Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
المرضَّ
عناصر الموضوع
مفهوم المرض
٣١٨
المرض في الاستعمال القرآني
٣١٩
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٠
٣٢٢
أنواع المرض
٣٢٧
مرض الشبهات
٣٤٢
مرض الشهوات
٣٤٥
مرض الأبدان
٣٤٩
الشفاء من الأمراض
٣٥٢
أثر انتشار الأمراض في المجتمع
المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم المرض
أولًا: المعنى اللغوي:
المرض لغة: السقم، وهو نقيض الصحة، ويكون للإنسان والحيوان، وهو حالة خارجة
عن الطبع ضارة بالفعل، وهو النقصان، ومنه بدن مريض: ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص
الدين، وهو الفتور، قال ابن عرفة: ((المرض في البدن: فتور الأعضاء، وفي القلب: فتور عن
الحق))، وهو الظلمة (١).
قال ابن فارس: «(مرض) الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان
عن حد الصحة في أي شيء كان))(٢).
وخلاصة التعريف اللغوي: أن المرض له معنيان:
أحدهما: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب البدن من العلل والجروح والفتور.
والثاني: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب الإنسان في الدين كالجهل، والجبن،
والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
والمرض اصطلاحًا: ما يعرض للبدن، فيخرجه عن حالة الاعتدال الخاص، وذلك
نوعان:
الأول: مرض جسمي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّيِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
والثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل
الخلقية، ومنه قوله سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَّرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ
[البقرة: ١٠](٣).
يَكْذِبُونَ
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١١٠٦/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٢/٧، تاج العروس، الزبيدي
٥٣/١٩.
(٢) مقاييس اللغة ٣١١/٥.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٦٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤٩٣/٤.
٣١٨
جوية
القرآن الكريمِ

المض
المرض في الاستعمال القرآني
وردت مادة (مرض) في القرآن الكريم (٢٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ {
[الشعراء: ٨٠]
٨٠
المصدر
١٣
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ [المائدة: ٥٢]
الصفة المشبهة
١٠
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَسَّاءٍ
أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وجاء المرض في الاستعمال القرآني بمعنى: الفساد الذي يعرض للإنسان فيخرجه عن
الاعتدال والصحة، ويكون جسمانيًا وبدنيًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَِّيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
ويكون نفسانيًا أو معنويًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضَّا﴾
[البقرة: ١٠](٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٦٤، المعجم المفهرس
الشامل، عبد الله جلغوم، باب الميم ص١٢٠٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤١٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٤٩٢/٤-٤٩٣،
نزهة الأعين النواظر، ص ٥٤٥ - ٥٤٦، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٨٤/٤-٨٥.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
١
العدوى:
العدوى لغة:
اسم من الإعداء، وهو ما يعدي من داء وجرب، أصله من عدا يعدو إذا جاوز الحد،
وأعداه من علته وخلقه (١).
العدوی اصطلاحًا:
هو أن تجاوز العلة صاحبها إلى غيره (٢)، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعدوى:
أن المرض قد يكون سببًا من أسباب العدوى وبالعكس (٣).
الوباء:
٢
الوباء لغة:
الطاعون، وقيل: كل مرض عام (٤).
الوباء اصطلاحًا:
فساد يعرض لجوهر الهواء لأسباب سماوية وأرضية (٥).
الصلة بين المرض والوباء:
أن الوباء مرض من الأمراض.
الصحة:
٣
الصحة لغة:
السلامة، وخلو الأجسام من المرض (٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٩/١٥، تاج العروس، الزبيدي ١٠/٣٩.
(٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٣٨.
(٣) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٧/٣٠.
(٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣٣٢، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي ٦٤٦/٢.
(٥) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٣٤، تاج العروس، الزبيدي ٤٧٨/١.
(٦) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٢٨/٦، معجم لغة الفقهاء، رواس ص ٢٧١.
٣٢٠
جوبيبو
القرآن الكريم

المرض
الصحة اصطلاحًا:
حالة أو ملكة، بها تصدر الأفعال عن موضعها سليمة (١).
الصلة بين المرض والصحة:
الضدية، وكل منهما يقال في البدن والدين جميعا (٢).
العافية:
٤
العافية لغة:
البراء من الأسقام والبلايا(٣).
العافية اصطلاحًا:
البراء من العلل والبلايا والأسقام (٤)، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعافية:
مقابلة المرض بما يضاده من الصحة (٥).
الشفاء:
٥
الشفاء لغة:
.(٦)
البراء من المرض
٠
الشفاء اصطلاحًا:
رجوع الأخلاط إلى الاعتدال، وقيل: البراء من المرض، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءُ
لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩](٧).
الصلة بين المرض والشفاء:
مقابلة المرض بما يضاده.
(١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٣٢، مقاليد العلوم، السيوطي ص ١٧٥.
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩/ ٥٤.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٢/١٥، تاج العروس، الزبيدي ٧٣/٣٩.
(٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٦١٢.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٠٩.
(٦) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٦٧، لسان العرب، ابن منظور ٤٣٦/١٤، تاج العروس، الزبيدي
٣٨٢/٣٨.
(٧) انظر: المفردات، الراغب ص ٤٥٩، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٣٠/٣، التوقيف على
مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٠٥.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الميم
أنواع المرض
تظهر أنواع الأمراض التي تصيب
القلوب والأبدان من خلال ما يلي:
أولًا: مرض الشبهات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن
الكريم مرض الشبهات، ويمكن التعرف
على هذا النوع من المرض من خلال
السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في
ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور
الدين كان مرض الشكوك والشبهات، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِم قَرَضُّ فَزَادَهُمُ
اللهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّطْ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
[البقرة: ١٠].
١٠
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ
وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا ﴾ [المدثر: ٣١].
أخبر الله تعالى أن في قلوب المنافقين
مرض، ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل
لهیفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات
التي تعرض له حتى لا یری الحق أو يراه على
خلاف ما هو عليه، وإرادته بحیث یبغض
الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته
أن یکون عارفا بالحق محبًا له مؤثرًا له على
غيره، وسمي الشك في الدين مرضًا؛ لأنه
فساد في الروح يحتاج إلى علاج كالفساد
في البدن، ومرض القلب أعضل، وعلاجه
أعسر، ودواؤه أعز، وأطباؤه أقل، والمرض
عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء
المنافقين، وذلك إما أن يكون شگًا ونفاقًا،
وإما جحودًا بسبب حسدهم وعدوانهم مع
علمهم بصحة ما يجحدون، وتقديم الخبر
للإشعار بأن المرض مختص بها، مبالغة في
تعلق هذا الداء بتلك القلوب لما كانوا عليه
من شدة الحسد وفرط العداوة (٨).
فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم
والمنافقون يخبرون عن عدمه في وجدانهم،
فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم
وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل
لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين
بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور الثمرات
مزيل للشبهات (٩).
وقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا
مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦].
فإن مريض القلب بالشكوك وضعف
العلم أقل شيء پريبه ويؤثر فيه ویفتتن به،
وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل
عليها، قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب
يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقنه،
فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجب له حيرة
(٨) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٩٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٩٧،
إيجاز البيان عن معاني القرآن، النيسابوري
٣٩٥/١.
(٩) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٩/ ٥٢.
٣٢٢
القرآن الكريمِ

المرض
وعمى، فلا يدري ما يراد به(١).
وفي الآيتين الكريمتين السابقتين عبر
سبحانه وتعالى عن النفاق بالمرض، وذلك
للمشابهة بين مرض الأجساد والنفاق، فهو
يفسد القلوب، والعقول والمدارك، كما
يفسد المرض الأجساد ويضعف الحركات
وقد يشلها، ومعه الوهن دائمًا(٢).
ثانيًا: مرض الشهوات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن
الكريم مرض الشهوات، ويمكن التعرف
على هذا النوع من المرض من خلال
السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في ذكر
المعاصي والميل كان مرض الشهوات.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَنِسَآءُ التَّيِّ لَسْتُنَّ
كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيَتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلًا مَّعْرُوفًا
٣٢﴾ [الأحزاب: ٣٢].
إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض
القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق
وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض
لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة،
وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول
أو الفعل، والتعرض بالسوء لنسائه وبيته،
(١) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن
القيم ١ /١٤، القواعد الحسان لتفسير القرآن،
السعدي ص ٩٤.
(٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
١٩٠.
وعدم امتثال أمر الله مطلقًا، وخاصة في ستر
عورات النساء، كل هذا من لوازم النفاق
العملي الذي يأباه الله ويتنافى مع حقيقة
الإسلام، ونرجو أن يمتثل المسلمون اليوم
للأمر بستر عورات نسائهم حتى لا ينطبق
علينا وصف النفاق(٣).
وأخبر الله تعالى نساء النبي صلى الله
عليه وسلم أنهن لسن كأحد من النساء في
الفضل والشرف وعلو المنزلة، وأمرهن أن
لا يلن في كلامهن، كما تلين المرأة المعطية
الليان في منطقها ﴿فَطمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ،
مَرَضٌ﴾ أي: مرض شهوة الزنا والفجور،
والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو
فاجر سبيلًا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه
مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه
غير صحيح فإن القلب الصحيح ليس فيه
شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله
ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته
من المرض، بخلاف مريض القلب، الذي
لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر
علی ما یصبر عليه، فأدنی سبب يوجد يدعوه
إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى
عليه، وكان أكثر من تصيبه الحدود في زمن
الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقون (٤).
(٣) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي
١١٨/٣.
(٤) انظر: تفسير العز بن عبد السلام ٥٧٣/٢،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٣.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الميم
وفي الآية دليل على أن الوسائل لها
أحكام المقاصد، فإن الخضوع بالقول
واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان
وسيلة إلى المحرم منع منه؛ ولهذا ينبغي
للمرأة أن لا تلين بالقول في مخاطبة الرجال
الأجانب ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ملؤه الأدب
والوقار حسنًا في معناه، خشناً في مبناه،
مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة
ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن
الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه
وعنھن یؤخذ، وتعهد نساء النبي صلى الله
عليه وسلم بالإرشاد والتأديب؛ لأنهن
الأسوة والقدوة، وهذه الآداب أمر الله
تعالی بها نساء النبي صلی الله عليه وسلم،
ونساء الأمة تبع لهن في ذلك(١).
ثالثًا: مرض الأبدان:
من الأمراض التي ذكرها القرآن الكريم
مرض الأبدان، وحيثما جاء المرض في
آيات الأحكام فهو من علة في البدن،
وكذلك (مريض، المريض، مرضى)، وكلها
في آيات أحكام.
جاء ذكر مرض البدن في الطهارة، وذلك
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَ كُمْ مَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ
أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْهُمُ
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٦٩/٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٣،
بيان المعاني، العاني ٤٧٤/٥.
النِّسَآءُ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا
[النساء: ٤٣].
والمریض الذي يباح له التيمم، هو الذي
يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال
الماء، من فوات عضو أو شينه أو تطويل
البرء، أو كان ضعيفًا في بدنه لا يقدر على
الوصول إلى موضع الماء، كما روي في
حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه
أصابته جنابة وهو أمير الجيش فترك الغسل
من أجل آية، قال: (إن اغتسلت مت فصلى
بمن معه جنبًا، فلما قدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم عرفه بما فعل وأنبأه
بعذره فأقر وسكت)(٢) (٣).
وقد اتفقوا على جوازه، وذلك أن المريض
الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص
له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه
حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة،
فالمريض الذي يمنعه مرضه من استعمال
(٢) أخرجه البخاري معلقا، كتاب التيمم، باب إذا
خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت،
أو خاف العطش، تيمم، ١/ ٧٧، ووصله
عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، رقم ٨٧٨،
٢٢٦/١، وأحمد في مسنده، رقم ١٧٨١٢،
٣٤٦/٢٩.
قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٥٧:
والحاصل أن الحديث حسن أو صحيح.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم
١٥٤/٢.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨٨/١٠، تفسير
المراغي ٦/ ٦٤.
٣٢٤
جوية
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ

المرض
الماء له التيمم مع وجود الماء، وكذلك شأن شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم
الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة
وتضعف، فأباح للمسافر الفطر؛ حفظا
لصحته وقوته عما يضعفها (٢).
المسافر إذا كان معه من الماء ما لا يفيض
عن حاجته في طعامه وشرابه، فلم يبق حينئذ
إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط
وما في معناه من غير المسافرين والمرضى،
فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء،
وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم
العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة،
وهو مشروعیة التیمم، وقد أجمع على ذلك
العلماء، وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب،
وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض سواء
کان له غبار أم لا، ویحتمل أن يختص ذلك
بذي الغبار؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قامْسَحُواْ
پوُجُوهِكُمْ وَآيديگُم مِّنْهُ﴾ وما لا غبار
له لا یمسح به(١).
کما جاء ذکر المرض في أحكام الصيام
في قوله جل وعلا: ﴿فَمَن گانَ مِنكُمْمَيِیضًا
أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة : ١٨٤]
والمرض المذكور في الآية هو المرض
الذي يشق معه الصوم، فأباح الفطر للمريض
لعذر المرض، والمسافر طلبا لحفظ صحته
وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر؛ لاجتماع
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٢،
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، صديق
خان ص ١٧٦، تيسير الكريم الرحمن،
السعدي ص ١٨٠، التفسير القرآني للقرآن،
الخطيب ٣/ ٨٠٠، تفسير آيات الأحكام،
السايس ص ٢٩٣.
وجاء أيضًا في أحكام الحج في قوله
سبحانه: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَّ ◌َبْعَالْهَدْىُ عِلَّهُ.
◌َنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي:
مرضًا يحوجه إلى الحلق ﴿أَوْ بِدِءَ أَذَى﴾ فأباح
للمریض ومن به أذى من رأسه، من قمل أو
حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام؛
استفراغًا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت
له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر،
وإذا حلق رأسه تفتحت المسامات فخرجت
تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس
عليه استفراغ يؤذي انحباسه، والأشياء
التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم
إذا هاج، والمني إذا سبخ، والبول والغائط
والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع
والعطش(٣).
بينت الآيات مرض البدن في الحج
والصوم والوضوء لسر بديع يبين عظمة
القرآن، والاستغناء به لمن فهمه وعقله
عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان
(٢) انظر: تفسير ابن عرفة ٥٣٤/٢، محاسن
التأويل، القاسمي ٤٣/٥.
(٣) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٤ /٦، محاسن
التأويل، القاسمي ٥ / ٤٣.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الميم
ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي،
واستفراغ المواد الفاسدة.
وجاء ذكر المرض في أحكام الأكل
والآداب في قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى
اْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى
الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ
بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُتِ
أُتَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَعْضَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
عَمَّتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ
خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَدُ:
أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ
أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتَأْ فَإِذَا دَخَلْتُم
بُوَّنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَجِيَّةٌ مِنْ عِندِ اللّهِ
مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ))
[النور: ٦١].
كان المسلمون في صدر الإسلام حين
أمروا بالنصيحة ونهوا عن الخيانة وأنزل
عليهم: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ}
[البقرة: ١٨٨].
أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير
حق أدقوا النظر وأفرطوا في التوقي، وترك
بعضهم مؤاكلة بعض.
فكان الأعمى لا يؤاكل الناس؛ لأنه لا
يبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، ولا يؤاكله
الناس يخافون لضرره أن يقصر.
وكان الأعرج یتوقی ذلك؛ لأنه يحتاج
لزمانته إلى أن يتفسح في مجلسه، ويأخذ
أكثر من موضعه، ويخاف الناس أن يسبقوه
لضعفه.
وكان المريض يخاف أن يفسد على
الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المرض:
من رائحة تتغير، أو جرح ببض، أو أنف
یذن، أو بول یسلس، وأشباه ذلك.
فأنزل الله تبارك وتعالى: ليس على
هؤلاء جناح في مؤاكلة الناس.
وقيل: كان الصحابة رضي الله عنهم
يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى
الضمنى، وهم الزمنى، ويقولون لهم: قد
أحللنا لكم أن تأكلوا مما في منازلنا، فكانوا
يتوقون أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت
هذه الآية.
ثم أباحت الآية الأكل من بيوت
الأقارب مثل: الآباء، والأمهات، والإخوة،
والأخوات، والأعمام،
والعمات،
والأخوال، والخالات.
وأباحت أيضًا الأكل مما كان تحت يد
الشخص وتصرفه من مال غيره، والأكل
من بيوت الأصدقاء، ولم یذکر فيها قید ما
لإباحة الأكل من هذه البيوت.
ولم يذكر بيوت الأبناء واكتفى بقوله
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ
تعالى:
بُيُوتِكُمْ﴾ لأن مال الرجل منسوب إلى
٣٢٦
جَوَسُوع
القرآن الكريم

المرض
أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت
ومالك لأبيك) وقال: (إن أطيب ما أكل
الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا
من کسب أولادكم) فاکتفی بذکر بيوت
أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد، إذ كانت
منسوبة إلى الآباء (١).
قال أبو زهرة: ((ونجد أن الله سبحانه
وتعالى ذكر في القرآن الحكيم أنه لا إثم
على من يأكل في بيوت هؤلاء عند الاحتياج،
ونفي الإثم يشير إلى أنه الحق؛ إذ إن تناول
الحقوق لا إثم فيه، وقد يقال: إن ذلك لم
يكن مقتصرًا على القرابة، بل ذكر الصديق،
فدل على أن الحق ليس سببه القرابة.
ونقول: إن ذلك الحق سببه العجز ابتداء؟
ولذلك ذكر في أول الآية ذوي العجز عن
الكسب، فكان الكلام كله في أهل العجز،
ولكن الأخذ كان للقرابة ابتداء، فإن لم تكن
له قرابة يلزمها الشرع، كانت المودة التي
توجبها الصداقة مبررًا للأكل، وإن كان لا
يلزم الصديق بذلك قضاء، فإنه يجب عليه
دینًا ویأثم فيما بينه وبين الله إن كان قادرًا،
ومع ذلك يترك صديقه يتضور جوعًا،
ولذلك كانت المؤاخاة، وفي ذلك إرشاد
خلقي اجتماعي حكيم لواجبات الأصدقاء
نحو أصدقائهم)»(٢).
(١) انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص
١٩٩، أحكام القرآن، الجصاص ٤٣٢/٣،
تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٦١٦.
(٢) المعجزة الكبرى القرآن ص ٣٢٨.
مرض الشبهات
سنتناول في هذا المبحث أعراضه،
والوقاية منه، وعاقبته، وذلك في النقاط
الآتية:
أولًا: أعراضه:
تظهر أعراض مرض الشبهات من خلال
النقاط الآتية:
١. موالاة الكفار.
ذکر القرآن الکریم أن من أعراض مرض
الشبهات التي تصيب المنافقين موالاة
الكفار.
قال تعالى: ﴿فَرَىَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضَّهُ
يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىَ أَنْ تُصِيبَنَا دَآبِرَةٌ
فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ
عَلَى مَا أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾
[المائدة: ٥٢].
لما نهى الله تعالى في الآية السابقة
المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء
في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج
والمعاضدة، بينت هذه الآية أن من يوالي
اليهود والنصارى هم الذين في قلوبهم
مرض أي: نفاق وشك وريب في وعد الله
لإظهار دينه، وقوله: ﴿يُسَرِعُونَ فِهِمْ﴾
أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من
غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في دين
الله، والفضيحة بالنفاق ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: في
عذرهم.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الميم
﴿يَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾ أي: نخشى أن الوعد لتعلق النفس به ورجائها له، والمعنى:
فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله
صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار
المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده
يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم؛
فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به
أنفسهم.
وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر
وكان اليهود عونًا للمشركين على الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره،
المؤمنين، كما ظهر في وقعة بدر والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه،
والأحزاب، فيحل بهم ما يحل بالمؤمنین
من النقمة، ذلك بأنهم غير موقنين بوعد
الله بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين
كله؛ لأنهم في شك من أمر نبوته، لم يوقنوا
بصدقها ولا بكذبها، فهم يريدون أن ينتفعوا
منها بإظهارهم الإيمان بها، وأن يتخذوا لهم
يدًا عليها لأعدائها؛ ليكونوا معهم إذا دالت
الدولة لهم، وهكذا شأن المنافقين في كل
زمان ومكان، ثم رد تعالى عللهم الباطلة،
وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين
بالظفر (١).
وقوله سبحانه: ﴿فَصَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ
بِاَلْفَتْحِ﴾ وعسى من الله نافذة، لأنه الكريم
العظيم الذي لا يُطْمَعُ إلا فيما يُعْطِي؛ ولأن
الکریم إذا أوعد في خير فعله، فهو بمنزلة
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٧٥/١٢،
محاسن التأويل، القاسمي ١٦٣/٤، المنار،
محمد رشيد رضا ٦/ ٣٥٦.
وقيل: أو أمر من عنده، يعني: أن يؤمر
النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار
المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم
﴿فَيُصْبِحُواْ﴾ أي: المنافقون ﴿عَ مَآ أَسَرُّواْ فِىّ
أَنفُسِهم ﴾ من الشك في ظهور الإسلام، أو من
النفاق ﴿نَدِمِينَ﴾ لافتضاحهم بالنفاق مع
الفريقين، وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه-
لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة- لأنه
الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم
عليها، فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها
وسببها(٢).
وفي الآية: نداء للمؤمنين أن يجعلوا
ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم في
العقيدة، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم
في الدین، ووصفت الذین یتولون من غضب
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٧٥/١٢،
محاسن التأويل، القاسمي ١٦٣/٤، المنار،
محمد رشيد رضا ٣٥٦/٦.
٣٢٨
جوبيير
القرآن الكريم
تقع بنا مصيبة كبيرة مما يدور به الزمان، أو
من المصائب والدواهي التي تحيط بالمرء
إحاطة الدائرة بما فيها، فنحتاج إلى نصرتهم
لنا، فنحن نتخذ لنا يدًا عندهم في السراء؛
ننتفع بها إذا مست الضراء، والمراد أنهم
يخشون أن تدول الدولة لليهود أو المشركين
على المؤمنين.

المرض
الله عليهم بالنفاق ومرض القلب، وبشرت عند اللقاء وقبل حصول النصر، فإطلاق
المطيعين لله بالنصر والظفر (١).
٢. الاستهزاء بالمؤمنين.
ذکر القرآن الکریم أن من أعراض مرض
الشبهات التى تصيب المنافقين الاستهزاء
بالمؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ
وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٤٩].
بينت الآية سخرية المنافقين من أهل
المدينة واستهزاءهم واحتقارهم للمؤمنين،
﴿وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ مَرَضُّ﴾ أي: شك
وارتیاب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا
بالإسلام ولم يقو الإسلام في قلوبهم ولم
یتمکن، فلما خرج کفار قریش إلی حرب
رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا
معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين
أرتابوا وارتدوا، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾
والغرور: الإيقاع في المضرة بإيهام المنفعة،
والدين هو الإسلام، وإسنادهم الغرور إلى
الدين باعتبار ما فيه من الوعد بالنصر، من
نحو قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاتَنَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
أي: غرهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل
للقاء جيش كثير، والمعنى: إذ يقولون ذلك
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /١٣.
الغرور هنا مجاز، وإسناده إلى الدين حقيقة
عقلية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى
اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ومن
یسلم أمره إلى الله ویثق بفضله ویعول على
إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره؛لأنه
عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب
إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه(٢).
قال سيد قطب: ((والمنافقون والذين
في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب
النصر وأسباب الهزيمة، فهم يرون ظواهر
الأمور دون أن تهدیھم بصيرة إلى بواطنها
ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة،
والثقة في الله، والتوكل عليه، واستصغار
شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى
عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية، فلا
جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في
موقفهم، مغرورین بدينهم، واردين موارد
التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي
يرونها إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف
من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة، وعند
القلوب الخاوية من الإيمان))(٣).
٣. الاستجابة لوساوس الشيطان.
ذکر القرآن الکریم أن من أعراض مرض
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٩٣، لباب
التأويل، الخازن ٣١٩/٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٣٨/١٠.
(٣) في ظلال القرآن ١٥٣٢/٣.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الميم
الشبهات التي تصيب المنافقين الاستجابة
لوساوس الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
زَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ
أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ
يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهُِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )
لِيَجْعَلَ مَّا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ
قُلُوِهِم ◌َّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّكْلِمِينَ
لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِه
فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِلَى صِرَطِمُسْتَقِيمٍ (٦)﴾ [الحج:٥٢-٥٤].
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم
أن من حکمته وسنته: أنه ما أرسل قبله من
رسول ولا نبي إلا إذا قرأ، ألقى الشيطان في
أمنيته، ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي
والرسول إلقاء ما يضادها، كمن يمكر فيلقي
السم في الدسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته:
أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي
في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في
قومهم، ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي
تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان، والله
تعالی یعید الإرشاد ویکرر الهدي على لسان
النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوء فعله
بالبيان الواضح، كقوله تعالى: ﴿يَفِي ءَادَمَ
لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَنُ كُمَّا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ
إِنَّ
[الأعراف: ٢٧] وقوله سبحانه:
الْجَنَّةِ
[فاطر: ٦]،
عدو فاتخذوهُ عَدُوًا
الشَّيْطَنَ
فالله تعالى بهديه وبيانه ينسخ ما يلقي
الشيطان، أي: يزيل الشبهات التي يلقيها
الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات
دعوة رسله بیانًا، وذلك هو إحكام آياته، أي:
تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا
شبهة بعده إلا لمن رين على قلبه، ثم بين
سبحانه أن من مقتضيات حكمته أنه يجعل
الإلقاء الشيطانى فتنة للشاكين المنافقين،
والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، فلا تلين
لقبول الحق، ولا ترعوي عما هي فيه من
الغي؛ ابتلاء لهم ليزدادوا إثمًا، ورحمة
للمؤمنين ليزدادوا ثباتًا واستقامة (١).
٤. الإعراض عن التحاكم للكتاب
والسنة.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض
الشبهات التي تصيب المنافقين الإعراض
عن التحاكم للكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللّهِ
وَيَالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ
ذَلِكٌّ وَمَآ أَوْلَيْكَ بِلْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُهُواْ إِلَى
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ
وَإِنِ يَكُن لَُّ ◌ٌلْمُّ يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ
٤٩)
٤٨
أَفِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ آَرْتَبُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ، بَلْ أُوْلَكَ هُمُ الَّالِمُونَ
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٥٤/٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٨/١٧.
٣٣٠
القرآن الكريم

المرض
[النور: ٤٧ - ٥٠].
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذین
يظهرون خلاف ما يبطنون، وأنهم يقولون
بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة،
ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم
عن الطاعة توليًا عظيمًا.
وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة،
ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضا بحكم
الرسول صلی الله عليه وسلم فكلا الفريقين
موسوم بالنفاق، ولكن أحدهما استمر
على النفاق والمواربة، وفريقًا لم يلبثوا أن
أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول
علنًا، وفي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إيماء إلى
أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون
الاعتقاد، كما قال تعالى: ﴿﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ
ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ
اُلْإِيمَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم
واستمرارهم عليه؛ لما فيه من تکرر الكذب
ونحوه من خصال النفاق، والإشارة في قوله:
ومَآ أُولَئِكَ﴾ إلى ضمير ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ أي
يقولون آمنا وهم كاذبون في قولهم، وإنما
یظهر کفرهم عند ما تحل بهم النوازل،
وإسناد فعل ﴿دُهُوا﴾ إلی جمیعهم وإن كان
المعرضون فريقًا منهم لا جميعهم؛ للإشارة
إلى أنهم سواء في التهيؤ إلى الإعراض،
ولكنهم لا يظهرونه إلا عندما تحل بهم
النوازل فالمعرضون هم الذين حلت بهم
الخصومات، ثم أخبر الله أن المنافقين
يعرضون عن حكم الرسول لعلمهم بأنه
يحكم بالحق، فإذا كان لهم على غيرهم
أسرعوا إلى حكمه؛ لثقتهم بأنه كما يحكم
عليهم بالحق يحكم لهم أيضا (١).
ثم أخبر بما في قلوبهم من الشك والريبة،
فقال سبحانه: ﴿أَنِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَمِ أَرْتَابُواْ أَمْ
يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ القلوب:
العقول، والمرض مستعار للفساد أو للكفر.
قال جل وعلا: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَشُ فَزَادَهُمُ
اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] أو للنفاق.
وأتي في جانب هذا الاستفهام بالجملة
الاسمية؛ للدلالة على ثبات المرض في
قلوبهم وتأصله فيها، بحيث لم يدخل
الإيمان في قلوبهم، والارتياب: الشك.
والمراد: ارتابوا في حقيقة الإسلام،
أي: حدث لهم ارتياب بعد أن آمنوا إيمانًا
غير راسخ، وأتي في جانبه بالجملة الفعلية
المفيدة للحدوث والتجدد، أي: حدث
لهم ارتياب بعد أن اعتقدوا الإيمان اعتقادًا
مزلزلًا.
وهذا يشير إلى أنهم فريقان: فريق لم
يؤمنوا ولكنهم أظهروا الإيمان وكتموا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٤،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/١٨، روح
المعاني، الآلوسي ٩/ ٣٨٧.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الميم
كفرهم، وفريق آمنوا إيمانا ضعيفًا، ثم ظهر ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في
كفرهم بالإعراض، والحيف: الظلم والجور عالم الواقع.
في الحكومة.
وأسند الحيف إلى الله ورسوله بمعنى
أن يكون ما شرعه الإسلام حيفًا لا يظهر
الحقوق، وهذا كناية عن كونهم يعتقدون أنه
غیر منزل من الله، وأن یکون حکم الرسول
بغير ما أمر الله، فهم يطعنون في الحكم وفي
الحاکم وما ذلك إلا لأنهم لا يؤمنون بأن
شريعة الإسلام منزلة من الله، ولا يؤمنون
بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام مرسل من
عند الله.
فالكلام كناية عن إنكارهم أن تكون
الشريعة إلهية وأن يكون الآتي بها صادقًا
فيما أتى به ﴿بَلّ أُوْلَكَ هُمُ الَّالِمُونَ﴾ أي:
ليس العدول إلا لما في قلوبهم من المرض
والنفاق، وظلمهم لأنفسهم بمخالفة أمر
ربهم ومعصیتهم له فیما أمرهم به من الرضا
بحکم رسوله صلی الله عليه وسلم فيما
أحبوا وكرهوا، والتسليم لقضائه (١).
قال سيد قطب: ((إن الإيمان الصحيح
متى استقر في القلب ظهرت آثاره في
السلوك، والإسلام عقيدة متحركة، لا
تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم
الشعور تتحرك؛ لتحقق مدلولها في الخارج؛
(١) انظر: تفسير المراغي ١٢٢/١٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/١٨، ٢٧٢، روح
المعاني، الألوسي ٩/ ٣٨٧.
ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم
على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة
وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية، وتحويل
هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون، مع
استحياء الدافع الشعوري الأول في كل
حرکة، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصیل،
وهؤلاء كانوا يقولون: ﴿مَامَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ
وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٤٧].
يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها
لا يتحقق في سلوكهم، فیتولون ناكصین
﴿وَمَآ
يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان:
أُوْلَيْكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧].
فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم،
والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها ثم
يدعها ويمضي، إنما هو تكيف في النفس،
وانطباع في القلب، وعمل في الواقع، ثم
لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت
حقيقته في الضمير))(٢).
٥. التشکیك في وعد الله ورسوله.
ذکر القرآن الکریم أن من أعراض مرض
الشبهات التي تصيب المنافقين التشكيك
في وعد الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا غُرُورًا
(٢) في ظلال القرآن ٤ /٢٥٢٥.
٣٣٢
جوب
القرآن الكريمِ

المرض
[الأحزاب: ١٢].
١٢
يقول تعالى مخبرًا عن حال المؤمنين
حين نزلت الأحزاب حول المدينة،
والمسلمون محصورون في غاية الجهد
والضيق، ورسول الله صلی الله عليه وسلم
بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا
زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم
الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم،
والذين في قلوبهم ضعف في الإيمان لقرب
عهدهم بالإسلام: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾
من الظفر والنصر على العدو إلا وعدًا باطلًا
بغرنا به ویوقعنا فیما لا طاقة لنا به، ويسلخنا
عن دین آبائنا.
ویقول: إن هذا الدین سیظهر علی الدین
كله، وإنه سيفتح لنا فارس والروم، وها
نحن أولاء قد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع
أحدنا أن ییرز لحاجته، فإن ذلك کله مما
ألحق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال
الحرب وبعضه من أذى المنافقين؛ ليحذروا
المنافقین فیما يحدث من بعد؛ ولئلا يخشوا
كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشده
يوم الأحزاب، وقول المنافقين هذا يحتمل
أن يكونوا قالوه علنًا بين المسلمين قصدوا
به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم
یردونهم عن دینھم.
فأوهموا بقولهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ,
إِلَّاغُرُورًا﴾ أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله،
فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى
التشبيه البليغ، وإما لأنهم بجهلهم يجوزون
على الله أن يغر عباده، ويحتمل أنهم قالوا
ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبة الوعد
إلى الله ورسوله تهكما، كقول فرعون:
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُوْ لَمَجْنُونٌ
[الشعراء: ٢٧].
والغرور: ظهور الشيء المكروه في
صورة المحبوب، والمعنى: أن الله وعدهم
النصر فكان الأمر هزيمة، وهم يعنون الوعد
العام وإلا فإن وقعة الخندق جاءت بغتة
ولم يرو أنهم وعدوا فيها بنصر ﴿وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ هم الذين كانوا مترددين
بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق
وصمموا عليه (١).
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّ غُرُودًا ))
[الأحزاب: ١٢]: ((فقد وجد هؤلاء في الكرب
المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة
للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من
أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهين والتخذيل
وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد
رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد
بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدقهم في
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٨/٦،
تفسير المراغي ١٤١/٢١، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢٨٣/٢١.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الميم
التوهين والتشكيك، وهم مع هذا منطقيون
مع أنفسهم ومشاعرهم فالهول قد أزاح
عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل،
وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم
المهلهل فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير
مبقين ولا متجملين، ومثل هؤلاء المنافقين
والمرجفین قائمون في کل جماعة وموقفهم
في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء)»(١).
٦. نشر الإشاعات.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض
مرض الشبهات التي تصيب المنافقين نشر
الشائعات والأراجيف.
﴿ لَّيِن لَّمْ يَلْنَهِ الْمُنَفِقُونَ
قال تعالى:
وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ
اٌلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيَهَا
إِلَّا قَلِيلًا (٥) مَّلْعُونِينَّ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ
﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].
فَبَّلُواْ تَفْتِيلًا
يخبر تعالى أن من صفات المنافقين
ومرضى القلوب نشر الاشاعات
والأراجيف، ووصفهم الله هنا بصفات
ثلاث ﴿الْمُنَفِقُونَ وَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ﴾.
فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما من المنافقين والذين في قلوبهم مرض
وأتباعهم.
عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت
هذه الصفات مستقلةً؛ لأنها أصبحت من
الوضوح فیھم، بحيث تکاد تکون نوعًا
(١) في ظلال القرآن ٢٨٣٨/٥.
٣٣٤
القرآن الكريمِ
منفردًا بذاته.
والإرجاف: إشاعة الأخبار، وفيه معنى
كون الأخبار كاذبة أو مسيئة لأصحابها
يعيدونها في المجالس؛ ليطمئن السامعون
لها مرة بعد مرة بأنها صادقة؛ لأن الإشاعة
إنما تقصد للترويج بشيء غير واقع أو مما
لا يصدق به؛ لاشتقاق ذلك من الرجف
والرجفان وهو الاضطراب والتزلزل.
فالمرجفون قوم يتلقون الأخبار فيحدثون
بها في مجالس ونواد ویخبرون بها من يسأل
ومن لا يسأل.
والمعنى هنا: الذين يخبرون بالأراجيف،
وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من
عدوهم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى
علیھم کیت و کیت، فیکسرون بذلك قلوب
المؤمنين، والأراجيف: هي أول الاختيار،
وأصل الرجف هو الحركة.
فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة
بالناس فسمي إرجافًا، ويقال: الأراجيف
تلقح الفتنة، ويقال: أرجف بكذا، إذا أخبر
به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلًا
غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، وهم
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ وَإِذَا
جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾
[النساء: ٨٣].

المض
فهذه الأوصاف لأصناف من الناس،
وكان أكثر المرجفين من اليهود وليسوا
من المؤمنين؛ لأن قوله عقبه: ﴿لَنُغْرِيَّكَ
بِهِمْ﴾ لا يساعد أن فيهم مؤمنين، والمعنى:
لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم و کیدکم،
والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما
يؤلفون من أخبار السوء لنأمرنك بأن تفعل
بهم الأفاعيل التي تسوؤهم وتنوؤهم، ثم
بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة،
وإلی أن لا يساکنوك فيها إلا زمنا قليلا ريثما
يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم،
فسمى ذلك إغراء، وهو التحريش على
سبيل المجاز(١).
وفي الآية: إنذار لفئات المنافقين
ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة،
بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس
ودسائس ویوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله
يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على
طردهم من المدينة، مدموغین بدمغة اللعنة،
مهدوري الدم ليقتلوا قتلا ذريعًا بدون هوادة
واستثناء وتساهل أينما وجدوا، وهذه هي
سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم
وهي السنة التي لا تتبدل في حال(٢).
(١) انظر: تفسير السمرقندي ٧٣/٣، تفسير
السمعاني ٤ /٣٠٧، الكشاف، الزمخشري
٥٦١/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٠٨/٢٢، تفسير الشعراوي ١٢١٧٣/١٩.
(٢) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت
٧. الخوف من الجهاد.
من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها
القرآن الكريم الخوف من الجهاد.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلًا
نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ
فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمٍ قَرَضٌ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ
فَأَوْلَى لَهُمْ ل طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ
اْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيََّ لَّهُمْ ﴾
[محمد: ٢٠ - ٢١].
يخبر تعالى في هذه الآيات عن صفات
المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم
أنهم يشتاقون للوحي، ونزول آيات الجهاد
حرصا على ثوابه، فإذا أنزلت سورة واضحة
الدلالة في الأمر به فرحوا بها وسارعوا إلى
العمل بما فيها.
ثم أعقب ذلك بوصف حال المنافقين
من الكسل والفشل والحرص على فساددين
الله وأهله، وذلك حین یدعی المسلمون إلى
الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين، إذ كان
تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج
للقتال مع المسلمين، وذلك أمر ليس
بالھین؛ لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون
أن يرجو منه نفعًا في الحياة الأبدية؛ إذ هم لا
يصدقون بها فيصبحوا في حيرة.
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ
وقوله سبحانه:
٧ /٤٢٠.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الميم
اَلْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ اَلْمَوْتِ﴾ أي: تشخص
أبصارهم من شدة فزعهم ورعبهم وجبنهم
من لقاء الأعداء، كما ينظر من أصابته
الغشية عند الموت، ثم هددهم وتوعدهم
فقال: ﴿فَأَوْلَ لَهُمْ﴾ أي: فالموت أولى
لمثل هؤلاء المنافقين؛ إذ حياتهم ليست
في طاعة الله فالموت خير منها، وقد يكون
المعنى على التهديد والوعيد والدعاء عليهم
بالهلاك، فكأنه قيل: أهلكهم الله هلاكًا
أقرب لهم من کل شر وهلاك، فهو نحو
قولهم في الدعاء بعدًا له وسحقًا.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: طاعة لله
وقول معروف أمثل لهم، وأحسن مما هم فيه
من الهلع والجزع والجبن من لقاء العدو،
فمتاع الحياة الدنيا متاع قلیل، وظل زائل،
والآخرة خير لمن اتقى.
﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ
خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: فإذا حضر القتال كرهوه
وتخلفوا عنه خوفًا وفرقًا، ولو صدقوا في
إيمانهم واتّباعهم للرسول، وأخلصوا النية
في القتال لكان خيرًا لهم عند ربهم؛ إذ
یتالون به الثواب والزلفی عنده ویعطیھم ما
تقر به أعينهم، ويدخلهم جنات النعيم(١).
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٠١/٥،
المحرر الوجيز، ابن عطية ١١٧/٥، تفسير
المراغي ٦٥/٢٦، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٢٦/ ١٠٦.
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠]:
((وهو تعبير لا تمكن محاكاته، ولا ترجمته
إلى أي عبارة أخرى، وهو يرسم الخوف
إلى حد الهلع، والضعف إلى حد الرعشة،
والتخاذل إلى حد الغشیة، ویبقی بعد ذلك
متفردًا حافلًا بالظلال والحركة التي تشغف
الخيال
وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة
لا تعتصم بإيمان، ولا بفطرة صادقة، ولا
بحياء تتجمل به أمام الخطر، وهي طبيعة
المرض والنفاق، وبينما هم في هذا التخاذل
والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان
بالزاد الذي يقوي العزائم، ويشد القوائم، لو
تناولوه في إخلاص: ﴿فَأَوَلَى لَهُمْ طَاعَةٌ
وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ
لَكَانَ خَيْرُالَّهُمْ ﴾ [محمد: ٢٠-٢١].
نعم، أولى لهم من هذه الفضيحة، ومن
هذا الخور، ومن هذا الهلع، ومن هذا النفاق،
أولى لهم ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ طاعة
تستسلم لأمر الله عن طمأنينة، وتنهض بأمره
عن ثقة، وقول معروف يشي بنظافة الحس
واستقامة القلب، وطهارة الضمير، وأولى
لهم إذا عزم الأمر، وجد الجد، وواجهوا
الجهاد أن يصدقوا الله، يصدقوه عزيمة،
ويصدقوه شعورًا، فيربط على قلوبهم،
ويشد من عزائمهم، ويثبت أقدامهم، وييسر
٣٣٦
جوسين
القرآن الكريمِ