم على أنه قد استحيى منهم ويأمرهم
بالفطنة في التعامل معه حتى لا يصيبه منهم
أذی وهم لا يشعرون -كما تقدم-، ونزل في
ذلك قوله جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ
ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِيَّ فَيَسْتَخِيء مِنكُمْ
وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٩/٣ .
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي
عياض ٣٢/١ .
١٥٦
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ، ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ:
أَبَدَأْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا ) إِن
تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمًا
[الأحزاب: ٥٣ - ٥٤].
ومن العجيب أن القرآن الكريم قد منع
عن المؤمنین کل ما من شأنه أن يصيبه صلى
الله عليه وسلم بأذى مهما قل ولو كان
مجرد التفكير في تزوج نسائه من بعده، وهو
مدلول قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِ: أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
ومن شواهد رفعة منزلتهعنداللهعز وجل
أنه إذا اجتهد عليه الصلاة والسلام في شيء
فجانب فيه الصواب، صحح القرآن الكريم
ذلك بأرق أسلوب على نفسه؛ فلما اعتذر
إليه المنافقون مرجعه من غزوة العسرة وقبل
أعذارهم من غیر تشدید علیهم أو تمحيص
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ
نزل عليه قوله تعالى:
أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ ﴾ [التوبة: ٤٣].
ولعل أحدًا يظن (( أن النبي صلى الله عليه
وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك،
بل كان مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه الله
تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم،
وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم)»(١).
والآية ملأى بإشارات الإكرام والرفعة
له عليه الصلاة والسلام، فـ ((افتتاح العتاب
بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة،
فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب.
وفي هذا الافتتاح كناية عن خفة موجب
العتاب لأنه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي،
وتسمية الصفح عن ذلك عفوا ناظر إلى
مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار
سيئات المقربين. وألقي إليه العتاب بصيغة
الاستفهام عن العلة إيماء إلى أنه ما أذن لهم
إلا لسبب تأوله، ورجا منه الصلاح على
الجملة بحيث يسأل عن مثله في استعمال
السؤال من سائل يطلب العلم؛ وهذا من
صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر
المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت
عليه، ثم أعقبه بأن ترك الإذن كان أجدر
بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلق به
قصد النبي، صلى الله عليه وسلم»(٢).
قال عياض: ((وفي هذا من عظيم منزلته
عند الله ما لا يخفى على ذي لب، ومن
إكرامه إياه وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته
نياط القلب))(٣).
ومن هذا الباب عتابه بضمير الغائب في
(١) المصدر السابق ٢٩/١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٠/١٠.
(٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي
عياض ٢٨/١.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الميم
قوله تعالى: ﴿عَسَ وَتَوَلََّ ) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى
٢﴾ [عبس: ١- ٢].
فإن ذلك أخف وقعا في النفس من
الخطاب المباشر، وصورته قول العبد
الصالح لنبي الله موسى عليه السلام:
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾
[الكهف: ٧٢].
بصيغة ما لم یسم فاعله أولًا، ثم شدد
عليه بعد ذلك لما تكرر منه السؤال فـ
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
[الكهف: ٧٥].
٧٥
بصيغة الخطاب المباشر.
ومن هذا الباب قوله تعالى كذلك:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٤].
جاء في الشفا: (( قال بعض المتكلمين:
عاتب الله الأنبياء صلوات اللهم عليهم
بعد الزلات، وعاتب نبينا صلى الله عليه
وسلم قبل وقوعه، لیکون بذلك أشد انتهاء
ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية
العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته
قبل ذکر ما عتبه علیه وخیف أن یرکن إليه.
ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه
وكرامته)) (١).
المؤمنين بذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ.
يُصَلُونَ عَلَى النَِّنِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْعَلَيْهِ
وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وصلاة الله تعالی إما رحمته، أو مغفرته،
أو ثناؤه، أو كرامته، أو بركته. وأما صلاة
الملائكة فهي إما دعاؤهم، أو استغفارهم(٢).
ومن ذلك أيضا أخذه سبحانه العهد
على الأنبياء أن يؤمنوا به، كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ النَّبِنَ لَمَآءَ اتَيْتُكُمْ مِّن
كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءُ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ
لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِّنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ ◌َأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذَّتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَاً قَالَ
فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَلَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
٨٢
أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لطَؤَّعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ
• [آل عمران: ٨١-٨٣].
يُرْجَمُونَ (٥)
فلامعنى الآية أن الله أخذ العهد
والميثاق، على كل نبي أن يؤمن بمحمد
صلى الله عليه واله وسلم، وينصره إن
أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على
أمم الأنبياء)»(٣).
ومع رفعة منزلته صلى الله عليه وسلم
في الحياة الدنيا، فقد جعل الله له الوسيلة
ومن ذلك صلاته سبحانه عليه وأمره والمقام المحمود والكوثر يوم القيامة.
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي
عياض ١/ ٣٠.
(٢) زاد المسير ٣/ ٤٧٠.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١ / ١٥٧.
١٥٨
جَوَُّور
الْقُرآن الكَرِيمِ