Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
هـ
المُسََّابَقَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم المسابقة
٤٥٦
المسابقة في الاستعمال القرآني
٤٥٧
الألفاظ ذات الصلة
٤٥٨
أنواع المسابقة في القرآن الكريم
٤٦٣
٤٨٣
صفات السابقين إلى الخيرات
٤٨٨
ثواب السابقين في الخيرات
المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم المسابقة
أولًا: المعنى اللغوي:
من خلال البحث في معاجم العربية وجدت أن مادة ((سبق)» تطلق في اللغة على عدة
معان:
منها: التقدم والتبكير والمبادرة، وما يوضع بين أهل السباق ليناله السابق منهم.
فمن التقدم قولهم: (سابَقَّهُ مُسَابَقَةً وسِباقًا فَسَبَقَهُ، إذا تقدم عليه، والسَّبْقُ: القدمة في
الجري وفي كل أمر)(١).
ومن التبكير قول صاحب اللسان: (والسَّبَقُ من النخل: المبكرة بالحمل)(٢).
ومن المبادرة قولهم: (وأسبق القوم إلى الأمر وتسابقوا: بادروا ومنه قوله عز وجل
﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥] ومعناه: ابتدرا الباب، يجتهد كل واحدٍ منهما أن يسبق
صاحبه) (٣).
وقال ابن منظور: (والسبق بفتح الباء: ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة) (٤).
وأرى: أن المعنى الأول هو المراد هنا، وهو الأقرب إلى مقصود البحث، وبقية المعاني
تؤول إليه، وفي ذلك يقول ابن فارس: (السين والباء والقاف أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدل على
التقديم. يقال سَبَقٌ يَسْبِقُ سَبقًا)(٥).
ويؤكد ذلك أيضًا صاحب ((المعجم الاشتقاقي)) فيبين المعنى المحوري لهذا الفعل،
وأنه: تقدم الشيء من بين ما حوله في قوة وجدٍّ (٦).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المسابقة في الاصطلاح: ((التقدم والمبادرة وبذل غاية الجهد والطاقة بين متسابقين أو
أكثر في أمر من الأمور الدنيوية أو الأخروية؛ لتحصيل السبق والفوز على الآخر))(٧).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣١٧/٨، لسان العرب، ابن منظور ١٥١/١٠.
(٢) لسان العرب ١٥١/١٠.
(٣) انظر: لسان العرب ١٥١/١٠، تاج العروس، الزبيدي ٤٣٢/٢٥.
(٤) لسان العرب ١٠/ ١٥١.
(٥) مقاييس ابن فارس ١٢٩/٣.
(٦) المعجم الاشتقاقي المؤصل، محمد حسن جبل ٢/ ٩٥١.
(٧) انظر: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم، محمد الزغول ومحمد حوى ص٦.
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
٤٥٦

المسابقة
المسابقة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سبق) في القرآن الكريم (٣٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٨
أَوْلًا كِنَبُّ مِّنَ اَللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]
﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ
الفعل المضارع
٥
[الحجر: ٥]
فعل الأمر
٣
﴿َسَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]
المصدر
١
﴿فَالسَّبِقَتِ سَبْقَائِ﴾ [النازعات: ٤]
اسم فاعل
٨
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]
اسم مفعول
٢
﴿وَمَا غَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ [الواقعة: ٦٠]
وجاءت المسابقة في القرآن على خمسة أوجه(٢):
* [الصافات: ١٧١].
١٧١
أحدها: الوجوب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
يعني: وجبت.
الثاني: الاصطياد: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَتَّبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] يعني:
نصطاد.
الثالث: التقدم للهروب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥ ]يعني: تبادرا.
الرابع: الفوت: ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا ﴾ [العنكبوت:
٤] یعني: یفوتونا.
الخامس: الفوز بالجنة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّيِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]. يعني:
السابقون إلى الجنة.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ٦١٣.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٨٣/٣.
www. modoee.com
٤٥٧

حرف الميمر
الألفاظ ذات الصلة
المسارعة:
١
المسارعة لغة:
المسارعة في الأصل تعني التقدم فيما ينبغي أن يتقدم فيه، وهي محمودة (١)، وتعني
أيضًا المبادرة والمباشرة للشيء بسرعة(٢)، وتقتضي الجد والاجتهاد في أمر من الأمور،
يقال: أسرع فلان المشي، وأسرع إلى كذا وكذا، يريدون: أسرع المضي إليه، وسارع بمعنى
أسرع(٣)، أي: تقدم وسبق غيره.
المسارعة اصطلاحًا:
((هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو
تأخيرها)) (٤).
الصلة بين المسارعة والمسابقة:
أن المسابقة متقدمة على المسارعة، وسابقة عليها؛ حيث إن (أي سباق مهما كان نوعه
ومسافته لا بد له من مرحلتين: الأولى: مرحلة السباق والانطلاق، والثانية: مرحلة الإسراع
في السباق، فمثلًا السباق في الجري، عندما يبدأ الشوط الأول يتسابقون، وبعد فترة يسارعون
في السباق، بأن يضاعف المتسابقون سرعتهم، ويتحولوا من مجرد مسابقة إلى المسارعة
في المسابقة، وسنجد أن بعض المتسابقين قد يسقط في الطريق، ويخرج من السباق، ولا
يصل إلى مرحلة المسارعة إلا أصحاب الطاقات والهمم والسرعات والعزائم، أولئك الذين
لديهم زاد قوي يعينهم على إكمال أشواط المسارعة)(٥).
المسارعة أسمى درجة من المسابقة؛ حيث إن المسابقة تقتضي وجود قرين يسابق،
فيجتهد المتسابق لتحصيل السبق، فيكون وجود القرين المسابق المخالف دافعًا لمزيد من
بذل الجهد والسبق، أما المسارعة فتتعلق بذات العامل نفسه بقطع النظر عمن ينافسه في
ذلك، فهو يجد ويجتهد أبلغ الاجتهاد لذاته، يحركه ما يراه من واجب عليه في ذات الأمر
(١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٧٦.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٢/ ٥٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٣٣٨٧/٨.
(٥) السعي إلى الجنة بين المسابقة والمسارعة، صلاح الخالدي.
٤٥٨
جوية
القرآن الكريمِ

المسابقة
وهذا لا یکون إلا لمن علت همته وسمت اهتماماته(١).
كما يلحظ في المسارعة خشية فوات الفرصة، كما يظهر فيها جانب ضيق الوقت خشية
عدم إدراكه، فهو يسارع لذلك، وفي المقابل يلحظ في المسابقة ظهور النتيجة، وهي مادية
واضحة (٢)
يقول البقاعي مفرقًا بين فعلى ((سابقوا)) و((سارعوا)): (سابقوا: فعل من يسابق شخصًا فهو
يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قريبًا بطيئًا فسار هوينًا، أما المسارعة
فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف) (٣).
وبهذا تتضح الصلة بين المصطلحين، وإن كان كل منهما يفيد في مجمله المبادرة، وبذل
قصارى الجد والاجتهاد في تحصيل أمر من الأمور، والله أعلم.
المنافسة:
٢
المنافسة لغة:
المنافسة: مأخوذة من الفعل ((نافس)) يقال: نافَسَ في الشيء مُنافَسَةً إذا رغب فيه على
وجه المباراة في الكرم، وتنافسوا فيه، أي: رغبوا(٤) أو مشتقة من النفاسة، يقال: شيءٌ نفيسٌ،
أي ذو نفاسةٍ وخطر يتنافس به، والتنافس: أن يبرز كل واحدٍ من المتبارزين قوة نفسه(٥).
المنافسة اصطلاحًا:
يطلق على المنافسة في اصطلاح بعضهم: أنها مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل،
واللحوق بهم من غير إدخال ضرر على أحد من الناس، وفيها قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُنَتَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] (٦).
الصلة بين المنافسة والمسابقة:
والمتأمل يجد أن بین المسابقة والمنافسة تشابهًا من وجه، وفرقًا من وجه آخر، حیث
يشتبهان في أنَّ كلَّا منهما يتطلب بذل جهد ومشقة لتحصيل شيء ما، وفي كل منهما
متسابقون أو متنافسون.
(١) انظر: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم، محمد الزغول ومحمد حوى ص٦.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٧.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ١٩/ ٢٩٢.
(٤) مختار الصحاح، الرازي ص٣١٦.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦١/٥.
(٦) المفردات، الراغب الأصفاني ص٨١٨.
www. modoee.com
٤٥٩

حرف الميم
ويفترقان في أن المسابقة عامة تعم كل لون من ألوان التسابق، نافعًا كان أو غير ذلك، أما
المنافسة فينبغي أن تكون في المعالي، واكتساب المحاسن، والبعد عن المعايب والمساخط،
والله أعلم.
المبادرة :
٣
المبادرة لغةً:
الباء والدال والراء، أصلان: أحدهما كمال الشيء وامتلاؤه، والآخر الإسراع إلى الشيء،
أما الأول فهو قولهم لكل شيء تم: بدر، وبدر موضع يذكر ويؤنث، والأصل الآخر: قولهم
بدرت إلى الشيء وبادرت، وإنما سمي الخطاء بادرة؛ لأنها تبدر من الإنسان عند حدة
وغضب(١).
وهذان المعنيان متقاربان؛ حيث إن المبادر إلى شيء ما يسرع إليه، ويسابق فيه حتى يصل
إلى درجة الكمال أو يقترب منها، ومن ثم فالمعنى الأول بداية المبادرة والثاني نهايتها.
المبادرة اصطلاحًا:
هي (انطلاقة المؤمن ومسارعته إلى عمل صالح بحافز ذاتي من نفسه، بعد أن يتوافر في
نفسه الميزان الأمين ليحدد العمل الصالح من سواه، وليطمئن إلى أنه لا يتجاوز حدوده، ولا
يعتدي على غيره، ولا يدخل في فتنة تغضب الله تعالى) (٢).
الصلة بين المبادرة والمسابقة:
المسابقة: اندفاع من الشخص اتجاه الشيء ويكون ذلك بدافع المنافسة، أما المبادرة: فقيام
الشخص بفعل الشيء ولا يكون إلا بدافع ذاتي.
العجلة:
٤
العجلة لغةً:
العين والجيم واللام أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الإسراع، والآخر على بعض
الحيوان، والجمع عجل وعجلات، والعجل والعجلة: خلاف البطء (٣).
العجلة اصطلاحًا:
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٨/١، شمس العلوم، نشوان الحميرى، ٤٥٣/١، تاج العروس،
الزبيدي ١٠/ ١٣٧.
(٢) انظر: الحوافز الإيمانية بين المبادرة والالتزام، عدنان علي النحوي، ص ١٥.
(٣) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ٦٤٩/١.
٤٦٠
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

المسابقة
((هي طلب الشيء وتحريه قبل أوانه)) (١).
وقال المناوي: ((العجلة: فعل الشيء قبل وقته اللائق به))(٢).
قال الراغب: العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك
كانت مذمومة في عامة القرآن(٣).
الصلة بين العجلة والمسابقة:
الفرق بين العجلة والمسابقة يتضح من خلال النقاط التالية:
أن المسابقة تقتضي مفاعلة بين متفاعلين أو أكثر، والعجلة لا تقتضي ذلك؛ حيث إنها
ذاتية نابعة من ذات الشخص.
أن العجلة مذمومة في أغلب أحوالها لكونها من مقتضيات الشهوة، ويتحرى فيها الشيء
قبل أوانه،
أما المسابقة فليست كذلك، بل هي محمودة ممدوحة غالبًا، وبخاصة إذا كانت في أمور
الآخرة.
حديث القرآن عن ((العجلة)) حديث عن ذمها غالبًا، ومدح القرآن للعجلة إنما ورد في
موضعين اثنين، أحدهما قوله تعالى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
وثانيهما قوله تعالى ﴿وَعَدَّكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٌ تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِهِ﴾ [الفتح:
٢٠].
وأرجى الأقوال بالقبول في مرجع الإشارة ((هذه)) في الآية إلى فتح خيبر (٤)، وإنما جعلت
غنائم خيبر تعجيلًا لقرب حصوله من وقت الوعد به(٥)، ويلحظ هنا أنه عبر عما قدم للمؤمنين
من غنائم، وفتح سريع بلفظ ((التعجيل)) لتنبيه المؤمنين أن لا يلتفتوا إلى هذه الأمور الدنيوية
لذاتها، فإنها من العاجلة التي لا يحسن بالمؤمنين التطلع إليها لذاتها، إلا أن تكون في ظل
الإيمان والطاعة وقصد وجه الله سبحانه، كما ورد أن ((التعجل)) في المبيت بمنى جاء على
وجه الإباحة، والتأخر والإتمام وصف فاعلوه بالتقوى، مما يفيد أن العجلة تصرف ليس
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٤٨.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٣٧.
(٣) المفردات، الراغب ص٥٤٨.
وانظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٢٣٧، تاج العروس، الزبيدي ٤٣١/٢٩.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٣٠.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ١٧٧.
www. modoee.com
٤٦١

حرف الميم
بمحمود ابتداءً (١)، والله أعلم.
التقدم:
٥
التقدم لغة:
مشتق من الثلاثي ((قدم))، وتحت هذه المادة يقول ابن فارس: (القاف والدال والميم
أصلٌ صحيحٌ يدل على سبقٍ ثم يفرع منه ما يقاربه، يقولون: القدم: خلاف الحدوث، ويقال:
شيءٌ قديمٌ، إذا كان زمانه سالفًا، وقدم الإنسان معروفةٌ، ولعلها سميت بذلك لأنها آلةٌ للتقدم
والسبق)(٢)، أي: هي التي تتقدم وتسبق عند السير، فيرتكز عليها السائر في تحركه إلى الأمام
مع هيئته التي تساعد على ذلك.
التقدم اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، وهو يدل على سبق الشيء نافذًا إلى الأمام بقوة(٣).
الصلة بين التقدم والمسابقة:
المسابقة تجتمع مع التقدم في أن كلّ منهما فيه سبق.
وتفترق المسابقة عن التقدم بعدة أمور:
أولها: أن المسابقة تقتضي مفاعلة، ووجود متسابقین يشتركون في سباق ما، أو يتنافسون
فيه يدفعون الشخص إلى مزيد من بذل الجهد والمشقة للفوز بالسباق، أما التقدم فلا شيء
فيه من ذلك.
ثانيها: أن التقدم قد يكون في الزمان، مثل أن تقول: رمضان قدام شوال، أو في المكان،
كأن يقول الخارج من مكة: جدة قبل أو قدام مصر، أو في المنزلة، كما تقول: محمد قدام
علي، أي: مكانة ومنزلة، أو في الترتيب الصناعي، نحو: تعلم الهجاء قبل أو قدام تعلم
الخط (٤)
ثالثها: أن التقدم قد يكون في الخير والشر، فأما الخير مثل قولهم: فلان يتقدم رفاقه، أي:
في الشرف والمنزلة والمكانة، والشر مثل: فرعون اللعين حين قال الله تعالى فيه ﴿يَقْدُمُ
قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
وهذا بخلاف المسابقة، والله أعلم.
(١) المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن الكريم، الزغول ص ١٠.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٥/٥.
(٣) المعجم الاشتقاقي المؤصل، محمد حسن جبل ١٧٤٨/٤.
(٤) انظر: المفردات، الراغب ص ٦٥٣.
٤٦٢
جومبو
القرآن الكريمِ

المسابقة
أنواع المسابقة في القرآن الكريم
تحدث القرآن الكريم عن التسابق بنوعيه
إجمالًا، ومدح منه نوعًا، وبيَّنَ صفات أهله
وأعمالهم، وما ينبغي أن يكون عليه من إرادة
اللحوق بركبهم، وذم آخر، وبين ما لأهله
من خصال، حتى تجتنب وتحذر، وسيتم
الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: المسابقة الممدوحة:
المقصود بالمسابقة الممدوحة: الأمور
التي أمر الله تعالى بالسبق فيها، وحض
القرآن عليها، ورغب فيها، ووعد الممتثلين
لذلك خيرًا كثيرًا.
ومن خلال التأمل في كتاب الله تعالى
نجد أن ميادين هذا التسابق الممدوح
متعددة، وأنواعه القرآنية كثيرة كما يلي:
١. السبق إلى الخيرات.
المراد بالخيرات: كلمة جامعة لكل
ما يرغب فيه من الأمور والأشياء النافعة،
كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع
عمومًا، وقدیکون الخیر مطلقًا، حینما یکون
مرغوبًا فيه بكل حال، عند كل أحد (١).
والأمر باستباق الخيرات ورد في القرآن
الكريم في أربعة مواطن من كتاب الله
تعالى، أذكرها مرتبة تريبًا مصحفيًّا، ثم أقفيها
بالتعليق والتحليل على هذا الترتيب؛ حيث
(١) المصدر السابق ص ٤٣.
إن موضوع البحث لا يتعلق بالأحكام،
ومن ثم فليس من المهم أن ترتب الآيات
نزوليًّا حسبما يقتضيه البحث في التفسير
الموضوعي.
وأول المواطن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا
اُلْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
والمفسرون حيال هذه الآية فریقان:
الأول: يرون أن الآية عامة في كل خير
ينبغي أن يستبق إليه، ومن ثم فليس الاستباق
قاصرًا على التوجه إلى القبلة في الصلاة،
وفي ذلك يقول الطبري: (﴿فَأَسْتَبِقُواْ﴾
أي: بادروا وسارعوا من ((الاستباق))، وهو
المبادرة والإسراع والمراد: بادروا بالأعمال
الصالحة شكرًا لربكم، وتزودوا في دنياكم
لأخراكم) (٢).
الثاني: يرون أن الآية خاصة بحادثة
تحويل القبلة، وذلك لكون الأمر باستباق
الخيرات واردًا في سياقها، وعليه فيكون
الأمر باستباق الخيرات خاصًّا بالاتجاه نحو
الكعبة في الصلاة، أو الأمر بالاستباق إلى
الصلاة في أول وقتها.
وفي ذلك يقول القرطبي: (أي: بادروا
ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت
الحرام، وإن كان يتضمن الحث على
المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات
بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩٦/٣ بتصرف.
www. modoee.com
٤٦٣

حرف الميم
الآي، والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول للتكرار.
وقتها، والله تعالى أعلم) (١).
ويقول الزجاج عند تفسير الآية: (أي:
فبادروا إلى القبول من الله عز وجل، وولوا
وجوهکم حیث أمركم الله أن تولوا)(٢).
ويعلق الواحدي على قول الزجاج
فيقول: (وعلى هذا فـ ((الخيرات)) على
صيغتها من العموم، وهي مخصوصة هنا؛
لأنه أراد الابتدار إلى استقبال الكعبة)(٣).
وأُرَجِّحُ من هذين القولين أولهما؛ إذ أنه
رأي الأكثرية من المفسرين (٤).
فضلاً عن كونه يتناغم مع القاعدة تعالى:
التفسيرية الشهيرة ((العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب» فالآيات وإن کانت نازلة
في شأن تحويل القبلة إلا أن لفظها عام، لا
ينبغي قصره على هذه الحادثة بعينها، وعليه
فالأولی حملها على العموم، والله أعلم.
ثم يأتينا بعد ثاني المواضع، وهو
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتَّ إِلَى اللّهِ
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ويدور فيه ما دار في آية البقرة من العموم
والخصوص، والعموم أولى، ولا ثمة داع
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٥.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٢٢٦/١ بتصرف.
(٣) التفسير البسيط ٣/ ٤٠٤.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦٦/٣، أنوار
التنزيل، البيضاوي ١١٣/١، البحر المحيط،
أبو حيان ٣٨/٢.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ
اْخَّرَةِّ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦١].
وهذا الموضع وإن كان ورد التعبير فيه
بالمسارعة والمسابقة معًا، إلا اعتددت به
في باب المسابقة لكونه ذكر «الخيرات)»
أولًا، ثُمَّ أعاد الضمير عليها في قوله:
﴿لَهَا﴾ مع التعبير بالسبق في قوله: ﴿وَهُمْ لَـ
سَبِقُونَ﴾ ومن ثَمَّ اعتبرته من آيات المسابقة
إلى الخيرات لهذين الأمرين.
ويعلق القرطبي على الآية فيقول: (قوله
﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيََّتِّ﴾
أي: في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى
الدرجات والغرفات، و﴿يُسَرِعُونَ﴾ على
معنى يسابقون مَنْ سابقهم إليها، فالمفعول
محذوف، وقوله: ﴿وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ ﴾ أحسن
ما قیل فیه:أنهم يسبقون إلى أوقاتها، ودل
بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل)(٥).
فالخيرات هنا اسم عام لكل الطاعات
والقربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى،
ولا تتخصص بشيء معين، والمؤمنون
الصادقون يستبقون إليها، ويبادرون غيرهم
إلی صنیعھا، وحالهم دومًا أنهم سابقون.
وآخر المواطن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّأَوْرَقْنَا
اَلْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ
ظَالِّمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ١٣٣.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٤٦٤

المسابقة
بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [فاطر: ٣٢].
أقول: اختلف المفسرون حول المراد
بهذه الآية اختلافًا كثيرًا إلى أقوال عديدة،
أَقْتَصُر هنا على ما رَجُحَ لديَّ منها، وهو
أن المَعْنِيِّينَ بهذه الآية هم من أمة محمد
صلى الله عليه وسلم (١)، وأن المراد
بالميراث: الانتهاء.
قال مقاتل: ((ثم أورثنا الكتاب)): يعني
القرآن، والمعنى: ثم جعلنا الكتاب ينتهي
إليهم؛ لأن من ورث شيئًا كان ذلك الشيء
منتهيًا إليه، والوارثون هم المهاجرون
والأنصار والتابعون لهم بإحسان من أمة
محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم
ورتبهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ﴾ قال
ابن عباس: بدأ بأشرهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو الذي مات على كبيرة
ولم يتب منھا، ثم قال: ﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ
وهو والذي لم يصب كبيرة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَتِ﴾ وهم: المقربون الذين سبقوا إلى
الأعمال الصالحة.
وقال الحسن: الظالم الذي ترجح سيئاته
على حسناته، والمقتصد الذي استوت
حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت
حسناته على سيئاته (٢)، والله أعلم.
هذا وإنى ألحظ على الآيات هنا عدة
(١) انظر: التسهيل لعلوم التأويل، ابن جري
١٧٥/٢.
(٢) انظر: التفسير البسيط الواحدي ٤٢٣/١٨.
أمور:
أولها: أن الله تعالى عبر عن فعل
الطاعات وأدائها بصيغة ((الاستباق))، وهذا
يشير إلى أنه ينبغي أن يسارع المؤمنون
إلى مرضاة ربهم، وأن يستبقوا إليها، فيأتوا
الصلاة أول وقتها، ويبادروا بالصوم والزكاة
والحج وسائر الطاعات متى حان وقتها، من
غير تسويف أو تأخير، وإن استطاعوا أن لا
يسبقهم إلى الله تعالى أحد فليفعلوا، فكثيرًا
ما تعرض الحاجة، وتضل الراحلة، ويمرض
الصحیح، ویهرم الشاب وهكذا.
ثانيها: أن الفعل ((فاستبقوا)» في آيتي
البقرة والمائدة تعدى إلى المفعول بنفسه
من دون حرف، وهذا فیه دلالات:
# الدلالة على قوة التباري بين
المؤمنين والخيرات، وشدة المسابقة
والمسارعة، وحدة السباق، فكأن
الخيرات صارت شخصًا أُمِرَ المؤمنون
أن يسابقوه ويسارعوه حتى لا يسبقهم
إلی الله تعالی أحد.
الإشارة إلى سرعة المبادرة إلى هذه
المسابقة، كأن الخيرات صارت مسابقة
سابقة، ولكن مع سبقها فإنهم استبقوها
وأدركوها وتحققوا منها (٣)، ولذا
قال الألوسي: ((والمراد بسبقهم إلى
(٣) انظر: المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في
القرآن الكريم، الزغول وحوى ص٢٦.
www. modoee.com
٤٦٥

حرف الميم
الخیرات ظفرهم بها ونیلهم إياها)»(١).
الدلالة على أن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ
اُلْخَيْرَتِ﴾ بدون حرف الجر يشمل
الاستباق إليها، والاستباق فيها، فليس
معناه:إذا وصلت إلى الخير فإنك تقف،
بل حتى في نفس فعلك الخير كن
مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى ﴿ آهينًا
اَلْفِرْطَ الْمُسْتَقِيَمَ ﴾ [الفاتحة: ٦]؛
فالمطلوب أن يصل الإنسان إلى
الصراط، ويستمر فيه، ولهذا قال
تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾(٢).
ثالثها: التعبير بحرف الجر( اللام)) في
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ﴾ للدلالة على
التعليل، فكأنه قال: هم لأجلها، (والمعنى
يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة،
وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها
سابقون الناس إلى الثواب أو إلى الجنة)(٣).
رابعها: التعبير بالاسم في قوله تعالى
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ﴾ دون الفعل، فلم
يقل مثلًا: ومنهم من يسبق بالخيرات))ونحوه،
وذلك لأن التعبير بالاسم يدل على الدوام
والثبوت والاستمرار، دون الفعل، فهو
يدل على التجدد والحدوث، فالله سبحانه
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٤٥/٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين،
سورتي الفاتحة والبقرة ٢/ ١٤٨.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٦/ ١٤٠، روح المعاني، الألوسي ٢٤٥/٩.
يريد من عباده أن يكونوا دومًا سباقين إلى
الخيرات في جميع الأوقات والأحوال، لا
أن يكونوا سباقين في وقت، ثم بعد ذلك
يعتريهم الفتور أو الغفلة، فإنَّ أحبَّ العمل
إليه تعالى أدومُهُ وإن قلَّ، والله أعلم.
خامسها: يشير قوله تعالى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
إلى أن طاعة العبد لربه تعالى، وأي سبق له
في الخيرات إنما هو محض فضل من الله
تعالى، وأن لا طاقة للعبد على مثل ذلك إلا
بعد توفيق الله له، مع صعوبة هذه المنزلة.
وفي ذلك يقول الألوسي (قوله ﴿بإذْنِ
اللهِ﴾ أي: بتيسيره تعالى وتوفيقه عز وجل،
وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة
مأخذها)(٤).
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السباقين
إلى الخيرات، الوارثين أعلى الجنات.
سادسها: ورد الترتيب في الآية على
خلاف المعتاد؛ حيث قدم الظالم ثم
المقتصد، وأخر السابق مع أن حقه التقدیم،
والسر في ذلك - كما يقول الزمخشري -:
((الإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن
المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون
أقل القليل))(٥).
فاللهم اجعلنا من عبادك الأقلين، اللهم
آمین.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٣٦٨/١١.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٦١٣/٣.
٤٦٦
جوسين
القرآن الكريمِ

المسابقة
٢. السبق إلى مغفرة الله تعالی وجنته.
مغفرة الله منزلة عظيمة لا ينالها إلا
من كان أهلًا لها، وسعى في نيلها وطلبها
بتعاطي أسبابها، وسلوك سبيلها، ويمنحها
الله تعالى لعباده المؤمنين الذين سابقوا
إليها، وامتثلوا قوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَيَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ.
ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ (٢)
[الحديد: ٢١].
ومن المعلوم أن الخير والشر قريبان من وحكم بلاغية عظيمة يقف البحث على
الإنسان، فلذا حث الله تعالى الإنسان على
المبادرة إلى الخيرات، من فعل الطاعات،
وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب
والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات،
ولذلك قدمت المغفرة على الجنة هنا في
قوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ
وَجَنَّةٍ﴾ أي: ما يؤدي إليهما من أداء جميع
الواجبات، وترك جميع المنهيات.
وقوله: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَدِوَالْأَرْضِ﴾
المراد به: جنس السماء والأرض، أو أنه
تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم،
وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات
والأرض.
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾
وفيها أعظم رجاء وأقوى أمل؛ إذ ذكر أن
الجنة أعدت لمن آمن، ولم یذکر مع الإيمان
شيئًا آخر (١)، وذلك الذي أهلهم الله له هو
من فضله ومَنِّهِ علیھم، وإحسانه إليهم.
ویجدر بالبحث في هذا المقام أن یذکر
أن آية أخرى وردت في كتاب الله تعالى في
هذا الصدد لكن بلفظ المسارعة لا المسابقة،
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ
وهي قوله تعالى: ﴿
مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣].
والناظر في الآيتين الكريمتين يجد بينهما
تباينًا وافتراقًا في التعبير والأسلوب لأسرار
بعضها فيما يلي:
* مجيء حرف العطف ((الواو)) في سورة
((آل عمران)) ﴿وَسَارِعُواْ﴾، بينما
حذف من ((الحديد)) ﴿سَابِقُواْ﴾.
والسر في ذلك يتضح من خلال النظر
في سياق كل منهما، فآية ((آل عمران)»
سبقت بعدة أوامر ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْا﴾ واتقوا الله واتقوا
الناروأطيعوا الله والرسول ثم جاء بعدها
معطوفًا عليها قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾، فنظم
هذا الأمر هو الآخر في سلك المأمورات
السابقة، فكان من المناسب أن يعطف
عليها بالواو، بينما قطعت سورة ((الحديد))
عن الإضافة لاختلاف موضوع الآية عن
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٢٥،
التفسير البسيط، الواحدي ٣٠٣/٢١.
www. modoee.com
٤٦٧

حرف الميم
سابقتها؛ فإن الآية السابقة تحذر من الاغترار خلال طلب الجهاد والشهادة، كما حذرت
بالدنيا وزخرفها، وهذه تأمر بالمسابقة في
أمور الآخرة، فافترقا في الموضوع فحذف
العاطف لذلك(١)، والله أعلم.
التعبير في آية ((آل عمران» بالمسارعة
و((الحديد)) بالمسابقة.
وذكر الفرق بين مدلول كل من الفعلين
فيما سبق، لكن لماذا خصت سورة ((آل
عمران)) بالمسارعة، وسورة ((الحديد))
بالمسابقة؟
والجواب: يتضح لنا أيضًا من خلال النظر
في سياق الآیتین الکریمتین من وجهين:
الأول: نجد أن آية سورة ((آل عمران»
تتحدث عن المتقين المسارعين، بينما
تتحدث آية سورة ((الحديد)» عن المؤمنين
المسابقين، ومعلوم أن الصنفين ليسا على
درجة واحدة، فالمتقون أعلى وأسمى
درجة من المؤمنين؛ لأنهم جمعوا بين
الإيمان والتقوى، فكان المناسب أن يأتي
التعبير بالمسارعة في ((آل عمران)) لمكانة
المتقين، وبالمسابقة في ((الحديد)» لمكانة
المؤمنين (٢).
الثاني: خصت سورة ((آل عمران)»
بالمسارعة لکونھا تحدثت عن بدر کنموذج
عملي للمسارعة إلى المغفرة والجنة من
(١) انظر: السعي إلى الجنة بين المسابقة
والمسارعة، صلاح الخالدي، ص٣.
(٢) المصدر السابق.
من تضييع حق الله وعدم الاستعداد لليوم
الآخر، فجاء النهي عن أكل الربا، بينما
خصت ((الحدید» بالمسابقة لکونها تحدثت
عن صفة الصديقين والشهداء، وبينت لنا
حقيقة الدنیا وحذرت منها.
وبعدها جاء قوله ﴿سَابِقُواْ﴾ حتى لا
يركن الإنسان إلى الدنيا مهما كان أمرها،
صغر أو كبر، ليصرف الكَمْلَةُ من العباد
هَمَّهُم عنها لسفولها وحقارتها بالنسبة إلى
الآخرة، حيث الكمال والبقاء، ليرغبوا غاية
الرغبة فيها، ويشتاقوا كلَّ الاشتياق إليها(٣)،
والله أعلم.
· التعبير بحذف حرف التشبيه في ((آل
عمران)) ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ﴾، ويذكره
في ((الحديد)) ﴿كَعَرْضِ السَّمَآِ﴾.
والسر في ذلك: أنه لما تضمنت آية ((آل
عمران)) ما يدل على المبالغة والتعظيم
من وصف من أعدت له الجنة، ووسمهم
بالمتقين، وهم الذين وفوا بالإيمان وتوابعه
وغير ذلك مما لم تتضمنه آية الحديد ناسب
ذلك كله جعل العرض نفس السماوات
والأرض من غير إفصاح بالمضاف المقدر
الذى لا بد منه عند بيان المعنى على ما تقدم،
ولما لم يقصد في آية ((الحديد» ذلك أفصح
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٩١/١٩،
المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن
الکریم ص٢٩.
٤٦٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم

المسابقة
فيها بما يعطى معنى ((مثل))، وهي كاف
التشبيه، وإنما خصت آية ((آل عمران)) بما
يدل على المبالغة والتعظيم دون آية الحديد
لاشتمالها على الحض على الجهاد، وعظيم
فضله، وذکر قصة بدر وأحد، ولما لم یکن
في آية الحديد شيء من ذلك ناسب ذكر
الكاف فيها (١)، والله أعلم.
جمع السماوات في آل عمران وإفرادها
في الحدید.
والسر في ذلك: موافقة كل آية للمقام
الذي جاءت بالحديث عنه، فالمقام في «آل
عمران)» مقام تفصيل أمر الجهاد والشهادة،
وحديثٌ عن أعلى مقامات المتقين
وصفاتهم، وفيها حتّ على التجرد عن
النفس والمال، وجميع الحظوظ الدنيوية
أصلًا ورأسًا، بينما في سورة الحديد كان
الحديث عن هذه المعاني مجملًا، وكان
الحث على التجرد عن الدنيا فحسب، فجاء
لفظ (السماء) مفردًا بما يناسب كلَّ من
التفصيل والإجمال والموضوع (٢)، والله
أعلم.
اختلاف من أعدت لهم الجنات، ففي
آل عمران ذكرت الآية أنهم المتقون،
(١) انظر: ملاك التأويل، ابن الزبير الغرناطي
٩٢/١.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٩٣/١٩،
المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن
الکریم ص٢٤.
وفي الحديد ذكرت آياتها أنهم الذين
آمنوا بالله ورسله، فما السر البياني في
ذلك؟
أرى أن السرفي ذلك أنه لما خصت سورة
(آل عمران» بالوصف البلیغ للجنات، ودل
ذلك الوصف على عظمها، وعلو مكانتها،
وعظم شأن المسارعين إليها، وأن مسارعتهم
إليها مسارعة ذاتية نابعة من بين جوانحهم
رغبة منهم فيما عند ربهم سبحانه ناسب
ذلك كله أن يبين سبحانه أن هذه الجنات
إنما أعدت وخصت بقوم مخصوصين،
علت مكانتهم لمَّا سمت نفوسهم، وهم
المتقون الجامعون بين الإيمان والتقوى،
ولما خلت سورة ((الحديد» من ذلك ختمت
بهذا الختام العام ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ﴾، والله أعلم.
تذييل آية الحديد بأن المذكور فيها من
فضل الله، يمنحه من شاء من خلقه،
فقال ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ
بينما لم نجد ذلك في تذييل آية آل
عمران فما السر وراء ذلك؟
لعل حكمة ذلك أن موضوع آية الحديد
استدعى ذلك التعقيب، فالمسابقون فيها
هم مؤمنون آمنوا بالله ورسله، وسباقهم ما
زال في بداياته، وهم بحاجة إلى مزيد من
الترغيب والحث والتشجيع، حتى يستمروا
في السباق، ويزيدوا من سرعتهم فيه،
www. modoee.com
٤٦٩

حرف الميم
فأخبرتهم الآية أن هذا السباق فضل من الله، مِّن رَّبِّكُمْ﴾ وذلك للدلالة على التعظيم؛
حيث (عظم سبحانه بذلك شأن هذه المغفرة
تفضل به عليهم، وهو سبحانه ذو الفضل
العظیم، یتفضل به على من يشاء من عباده.
التي ينبغي طلبها بإسراع ومبادرة، بأن جاء
بها منكرة، ووصفها بأنها كائنة منه سبحانه،
فهو الذي خلق الخلق بقدرته، ورباهم
برعايته) (٤).
ولم تذكر آية آل عمران هذا التعقيب؛
لأن المسارعين فيها إلى الجنة هم المتقون،
وهم ليسوا بحاجة إلى حضّ وتشجيع؛
لأنهم ارتقوا إلى درجة أعلى، استشرفوا فيها
الجنة التى يسارعون إليها، فقصدوها بالسير
إليها، وضاعفوا سرعتهم نحوها(١).
وأخيرًا ألحظ على الآيتين معًا أمورًا:
أولها: أن كلتيهما عدي فعلها بحرف
الجر ((إلى))، ففي ((آل عمران)) ﴿وَسَارِعُوّا
إِلَى﴾ وفي ((الحديد)) ﴿سَابِقُواْ إِلَى﴾ والسر
البلاغي في ذلك يرجع إلى أن: حرف ((إلى))
يفيد انتهاء الغاية الزمانية وتارة المكانية (٢)،
وورد التعبير به هنا؛ لأن المغفرة والجنة
منتهى المسارعة والمسابقة وغايتهما، وهما
غاية ما يتطلع إليه كل مؤمن، من الفوز
بمغفرة الله ورضوانه وجنته، ففيه الإشارة
إلى انتهاء الغاية معنى ورتبة ومكانًا(٣).
ثانيها: أن المغفرة فيهما جاءت منكرة،
ومضافة إلى الرب، فقال تعالى﴿مَغْفِرَةٍ
(١) انظر السعي إلى الجنة بين المسابقة
والمسارعة، صلاح الخالدي ص٥.
(٢) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام
النحوي ص ١٠٤.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١١٥/٢، المسارعة والمسابقة إلى الخيرات
في القرآن الکریم ص٢٧.
ثالثها: اختصاص العرض بالذكر في
الآيتين دون الطول مع أنه أدل على الاتساع،
وذلك ليكون أبلغ في الدلالة على عظم
الجنة واتساع طولها؛ لأنه إذا كان عرضها
كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب في
تصور طولها؛ لأن العرض في العادة أقل من
الطول، وذلك كقوله تعالى في صفة فرش
الجنة ﴿مُتَكِنَ عَلَى فُرُئٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾
[الرحمن: ٥٤].
فإذا كانت بطانة الفرش من الحرير،
فكيف يكون ظاهر البطانة مما تراه
الأعين؟(٥).
رابعها: تقديم المغفرة على الجنة في
الآيتين في قوله: ﴿مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ﴾ وسرُّ هذا التقديم: وجوب المسارعة
والمسابقة إلى ما به مغفرة الذنوب والتطهر
من أدرانها قبل طلب الجنة أو دخولها، من
باب قولهم: ((التخلية مقدمة على التحلية)»،
(٤) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٢٦١/٢.
(٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠٩/١،
البحر المحيط، أبو حيان ٣٤٦/٣، فتح
القدير، الشوكاني ١/ ٤٣٧.
◌َالنَّفَبـ
جَوَسُوع
القرآن الكريم
٤٧٠

المسابقة
وفي ذلك يقول أبو السعود:
(وتقديم المغفرة على الجنة لما أن ثم جاءت هذه الآية الكريمة، وفيها يخبر
التخلية متقدمة على التحلية والتعرض
لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير
المخاطبين؛ لإظهار مزيد اللطف بهم) (١).
٣. السبق بالإيمان.
من أنواع السبق الممدوحة التي ذكرها
الله تعالى في كتابه:السبق بالإيمان بالنبي
صلى الله عليه وسلم والدخول معه في
الدین الجدید، مع نصرته والدفاع عنه،
والذب عن حياض شريعته وسنته، ونحو
ذلك مما يقتضيه الإيمان بالله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما
تكفل ببيانه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَلَمُو مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا
اَلَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَّجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا
غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )﴾
[الحشر: ١٠].
المتأمل في سياق الآية الكريمة يجد
أنها سيقت بعد آيتين، تحدثت أولاهما عن
المهاجرين، ومدحت صنيعهم وهجرتهم
إلى الله تعالى في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ﴾ [الحشر: ٨].
وأخراهما تحدثت عن الأنصار وحسن
استقبالهم للنبي صلى الله عليه وسلم
وصحبه الكرام، وكريم ضيافتهم لإخوانهم
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨٥/٢.
المهاجرين مع ما بهم من حاجة وفاقة،
تعالى أن الذين جاءوا من بعد المهاجرين
والأنصار، وهم: التابعون إلى يوم القيامة
(يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان
بالمغفرة، بقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ
فِ قُلُوبِنَاغِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: غشًّا وحسدًا
وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع
أصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم،
وکان في قلبه غلٍّ على أحد منهم. فإنه ليس
ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله تعالى رتب
المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين،
والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر.
ولنعلم أن هذه الآيات قد استوعبت
جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون
أو الأنصار أو الذين جاءوا من بعدهم،
وبين الله فيها أن من شأن من جاء من بعد
المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين،
وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء
والرحمة، فمن لم یکن کذلك بل ذكرهم
بسوء كان خارجًا من جملة أقسام المؤمنين
بحسب نص هذه الآية)(٢).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٧/٢٣،
الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٢٨١، التفسير
الوسيط، الواحدي ٢٧٥/٤، معالم التنزيل،
البغوي ٧٩/٨، مفاتيح الغيب، الرازي
٥٠٩/٢٩.
www. modoee.com
٤٧١

حرف الميم
الإيمان أن المؤمنین ینتفع بعضهم ببعض،
ويدعو بعضهم لبعض، بسبب المشاركة في
الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين
التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض،
وأن يحب بعضهم بعضًا.
القلب، الشامل لقليل الغلِّ و کثیره، الذي إذا
انتفی ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنین
والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من
حقوق المؤمنين.
كما دلت الآية الكريمة على أن الدعاء
يعد من جملة حقوق المؤمنين بعضهم
لبعض(١).
ودلت أيضًا على أنَّ حقًّا على المسلمين
أن يذكروا سلفهم بخير، وأن حقًا عليهم
محبة المهاجرين والأنصار وتعظيمهم (٢)،
والله أعلم.
٤. سبق الملائكة الكرام.
ذكر الله تعالى هذا النوع من التسابق،
وهو ((سبق الملائكة الكرام)) في آية واحدة
من كتابه، هي قوله تعالى: ﴿فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا
﴾ [النازعات: ٤].
والمفسرون اختلفوا في بيان المراد
بالسابقات هنا اختلافًا كثيرًا، والبحث
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٨٥١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٩٧.
ودلت الآية الكريمة على أن من فضائل بدوره يكتفي فقط بما عليه أكثر المفسرين-
رحمهم الله تعالى رحمة واسعة-فجلهم
على أن المعنيين بهذه الآية هم: الملائكة
الكرام، لكنهم اختلفوا أيضًا فيما بينهم على
بيان معنى السبق الملائكي على هذا الوجه:
فمن قائل: إنها سبقت ابن آدم بالخير
ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن والعمل الصالح والإيمان والتصديق.
ومن قائل: إنها تسبق الشياطين بالوحي
إلى الأنبياء،؛ إذ كانت الشياطين تسترق
السمع.
ومن قائل: إن الملائكة تقبض الأرواح
فتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وبأرواح
الكفار إلى النار(٣).
وأرى: ترجيح القول بأن المراد
بالسابقات الملائكة الكرام؛ لأن السياق في
السابق واللاحق يرجح ذلك، كما أرى أنه لا
مانع من الجمع بين آراء المفسرين في بيان
سبق الملائكة الكرام؛ لأن الله تعالی حينما
يأمرهم بأمر من الأمور يبادرون ويسابقون
إلى تطبيقه وتنفيذه، فهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
فسواء أمرهم بطاعة من الطاعات، أو
بالوحي إلى أحد أنبيائه، أو قبض أرواح أحد
من البشرفإنهم لا يتوانون في ذلك أبدًا، ولا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨٩/٢٤،
الكشف والبيان، الثعلبي ١٢٤/١٠، التفسير
البسيط، الواحدي ١٦٥/٢٣، معالم التنزيل،
البغوي ٨/ ٣٢٥.
٤٧٢
الْقُرآن الكَرِيمِ

المسابقة
شك أن مثل هذا السبق ممدوح دومًا غير أطلقه عن التقييد، وأفرده بآيات مستقلة؛
مذموم، ومطلوب ومرغوب.
وهم مع ذلك لا يبادرونه بالقول ولا
يسبقونه تعالی به، مهابة منه وإجلالًا له، فهم
كما وصفهم تعالى في قوله ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ.
بِاَلْقَوْلِبِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ )﴾
[الأنبياء: ٢٧].
يعلق الإمام الرازي على ذلك ويقول:
(ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى
وصفهم فقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِلْقَوْلِ﴾
[الأنبياء: ٢٧].
يعني: قبل الإذن لا یتحرکون ولا
ينطقون تعظيمًا لجلال الله تعالى وخوفًا
من هیبته، وهاهنا وصفهم بالسبق، يعني: إذا
جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله
ويتبادرون إلى إظهار طاعته، فهذا المراد من
قوله ﴿فَالسَِّقَتِ سَبْقًا ﴾ [النازعات: ٤])(١)،
والله أعلم.
٥. السبق المطلق.
ذكر القرآن الكريم نوعًا خامسًا من أنواع
السبق ومدحه، ورغب فيه، وأطلقه عن
التقييد، فلم يقيده بنوع ما من أنواع الخير،
وساقه في معرض المدح والثناء على قوم
اتصفوا به من بين المؤمنين، وهذا النوع
وإن كان من الممكن أن يندرج تحت النوع
الأول (السبق إلى الخيرات) إلا أن القرآن
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/٣١.
فأحببت أن أستن بهذه السنة القرآنية فأفردته
في نوع مستقل، وورد الحديث عن هذا
النوع في موضعين من كتاب الله تعالى:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ
الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم
◌ِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذََّهُمْ
جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ
﴾ [التوبة: ١٠٠].
١٠٠
يخبر تعالى هنا عن رضاه عن السابقين
من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم
بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من
جنات النعيم، والنعيم المقيم، وأشادت
الآية بهؤلاء السابقين ،الذين سبقوا أقوامهم
إلى الإيمان بالله تعالی)(٢).
وقسمتهم الآية إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المهاجرون، واختلف
في بيان المراد بهم اختلافًا كثيرًا، ولعل
من أرجحها:أنهم الذين هاجروا قبل صلح
الحديبية؛ لأن المشركين كانوا إلى ذلك
الوقت يضطهدون المؤمنين في بلادهم،
ويقاتلونهم في دار الهجرة وما حولها، ولا
منجاة للمؤمنين من شرهم إلا بالفرار أو
الجوار، فالذين هاجروا قبل صلح الحديبية
وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم كانوا كلهم من
المؤمنين السابقين الصادقين، ليس فيهم
(٢) انظر: التحرير والتنوير ١٧/١١.
www. modoee.com
٤٧٣

حرف الميم
منافق (١).
ويؤكد هذا القول رجحانًا أن الله تعالى
منع التسوية بين الفريقين في قوله:
يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَلْ
أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بَعْدُ
وَقَتَلُواْ﴾ [الحديد: ١٠].
الطائفة الثانية: الأنصار، وهم الذين
بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة
الأولى سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا
سبعة، وفي العقبة الثانية، وكانوا سبعين
رجلًا وامرأتين (٢).
والطائفة الثالثة: الذين اتبعوا هؤلاء
السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار
في الهجرة والنصرة اتباعًا بإحسان، أو
محسنين في الأفعال والأقوال، وخرج به
من اتبعوهم في ظاهر الإسلام مسيئين غير
محسنين في هذا الاتباع وهم المنافقون،
ومن اتبعوهم محسنين في بعض الأعمال
ومسیئین في بعض، وهم المذنبون.
وهؤلاء الطبقات الثلاث رضي الله عنهم
في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم وهجرتهم
وجهادهم، ونصرتهم للدين والشريعة، فقبل
منهم طاعاتهم، وغفر سيئاتهم، وتجاوز عن
زلاتهم، إذ بهم أعز الإسلام، ونكل بأعدائه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ٤٣٦، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣٩٥/٢، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٢٠٣/٤.
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام ١/ ٤٣٣.
من المشركين وأهل الكتاب (٣).
ولقد أعجبني قول بعض العلماء حين
جعل حكم الآية عامًّا يشمل كل سبق
لأي أحد في أي عصر أو مصر، حيث
يقول:(وهذه الآية الكريمة تضمنت تفضيل
السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة،
في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من
العطاء في المال والرتبة في الإكرام) (٤).
هذا وإن المتأمل للآية الكريمة يلحظ
أمورًا منها:
التقييد للتبعية بإحسان في قوله
تعالى ﴿وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ﴾ يفيد
الشهادة للسابقين بكمال الإحسان؛
لأنهم صاروا فيه أئمة متبوعین(٥).
التصريح برضى الله تعالى عن هؤلاء
السابقین، ورضاهم عنه سبحانه، وذلك
دال على تمام توفيق الله لهم وجزيل
ما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة
والباطنة (٦).
التعبير بالإعداد في قوله ﴿وَأَعَدَّ﴾،
وإفادة الاختصاص بتقديم الجار
والمجرور﴿لَهُمْ﴾، وتنكير جنات ..
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٠١٣/١١
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٨/٨
بتصرف.
(٥) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١١/ ١٣.
(٦) المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في القرآن
الکریم ص١٧.
٤٧٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ