Indexed OCR Text
Pages 41-45
المداهنة أفضل وأقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين، وترك المداهنة، ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله تعالى(١). ومن إيثار رضا الخلق: التنازل عن واجب من واجبات الدين من أجل الوظائف. ومثال ذلك أن يتقدم شخص ما إلى وظيفة معينة فيشترطون عليه التنازل عن بعض أمور الدين التي لا ينبغي التنازل عنها من أجل العمل، فإن أجاب فهذه مداهنة وترخص، وبذل للدين من أجل عرض دنيوي، وإن ثبته الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. وبقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَبْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ٢) وَيْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣]. فسوف يرزقه من حيث لا يحتسب، ويربح الدنيا والآخرة، وإلا فسيخسر مع المداهنة الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ومن ذلك أيضًا مداهنة الحكام لأهل الباطل. وتحدث هذه المداهنة في الواقع في کل نواحي الحياة، في الوظائف والمدارس، وغير ذلك من نواحي الحياة، وكذلك مداهنة الحكام لأهل الباطل والبغي والفساد. فالحاكم المسلم يجب عليه موالاة (١) إحياء علوم الدين ٢/ ٢٨٠. أهل الإيمان ونصرتهم، وقمع أهل الباطل والبغي والفساد، وكسر شوكتهم، وقد أخذ بهذا المبدأ عبدالله بن سعود بن عبدالعزيز في رسالته التي بعث بها إلى أمراء بعض الجهات التابعة له قال فيها: (بلغنا خبر أن بعض الأمراء متسلط على أهل الدين بأمورٍ ظاهرها حق وباطنها باطل، ولا يفعل هذا أمير مع أهل الدين، فأدعه يومًا واحدًا في الإمارة، فکل يأخذ حذره، ويبدل ما كان عليه، ومضى ما فيه الكفاية) (٢). ٤. مداهنة الكفار واليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَمَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَ إِلَ اللَّهِالْمَصِيرُ ٢٨ [آل عمران: ٢٨]. ومن صور المداهنة أيضًا موالاة الكفار ومباطنتهم سواء بمودة القلب أو بنصره أو بغير ذلك. قال البغوي: نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم کفار یخافهم فيداریهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان، رفعًا عن نفسه، من غير أن يستحل دمًا حرامًا، أو مالًا حرامًا، أو (٢) الموالاة والمعاداة، محماس الجلعود ١١٢/٢. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الميم يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل، وسلامة النية قال تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنٌّ بِاَلْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اُلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَّةٌ ﴾ [المائدة: ٥١]. وفي ظلال القرآن(٢): ((إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذین یدعون إلی کتاب الله لیحکم بینھم فیتولون ویعرضون». ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والی من لا يرتضي أن یحکم کتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصره، أو باستنصاره سواء. قال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلََّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَمَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٥)﴾ [آل عمران: ٢٨]. (١) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٤٤٩. (٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٨٥. في کل شيء تکون في الصلات. ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن ثم هذه رخصة فلو صبر حتى قتل فله عباس رضي الله عنهما: ((ليس التقية بالعمل أجر عظيم (١). إنما التقية باللسان)) (٣). فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر -والكافر هو الذي لا یرضی بتحکیم کتاب الله في الحياة على الإطلاق، کما یدل السياق هنا ضمنًا وفي موضع آخر من السورة تصريحًا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله ! ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكًا للضمائر ولتقوى القلوب و خشيتها من علام الغيوب، فقد تضمن التهدید تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقًا: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةُ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَةٌ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ابتغاء حكم الجاهلية مداهنة وباغيه مداهن. قال تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَلَ هكذا ليس من الله في شيء. لا في صلاة ولاية فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تمامًا ولا نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا اُللَّهُ وَلَا تَقَِّعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَّلَ اللّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبُهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠/٢. ٢٠٦ مَوَسُولَةُ التقيمـ الْقُرآن الكَرِيمِ المداهنة لَفَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٥. التحاكم لحكم الجاهلية وباغي هذا التحاكم مداهن. والمعنى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك يا محمد من الكتاب ولا تتبع أهواءهم. أي: ولا تتبع أهواء اليهود الذين احتکموا إليك في قتیلهم وفاجریهم، وأمر منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إليه. واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك أي: احذر یا محمد هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك أن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتباع أهوائهم. فإن تولوا فاعلم أنما یرید الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. أي: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم، وقضيت فيهم، فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، أي: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضا بحكمك وقد قضیت بالحق إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾(١). ٦. التباطؤ عن دفع المنکر والنهي عنه. ويتمثل ذلك في حديث النعمان بن (١) جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٤٣ بتصرف. بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن یتر کوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) (٢). وهذا مثلٌ بليغٌ جدًا، فهو يبين أن المصلحة مشتركة بين الجميع، وأن سلامة المؤمنين كلٌ لا يتجزأ، فإذا أخطأ بعضهم انسحب هذا الخطأ على الباقين. والتشبيه التمثيلي في قوله: (مثل القائم على حدود الله) إلخ، تشبيه معقول بمحسوس؛ حيث شبهت فيه الهيئة الحاصلة من قيام المسلمين بواجبهم في تغيير المنكر بالهيئة الحاصلة من قيام أهل السفينة بمنع من یرید خرقها من الإقدام على ما یرید، كما شبهت الهيئة الحاصلة من التقاعس عن تغيير المنكر بحال أهل السفينة إن تركوا من يريد خرقها يفعل ما يشاء. ووجه الشبه هنا صورة منتزعة من متعدد؛ وهي منتزعة في الحالة الأولى من هيئة النجاة المترتبة على قيام قوم بما يجب عليهم، وفي الحالة (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم ٢٤٩٣. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الميم الثانية من هيئة الهلاك الناجم عن تقصيرهم في ما يجب عليهم؛ فكما أن أهل السفينة سینجون إن أخذوا علی ید من یرید خرقها، فإن النجاة ستكون مصير الجميع في مجتمع يأخذ أهله على يد العابثين، وكما أن الغرق سيكون مصير أهل السفينة إن تركوا مريد الخرق يفعل ما يريد فإن مجتمع المداهنین الساكتين عن أهل المنكر سيؤول إلى هلاك محتم (١). کما ییین حال الناس في المجتمع وأنه لا يخلو من وجود بعض صور المنكر والفساد التي يقدم عليها ضعاف الإيمان، وقد يلتمس بعضهم لنفسه مبررًا في ما يفعل كأن يقول هذه حرية شخصية، وأنا حر أصنع في ملكي ما أشاء، فإن قام أهل الرشد بواجبهم في إنكار هذه المنكرات والأخذ على أيدي الظالمين صلح المجتمع ونجا الجميع من غضب الله عز وجل، وأما أن يتقاعسوا عن هذا الواجب وتغلبت كلمة المداهنين فإن العقوبة الإلهية تعم الجميع، وتلك سنة إلهية لا تتغير. قال الحافظ: ((وهكذا إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقیمت علیه، وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها)»(٢). (١) الإيضاح، القزويني ٣٧١/٢. (٢) فتح الباري، ابن حجر ٢٤٥/٥. يقول سبحانه: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]. وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)(٣). ٧. متابعة بعض المتصدرين لأهواء ذوي السلطان، أو طلبًا لتحصيل مال، أو رضا صاحب أو قريب، أو نصرة لولاءات حزبية، أو رغبة في إرضاء مرهوب أو مرغوب. ومتى اتصف الداعية بهذا الوصف فسدت دعوته وسقطت من أعين الناس وجاهته، وظهرت آثار مداهنته من خلال فتاويه وأقواله وأعماله. وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن حبنكه بعض أفعال هؤلاء وأمثالهم ممن يتبعون أهواءهم فذكر من أعمالهم: * ومنها: لي أعناق النصوص، وتفسيرها تفسيرات باطلات لتزيين وتدعيم الفتاوى المخالفة لحكم الله عز وجل. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، رقم ٢١٦٨. قال الترمذي: صحيح. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٥٦٤. ٢٠٨ العضو جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيمِ المداهنة ومنها: إباحة بعض الأعمال الربوية أو بغيه، ويطوي دونه التذكرة والموعظة، ابتغاء مرضاته أو حرصا على مكانة أو المحرمة بلا شك، وإيجاد تخريجات باطلات لها إرضاء للحکام، حتی یظفر منهم بمنصب أو یظفر بتثبيت فيه، أو بتیسیر مصالح مادية له أو لذويه. غنيمة ینالها لدیه. ومن البلية (والكلام ما يزال لشيخ الأزهر) أن المترفين ومن ينحو نحوهم في الزيغ والغرور، لا يكتفون ممن يسوقهم الزمن إلى نواديهم أن يسكت عن ومنهم من يتحايل على نصوص حجاب المرأة للتهوين من أمره. جهلهم، ويتركهم وشأنهم، وإنما يرضيهم منه أن يزين لهم سوء عملهم، أو يرمقهم بعین مکحولة بتبسم الاستحسان، وهو أقل شيء يستحق به في نظرهم لقب ((كيس ظريف)»(٢). ومنهم من يجعل الاشتراكية والديمقراطية من الإسلام متحايلا باستخدام النصوص الإسلامية التي تأمر بالشورى .. ومنهم من ينقض بعض أصول الدين أو فروعه، ويطلق عبارات تخرج من الإسلام إرضاء للحكام واستجابة لأهوائهم، ولما يبذلونه له من مال أو منصب أو جاه أو كلام معسول، أو تمجيد وتبجيل وتعظيم. إلى غير ذلك من تهوك في الضلالة، وعبث في أحكام الإسلام وشرائعه(١). وفي کتاب (الدعوة إلى الإصلاح)) كتب شيخ الأزهر السابق الشيخ محمد الخضر حسين يذم أخلاق المداهنين وأفعالهم فيقول رحمه الله: ((فمن أهل العلم من یری ذا جاه أو رياسة يهتك ستر الأدب، أو يعيث في الأرض فسادا، فيتغابى عن سفهه (١) فقه الدعوة إلى الله، عبد الرحمن حبنكة الميداني ص ٦٣٤. موضوعات ذات صلة: السلم، السياسة، العلاقات الدولية، النفاق (٢) رسائل الإصلاح ص ١٣٧ . www. modoee.com ٢٠٩