Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
اللَّعْن
عناصر الموضوع
مفهوم اللعن
٨٨
اللعن في الاستعمال القرآني
٨٩
الألفاظ ذات الصلة
٩٠
٩٢
اللاعنون في القرآن
١٠١
الملعونون في القرآن الكريم
١١٤
أسباب اللعن
١٢٤
الملاعنة بين الزوجين
١٢٦
آثار اللعن في الدنيا والآخرة
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف اللامر
مفهوم اللعن
المعنى اللغوي والاصطلاحي:
أولًا: المعنى اللغوي:
يقول ابن منظور: ((اللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله،
ومن الخلق السب والدعاء، واللعنة الاسم، والجمع لعانٌ ولعناتٌ، ولعنه يلعنه لعنا طرده
وأبعده))(١).
ويقول الزمخشري: ((لعنه أهله: طردوه وأبعدوه، وهو لعين طريد، ولعنت الكلب
والذئب: طردتهما، ومن المجاز: أبيت اللعن، وهي تحية الملوك في الجاهلية))(٢).
فأصل اللعن في اللغة الإبعاد، ويطلق على التعذيب والشتم والسب، ومنه الملاعنة
واللعان وهو المباهلة، والملعنة قارعة الطريق ومنزل الناس، وفي الحديث: (اتقوا
الملاعن)(٣)، يعني: عند الحدث، وتلاعنوا: لعن بعضهم بعضًا، ومنه اشتقاق ملاعنة الرجل
امرأته، والحاکم یلاعن بينهما ثم يفرق (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن تيمية: ((اللعن: الإبعاد عن الرحمة)) (٥).
وقال الغزالي: ((اللعن: عبارة عن الطرد والإبعاد عن الله تعالى)) (٦).
(١) لسان العرب ٤٠٤٤/٥.
(٢) أساس البلاغة، ص ٥٦٦.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنه، ٢٩٩/١، رقم ٢٧١٥، وأبو داود في سننه،
كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول فيها، رقم ١١/١،٢٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٨٣/١، رقم ١١٢.
(٤) انظر: العين، الفراهيدي، ١٤١/٢، مختار الصحاح، الرازي، ص ٦١٢، القاموس المحيط،
الفيروزآبادي ٢٦٩/٤.
(٥) الصارم المسلول على شاتم الرسول ٨٧/٢.
(٦) إحياء علوم الدين ٣/ ١٢٣.
٨٨
القرآن الكريمِ

اللحن
اللعن في الاستعمال القرآني
وردت مادة (لع ن) في القرآن الكريم (٤١) مرة (١).
والصيغ التى وردت هى:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٧
٦٤﴾ [الأحزاب: ٦٤]
إِنَّاللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
الفعل المضارع
﴿وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَن ◌َجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ [النساء: ٥٢]
﴿ رَبَّنَآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا
٦٨
فعل الأمر
١
[الأحزاب: ٦٨]
المصدر
١
[الأحزاب: ٦٨]
اسم مرة
١٤
﴿أَلَا لَقْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ
١٨) : [هود: ١٨]
اسم فاعل
١
وَيَلْعَنُّهُمُ اللَّعِنُونَ
[البقرة: ١٥٩]
١٥٩ ٠١
اسم المفعول
٢
﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا
٦١
[الأحزاب: ٦١]
﴿ رَبَّنَاْءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعَنَّا كَبِيرًا ◌َ
٦٨
وجاء اللعن في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك
من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان
.(٢).
دعاء على غيره
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٤٩ -٦٥٠.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٤١.
www. modoee.com
٨٩

حرف اللام
الألفاظ ذات الصلة
١
السب والشتم:
السب لغة:
القطع؛ يقال: سبه سبًا بمعنى قطعه، والتساب التقاطع، والسب الشتم، مصدر سبه يسبه
سبًا: شتمه (١).
الشتم لغة:
قبيح الكلام، والشتم السب، والشتم تقبيح أمر المشتوم بالقول، وأصله من الشتامة، وهو
قبح الوجه، ورجل شتيم أي: قبيح الوجه، وسمي الأسد شتيمًا لقبح منظره(٢).
وبذلك فإن السب والشتم مترادفان؛ إلا أن السب أشد من الشتم؛ لأن السب هو الإطناب
في الشتم، والإطالة فيه(٣).
السب والشتم اصطلاحًا:
((وصف الغير بما فيه نقص وازدراء)) (٤).
الصلة بين السب واللعن:
من خلال التأمل في المعاني السابقة لكلا اللفظين يتبين أن اللعن أشد من السب والشتم؛
لأن اللعن ليس مجرد تقبيح بالكلام؛ بل هو دعاء على الملعون بالطرد من رحمة الله عز
وجل، وكذلك فإن السب يشمل اللعن ويشمل الشتم والتقبيح، فالسب أعم من اللعن.
البعد:
٢
البعد لغة:
البعد والبعاد: اللعن، يقال: أبعده الله: بمعنى نحاه عن الخير ولعنه(٥).
البعد اصطلاحًا:
بمعنى الهلاك والعذاب والطرد واللعن (٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٠٩/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٤ / ٢١٩٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٩٤.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٦٥.
(٥) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٣٤٢.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣/١٩، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٤/١٧.
٩٠
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

اللحن
الصلة بين البعد واللعن:
البعد في الأغلب يحمل نفس المعنى الذي يحمله اللعن من الطرد من رحمة الله عز
وجل؛ إلا أن البعد يأتي أحيانًا بمعنى: الهلاك، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿أَلَبُعْدَ الْعَادِ قَوْمِ
هُودِ﴾﴾ [هود: ٦٠](١).
السحق:
٣
السحق لغة:
البعد، وقد سحق الشيء فهو سحيق أي: بعيد، وسحقه الله أي: أبعده، ومكان سحيق
أي: بعيد(٢).
السحق اصطلاحًا:
الهلاك والبعد من رحمة الله عز وجل (٣).
الصلة بين السحق واللعن:
لا يظهر فرق بين بين السحق واللعن؛ فكلاهما إبعاد عن رحمة الله عز وجل وعن الخير؛
إلا أن اللعن أكثر استعمالًا في القرآن الكريم، وفي كلام الناس أيضًا، وكذلك فإن السحق هو
مطلق الإبعاد، أما اللعن فهو خاص بالإبعاد عن رحمة الله عز وجل .
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٥٥.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٩٥٦/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٥١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/١٨.
www. modoee.com
٩١

حرف اللام
اللاعنون في القرآن
إنه من خلال الوقوف على الآيات التي
ورد فيها اللعن في الكتاب العزيز، نجد أن
أغلب الآيات في ذلك قد أخبرت بأن اللعن
كان من الله عز وجل على من استحقه من
خلقه، وفي بعض المواضع أخبرت الآيات
بأن اللعن كان من غير الله عز وجل ؛ حيث
إن بعض الآيات أخبرت عن اللعن الصادر
من الملائكة، أو من بعض الأنبياء، أو من
الناس، أو من المؤذن بين الجنة والنار،
وسنقف في السطور الآتية بإذن الله على
بيان من صدر منهم اللعن (اللاعنين) في
القرآن الكريم.
أولًا: اللعن من الله تعالى:
لقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز
عن لعنته لبعض خلقه؛ لأنهم قد اقترفوا
ما استحقوا به لعنة الله عز وجل عليهم،
ومعنى لعنة الله عز وجل لهؤلاء: أنه سبحانه
أقصاهم وأبعدهم، وأخزاهم وأهلکهم،
وطردهم من رحمته ومن توفيقه وهدايته
ومن كل خير(١).
ومن خلال تتبع الآيات التي أخبر
سبحانه فيها عن لعنه لبعض خلقه نجد أن
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٨/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١/ ١٧٧، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٢٦/٢.
القرآن الكريم
الله عز وجل قد لعن من خلقه الآتي:
١. إبليس الرجيم.
حيث أخبر سبحانه عن لعنته لإبليس،
وذلك في ثلاثة مواضع من الكتاب
العزيز (٢)، وأخبر سبحانه بأن إبليس استحق
اللعن حينما عصى أمر الله عز وجل
بالسجود لآدم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلِگةِ إِنِّ
خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْئُونٍ )
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ.
سَجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
إِلَّ إِبْلِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
قَالَ يَكَإِلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ
٣٢
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ، مِن
صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ ﴾ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا
فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ
الدِّينِ ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٣٥].
٢. كفار اليهود.
وهم أكثر الملعونين نصيبًا من لعنة الله
عز وجل لهم في القرآن الكريم؛ حيث أخبر
الله عز وجل - في غير موضع من الكتاب
العزيز- عن لعنه لطوائف من اليهود؛
وذلك بسبب ذنوب عظام قد اقترفوها في
حق الله سبحانه ؛ كاستكبارهم عن قبول
(٢) هذه المواضع هي: النساء: ١١٨، الحجر ٣٥،
ص: ٧٨، وسيأتي ذكر هذه المواضع بإذن
الله عند الحديث عن الملعونين في القرآن
الكريم.
٩٢

اللحن
الحق، وتعالیھم عن الاستجابة إلى رسول
الله صلی الله علیه وسلم واتباع هدیه، قال
تعالى مخبرًا عمن فعل ذلك من اليهود:
﴿وَقَالُواْقُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَلِ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا
مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
لقد استحق أولئك اليهود لعنة الله عليهم
إذا رفضوا الحق، وكفروا بكتاب الله عز
وجل ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ
لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُوا
بِّ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
والآيات التي أخبر الله عز وجل فيها عن
لعنته لکفار اليهود کثیرة، وسيأتي ذکر تتمتها
إن شاء الله تعالى.
٣. الكافرين والمنافقين.
حيث أخبر سبحانه عن لعنته للكافرين
والمنافقين في العديد من آيات الذكر
الحكيم، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَنَةُ اَللَّهِ
وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
وإِنَّ اللَّهَ لعن الكفرين
وقوله عز وجل:
وَأَعَدَّ ◌َمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤].
وقوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨].
٤. المؤذین لله عز وجل ولرسوله صلى
الله عليه وسلم.
ويدخل في هؤلاء اليهود والنصارى
الذين نسبوا لله سبحانه الولد، وافتروا عليه
ما لا يليق بجلاله سبحانه، ويدخل فيهم
كذلك المشركون الذين افتروا على الله
الكذب، ونسبوا له الشريك تعالى الله عن
كذبهم علوًا كبيرًا، ويدخل فيهم أيضًا كل
من افترى على الله الكذب من مدعي النبوة
وغیرهم، و کل من آذی رسول الله صلی الله
عليه وسلم بالقول أو الفعل (١).
ولقد أخبر الله عز وجل عن لعنته لأولئك
المجرمين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ
◌َهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
٥. من اقترفوا كبائر الذنوب.
فقد أخبر الله سبحانه عن لعنته لقاتل
النفس المؤمنة عمدًا، فقال سبحانه:
﴿وَ مَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَّهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:
٩٣].
وأخبر سبحانه عن لعنته للذين يرمون
المحصنات الغافلات المؤمنات، فقال
سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْفَفِلَتِ
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٧٥/٦، فتح
القدير، الشوكاني ٤ /٣٤٠.
www. modoee.com
٩٣

حرف اللامر
الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابُ
عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وكذلك أخبر سبحانه عن لعنته لقاطعي
الأرحام، المفسدين في الأرض، فقال
سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّمُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ أَلَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد:
٢٢ - ٢٣].
ثانيًا: اللعن من الملائكة عليهم السلام:
أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن
لعنة الملائکة للکافرین، وورد ذلك صريحًا
في موضعين من الكتاب العزيز، وفي كلا
الموضعين ورد ذكر لعنة الملائكة لأولئك
الكافرين مقرونةً بلعنة الله عز وجل ولعنة
الناس أجمعين لهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ لَقَنَةُ اَللَّهِ وَالْمَلَبِّكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ أَلْإِسْلَمِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ
اُلْخَسِينَ ﴿٥ كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا
بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْأَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَ هُمُ
اَلْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ النَّالِمِينَ
أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللّهِ
٨٦
وَالْمَلَتِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ آ خَلِينَ فِيهَا لَا
يُتَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنَظَرُونَ﴾ [آل
عمران: ٨٥ - ٨٨].
وهناك آية أخرى في کتاب الله عز وجل
ذكرت لعنة الملائكة لأشد الناس ظلمًا،
وهم الذين افتروا على الله الكذب.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًاْ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ
اُلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِزْ
أَلَا لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ
كَفِرُونَ﴾ [هود: ١٨، ١٩].
فالمقصود بالأشهاد هنا - حسب أشهر
أقوال المفسرين فيها- ملائكة الرحمن،
يشهدون على أولئك المجرمين بأنهم كذبوا
وافتروا على الله عز وجل، فاستحقوا بذلك
أن تحل عليهم لعنة الله سبحانه ﴿أَلَا لَعْنَةُ
اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
ولعنة الملائكة لهؤلاء إنما تكون
بالدعاء عليهم، فكما أن الملائكة يستغفرون
للمؤمنين ويدعون لهم، فإنهم يلعنون
الكافرين ويدعون عليهم بسخط الله عز
وجل وعذابه والطرد من رحمته (١).
والملاحظ أن الملائكة في الآيات
السابقة إنما كانت لعنتهم على أقوام كفار،
كفروا بربهم عز وجل، وليس بعد الكفر
ذنب، ولعل الحكمة من قرن لعنة الملائكة
للكافرين مع لعنة الله عز وجل لهم لبيان
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٣٤٢/١.
٩٤
جوبيبو
القرآن الكريم

اللحن
شدة قبح صنيعهم، فهم شر الناس؛ لأنهم وفي الزبور، وفي الفرقان))(١).
كفروا بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول
صلی الله عليه وسلم حق من عند الله عز
وجل، وجاءتهم الآيات البينات من الله عز
وجل، ولكنهم -مع كل ذلك- أصروا على
الكفر وماتوا وهم كفار فاستحقوا أن تجتمع
عليهم لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين
مع لعنة الله عز وجل لهم، نعوذ بالله عز
وجل من الكفر والظلم والضلال.
ثانيًا: اللعن من الرسل عليهم السلام:
لیس في کتاب الله عز وجل ذکرٌ صريح
للعن الأنبياء والرسل لأحد من أقوامهم؛ إلا
آية واحدة ذكر الله عز وجل فيها لعن الذين
كفروا من بني إسرائيل على لسان داود عليه
السلام وعيسى ابن مريم عليه السلام، وتلك
الآية هي قول الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ بَفِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَدَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى أنه لعن
الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل
فيما أنزله على نبيه داود عليه السلام، وعلى
لسان عيسى ابن مريم عليه السلام، وذلك
بسبب عصيانهم لله سبحانه، واعتدائهم
على خلقه، قال العوفي: عن ابن عباس
رضي الله عنه: لعنوا في التوراة، والإنجيل،
فلعن داود وعيسى عليهما السلام للذين
كفروا من بني إسرائيل هو ما أنزله الله عز
وجل من لعنتهم في الزبور والإنجيل، فالله
سبحانه لعن هؤلاء الكافرين من بني إسرائيل
في هذين الكتابين المنزلين منه سبحانه على
نبيين من أنبيائه الكرام(٢).
والرسل والأنبياء عليهم السلام هم من
الأشهاد الذين يشهدون على الخلائق يوم
القيامة، ويلعنون الكفار الذين افتروا على
الله عز وجل الكذب.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى
رَيِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ
عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:
١٨].
فقد ذكر المفسرون في معنى الأشهاد أن
الأنبياء يدخلون في ضمنهم.
والملاحظ أنه ليس في كتاب الله عز
وجل ما يدل على أن الرسل والأنبياء عليهم
السلام كانوا يلعنون أقوامهم؛ وإنما بين
كتاب الله عز وجل دعوة الرسل والأنبياء
لأقوامهم بأحسن طريقة وأتم أسلوب، دعوا
أقوامهم بالحكمة والموعظة الحسنة، باللين
والرفق والرحمة، وفي هذا درس للدعاة
(١) تفسير القرآن العظيم ٣٠٠/٥.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢ / ٩٦.
www. modoee.com
٩٥

حرف اللامر
جميعًا بالبعد عن اللعن والسب والشتم في
مخاطبتهم لعباد الله عز وجل، فالداعي
رسول رحمة وهداية، وليس فظًا لعانًا.
ثالثًا: اللعن من الناس أجمعين:
أخبر الله عز وجل بلعنة الناس أجمعين
للكافرين، وذلك في موضعین من كتاب الله
عز وجل، وفي كلا الموضعين قرنت لعنة
الناس للكافرين بلعنة الله عز وجل ولعنة
ملائكته لهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَبِّكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ أَلْإِسْلَمِ
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ
الْخَسِرِينَ ﴿ كَيْفَ يَهْدِى اَللّهُ قَوْمًا كَفَرُوا
بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَّأ ◌َنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَآءَ هُمُ
اَلْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الََّلِمِينَ
أُوْلَئِكَ جَزَّآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ
٨٦
وَالْمَلَتَبِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ آ خَلِينَ فِيهَا لَا
يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَاهُمْ يُنَظَرُونَ﴾ [آل
عمران: ٨٥-٨٨].
ففي الآيتين السابقتين أخبر الله عز وجل
أن الناس أجمعين يلعنون أولئك الكافرين
الذين كفروا بعد إيمانهم وماتوا على الكفر،
فاستحقوا لعنة الله ولعنة الملائكة ولعنة
الناس أجمعين.
وللمفسرين أقوال في معنى لعنة الناس
أجمعين لأولئك الكفار؛ فقال بعضهم:
«إنما ذلك يوم القيامة، حيث يلعنهم جميع
الناس في أرض الحساب، كقول الله تعالى:
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ
[العنكبوت:
وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾
٢٥]»، وقال بعضهم: ((إن اللعنة من أكثر
الناس يطلق عليها لعنة الناس؛ تغليبًا لحكم
الأكثر على الأقل))، وقال بعضهم: ((إن
المراد بالناس في الآية: المؤمنين منهم))،
وقال بعضهم: ((كل أحد يلعن الظالم، وإذا
لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه)»(١).
قال الشيخ محمد طنطاوي في تفسيره:
((والآية الكريمة قد بينت أن اللعنة على
هؤلاء القوم صادرة من الله عز وجل -وهى
أشد ألوان اللعن-، وصادرة من الملائكة
الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما
يؤمرون، وصادرة من الناس أجمعين، أي أن
الفطر الإنسانية تلعنهم لنبذهم الحق بعد أن
عرفوه وشهدوا به، وقامت بين أيديهم الأدلة
على أنه حق))(٢).
رابعًا: اللعن من الأتباع:
أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز عن
حال الكفار يوم القيامة، وكيف يتبرأ بعضهم
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ١٦٧.
(٢) التفسير الوسيط ١٤٧/٢.
٩٦
القرآن الكريم

اللحن
من بعضٍ، ويلوم بعضهم بعضًا، ويتنازع إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَنُهُمْ لِأُولَئُهُمْ
رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ
قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:
٣٨] (١).
الأتباع مع من اتبعوهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ
مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ وَرَأَواْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ
الأَسْبَابُ
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا
٦٦
كَرَّةٌ فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ
اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ
النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧].
في ذلك الموقف العصیب یعترف الكفار
بجرمهم، يعترفون باتباعهم للباطل من غير
تعقل، ويرمون اللوم على سادتهم وكبرائهم
وأئمتهم في الكفر والشرك والضلال،
فیجدوا في لعنهم والدعاء عليهم، قال تعالى
مخبرًا عن حال هؤلاء: ﴿إِنَّاللَّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ
وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ( خَلِينَ فِيَهَا أَبْدَاً لَّا يَجِدُونَ
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ
يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَءَنَا فَأَضَلُّونَا
السَّبِيلَأ ◌َ رََّآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ
وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤-٦٨].
وهذه الآيات من سورة الأحزاب هي
الموضع الوحيد الذي ذكر فيه لعن الأتباع
لمتبوعيهم يوم القيامة، وإنما كان اللعن
من الأتباع لمتبوعيهم من باب الاستشفاء
والانتقام منهم؛ لما قاموا به من إضلالهم
وإغوائهم، وذلك كقول الله تعالى: ﴿قَالَ
آدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ
وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْنَهَا حََّ
ولا شك أن في لعن هؤلاء الأتباع -يوم
القيامة- لمتبوعيهم بيانًا لشدة حسرتهم
وندمهم على اتباعهم في الباطل، ويوم
القيامة لا ينفع الندم، فلا يجدون أمامهم
إلا أن يجتهدوا في لعن من كان سببًا في
ضلالهم وغوایتھم، وفي إخبار الله عز وجل
عن ذلك تحذير شديد للعباد من اتباع السادة
والكبراء في سبل الضلال والشر؛ فقد بين
الله عز وجل أن عاقبة ذلك وخيمة، والندم
عليه شديد، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
٢٧
يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَوَيْلَقَ لَيْتَفِى لَوْ أَتَّخِذْ فُلَانَا خَلِيلًا ) لَّقَدْ أَضَلَِّى
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَاءَفِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَنِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ -٢٩].
خامسًا: اللعن من عبدة الأوثان:
إن من أحداث يوم القيامة العظام ما
يكون من تخاصم أهل النار وتنازعهم
وإلقاء بعضهم اللوم على غيره، ﴿ إِنَّ ذَلِكَ
◌َحَقْ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]؛ ولكن ذلك
كله لا ينفعهم عند الله عز وجل شيئًا، فلا
يجدون إلا أن يتلاعنوا، ويدعو بعضهم على
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٧٢.
www. modoee.com
٩٧

حرف اللامر
بعض بمضاعفة العذاب من النار.
ومن أهل النار الذين يحدث بينهم
تخاصم عظيم وتلاعن: عبدة الأوثان، الذين
كانوا في الدنيا يجتمعون على ضلالهم؛
يقيمون الأعياد والطقوس المزعومة،
ويأكلون ويشربون حول أوثانهم؛ ولكن
حالهم هذا سينقلب يوم القيامة، حينما يكفر
بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضًا، قال
تعالى على لسان نبيه وخليله إبراهيم عليه
السلام مخاطبًا قومه عبدة الأوثان: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ بَكْفُرُ
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُّ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن
[العنكبوت: ٢٥].
نَصِرِين
فهذه الآية من جملة ما قاله إبراهيم
عليه السلام لقومه وهو يعظهم ويرشدهم؛
فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها، وهي أنهم
ما اتخذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا
لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب
من أجلها، فيقيمون الأعياد لها، ويجتمعون
حولها، فيأكلون ويشربون، لا أنهم حقيقة
يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها
بأيديهم، وأخبرهم نبيهم محذرًا لهم بما
سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة، حينما
تنعكس الأمور فـ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: يكفر
المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم، وهم
الأتباع وعوام الناس، ويلعن كل من الأتباع
والمتبوعين بعضهم بعضًا، وذلك عند معاينة
العذاب الأليم(١).
سادسًا: اللعن من المؤذن بين أهل
الجنة وأهل النار:
أخبر الله عز وجل أنه في يوم القيامة
عندما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل
أهل النار النار، ينادي أهل الجنة أهل النار
ويسألونهم: هل وجدتم ما وعدكم ربكم من
الخزي والعذاب؟ -وفي ذلك تقريع وتوبيخ
عظیم لأهل النار- فیجیبون: نعم وجدنا،
مقرین بعذاب الله عز وجل الذي حصل لهم
كما كان يوصف لهم من قبل رسل الله عز
وجل .
وحينئذ يؤذن مؤذن بين الجنة والنار
معلنًا أن لعنة الله ملازمة لأهل النار، مستقرة
علیهم.
قال تعالى: ﴿وَنَادَىَّ أَصْحَبُّ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ
النَّارِ أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا
وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمَّ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ
اَللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وذكر المفسرون أن المؤذن بين الجنة
والنار ملك من الملائكة، أوكل الله عز
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٠/ ٥٠٣، أيسر التفاسير، الجزائري
٤/ ١٢٤.
٩٨
جَوَسُو ◌َرُ النَّفْسَيْهِ
القرآن الكريمِ

اللحن
وجل له تلك المهمة، ينادي بين أهل الجنة بعضهم بعضًا، ويسب بعضهم بعضًا، حتى
وأهل النار؛ فيسمع الجميع صوته(١).
ولا شك أن في أذان ذلك المؤذن تقریعًا
وتوبيخًا ومزید عذابٍ وحسرةٍ لأهل النار،
إذ ییشرون بدوام اللعنة والسخط من الله عز
وجل عليهم(٢).
سابعًا: اللعن من الأمم التي في النار:
إن أهل النار لما يجدوا ما فيها من بؤس
وعذاب وشقاء محيط بهم، دائم عليهم
يأخذون في لعن بعضهم بعضًا، ويدعو
من كان منهم تابعًا على المتبوعين الذين
ساقوهم إلى طرقات الغي والضلال.
قال تعالى: ﴿قَالَ آَدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِكُم مِّنَ آلْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَمَا دَخَلَتْ
أُكَّةٌ لَعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ
أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَاتِهِمْ
عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا
نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
يخبر الله سبحانه عما يقال لهؤلاء
المشركين به، المفترين عليه، المكذبين
بآياته ﴿أَدْخُلُواْ فِ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ
الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ﴾ أي: من الأمم السالفة
الكافرة من الجن والإنس، کلما دخلت أمة
النار، وجدت من قد أدخل قبلها؛ فيلعن
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٠٩/٧، مدارك التنزيل، النسفي ٧٩/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٧/٨.
إذا اجتمعوا فيها جميعًا ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ
لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا
مِنَ النَّارِ﴾، فيرد عليهم الجبار سبحانه: ﴿قَالَ
◌ِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا تَعْلَمُونَ﴾(٣).
وسبب اللعن بين الأمم في النار: أن كل
أمة إنما تدخل النار بعد مناقشة الحساب،
فيتبين لهم أن ما كانوا عليه من الضلال
والباطل إنما كان بسبب اتباعهم لكبرائهم
ورؤسائهم من غير هدى ولا علم، وبذلك
تقع في نفوسهم كراهية عظيمة لهم، فإذا
دخلوا النار فرأوا من كان سببًا في غوايتهم
وضلالهم أخذوا في لعنهم والدعاء
عليهم (٤).
إن في هذا الخبر من الله عز وجل عن
أهل النار وأحوالهم وتلاعنهم داخل النار
موعظة عظيمة للعباد، فلا يسمع بذلك أحد
إلا ويقشعر من حالهم تلك، ويخاف على
نفسه من أن یکون مع أولئك الکافرین.
ثامنًا: اللعن من عموم اللاعنين:
أخبر الله عز وجل عن قوم بلغوا الغاية
في الفساد والإضلال وظلم العباد، إنهم
أقوام يكتمون الهداية، ويحاولون إخفاء
النور الذي أنزله الله عز وجل ليستنير به
العباد، فكانت عقوبة هؤلاء أن عليهم لعنة
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٤/٥.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٠/٨.
www. modoee.com
٩٩

حرف اللام
الله ولعنة اللاعنين، قال عز وجل: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ
بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَهُهُمُ
اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وقول الطبري هو الأقرب للصواب والله
أعلم؛ لأن الآية التي استدل بها ظاهرة في
ذلك، والقرآن الکریم یفسر بعضه بعضًا.
قال ابن كثير في هذه الآية: (هذا وعيد
شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من
الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة،
والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله
تعالى لعباده في کتبه التي أنزلها علی رسله،
قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب؛ كتموا
صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر
أنه يلعنهم كل شيءٍ على صنيعهم ذلك،
فكما أن العالم يستغفر له كل شيءٍ حتى
الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء
بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون)»(١).
وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد
باللاعنين؛ فقال بعضهم: ((هم الملائكة
والمؤمنون))، وقال آخرون: ((هم دواب
الأرض وهوامها))، وقال غيرهم: ((كل ما
عدا بني آدم والجن))، وغير ذلك من أقوال،
ورجح الإمام الطبري القول الأول مستدلاً
بآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَا تُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ لَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[البقرة: ١٦١](٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ١٣٦/٢.
(٢) انظر: جامع البيان ٢٥٨/٣.
١٠٠
جونيو
القرآن الكريم

اللعن
الملعونون في القرآن الكريم
إنه من خلال التدبر في الآيات التي
ورد فيها اللعن في كتاب الله عز وجل
نجد أن الملعونين في هذه الآيات أصناف
من الخلق، يترأسهم إبليس اللعين، ومما
يلفت النظر أن بعض هؤلاء الملعونين قد
ذكر الله عز وجل لعنهم مرات متعددة، كما
هو الحال بشأن اليهود -وهم أکثر من ورد
في شأنهم لعنٌ في كتاب الله عز وجل -،
وبعض الملعونين ورد لعنهم مرة واحدة
فقط، وسيأتي بيان ذلك -بإذن الله تعالى -.
كما أنه من الأمور التي تلفت الانتباه
أيضًا عند التدبر في الآيات التي ورد فيها
اللعن أن صيغة اللعن تختلف؛ فتارة يكون
اللعن بصيغة: (لعنه الله) أي: بالفعل
الماضي وفاعله الله عز وجل، وتارة يكون
اللعن بصيغة: (يلعنهم الله) أي: بالفعل
المضارع الذي فاعله الله عز وجل، وتارة
یکون اللعن بصيغة المصدر: (لعنة الله على،
علیهم اللعنة، عليك لعنتي)، وتارة يكون
اللعن بالنعت باسم المفعول: (ملعونين،
الملعونة)، وتارة يكون بفعل الطلب:
(العنهم)، ولا شك أن في ورود اللعن بهذه
الصيغ المتعددة في كتاب الله عز وجل
له دلالات وحكمٌ عظيمةٌ أرادها الحكيم
الخبير سبحانه ؛ فصيغة الفعل الماضي لها
دلالة تختلف عن دلالة المضارع، وصيغة
المصدر لها دلالة تختلف عن دلالة الفعل
الماضي والفعل المضارع، وما في كتاب
الله عز وجل من لفظةٍ إلا ولها مدلولاتها،
كما قال ابن عطية: ((وكتاب الله لو نزعت
منه لفظةٌ ثم أدير لسان العرب في أن يوجد
أحسن منها لم يوجد))(١).
ونحاول -بإذن الله تعالى - الوقوف على
شيء من هذه الحکم.
وباستقراء الآيات التي ورد فيها لعنٌ
يمكن أن نحصر أبرز الملعونين في كتاب
الله عز وجل بالآتي:
أولًا: الشيطان:
ذكر الله عز وجل لعنته للشيطان في ثلاثة
مواضع من الكتاب العزيز؛ ورد اللعن في
موضعین منها لإبليس عندما استكبر عن أمر
ربه ولم يسجد لآدم عليه السلام.
قال تعالى مخبرًا عن ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ
حٍَ تَسْنُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ
٣٩
رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّ إِبْلِسَ أَ أَنْ يَكُونَ
مَعَ السَّجِدِينَ ﴾ قَالَ يَتَإِلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا
تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴾ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ، مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ
٣٣
(١) المحرر الوجيز ٥٢/١.
www. modoee.com
١٠١

حرف اللامر
قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ
اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٣٥].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات:
((يذكر الله تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته
قبل خلقه له، وتشريفه إياه، بأمر الملائكة
بالسجود له، ويذكر تخلف إبليس عدوه عن
السجود له من بين سائر الملائكة؛ حسدًا
وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل
ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن
صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ﴾، [الحجر: ٣٣].
وكقوله قال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْتَنِى مِن ◌َّارِ
وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]))(١).
ونظير هذه الآيات -في ذكر لعنة الله
عز وجل لإبليس بسبب استكباره عن أمر
ربه- قول الله عز وجل في سورة ص: ﴿إِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِ خَلِّقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ () فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
فَسَجَدَ الْمَلَتِكَهُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) إِلَّ
٧٢
﴾ قَالَ يَابَلِيسُ
Y'S
إِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَقُّ أَسْتَكَرْتَ أَمْ
كُثْتَ مِنَ الْعَالِينَ ، قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنَةٌ خَلَقَنِى مِن ◌َّارِ
وَخَلَقْتُهُ، مِن طِينٍ ﴾ قَالَ فَأَخْرُجٌ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ
أَ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَبِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧١
- ٧٨].
ونلاحظ أن الله عز وجل قد أخبر -في
كلا الموضعين- عن لعنته لإبليس بأشد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٨.
صيغ اللعن؛ حيث إنه سبحانه أخبر عن لعنته
لإبليس بصيغة الاسم (المصدر) المؤكد بـ
(إن) فقال سبحانه في آيات الحجر: ﴿ وَإِنَّ
عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال في آيات
ص: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَبِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، ولا
شك بأن التعبير بالاسم يدل على ثبات
اللعنة على إبليس واستمرارها، قال ابن
الجوزي: ((قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ
اُللَّعْنَةَ﴾ قال المفسرون: معناه يلعنه أهل
السماء والأرض إلى يوم الحساب))(٢).
ونلاحظ أيضًا التعبير بقوله: ﴿عَلَيْكَ
اللَّعْنَةَ ﴾ في سورة الحجر، وبقوله: ﴿عَلَيْكَ
لَغْنَتِىّ﴾ في سورة ص، وفي ذلك تأكيد على
شدة اللعن لإبليس، فـ(أل) التعريف في
كلمة (اللعنة) إما أن تكون للعهد، وإما أن
تكون عوضًا عن الضمير المضاف إليه في
قوله: ﴿عَلَكَ لَقْنَتِىّ﴾، وإما أن المراد بقوله:
﴿ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ﴾ أي: كل لعنة، وفي قوله:
﴿عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ﴾ شامل أيضًا لكل لعنة؛ وذاك
لأن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين إنما
هي من جهة الله تعالى ؛ فهم يدعون عليه
بلعنة الله تعالى وإبعاده من رحمته، وبهذا
فإن التعبيرين يؤديان نفس المعنى ويؤكد
بعضها بعضًا(٣).
وقد دل قوله تعالى في كلا الموضعين:
(٢) زاد المسير ٤٠١/٤.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤٧/١٤، البحر
المديد ابن عجيبة ٦/ ٢٣٣.
١٠٢
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم

اللحن
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ على أن لعنة الله عز وجل بأنه قد لعن ذلك الشيطان، فأقصاه وأخزاه
وأبعده وطرده من رحمته(٣).
لإبليس دائمة مستمرة لا تنقطع، فهي باقية
ما بقیت الدنیا، فإذا کان یوم الدین اقترن له
مع اللعنة صنوف المهانة والعذاب الأليم ما
ينسى عنده اللعنة، فكأنها انقطعت عنه مع
أنها مستمرة عليه(١)، ونقل ابن الجوزي عن
ابن الأنباري قوله: «وإنما قال إلی یوم الدین
لأنه یوم له أول ولیس له آخر، فجری مجری
الأبد الذي لا يفنى، والمعنى عليك اللعنة
أبدًا))(٢).
أما الموضع الثالث: الذي أخبر الله
عز وجل فيه عن لعنته للشيطان فهو قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَلاَ بَعِيدًا (١) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ
إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطِنَّا قَرِيدًا
لَهَنَهُ اللَّهُ وَقَالَـ لَأَنَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٦ - ١١٨].
ففي هذه الآيات يخبر الله سبحانه عن
شدة ضلال المشركين؛ إذ إنهم ما يعبدون
من دون الله إلا آلهة مزعومة من الأصنام
والأوثان التي كانوا يسمونها بأسماء الإناث،
كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك،
وهم بفعلهم هذا ما يدعون إلا شيطانًا عاصيا
متمردًا على أمر ربه، وقد أخبر سبحانه
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٣/٥، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٥/ ٧٦.
(٢) زاد المسير ٤٠١/٤.
ثانيًا: اليهود:
قد ورد لعن الله عز وجل لليهود في مواضع
كثيرة من الكتاب العزيز؛ بل إن اليهود هم
أکثر من ورد بشأنهم لعن من الله عز وجل
في القرآن الكريم، إذ إن المواضع التي
ورد فيها لعنهم تقارب العشرة مواضع، وما
ذلك إلا لشدة فسادهم وإفسادهم، وكثرة
جرائمهم.
فأول المواضع - حسب ترتيب
المصحف الشريف- التي ورد فيها لعن
اليهود في القرآن الكريم هو قول الله تعالى:
﴿وَقَالُواْقُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَلِ لَّعْنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا
مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
١١٧
حيث تخبر هذه الآية عن بعض أقوال
اليهود القبيحة؛ إذ إنهم قالوا لمحمد صلى
الله عليه وسلم -معتذرين عن عدم إيمانهم
به -: ﴿قُلُوبُنَا غُلَّفٌٌ﴾، أي: عليها غلاف
وغطاء فلا تفقه ما تقول، وهم كاذبون في
ذلك، یریدون تبریر کفرهم، فکشف الله عز
وجل حقيقة الأمر، فقال سبحانه: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ
اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أقصاهم
الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم؛
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٠/٩-٢١٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢٧٧.
www. modoee.com
١٠٣

حرف اللام
بسبب كفرهم وجحودهم آيات الله عز والمقصود بهؤلاء علماء اليهود
وأحبارهم، وعلماء النصارى، وسبب
وجل، وما أرسل به رسله عليهم السلام ؛
فلذلك استحقوا لعنة الله عز وجل (١).
استحقاقهم لتلك اللعنة المغلظة كتمانهم
للحق والبينات، وكتمانهم أمر صدق النبي
محمد صلی الله عليه وسلم، وعدم اتباعه
مع علمهم بصدقه؛ لذلك أخبر الله عز وجل
عن لعنته لهم، وأخبر أنه يلعنهم أيضًا كل
شيءٍ على صنيعهم ذلك؛ فكما أن العالم
يستغفر له كل شيء، فهؤلاء بخلاف العلماء
فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون(٣).
والموضع الثاني: الذي ورد فيه لعن
الیھود هو قول الله عز وجل مخبرًا عنهم:
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَقُواْ كَفَرُوا بِيِّ
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
فهذه الآية تبين شدة حسد اليهود
للعرب؛ إذ إنهم كانوا يعلمون -من كتبهم-
أن زمان قدوم النبي المكتوب عندهم قد
آن، فلما بعث محمد صلی الله عليه وسلم،
وجاءهم بالقرآن الكريم، وكانوا من قبل
بعثته يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من
المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث
نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم،
فلما جاءهم الرسول، ووجدوا أنه ليس
منهم، کفروا به وبالكتاب الذي معه، فلعنهم
الله عز وجل لأجل كفرهم وحسدهم(٢).
ومن هذه المواضع أيضًا قول الله عز
وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ اْبَيْنَتِ
وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّسَنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ
أُوْلَكَ يَلْعَنُّهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة:
١٥٩].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٤/٢، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٦/١.
إن جرائم اليهود كثيرة، وأفعالهم شنيعة
قبيحة، بلغوا الذروة في ذلك حينما حرفوا
كلام الله عز وجل، وغيروا صفات النبي
صلى الله عليه وسلم المكتوبة عندهم؛
ليحرموا الناس من اتباعه والاهتداء بهديه،
واستهزؤا بالنبي صلى الله عليه وسلم،
وطعنوا في دين الله عز وجل، قال تعالى
مخبرًا عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ
غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَّا بِأَلْسِنَّنِهِمْ وَطَعْنَا فِ الدِّينِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنُظْنَا لَكَانَ
خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِمْ فَلَا
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦](٤).
لقد بلغ من قبح اليهود وعدوانهم أنهم
تجرؤا على الله عز وجل، فنسبوا إليه ما لا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٣٦.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٣٠/٢.
١٠٤
جَوْسُولَةُ الْبَّهِ
الْقُرآن الكَرِيمِ

اللعن
يليق بجلاله سبحانه، من ذلك أنهم نسبوا الإيمان بما أنزل الله عز وجل على رسوله
صلى الله عليه وسلم، وتحذيرهم من أن
تطمس وجوههم أو یصیبھم ما قد أصاب
أصحاب السبت من المسخ واللعن.
إليه البخل -تعالى الله عما يقولون علوا
كبيرًا - قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيَدِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ
كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
ومن لعن الله عز وجل لليهود لعنه
سبحانه لأصحاب السبت الذين انتهكوا
حرمات الله عز وجل، ولم يلتزموا حدوده،
ولم ينتصحوا بنصيحة المتقين منهم، وقد
أخبر الله سبحانه وتعالى عن قصتهم في
قوله سبحانه: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَِّى
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى
السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمْ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾
[الأعراف: ١٦٣].
ثم أخبر سبحانه عن العذاب الذي
أصابهم حينما لم ينتفعوا بنصح الناصحین،
وتمادوا في عدوانهم وغیهم.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
(١٠) فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَمْ كُونُواْ قِرَدَةً
[الأعراف: ١٦٥ - ١٦٦].
خَسِِينَ
وأما الموضع الذي ذكر الله عز وجل فيه
لعنته لأولئك المعتدين المنتهكين لحدود
الله فقد جاء في سياق دعوة أهل الكتاب إلى
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
مَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَتَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ
كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتَّ وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا ﴾
[النساء: ٤٧].
والمراد بطمس وجوههم محو آثارها
حتی تصیر کالقفا من غیر أنف ولا عینین ولا
شفاه، أو المراد جعل أبصارهم إلى قفاهم
فيمشون القهقري(١).
والمراد بلعنهم كما لعن أصحاب السبت
مسخهم قردة کما مسخ أصحاب السبت،
قال الشنقيطي: («لم يبين هنا كيفية لعنه
لأصحاب السبت؛ ولکنه بین في غير هذا
الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة، ومن
مسخه الله قردا غضبًا عليه فهو ملعون بلا
شك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
أَعْتَدَوْا مِنكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً
خَسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
وقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ
كُنُواْقِرَدَةً خَسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦])»(٢).
ونلاحظ في لعن اليهود أن الله عز وجل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨ / ٤٤٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٩٧.
(٢) أضواء البيان ١/ ٢٤٢.
www. modoee.com
١٠٥

حرف اللامر
قد لعنهم بصيغة الفعل الماضي: (لعنهم معهم على الكفر والضلال، فجمع الله
عز وجل بينهم في اللعن وسوء الدار، قال
الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ
[التوبة: ٦٨].
الله)، وبصيغة الفعل المضارع: (يلعنهم
الله)، وبصيغة المصدر: (فلعنة الله على)،
ولا شك في أن لعن اليهود في القرآن الكريم
قد جاء بهذه الصيغ المختلفة فيه بيان لشدة
لعنتهم وغلظتها، فالفعل الماضي يدل على
وقوع تلك اللعنة عليهم فيما سبق، والفعل
المضارع يدل على استمرارية اللعنة عليهم،
والمصدر: (الاسم) يدل على ثبات ودوام
اللعنة وملازمتها لهم، وفي هذا إشارة إلى
أن الصفات التي استحق اليهود عليها اللعن
ستبقى موجودة فيهم، وهذا ما يدل عليه
واقع الحال في أيامنا هذه.
ثالثًا: الكافرون والمنافقون:
إن من الأصناف الذين لعنهم الله الكفار
والمنافقين، وهم شرار الخلق، رفضوا دعوة
الله، وأبوا النور الذي أنزله إليهم، استحبوا
العمى على الهدى، فكان لهم اللعن
والعذاب الأليم.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ
خَلِينَ فِيهَا أَبَدٌ لَّا يَجِدُونَ
وَأَعَذَّ لَهُمْ سَعِيرًا
وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ
يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾
[الأحزاب: ٦٤ - ٦٦].
والمنافقون کفار، أخفوا الكفر وأظهروا
الإيمان، فكانوا إخوان الكافرين، اجتمعوا
إن اللعن للكفار لمن مات منهم على
الكفر؛ أما من تاب من كفره، ودخل في
الإسلام قبل موته، فهذا يتوب الله عز وجل
علیه، قال سبحانه وتعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِی
اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ
الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ أُوْلَبِكَ جَزَّآؤُهُمْ أَنَّ
عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَتَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خَلِينَ فِيهَا لَا يُحُفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا
٨٧
هُمْ يُنَظَرُونَ {(٣٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران:
٨٦ - ٨٩].
رابعًا: المرتدون:
إن ممن وجبت عليهم لعنة الله عز وجل
من ارتدوا عن الإيمان إلى الكفر، واستحبوا
العمى على الهدى، فبعد أن أبصروا نور
الإيمان نكسوا أنفسهم إلى ظلمات الكفر،
واستبدلوا الضلالة بالهدى، فأنى لهم
الهداية؟!
قال الله عز وجل مخبرًا عن أولئك
١٠٦
جَوَسُو
القرآن الكريمِ