Indexed OCR Text
Pages 21-40
اللحن
المرتدين: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ
بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَآءَ هُمُ
الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَّوْمَ الظَّالِمِينَ
أُوْلَبِكَ جَزَّآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
٨٦
وَالْمَلَتِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( خَلِينَ فِيهَا
٨٨
لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْظُرُونَ
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ يَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦-٨٩].
فهؤلاء قد قامت عليهم الحجج
والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول
صلى الله عليه وسلم، ووضح لهم الأمر،
واستنارت لهم الطريق، ثم بعد هذا الهدى
ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق
هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من الضلال
والكفر؟!(١).
ولقد كانت لعنة الله عز وجل لهؤلاء
المرتدين شديدةً مغلظةً؛ فهي لعنة من الله عز
وجل ومن الملائكة، ومن الناس أجمعين،
وهي لعنة عليهم، ملازمة لهم، وهم خالدون
فيها، لا يخفف عنهم شيء من العذاب ولا
من اللعنة، ولا يمهلون، ولا يؤجلون، فهم
في اللعنة والعذاب خالدون(٢) ﴿أُوْلَئِكَ
جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ
خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )
عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَهُمْ يُنظَرُونَ﴾ [آل عمران:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٥/٣.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢٥٤/١.
٨٧-٨٨].
خامسًا: المفسدون:
لقد ذكر الله عز وجل لعنته للمفسدين
في الأرض في موضعين من الكتاب العزيز؛
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ
عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ:
أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ
وَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقد جاءت هذه الآية بعدالآيات التي ذكر
سبحانه فيها حال أهل الجنة من المؤمنين
والمصلحين، وذكر صفاتهم وأعمالهم،
فجاءت هذه الآية لتبين حال الأشقياء الذين
اتصفوا بعكس صفات المؤمنين؛ فهؤلاء
الأشقياء ينقضون عهد ربهم عز وجل من
بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ
عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم؛ بل
قابلوه بالإعراض والنقص، ويقطعون ما
أمرهم ربهم بوصله، فلم يصلوا ما بينهم
وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا
وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق، بل
أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي،
والصد عن سبيل الله وابتغائها عوجًا، لذا
استحق هؤلاء اللعن والبعد والذم من الله
وملائكته وعباده المؤمنين، واستحقوا سوء
الدار في نار الجحيم وما فيها من العذاب
www. modoee.com
١٠٧
حرف اللام
الأليم (١).
والموضع الثاني: الذي ذكر فيه سبحانه
لعنته للمفسدين في الأرض هو قوله تعالى:
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ
وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَيْكَ أَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ -٢٣].
وهاتان الآيتان جاءتا في سياق مخاطبة
الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، الذين
قال الله عز وجل فيهم: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
تُحْكَمَةُ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهٍ مِنَ
اَلْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ ل طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا
عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾
[محمد: ٢٠-٢١].
ومعنى الآيتين: ((فلعلكم إن توليتم عن
تنزيل الله جل ثناؤه، وفارقتم أحکام کتابه،
وأدبرتم عن محمد صلى الله عليه وسلم
وعما جاءكم به أن تعصوا الله في الأرض؛
فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء، وتعودوا
لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت
والتفرق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام،
وألف به بين قلوبكم)(٢).
فهذان الموضعان قد ورد فيهما لعن
المفسدين في الأرض، والمراد بالإفساد
في الموضعين -كما بين المفسرون- كل
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤١٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧٧/٢٢.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
ما يدخل تحت مسمى الإفساد، وأعظم
ذلك الكفر والعصيان وسفك الدماء والصد
عن سبيل الله عز وجل (٣)، وقد جمع الله
عز وجل في الموضعين -مع الإفساد في
الأرض- تقطيع الأرحام التي أمر الله عز
وجل بأن توصل، وفي ذلك تعظيم لشأن
الرحم، وبيان لعظم جرم من قطعها.
وقد كانت صيغة اللعن للمفسدين مختلفة
في الموضعين؛ ففي الموضع الأول: جاءت
بصيغة: ﴿أُوْلَِّكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَمُمْ سُوَهُ الدَّارِ﴾،
وفي الموضع الثاني: بصيغة: ﴿أُوْلَيْكَ أَلَّذِينَ
لَعَنَهُمُ الّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾.
سادسًا: الذین یؤذون الله ورسوله:
لقد أخبر الله سبحانه عن لعنته لمن
آذاه وآذی رسوله صلی الله عليه وسلم،
وتوعدهم سبحانه بالعذاب المهين؛ فقال
سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَعَنَهُمُ
اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَذَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾
[الأحزاب: ٥٧].
والذين يؤذون الله عز وجل هم الذين
خالفوا ما أمر به سبحانه، وعصوه، وانتهكوا
ما حرم، وأصروا على ذلك، ووصفوه
سبحانه بما هو منزه عنه، أما من آذی رسول
الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين طعنوا
فیه صلی الله عليه وسلم، أو نالوا منه بسب
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٧/٢٢، معالم
التنزيل، البغوي ٢٨٧/٧.
١٠٨
اللعن
أو شتم أو عيب، أو آذوه بأي نوع من أنواع وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء:
الأذى (١).
والملاحظ أن لعنة الله عز وجل لهؤلاء
شديدةٌ مغلظةٌ؛ حيث إنه سبحانه قد لعنهم
في الدنيا والآخرة، فهم مطرودون من رحمة
ربهم عز وجل في الدنيا والآخرة، وهذه
اللعنة توجب زوال النصر والتوفيق عنهم
من كل وجه، وتبعدهم عن أسباب الرحمة
في الدارين، ومن هذه اللعنة أنهم استحقوا
القتل في الدنيا، واستحقوا العذاب المهين
في النار في الآخرة (٢).
وكما أن لعنة هؤلاء جاءت شديدة مغلظة
فإن العذاب الذي توعدهم الله عز وجل به
شدیدٌ أیضًا ؛ وذلك إن الله عز وجل قد أخبر
بأنه أعد لهم عذابًا مهينًا، والعذاب المهين
أشد وأفظع من العذاب الأليم؛ فإن العذاب
المهين يشمل العذاب الأليم ويزيد عليه
الإهانة، والإهانة إذلال وتحقير وخزي،
وذلك قدر زائد على ألم العذاب؛ فقد
یعذب الرجل الکریم ولا یھان، ولم یذکر
الله عز وجل في كتابه العزيز أنه أعد عذابًا
مهينًا إلا في حق الكافرين، كقوله تعالى:
﴿اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاَلْبُخْلِ
وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/٢٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٠/١١.
(٢) انظر: دقائق التفسير، ابن تيمية ٤٥٨/٢، زاد
المسير، ابن الجوزي ٦/ ٤٢٠.
٣٧].
وقوله سبحانه: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقّاً
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:
١٥١](٣).
سابعًا: أقوام ملعونون:
ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز لعنته
لأقوام معینین، أرسل إليهم سبحانه الرسل
لهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى
النور، ولكنهم جحدوا واستكبروا وأصروا
علی کفرهم وعنادهم رغم ما رأوا من آیات
الله عز وجل ومعجزاته التي أجراها على
يد رسله عليهم السلام ؛ فاستحق هؤلاء
الكافرون المكذبون لعنة الله وسخطه
وعذابه.
ومن هؤلاء الأقوام الذين لعنهم الله عز
وجل في كتابه العزيز قوم عاد، الذين كذبوا
رسول الله إليهم هود عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَّأَ قَالَ
يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ
أَنْتُمْ إِلََّمُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠].
فلما أصروا على كفرهم وتكذيبهم،
وعصوا رسول الله إليهم، واتبعوا كبراءهم
وسادتهم المستكبرين المعاندين للحق
أرسل الله عز وجل عليهم العذاب،
(٣) انظر: دقائق التفسير، ابن تيمية ٤٥٩/٢.
www. modoee.com
١٠٩
حرف اللامر
واستحقوا لعنة الجبار سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَتَلْكَ عَادٌّ جَحَدُ واْبِنَايَتِ رَبِّهِمْ
٥٩
وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَعْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
وَأَنْبِعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَبَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَّ إِنَّ عَادَا
كَفَرُوا رَبَّهُمّ أَلابُعْدًا لِعَادِ قَوْمِ هُورٍ﴾ [هود: ٥٩ -
٦٠].
ولقد كانت لعنة الله عز وجل عليهم
لعنةً شديدةً مغلظةً، حیث إنهم قد لعنوا في
الدنيا، ويوم القيامة لهم لعنة متبوعة باللعنة
التي سبقت عليهم في الدنيا، فاللعنة مستمرة
عليهم، متصلة إلى يوم القيامة (١).
ولذا فقد استحقوا الدعاء بالإبعاد عن
رحمة الله عز وجل ﴿أَلَ بُعْدُ الْعَادِ قَوْمِ هُورٍ﴾،
وفي هذا الدعاء عليهم تهويل لأمرهم،
وتفظيع لحالهم، وبعث على الاعتبار بهم
(٢)
والحذر من مثل حالهم
.
ونظير هؤلاء في استحقاق الإبعاد
واللعن الشديد في الدارين فرعون وقومه،
الذين كذبوا رسول الله إليهم موسى عليه
السلام، وبدلًا من طاعته واتباع هديه اتبعوا
أمر فرعون، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ،
فَانَهُوّاْ أَتَ فِرْعَوْنٌ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
٢) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ، وَأَتْبِعُواْ فِ هَذِهِ،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٣٦٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /٤٤٩.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢١٠/٣.
لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الرِّقْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ [هود:
٩٦ - ٩٩].
فلما كان فرعون قدوة لقومه في الكفر
والضلال في الدنيا، فهو كذلك يوم القيامة،
يتقدمهم وهم يتبعونه، إلى أن يدخلهم النار
معه ﴿وَبِئْسَ اَلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾(٣).
ولما کان جرمهم عظیمًا، وذنبهم کبیرًا
-إذا استحبوا الكفر على الإيمان، وقدموا
طاعة فرعون على طاعة الرحمن- كانت
عليهم اللعنة في الدارين ﴿وَأُتْبِعُواْفِهَذِهِ،
لَعَّنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ اَلْمَرْفُودُ ﴾ أي أن
اللعن من الله، والملائكة، والأنبياء ملتصقٌ
بهم في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضًا، لا
یزول عنهم(٤).
وقد ذكر الله عز وجل اللعنة التي جوزي
بها فرعون وجنده في الدنيا والآخرة في
موضع آخر من كتابه العزيز، وذلك في
قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ
وَحُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ
إِلَيْنَالَا يُرْجَعُونَ ﴿ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
فَتَبَذْنَهُمْ فِ الْبَوِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ لَا
يُصَرُّونَ ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا
لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ١٦٩/٢.
(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
١٠ / ٥٥٩.
١١٠
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
اللحن
[القصص: ٣٩ - ٤٢].
ثامنًا: القاتل للمؤمن عمدًا:
إن للنفس المؤمنة عند الله عز وجل
حرمة عظيمة، ومن شدة حرمتها أنه سبحانه
جعل اللعن والخلود في عذاب جهنم لمن
اعتدى على هذه النفس المؤمنة فقتلها، وقد
ورد لعن قاتل النفس المؤمنة في آية واحدة
من كتاب الله عز وجل، وذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:
٩٣].
لقد بينت الآية مدى حرمة النفس المؤمنة
من خلال بيان شدة العقوبة وغلظها على من
تجرأ على حرمة هذه النفس فقتلها عمدًا،
قال ابن کثیر: «وهذا تهدید شدید ووعید
أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي
هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في
كتاب الله عز وجل ؛ حيث يقول سبحانه
في سورة الفرقان: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِالْحَقِ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية.
والآيات والأحاديث في تحريم القتل
کثیرة جدا»(١).
إن الوعيد الذي ذكره الله عز وجل في
(١) تفسير القرآن العظيم ١٩٩/٤.
شأن قاتل النفس المؤمنة عمدًا لهو وعيد
عظيم، ترجف منه القلوب، وتنصدع له
الأفئدة، فلم يرد في أنواع الكبائر وعيدٌ أعظم
من هذا الوعيد، بل ولا مثله؛ حيث إن الله
عز وجل قد أخبر بأن من اقترف ذلك فإن
جهنم هي جزاؤه، فهذا الذنب العظيم قد
کفی وحده أن يجازی صاحبه بجهنم، بما
فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين،
ثم إن للقاتل فوق ذلك غضب الجبار
سبحانه، وزيادة على ذلك فقد لعنه الله عز
وجل فأبعده وطرده من رحمته، وأخزاه،
وحرمه من الفوز والفلاح، وأعد له عذابًا
عظيمًا، فبئس ذلك المصير !! ونعوذ بالله عز
وجل من کل سبب يبعد عن رحمته (٢).
تاسعًا: الذين يرمون المحصنات
الغافلات المؤمنات:
إن من الذين ذكر الله عز وجل لعنهم
في كتابه العزيز من يخوضون في أعراض
المؤمنين، فيقولون الإفك، ويدعون
الكذب، طاعنين أعراض المؤمنات
العفيفات الغافلات عن كل رذيلة، ومن
اقترف ذلك فقد استحق لعنة الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
اٌلْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكُمْ
حَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
(٢) انظر: تيسر الكريم الرحمن، السعدي
ص١٩٣.
www. modoee.com
١١١
حرف اللام
وللمفسرين أقوال في بيان المقصود في الآخرة فبحرمانهم من الفوز والفلاح،
وطردهم من رحمة الله عز وجل، وبالعذاب
العظيم الذي أعده الله لهم)»(٢).
بالمحصنات الغافلات اللاتي ورد ذکرهن
في الآية.
وأرجح الأقوال في ذلك ما ذهب إليه
شيخ المفسرين الطبري حيث قال بعد أن
ذكر أقوال المفسرين: ((وأولى هذه الأقوال
في ذلك عندي بالصواب، قول من قال:
نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم
بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه
الله بها فيها؛ وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته
بالصواب؛ لأن الله عم بقوله: ﴿إِنَّالَّذِينَ
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ كل
محصنة غافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة،
من غير أن يخص بذلك بعضًا دون بعض،
فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله
-جل ثناؤه- في هذه الآية فملعون في الدنيا
والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من
ذنبه ذلك قبل وفاته)»(١).
ولعنة هؤلاء القذفة أخبر الله عز وجل
بأنها في الدارين، حيث قال تعالى: ﴿أُعِنُواْ
في الدُّنْيَا وَالْآَخِرَوْ﴾، قال المفسرون: ((المراد
باللعنة فى الدنيا الإبعاد، وضرب الحد الذي
شرعه الله عز وجل، واستيحاش المؤمنين
منهم، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة
العدالة، والبعد عن الثناء الحسن والذكر
الجميل على ألسنة المؤمنين، وأما لعنتهم
عاشرًا: شجرة الزقوم:
أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن
شجرةٍ تخرج في أصل الجحيم، يعذب الله
سبحانه بها أهل النار؛ يأكلون من طعامها
الأثيم، ویجدون من نتنها وخبثها ما يزيدون
به عذابًا وألمًا، وقد جاء الخبر في القرآن
الكريم عن هذه الشجرة في أربعة مواضع؛
الموضع الأول: في سورة الصافات، حيث
ذكر الله عز وجل خبر هذه الشجرة عقب
الإخبار عن أهل الجنة وما أعد الله عز وجل
لهم من نعيم وشراب وأزواج مطهرة؛ ليكون
ذكرها بعد ذلك لمقارنة حال أهل النار وما
لهم من عذاب وشقاء بحال أهل الجنة وما
أعد لهم من نعيم وسرور.
قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ
الزَّقُّومِ ) إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةُ لِلِظَّالِمِينَ { إِنَّهَا
(١٠) طَلْعُهَا
شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِ أَصْلِ الْجَحِيمِ
فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا
٦٥
كَأَنَّهُ، رُهُوسُ الشَّيَطِينِ
فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا
مِّنْ حَيٍ ٢ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَ لْمَحِيمِ﴾
[الصافات: ٦٢ - ٦٨].
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠١/١٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور
١٩١/١٨.
(١) جامع البيان ١٩ / ١٤٠.
١١٢
القرآن الكريم
اللحن
الزقوم التي تبنت في أصل الجحيم وفيها
من ألوان العذاب ما فيها؟، ﴿فَإِنَّهُمْ لَ كِلُونَ
مِنْهَا فَمَالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا
لَشَوْبًا مِّنْ حَيمٍ﴾ فهذا طعامهم وفاكهتهم،
وذاك شرابهم بدل رزق أهل الجنة ونعيمهم
وشرابهم(١).
والموضع الثاني: الذي أخبر الله عز
وجل فيه عن تلك الشجرة الملعونة قوله
تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ن طَعَامُ
اْأَثْمِ ن كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِي الْبُطُونِ ، كَفَلِ
الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].
فقد جعل الله عز وجل تلك الشجرة
طعامًا لمن كان أثيمًا كافرًا جاحدًا، فإذا أکل
منها كانت في بطنه كعكر الزيت المغلي،
تغلي في بطنه كغليان الحميم وحرارته
وشدته(٢
والموضع الثالث: الذي ذكرت فيه
شجرة الزقوم هو قول الله تعالى: ﴿ثُمَّإِنَّكُمْ
أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ) لَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ
(٣) ◌َالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ لَلْيَسِيمِ
فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلِيمِ ) هَذَا نُزْأُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾
٥٤
[الواقعة: ٥١-٥٦].
وجاء ذكرها هنا في سياق الحديث عن
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥/ ٠٨٧
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣/٢٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥١/١٢.
والمعنى: أنعيم الجنة خير نزلا أم شجرة أهل الشمال وما أعد الله لهم من سموم
وحميم، فأخبر هنا عن طعامهم وشرابهم؛
فطعامهم شجر الزقوم، هو أقبح الأشجار
وأخسها، وأنتنها ريحًا، وأبشعها منظرًا، قال
السعدي: ((والذي أوجب لهم أكلها -مع ما
هي عليه من الشناعة - الجوع المفرط، الذي
یلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه أفئدتهم.
هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو
الذي لا يسمن ولا يغني من جوع»(٣).
أما الموضع الرابع: الذي ذكرت فيه
الشجرة الملعونة فهو قول الله تعالى:
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسَِّ وَمَا
جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ
اْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِّ وَتُنَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا
◌ُغَنًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠].
وهنا بين الله عز وجل أن الرؤيا التي
أراها لنبيه صلى الله عليه وسلم وهي
ما رآه حقيقة من آيات الله عز وجل ليلة
الإسراء- وكذلك الشجرة الملعونة في
القرآن -وهي شجرة الزقوم على الراجح من
أقوال المفسرين- جعلهما الله عز وجل فتنة
يفتن بهما الناس؛ فأما المؤمن بالله عز وجل
وبرسوله صلى الله عليه وسلم فقد صدق
بما أخبر به الله سبحانه وبما جاء به رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأما من سبق
علیه الكفر فقد کفر وأنكر ذلك.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٣٤.
www. modoee.com
١١٣
حرف اللام
قال ابن عطية: ((والشجرة هنا في قول
الجمهور هي: شجرة الزقوم؛ وذلك أن
أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو
جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار
تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر،
والنار تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا
التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له
فأحضرت تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه:
تزقموا (١)، فافتتن. أيضًا بهذه المقالة بعض
الضعفاء، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه
وسلم أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة
الزقوم فتنةً واختبارًا؛ ليكفر من سبق عليه
الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان))(٢).
ومعنى إخبار الله عز وجل عن شجرة
الزقوم بأنها شجرة ملعونة في القرآن أي: أن
ذکرها باللعن قد ورد في القرآن، وهو قول
الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ن طَعَامُ
الْأَثِمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤].
ومعنى كونها ملعونة: أي أنها مذمومة،
قال الزجاج: ((العرب تقول لكل طعام مكروه
وضار ملعون))(٣)، أو المراد بالملعونة
الملعون آكلها، أو أن معنى الملعونة المبعدة
عن منازل أهل الفضل (٤).
(١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٣١٠/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٤٦٨/٣.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٢٤٨/٣.
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٥/ ٥٥.
أسباب اللعن
لاشك في أن من ورد اللعن في حقهم
في القرآن الكريم قد اقترفوا من الجرائم
والآثام، وارتكبوا من الكبائر والموبقات ما
استحقوا به ذلك اللعن والإبعاد، ولولا شدة
قبح جرمهم لما لعنهم الله عز وجل، وهو
سبحانه العفو الغفور، والحليم الصبور.
وفي السطور الآتية نقف بإذن الله تعالى
على الأسباب التي استحق بها الملعونون
ذلك اللعن، وذلك من خلال تتبع الآيات
القرآنية التي ورد فيها لعن لهم، وبینت سبب
لعنهم:
١. الكفر والشرك بالله عز وجل.
إن الكفر بالله عز وجل أو بما أرسل
به رسله عليهم السلام هو أعظم ما يقترفه
الإنسان من ذنب، وليس أعظم من الكفر
ذنب -والشرك بالله عز وجل داخل تحت
الكفر-؛ لأن من كفر أو أشرك فإنه لم يؤد
حق الله عز وجل عليه، وحق الله عز وجل
على عباده : - كما جاء في الحديث- (أن
یعبدوه ولا یشر کوا به شيئًا)(٥)؛ ولذلك فإن
الله عز وجل قد أخبر عباده بأنه سبحانه يغفر
كل الذنوب إلا الكفر والشرك، قال سبحانه:
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍ
فيه دخل الجنة وحرم على النار، رقم ١٥٢،
٤٣/١.
١١٤
القرآن الكريمِ
اللحن
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَّكَلاً
بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
وإن من كفر أو أشرك بربه عز وجل، فقد
ظلم نفسه ظلمًا عظيمًا، ليس كمثله ظلم،
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وإن الذين كفروا هم شر الخلق على
الإطلاق، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَاً أُوْلَئِكَ هُمْ
شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].
ولقد أرسل الله عز وجل الرسل ليرشدوا
الناس إلى توحيد ربهم عز وجل، وتحذيرهم
من أعظم الذنوب، من الكفر والشرك،
وعبادة غیر الله عز وجل، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَافِى
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ
الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ولذا فإن من لقي الله عز وجل يوم القيامة
بكفرٍ أو شركٍ لم يتب منه وفارق الدنيا عليه
استحق من الله عز وجل اللعن المغلظ،
والطرد من رحمته سبحانه، واستحق الخلود
في نار جهنم وبئس المصير، قال الله عز
وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ
عَلَّهِمْ لَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ
١٦١
يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١- ١٦٢].
ولم ینتفع بآيات الله عز وجل من حوله،
استكبارًا عن الحق، وتعالٍ عن الهدى والنور
الذي بعثه الله إليه، فما أشد عذابه! ويا لسوء
مصيره! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
٦٤
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآَ
أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٤ -
٦٦].
وإن أشنع الكفر أن يكفر الإنسان بعد أن
يهديه الله عز وجل إلى الإيمان، فهذا الذي
رأى النور بعد الظلام، ففضل الظلام على
النور، وانتکس على نفسه، واستبدل الذي
هو أدنى بالذي هو خير، واشترى الضلالة
بالهدى، فليس له جزاء إلا اللعن من الله
عز وجل ومن ملائكته ومن الناس أجمعين،
خالدًا في العذاب لا یخفف عنه، ولا ينظر،
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَقَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ آ خَلِدِينَ فِيهَّا لَا يُحَمَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ
وَلَ هُمْ يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].
ولقد توعد الله عز وجل الكفار مع
إخوانهم المنافقين - وهم كفار مثلهم-
بنار جهنم وباللعن وبالعذاب المقيم،
قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
لقد كان اللعن والخلود في النار جزاءً
وفاقًا لمن كفر بربه، واستمر على كفره، مَّقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨].
www. modoee.com
١١٥
حرف اللامر
٢. الظلم.
لقد استحق الظالمون اللعن من الله عز
وجل، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ اَلَّلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ
اَللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢].
وقد ورد لعن الظالمين -صريحًا- في
موضعين آخرين من القرآن الكريم، وقد
بین الله عز وجل في كلا الموضعين صفات
أولئك الظالمين؛ فقال سبحانه في الموضع
الأول: ﴿وَنَادَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْعَبَ النَّارِ أَنْ قَّدْ
وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َّا وَعَدَ رَبُّكُمْ
حَّا قَالُواْ نَعَمَّ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ ا الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا
عِوَجًا وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ كَفِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤-
٤٥].
وقال سبحانه في الموضع الآخرِ: ﴿وَمَنْ
أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا أُوْلَئِكَ
يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِوَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْكَفِرُونَ﴾ [هود:
١٨ - ١٩].
ونلاحظ بأن المراد بالظالمين في كلا
الموضعين هم الكفار، وقد ذكر الله عز
وجل -في كلا الموضعين- الصفات نفسها
لأولئك الظالمين، وصفاتهم هي أنهم:
يصدون عن سبيل الله، ويبغون السبيل
المعوج لا الصراط المستقيم، وهم كافرون
بالآخرة وبلقاء ربهم عز وجل، قال ابن کثیر:
((يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه
وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن يكون
السبيل معوجة غير مستقيمة؛ حتى لا يتبعها
أحد، وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون
جاحدون مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا
يؤمنون به؛ فلهذا لا يبالون بما يأتون من
منكرٍ من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون
حسابًا عليه، ولا عقابًا، فهم شر الناس أقوالًا
وأعمالًا))(١).
إن أولئك الظالمين قد ظلموا أنفسهم
أولًا إذ فتح الله لهم أبواب رحمته فصدوا
أنفسهم عنها، وبعث إليهم الهدى والنور
فاستحبوا العمى على الهدى، ثم هم بعد
ذلك قد ظلموا غيرهم بأن صدوهم عن
سبيل الله، ومنعوهم من الدخول في دينه
والإيمان برسله، فما أشد ظلمهم إذ حرموا
أنفسهم وحرموا غيرهم من رحمة الله عز
وجل، ومن جنة الخلد، واستبدلوا ذلك
بالخلد في نار جهنم وبئس المصير (٢).
٣. الكذب والافتراء على الله عز
وجل.
إن من أقبح الآثام وأعظم الجرائم
الكذب على الله عز وجل، ووصفه سبحانه
(١) تفسير القرآن العظيم ٤٦٥/٥.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٨٩.
١١٦
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
اللحن
بما لا يليق بعظيم جلاله وسلطانه، وافتراء وكانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم
فيستمعون إلى كلامه، ويسألونه عن الأمر،
الكذب عليه سبحانه لصد الناس عن سبيله؛
ولذا استحق من فعل تلك الآثام القبيحة أن
تحل عليه اللعنة، وأن يطرد من الرحمة.
فيخبرهم، فيرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا
انصرفوا من عنده حرفوا كلامه وغيروه كذبًا
وافتراءً(١).
ولقد افترى اليهود على الله عز وجل
كذبًا عظيمًا، وجاءوا ببهتانٍ مبين، وجرمهم
هذا من أهم الأسباب التي استحقوا بها لعنة
الجبار سبحانه ؛ فهم الذين نسبوا البخل لله
عز وجل، وقالوا على الله عز وجل افتراءً
وكذبًا: يد الله مغلولة. فكانت عليهم اللعنة
بما قالوا.
قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُمِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ بِشَآءُ ﴾ [المائدة: ٦٤].
ومن افتراء اليهود على الله عز وجل
تحريفهم لكتابه سبحانه، وكتمان بعض
ما جاء به من الحق، وطعنهم في دين الله،
واستبدالهم الضلالة بالهدى.
قال الله عز وجل عنهم: ﴿مِّنَ الَّذِينَ
هَادُواْ يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّأَ
بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِ الدِّينِّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَيْكِنْ
لَعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:
٤٦].
لقد کانوا ییدلون معنی كلام الله الذي
عندهم في التوراة ويغيرونه عن تأويله،
ومن افتراء اليهود وكذبهم أنهم كتموا
الهدى والبينات، وكتموا صفة النبي صلى
الله عليه وسلم المكتوبة عندهم؛ ليصدوا
الناس عن الدخول في دين الله عز وجل،
فاستحقوا اللعن من الله عز وجل، ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ
بَعْدٍ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُنَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
فهذه الآية نزلت -كما ذكر المفسرون-
في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين
کتموا أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
وقال بعض المفسرين: المراد بها كل من
كتم الحق؛ فهي عامة في كل من كتم علمًا
من دين الله يحتاج إلى بثه (٢)، قال السعدي:
(«هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب
وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه
وسلم وصفاته، فإن حكمها عام لكل من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣٢/٨، معالم
التنزيل، البغوي ٢٣٠/٢.
(٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٣٩٠/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٨٤.
www. modoee.com
١١٧
حرف اللامر
اتصف بكتمان ما أنزل الله من الدالات أولئك المضلين؛ إذ إنه تعهد بعد أن لعنه الله
عز وجل بأن يضل عباد الله إلا المخلصين
منهم، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ
اْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَّنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
على الحق المظهرات له، ومن العلم الذي
تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم،
ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل
الجحيم)»(١).
إن الكذب على الله عز وجل أشنع
الكذب وأقبحه، ولقد حذر النبي صلى
الله عليه وسلم أمته من أن تقع في شيء
مما وقعت فيه اليهود من الكذب على الله
عز وجل، فحذر صلی الله عليه وسلم من
الكذب عليه فالكذب عليه صلى الله عليه
وسلم کذب على الله عز وجل فقال صلى
الله عليه وسلم: (إِن کذبًا علي لیس کكذب
على أحدٍ، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ
مقعده من النار)(٢).
٤. الإضلال.
لاشك بأن من أضل غيره قد تعدى شره
إلى الآخرين، فلم يكتف بأن يكون وحده في
ظلمات الضلال والغواية، وإنما أرادت نفسه
الخبيثة أن يشرك غيره في ضلاله وغوايته،
وهو بذلك یکون قد ظلم نفسه وظلم غيره،
وحرم نفسه وحرم غيره من رحمة الله عز
وجل، وأي ظلم أعظم من ذلك؟ !.
ولا شك بأن إبليس اللعين على رأس
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٧٧.
(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب في
التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، رقم ٨/١،٥.
وفي موضع آخر من کتاب الله عز وجل
أخبر سبحانه عن قسم إبليس على سعيه
لإضلال العباد، قال تعالى عن إبليس اللعين:
قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢- ٨٣].
ولذا فقد حذرنا الله عز وجل منه أعظم
تحذير، وبين لنا مكايده وسبل إغوائه؛
لنتجنبه ونحذر منه.
قال الله عز وجل: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن
دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا سَيْطَنَّا
◌َّرِيدًا ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ
مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٥)
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلََّمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَيِّكُنَّ مَاذَانَ
اُلْأَنْعَمِ وَلَمُنَّهُمْ فَلَيُغَيْنَ خَلْقَ اَللَّهَّ
وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ
فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ
وَيُمَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
[النساء: ١١٧ - ١٢٠].
ومن المضلين الذين يسعون في
إضلال العباد، ويحرفونهم عن الصراط
بعض السادة والكبراء، الذين استكبروا
واستعبدوا الناس، ونصبوا أنفسهم على
١١٨
جَوْسُور
القُرآن الكَرِيْمِ
اللحن
رؤوس الخلائق، يأمرون بالشر، وينهون وينفق أمواله في ذلك فهو مستحق للعن
والإبعاد، والخلود في النار وبئس المهاد،
عن المعروف، ويصدون الناس عن الهداية،
ويضلونهم بأهوائهم، فما لهؤلاء المجرمين
إلا اللعنة وسوء الدار.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّوا
عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
إن هؤلاء الأسياد المضلين يلعنهم
أتباعهم الذين ضلوا بسببهم، يجتمعون في
النار فيلعن بعضهم بعضًا كما أخبرنا ربنا
عز وجل بذلك عنهم إذ قال سبحانه: ﴿ يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا
اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ، وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا
رَبَّنَّ
سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاً )
ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعَنَّا كَبِيرًا ﴾
[الأحزاب: ٦٦ - ٦٨].
ومن المضلين أيضًا اليهود المجرمون،
الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم،
وحملهم ما في قلوبهم من الكبر والحسد
أن يكتموا الحق، وأن يصدوا الناس عن
سبيل الله عز وجل، قال الله عز وجل عنهم:
﴿وَدَّت ◌َطَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيُضِلُونَكُمْوَمَا
يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل
عمران: ٦٩].
قال القرطبي: ((﴿لَوْ يُضِلُونَكُمْ﴾: أي
يكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين
الإسلام والمخالفة له»(١).
ولا شك بأن كل من سعى ليضل
الناس ويصدهم عن سبيل الله عز وجل
(١) الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١١٠.
٥. الإفساد في الأرض وقطع ما أمر
الله أن يوصل.
لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز
أن الإفساد في الأرض سبب للوقوع في
لعنة الله سبحانه فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن
تَوَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَرْحَامَكُمْ
أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَرَ
أَبْصَرَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣].
فمن تولى عن شرع الله عز وجل، وفارق
أحکام کتابه، وأدبر عن منهج نبيه صلی الله
عليه وسلم ؛ فعصى وكفر، ودعا إلى غير
دين الله عز وجل، وسفك الدماء، وقطع
الأرحام، وأعاد الفرقة والتشتت إلى الأمة
الإسلامية كما كانوا في الجاهلية، وسعى في
ظلم العباد فهذا هو المفسد في الأرض (٢)،
وهذا مستحق لأن يبعده الله عز وجل من
رحمته ویلعنه، ویسلبه سمعه فلا ينتفع بما
يسمع من الهدى، ويسلبه بصره وعقله فلا
يهتدي للحق، ولا يتذكر ما يرى من عبر
(٢) انظر: تفسير السمرقندي ٢٢٥/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٦٠/٣.
www. modoee.com
١١٩
حرف اللام
وآيات (١).
من کتابه العزیز مخبرًا عن أولئك المفسدين
القاطعين لما أمر سبحانه أن يوصل: ﴿وَالَّذِينَ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمْرَ
اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ
اللَّغْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
فهذا حال الأشقياء المفسدين، وهذه
صفاتهم، وقد ذكر الله عز وجل مصيرهم
وما لهم في الآخرة من اللعن وسوء الدار
والمآل، قال ابن كثير: ((قال أبو العالية في
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اَللَّهِ﴾ الآية
قال: هي ست خصال في المنافقين إذا
كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه
الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا
أخلفوا، وإذا انتمنوا خانوا، ونقضوا عهد
الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن
يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت
الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال:
إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا
ائتمنوا خانوا))(٢).
وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد
بما أمر الله به أن يوصل في قوله تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾، فقالوا:
إنه رسول الله صلی الله عليه وسلم، قطعوه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٨/٢٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١٣٩/٨.
بالتكذيب والعصيان، وقالوا: التصديق
وقد قال الله عز وجل في موضع آخر بالأنبياء؛ أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب
بعض وتصديق بعض. وقالوا: الرحم
والقرابة، وقالوا: إنه على العموم في كل ما
أمر الله به أن یوصل. وقد رجح أبو حيان
هذا القول الأخير وقال: ((وهذا هو الأوجه؛
لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم،
ولا دليل واضح على الخصوص)»(٣).
أما الإمام الطبري فرجح أن يكون المراد
بما أمر الله به أن يوصل: الرحم والقرابة،
وبين أن قطعها يكون بترك أداء ما ألزم الله
من حقوقها، وأوجب من برها، وأن وصلها
يكون بأداء الواجب لها من حقوق الله التي
أوجب لها، والتعطف عليها؛ ولم ينف
رحمه الله أن تكون الآية عامة في قطع كل
ما أمر الله عز وجل بوصله، فقال: ((غير أنها
دالةٌ على ذم الله كل قاطع قطع ما أمر الله
بوصله، رحمًا كانت أو غيرها)»(٤).
٦. الاعتداء على الآخرين.
لقد حرم الله عز وجل على عباده أن
يعتدي بعضهم على بعض، وحرم سبحانه
عليهم إيذاء العباد من غير وجه شرعي؛
فحرم القتل، والزنا، والسرقة، والغصب،
وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك
من الذنوب والآثام التي فيها اعتداء على
(٣) البحر المحيط ٢٧٣/١.
(٤) جامع البيان ٤١٦/١.
١٢٠
القرآن الكريم
اللحن
الآخرين، وقد بين سبحانه في غير موضع وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
من كتابه العزيز حرمة تلك الجرائم؛ بل قرنها
سبحانه بالشرك الذي هو أعظم الذنوب،
من ذلك قوله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا
حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًاً
وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ
إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ
أَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا
تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ ( ٥) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِأَلَِّ هِىَ أَحْسَنُ حَّ يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ
اُلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِ، لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٢].
وقد جعل الله عز وجل العقوبات الرادعة
في الدنیا لمن اقترف شيئًا من تلك الجرائم،
وجعل سبحانه العقاب العادل في الآخرة
لمن لم يتب منها، ومات مصرًا عليها، ولم
يعد الحقوق لأصحابها.
ولا شك أن أعظم أنواع الاعتداء على
الآخرين هو إزهاق أنفسهم بالقتل المتعمد؛
ولذا فقد جعل الله عز وجل العقوبة
الشديدة، والعذاب الأليم لمن اقترف جريمة
القتل العمد، قال عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ
خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ.
فقد جمع الله عز وجل للقاتل المتعمد
فوق عذاب جهنم الذي يخلد فيه غضب
الجبار سبحانه، واللعنة، والعذاب العظيم،
قال ابن كثير: «وهذا تهدید شدید، ووعيد
أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو
مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب
الله؛ حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الفرقان: ٦٨] الآية.
والآيات والأحاديث في تحريم القتل
کثیرة جدا»(١).
وكما أن الله عز وجل قد جعل اللعنة
على القاتل العمد لاعتدائه على الأنفس
البريئة، فإنه سبحانه قد جعل اللعنة أيضًا
على من اعتدى على أعراض المسلمين
الطاهرة العفيفة؛ فالاعتداء على الأعراض
أمر عظيم، وأذيته للمؤمنين كبيرة، ومفسدته
خطيرة؛ لذا فقد جعل الله عز وجل اللعن
في الدنيا والآخرة لمن اقترف تلك الرذيلة،
فقذف المؤمنات الغافلات، وخاض في
أعراض المسلمين بدون حجة أو برهان،
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
الْغَافِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
(١) تفسير القرآن العظيم ٤ /١٩٩.
www. modoee.com
١٢١
حرف اللامر
وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد
بالمحصنات الغافلات المؤمنات اللاتي
ذكرهن الله عز وجل في الآية؛ فقال بعضهم:
المراد عائشة رضي الله عنها . وقال آخرون:
المراد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
كلهن. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في
شأن عائشة، وعني بها كل من كان بالصفة
التي وصف الله في هذه الآية، قالوا: فذلك
حكم كل من رمى محصنة، لم تقارف سوءًا.
وهذا القول الأخير هو ما رجحه الإمام
الطبري رحمه الله تعالی(١).
٧. نقض العهود المؤكدة.
لقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعهود
في غير آية من كتابه العزيز، قال عز وجل:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾
[المائدة: ١].
﴿وَبِعَهْدِ اَللَّهِ أَوْفُواْ﴾
وقال سبحانه:
[الأنعام: ١٥٢].
ومدح سبحانه الموفين بالعهد، قال عز
وجل: ﴿وَلْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوّاً
وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَِّ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ
أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ ﴾
[البقرة: ١٧٧].
وبين سبحانه أن الوفاء بالعهود صفة
عباده المتقين: ﴿الَّذِينَ يُونُّونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ﴾ [الرعد: ٢٠].
(١) انظر: جامع البيان ١٣٨/١٩ - ١٤٠.
وبين سبحانه أيضًا عظم العهد عند الله
عز وجل، وأن العبد مسؤول عنه يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وفي مقابل ذلك بين سبحانه أن نقض
العهود ذنب عظيم، وإثم كبير، لا يقترفه
إلا المجرمون المفسدون، ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ
بِدِ، أَنْ يُوصَّلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِّ أُوْلَكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].
ولعظم نقض العهود فقد جعل الله عز
وجل اللعنة لمن فعل ذلك، فقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَنَقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ،
وَيَقْطَعُونَ مَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى
اُلْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ [الرعد:
٢٥].
وإن ممن اشتهر بنقض العهود اليهود
الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿أَوَكُلَّمَا
عَهَدُواْ عَهْدًا تَّبَذَهُ، فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا
يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠].
فنقض العهود صفة لليهود، كانت من
أسباب استحقاقهم للعنة الله سبحانه،
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣].
ومعنى الآية: أنه بسبب نقضهم الميثاق
الذي أخذ عليهم لعنهم الله عز وجل،
وجعل قلوبهم قاسية غليظة؛ فلا تجدي فيها
١٢٢
ضوء
القرآن الكريم
اللحن
المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر (١).
فنقض العهود سبب لاستحقاق اللعن
والطرد من رحمة الله عز وجل ؛ ولذا فإن
المؤمن حريص على الوفاء بالعهود كلها،
سواء ما كان بينه وبين ربه عز وجل، أو ما
کان بينه وبين العباد.
٨. الكذب ونشر الأخبار الكاذبة.
لقد أمر الله عز وجل عباده بالصدق:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وَالَّذِى
ومدح سبحانه الصادقين:
جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِّةٌ أُوْلَبِكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣].
فالصدق خلق المؤمنين المتقين، وهو
سبب للفوز بجنة النعيم، وعكسه الكذب،
الذي هو صفة الكافرين والمنافقين، وسبب
لاستحقاق عذاب الجحيم.
ولقد حرم الإسلام الكذب؛ بل وعده
من كبائر الذنوب التي تهلك صاحبها، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإن
الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور
يهدي إلى النار، وإن الرجل لیکذب حتی
يكتب كذابًا)(٢)، وإن المداومة على
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٥/٥،
تيسير الكريم الرحمن ص٢٢٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق
وفضله، رقم ٢٩/٨،٦٨٠٣.
الكذب، واستمراءه، ونشره بين الناس من
أسباب وقوع العبد في لعنة الله عز وجل ؛
لأن فيه مفسدة عظيمة على الأمة المسلمة.
ولا شك أن أعظم الكذب هو الكذب
على الله عز وجل، أو على رسوله صلى
الله عليه وسلم، ولقد أمر الله عز وجل
نبيه صلی الله عليه وسلم أن يباهل من أصر
على الكذب ورفض الانصياع للحق من
نصاری وفد نجران الذين جاؤوا يحاجون
في أمر عيسى عليه السلام، فأنزل الله عز
وجل على نبيه الآيات البينات من مطلع
سورة آل عمران تبين الحق في أمر عيسى
عليه السلام، وقد قال عز وجل في خاتمتها:
﴿فَمَنْ حَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلّ
تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ
وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَجْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ
اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يباهل(٣) من عاند الحق في أمر
عيسى بعد ظهور الحق؛ فإن من أصر على
الكذب بعد ذلك فهو مستحق للعنة الله عز
وجل (٤).
(٣) أصل الابتهال: الاسترسال في الدعاء، ويفسر
الابتهال في الآية باللعن لأجل أن الاسترسال
هنا إنما هو لأجل استنزال اللعنة على الكاذب.
انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٦٣.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣/٣-
٧٦.
www. modoee.com
١٢٣
حرف اللام
وإن من أسباب استحقاق لعنة الله عز
وجل اختلاق الأخبار الكاذبة ونشرها
بين الناس؛ لأجل زعزعة الأمن، ونشر
الخوف والفتنة بين المسلمين -ولا يخفى
ما في ذلك من خطورة شديدة على الأمة
الإسلامية-، وهذا ما كان يفعله المنافقون
في مدينة رسول الله صلی الله عليه وسلم،
حتى أنزل الله عز وجل تهديده ووعيده لهم:
﴿لَّيْنِ لَّْ يَتَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ
وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ
لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٥) مَّلْعُونِينٌ
أَيْنَمَا نُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا﴾
[الأحزاب: ٦٠ -٦١].
والمراد بالمرجفين في المدينة: الذين
ينشرون الأخبار الكاذبة بين المسلمين
ليبثوا الخوف بينهم؛ فيقولوا: جاء الأعداء،
وجاءت الحروب، وقتل من كان في سرية
كذا، والعدو حول المدينة وغير ذلك من
أخبار الكذب التي يقصد بها الإرجاف بين
المسلمين، وقد توعد الله عز وجل هؤلاء
المنافقين -إن لم ينتهوا عن فعلهم هذا- بأن
يسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم ؛
فينفيهم من المدينة نفيًا، ملعونين مطرودين
من رحمة الله عز وجل (١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٢٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٣/١١.
الملاعنة بين الزوجين
إن من متطلبات الحديث عن اللعن في
سياق القرآن الكريم الحديث عن الملاعنة
بين الزوجين؛ لأن تلك الملاعنة من اللعن
الذي شرعه الله عز وجل لعباده كحكم
شرعي يخص قضية معينة تقع بين الزوجين،
وفيما يأتي بيان موجز لمعنى الملاعنة
وحقيقتها:
الملاعنة لغة: مصدر لاعن كقاتل، مشتق
من اللعن، واللعان والملاعنة: اللعن بين
اثنين فصاعدًا، وسمي به ما يحصل بين
الزوجين؛ لأن الزوج يلعن نفسه في الشهادة
الخامسة، وأطلق في جانب المرأة من مجاز
التغليب (٢)، يقال: لاعن الرجل زوجته
ملاعنة ولعانا برأ نفسه باللعان من حد قذفها
بالزنا (٣).
الملاعنة اصطلاحًا: للفقهاء تعريفات
عدة للملاعنة، وكلها تؤدي إلى المعنى
ذاته، من تلك التعريفات: ((شهاداتٌ أربعٌ،
مؤكداتٌ بالأيمان، مقرونة شهادة الزوج
باللعن، وشهادة المرأة بالغضب، قائمة
شهاداته مقام حد القذف في حقه، وشهاداتها
مقام حد الزنا في حقها)» (٤).
(٢) انظر لسان العرب، ابن منظور ٥ /٤٠٤٤.
(٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٨٢٩/٢.
(٤) القاموس الفقهي، سعدي أبو جیب ص ٣٣٠.
١٢٤
مَوْسُو ◌َرُ النَّفْسِي
الْقُرْآن الكَرِيمِ
اللحن
وحقيقة اللعان تكون في حالة رمي ولأن له في ذلك حقًا، وخوفًا من إلحاق
أولادٍ ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم
المفقودة في غيره)) (٢).
الرجل امرأته بالزنا، وليس معه أربعة شهداء،
فيحلف أربع مرات إنه لمن الصادقين،
وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من
الکاذبین، فإن أنکرت الزوجة ذلك، وأرادت
أن تدفع عن نفسها حد الزنا فإنها تحلف
أربع مرات إنه لمن الكاذبين، والخامسة
أن علیھا غضب الله إن كان من الصادقین،
فإذا تم اللعان سقط عن الزوج حد القذف،
واندرأ عن الزوجة عذاب الزانية المحصنة،
وحصلت الفرقة بينهما والتحريم المؤبد،
وانتفى الولد إذا ذكر في اللعان(١).
وقد بين الله عز وجل أحكام اللعان في
آیاتٍ بیناتٍ من سورة النور، فقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدََّةُ إِلَّ
أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةٌ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ,
لَمِنَ الصَّلِقِينَ ﴾ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ
عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ ، وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَنِمٍ بِلَّهِ إِنَّهُ، لَمِنَ الْكَذِيِنَ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ
الصَّدِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
قال السعدي: ((وإنما كانت شهادات
الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن
الغالب أن الزوج لا یقدم علی رمي زوجته،
التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقًا،
(١) انظر: منهج السالكين، السعدي ص٢١٥، فقه
السنة، السيد سابق ٣١٦/٢.
وقد شرع الله عز وجل للزوج أن يلعن
نفسه في الشهادة الخامسة إن كان من
الكاذبين فيما رمى به زوجته - وهذه هي
الحالة الوحيدة في الشرع التي يؤمر فيها
المسلم بلعن نفسه إن كان من الكاذبين-،
ولا يخفى أن في ذلك تغليظًا شديدًا على من
رمی زوجته وهو كاذب؛ إذ إنه يلعن نفسه،
ويحل على نفسه لعنة الله عز وجل ؛ وهو
مستحق لذلك؛ لأن فعله غاية في القبح،
وجرمه غاية في البشاعة؛ إذ إنه بفعلته تلك
يكون قد قبح عرض زوجته، وعرضها للعنة
الناس، ونبذ الأزواج لها(٣).
ولا شك بأن في ذلك التشريع الإلهي
الحكيم سدًا لباب رمي الزوجة لمجرد
الشك أو الشبهة؛ فلا يقدم الرجل على رمي
زوجته إلا إذا کان متأكدًا بنفسه من وقوع
الفاحشة منها.
أما الزوجة إن لم تتب وتعترف بعد
شهادات زوجها - إن كان من الصادقين-،
وتسلم لحكم الله عز وجل، وتشهد أربع
شهادات بالله - وهي كاذبة - على أن
زوجها من الكاذبين فهي بذلك أعظم
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٥٦٢.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٦/١٨.
www. modoee.com
١٢٥
حرف اللام
جرمًا منه؛ لأنها تعلم صدقه فيما رماها به،
ومع ذلك تشهد بالله على خلاف ما قد
علمت، فاستحقت بذلك غضب الله عليها
-والغضب أشد من اللعن-، فأشبهت
بفعلتها تلك فعل اليهود المغضوب عليهم،
الذين يعرفون الحق ثم يكتمونه (١).
قال أبو السعود: ((وتخصيص الغضب
بجانب المرأة للتغليظ عليها لما أنها مادة
الفجور، ولأن النساء كثيرًا ما يستعملن
اللعن؛ فربما يجترئن على التفوه به لسقوط
وقعه عن قلوبهن))(٢).
آثار اللعن في الدنيا والآخرة
لاشك أن للعن آثارًا عظيمةٌ وخطيرة في
الدنيا والآخرة؛ إذ اللعن طرد من رحمة الله
عز وجل، وأي خسارة أشد من الطرد من
رحمة الرحمن سبحانه ؟! وأي حياة تستقيم
بعد الحرمان من رحمة الرحيم الرحمن؟!
وأي ملجأ يلجأ إليه العبد، وأي حصن
يتحصن به إن هو طرد من الحصن الحصين
والملاذ الأمين الذي يجده في رحمة الله عز
وجل ؟!
إن العبد لا غنى له عن رحمة ربه عز
وجل، وإنه إن طرد من تلك الرحمة الواسعة
فلا أمن له، ولا سعادة في الدنیا، وليس له
منجٍ من عذاب الله عز وجل يوم القيامة،
فمن ينصره؟ ومن يتولاه؟ ومن يمنعه في
ذلك اليوم؟ يوم لا ينفع مال ولا بنون، ﴿يَوْمَ
لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِّلَّهِ﴾
[الانفطار: ١٩].
إن من آثار اللعن في الدنيا عدم التوفيق
للملعون، ونزع البركة منه ومن رزقه،
وحرمانه من رعاية الله عز وجل ومعيته،
وتعرضه للأذی وضيق الصدر، وغير ذلك
مما يصيب العبد إذا طرد من رحمة الله عز
وجل، وقد ذكر المفسرون في المراد من
اللعن في الدنيا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِي
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٠ / ١٧٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٥٩/٦.
١٢٦
جَوَنُو
القرآن الكريم