Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
اللَّغَةِ العَرَبيَّةُ
عناصر الموضوع
مفهوم اللغة العربية
١٣٠
الألفاظ ذات الصلة
١٣١
أمور وصفت بالعربية
١٣٢
١٥٠
القرآن واللغة العربية
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ
حرف اللام
مفهوم اللغة العربية
أولًا: المعنى اللغوي:
اللغة: هي ما يعبر بها كلُّ قوم عن أغراضهم (١).
والعربية مشتقة من الفعل (عَرَبَ)، والعين والراء والباء لها ثلاث معانٍ، منها: الإبانة
والإفصاح؛ كقولهم: أعرب الرجل عن نفسه: إذا بين وأوضح، ومنه الحديث: (الثيب تعرب
عن نفسها)(٢)، فأما الأمة العربية فسميت بذلك؛ لأن لسانها أعرب الألسنة، وبيانها أجود
البيان.
والأعراب منهم: سكان البادية بخاصة، والنسبة إليهم أعرابي، وليس الأعراب جمعًا
لعرب، بل هو اسم جنس، والعرب العاربة الخلص منهم، وتعرب فلان: تشبه بالعرب،
والعرب المستعربة: الذين ليسوا بخلص، وكذا المتعربة بكسر الراء وتشديدها، والعربية هي
لغة العرب(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
اللغة العربية هي ما نطق به العرب، أو هي لغتهم(٤).
وعلى هذا فاللغة العربية اصطلاحًا: هو اللسان الذي تكلمه العرب، ونزل به القرآن
الكريم(٥).
(١) التعريفات، الجرجاني ص ١٩٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل النكاح، ٧٢/٣، رقم ١٨٧٢، وأحمد في
مسنده، ٢٦٠/٢٩، رقم ١٧٧٢٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٥٩١، رقم ٣٠٨٤.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٤٦٧.
(٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ٧٩٨، المصباح المنير، الفيومي ٤٠٠/٢.
(٥) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ٢٤٦/١.
١٣٠
◌َرُ النَّفِيَّة
جوببيو
القرآن الكريم
اللغة العربية
الألفاظ ذات الصلة
الأعراب:
١
الأعراب لغة:
جمع أعرابي، وهو ساكن البادية، صاحب ارتيادٍ للكلإ، وتتبع لمساقط الغيث(١).
الأعراب اصطلاحًا:
الأعراب هم أهل البدو، سواءٌ كان من العرب أو من مواليهم، ويعرفون بالغلظة
والجفاء (٢).
الصلة بين العربية والأعراب:
العربية هي اللسان الذي تكلم به العرب، والأعراب هم سكان البادية.
٢
الأعجمي:
الأعجمي لغةً:
الأعجم: الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من العجم، ويجمع الأعجم على
عجم، أما العجمي: فمن ينسب إلى العجم وإن كان فصيحًا بليغًا، ونظيره: عربي وعرب،
وكلامٌ أعجمٌ وأعجميٌّ: بين العجمة (٣).
الأعجمي اصطلاحًا:
الأعجمي الذي يمتنع لسانه من العربية، ولا يفصح، وإن كان نازلًا بالبادية، والعجمي
فهو منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحًا (٤).
الصلة بين العربية والأعجمية:
الفرق بينهما واضح فالعربية هي اللغة الفصيحة البليغة التي نزل بها القرآن الكريم، أما
الأعجمية فهي اللغة غير الفصيحة.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٨٦/١، تاج العروس، الزبيدي ٣٣٣/٣.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٩٥/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣١/٨.
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١ / ٣٤٢، مشارق الأنوار، القاضي عياض ٦٨/٢.
(٤) انظر: الفروق الفردية، العسكري ٥٨/١.
www. modoee.com
١٣١
حرف اللام
أمور وصفت بالعربية
ذكر القرآن الكريم أشياء وصفت بالعربية
منها: اللسان، والقرآن، والحكم، وسوف
تتناول ذلك بالتوضيح فيما يأتي:
أولًا: اللسان العربي:
وصف الله تعالى اللسان الذي أنزل به
القرآن بأنه عربي، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌّ ◌ِسَانُ
الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ
عَرَبْتُ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
والإشارة في قوله: ﴿وَهَذَا لِسَانُ
عَرَبْتُ مُبِينٌ﴾: إلى القرآن، أو أراد
باللسان البلاغة، فكأنه قال: وهذا القرآن ذو
بلاغة عربية، وبيان واضح، فکیف تزعمون
أن بشرًا يعلمه من العجم، وقد عجزتم
أنتم عن معارضة سورة منه، وأنتم أهل
اللسان العربي، ورجال الفصاحة، وقادة
البلاغة؟!(١).
وقال تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ اَلْأَمِينُ ( عَلَى
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِنَ ( يِسَانٍ عَرَبِئْ تُبِينٍ﴾
[الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
والمراد باللسان في هذه الآية: اللغة،
فهو أحد معانيها، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَّاً
أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ
لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. أي: بلغتهم.
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢٧٩/٣.
وهذا الوصف للسان الذي أنزل به القرآن
بأنه عربي جاء في سياق المدح، ففيه دلالة
على أن الله اصطفى هذه اللغة؛ لتكون
لغة البيان المبين، والتعبير الأمين، ولسان
الإسلام، ولغة القرآن؛ وذلك لشرفها،
ولأنها أفصح اللغات وأصفاها، وأرقاها
وأكثرها قدرة على استيعاب أحاديث الوحي
ومضامينه، وقيمه وتعاليمه، بما تمتلكه من
خصائص ومميزات، وبما تمتاز به من ثراء
ومقومات، حیث بلغت أعلى مستوياتها
اللفظية والتعبيرية، مما جعلها أرقى اللغات
وأقدرها على التلقي والبيان والاستيعاب
والتأثير.
ومما لا شك فيه أن لسان العرب قد
بلغ الغاية في الفصاحة والبيان، فلا يماثله
غيره من الألسنة، ولا يقاربه ولا يدانيه،
فهو مختص بأنواع الفصاحة والجزالة التي
لا توجد في سائر الألسنة؛ والعرب العرباء
قد بلغت من البلاغة في الكلام مبلغًا لم
يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة
عليهم، والمتأخرة عنهم، ووطئوا موطئًا لم
تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان، وجزالة
النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة
المنطق.
وقد قال بعض الحكماء: حكمة العرب
في ألسنتهم، بحلاوة ألفاظهم، وعذوبة
١٣٢
القرآن الكريمِ
اللغة العربية
عباراتهم(١).
وهو أيضًا لسان سالم من العيوب، ومنزه
من النقائص، وخالٍ من کل ما يستهجن
ويعاب، قال الفارابي عن هذا اللسان:
((وهو المنزه من بين الألسنة من كل نقيصة،
والمعلى من كل خسيسة، والمهذب مما
يستهجن أو يستشنع، فبنی مبانٍ بَایَنَ بها
جميع اللغات من إعراب أوجده الله له،
وتأليف بين حركة وسكون حلاه به، فلم
یجمع بین ساکنین، أو متحرکین متضادین،
ولم يلاق بين حرفين لا يأتلفان، ولا یعذب
النطق بهما، أو يشنع ذلك منهما في جرس
النغمة وحس السمع، كالغين مع الحاء،
والقاف مع الكاف، والحرف المطبق مع غير
المطبق، مثل تاء الافتعال، والصاد مع الضاد
في أخوات لهما، والواو الساكنة مع الكسرة
قبلها، والياء الساكنة مع الضمة قبلها، في
خلال كثيرة من هذا الشكل لا تحصى»(٢).
ومع وصف اللسان بأنه عربي وصفه
أيضًا بأنه مبين، فقال: ﴿پلِسَانِ عَرێْتُپینٍ﴾
[الشعراء: ١٩٥].
﴿عَرَبْ﴾ وزيادة تقتضيها المغايرة، فكونه
مبينًا يعني أنه أفصح ما يكون من العربية،
وأنه يقع من التفاضل في العربية ما لا يقع
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٤٩/٨.
(٢) انظر: مقدمة ديوان الأدب للفارابي، ١/ ٨٠،
تحقیق: دكتور أحمد مختار عمر.
في غيرها من اللغات.
وبَيَّنَ سبحانه وتعالى علة هذا الوضوح
والبيان، وعلة نزول القرآن بالعربية، فقال:
﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجَ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
[الزمر: ٢٨].
قال ابن كثير: «أي: هو قرآن بلسان عربي
مبین لا اعوجاج فیه ولا انحراف ولا لبس،
بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله
الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك: ﴿لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾))(٣). فلما كان البيان الكامل لا
يحصل إلا باللسان العربي، قال تعالى:
﴿يِسَانِ عَرَبٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
فدل ذلك على أن سائر الألسنة دونه في
البيان.
والمقصود أن الله تعالى وصف اللسان
الذي أنزل به القرآن، ولسان رسوله صلى
الله عليه وسلم، ولسان أصحابه بوصفين
اثنين:
۵ أنه عربي.
وأنه مبين.
٥
فهو لسان عربي في غاية الإعراب
فَوَصْفُهُ بـ (المبين) تأكيد لما يفيده والوضوح، فنزهه أن يكون أعجميًّا؛ لأن
العجمة خلاف الإبانة، والإعجام الإبهام،
والأعجم من في لسانه عجمة عربيًّا كان أو
غير عربي، ومنه قيل للبهيمة: عجماء، من
حيث إنها لا تبين عن نفسها بالعبارة إبانة
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٩٦.
www. modoee.com
١٣٣
حرف اللامر
الناطق، واللسان الأعجمي هنا لا يعني لسانا
بعينه، وإنما هي كلمة تطلق على كل لسان
غير اللسان العربي الفصيح.
وهو كذلك لسان مبين كامل البيان
والاستقامة والوضوح، ظاهر المعنى،
وواضح المدلول، لا اعوجاج فيه ولا
انحراف ولا لبس، بل هو في غاية البيان
والوضوح والبرهان، حیث تخلص -بفضل
القرآن- من حوشي الكلام ومستهجنه،
وارتقى بالمعجم القرآني في أسماع
الناطقين به وأذواقهم، في حسن النظم،
وتنوع الأنساق، وانضباط التراكيب،
وسلامة الأساليب.
وقد شاء الله تعالى؛ لحكمة أن يحمل
العرب رسالة الإسلام، وأن ينزل القرآن
بلسانهم، وأن يكون الرسول الخاتم صلى
الله عليه وسلم منهم عربي الأصل واللسان،
وأن يخاطب البشرية خطابه الأخير بهذا
اللسان العربي؛ ليصبح لسانًا عالميًّا.
فاللسان العربي باقٍ ببقاء القرآن وخالد
بخلوده؛ لأنه سبيل اتصال العبد المسلم بربه
ولا سبيل غيره، وهو محفوظ - إن شاء الله-
، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ.
◌َفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
والحفظ يشمل الحافظ والمحفوظ،
وهذه من أعظم المؤكدات على حفظ القرآن
العربي واللسان العربي.
والأمة اليوم مطالبة بالعناية بهذا اللسان،
والاجتهاد في تعلمه وتعليمه؛ لأنه مفتاح
الأصلين العظيمين؛ (الكتاب والسنة)،
ووسيلة إلى الوصول إلى أسرارهما، وفهم
دقائقهما؛ ولهذا لابد من النظر إلى اللسان
العربي على أنه لسان القرآن الكريم والسنة
المطهرة، ولسان التشريع الإسلامي، بحيث
يكون الاعتزاز به اعتزازًا بالإسلام وتراثه
الحضاري العظيم، فهو عنصر أساسي
من مقومات الأمة الإسلامية، والشخصية
الإسلامية.
والنظر إليه كذلك على أنه وعاء للمعرفة
والثقافة بكل جوانبها، ولا يكون مجرد
مادة مستقلة بذاتها للدراسة؛ لأن الأمة التي
تهمل لغتها أمة تحتقر نفسها، وتفرض على
نفسها التبعية الثقافية، يقول الرافعي رحمه
الله مبینا ذلك: «ما ذلت لغة شعبٍ إلا ذل،
ولا انحطت إلا كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ،
ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته
فرضًا على الأمة المستعمرة، ویر کبهم بها،
ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من
ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في
عمل واحدٍ:
أَما الأول: فحبس لغتهم في لغته سجنًا
مؤبدًا.
وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل
محوًا ونسيانًا.
١٣٤
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
اللغة العربية
وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم
الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب
لأمره تبعٌ))(١).
إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب
فعلى المسلم إذن أن يعرف أهمية هذه على الأعيان، ومنها ما هو واجب على
الکفایة»(٤).
ويقول السيوطي: ((ولا شك أن علم
اللغة من الدین؛ لأنه من فروض الكفايات،
وبه تعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة» (٥).
وتزداد أهمية تعلم اللسان العربي حين
بعد الناس عن الملكة والسليقة اللغوية
السليمة؛ مما سبب ضعف الملكات في
إدراك معاني الآيات الكريمة والأحاديث
الشريفة، مما جعل من الأداة اللغوية
خير معين على فهم معاني القرآن الكريم
والسنة المطهرة، وقد نبه ابن خلدون على
ذلك بقوله: «فلما جاء الإسلام، وفارقوا
الحجاز -أي: العرب-، وخالطوا العجم،
تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع
وانطلاقًا من هذا المفهوم نقول: إن من المخالفات التي المستعربين من العجم
تعلم اللغة العربية والاهتمام بها ليس مهنة - والسمع أبو الملكات اللسانية-، ففسدت
تعليمية، أو قضية تعليمية فحسب، وإنما بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه،
باعتبار السمع، وخشي أهل الحلوم منهم أن
تفسد تلك الملكة رأسًا بطول العهد؛ فینغلق
القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا
من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة
هي قضية عقدية، ورسالة سامية يعتز بها
المسلم؛ لأنها خصيصة هذه الأمة؛ يقول
شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فإن نفس اللغة
العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب،
(١) وحي القلم ٣٣/٣-٣٤.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٤٢٤/١.
(٣) المجموع، النووي ١/ ٢٠.
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٠٧.
(٥) المزهر ٣٠٢/٢.
www. modoee.com
١٣٥
اللغة ومكانتها، وأنه لا غنى له عنها، كما
یجب أن يعتز بها لا بغيرها من اللغات، بل
ينبغي لمن يعرف العربية ألا يتكلم بغيرها،
كما ينبغي لمن دخل الإسلام من الأعاجم
أن يتعلم العربية، بل قد قيل: إن اعتياد
التكلم باللغة العربية يؤثر في العقل والخلق
والدين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله: ((اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل
والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا
في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة
والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين
والخلق))(٢).
وكان يقول الشافعي: ((من نظر في اللغة
رق طبعه))(٣).
حرف اللام
مطردة، شبه الكليات والقواعد، يقيسون
عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه
منها بالأشباه»(١).
ومما يدل كذلك على أهمية هذا اللسان
أن العلم به مما يحصل به إقامة الحجة على
الناس، وهو داخل في عموم قول الله تعالى:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّمِينَ بِاَلْقِسْطِ
شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥].
فلا يمكن أن يكون الإنسان شاهدًا لله إذا
لم يكن فاهمًا لما يشهد به؛ لأن العلم شرط
في الشهادة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَآ
إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾
[يوسف: ٨١].
ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٦].
فلا یمکن أن یشهد الشاهد بما لا يعلمه
ولا یفهمه، ولا بد أن یکون الإنسان فاهمًا لما
يشهد به حتى تقبل شهادته على ذلك، والله
تعالى جعل هذه الأمة شاهدة على الناس،
كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْتَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
کنت لا تفهم ما تشهد به، وليس هناك وسيلةٌ
للاطلاع من خلالها على أحوال الناس، وما
كذبوا به أنبياءهم إلا القرآن، والقرآن بلسان
عربي مبین، فإذا لم تفهم هذا فلا يمكن أن
تکون شاهدًا على الناس، فإذا جاء نوح يوم
القيامة يخاصمه قومه، فقالوا: ما جاءنا من
بشير ولا نذير، فقال: بلى، قد مكثت فيكم
ألف سنة إلا خمسين عامًا، فيقال: من يشهد
لك؟ فيقول: محمد وأمته، فإذا كنت لا تفهم
الآيات التي جاءت في قصة نوح فكيف
تكون من الشهداء على هذا؟! لأن الشهادة
من شرطها العلم.
ولهذه الأهمية الكبيرة للسان العربي نجد
أن السلف قد اعتنوا بعلوم اللغة العربية،
وحثوا على تعلمها، والنهل من عبابها،
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
(«تعلموا العربية، فإنها من دينكم))، وكتب
رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري
رضي الله عنهما: ((أما بعد: فتفقهوا في
السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن
فإنه عربي)) (٢)، وفي توجيه عمر هذا دعوة
إلى فقه اللسان العربي وفقه الشريعة معًا.
وقد بين شيخ الإسلام سبب قول عمر:
«تفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية»
حيث قال: «لأن الدين فيه فقه أقوال وفقه
الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريق إلى فقه
ولا يمكن أن تتم الشهادة على الناس إذا أعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٢٦.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٥٦ -
٤٥٧، رقم ٩٩٦٣، وابن عبد البر في جامع
بيان العلم وفضله، ١١٣٢/٢، رقم ٢٢٢٨.
١٣٦
القُرآن الكَرِيْمِ
اللغة العربية
الأعمال)»(١). ومما يدل على أهمية معرفة إنما هو استكمال لمقوم من مقومات العقيدة
الإسلامية التي نجتمع جميعًا على إعزازها
والدعوة إليها.
اللسان العربي قول عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما: «كنت لا أرى ما ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]؟ حتى أتاني أعرابيان
يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها،
قال: ابتدأتها))(٢). وقال: ((إذا خفي عليكم
شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر؛ فإنه
ديوان العرب)»(٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((إن الله
لما أنزل کتابه باللسان العربي، و جعل رسوله
مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي،
وجعل السابقين إلى هذا الدین متکلمین به،
ولم يكن سبيلٌ إلى ضبط الدين، ومعرفته
إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من
الدين، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين)) (٤).
وفي الكلام السابق لشيخ الإسلام ما
يدل على أن بين اللسان العربي والعقيدة
الإسلامية ارتباطًا وثيقًا لا يماثله رباط آخر
في أي من المجتمعات القديمة والمعاصرة؛
لأن اللغة العربية هي لغة الإسلام، ولغة
كتابه العزيز، ولغة رسوله محمد صلی الله
عليه وسلم ؛ ولذا فإن الاهتمام والعناية بها،
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٤٢٥/١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٣/١١، تفسير
ابن أبي حاتم في ١٠/ ٣١٧٠.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٥٤٢/٢،-
٣٨٤٥، وابن أبي حاتم في تفسيره،
٣٣٦٦/١٠، رقم ١٨٩٥٣.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤٣/٨.
ثانيًا: القرآن:
وصف الله تعالى أيضًا القرآن بأنه عربي،
فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرُّهَانَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا
وقال:
وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَمْ
ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣].
وقوله: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِبًّا غَيْرَ ذِى عِوَجَ لَّعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر: ٢٨].
وقال: ﴿كِثَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ، قُزْءَانَا عَرَبِيًّا
لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ
قُرْ ءَانَا عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْهَا وَنُنْذِرَ
يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيَّبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِ اَلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى
السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: ٣].
ومعنى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرَّءَ نَا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:
٢].
أي: أنزلنا هذا الكتاب باللسان العربي
الذي هو لسان العدنانيين والقحطانيين
سواء.
والمقصود أن هذه منة على العرب؛
www. modoee.com
١٣٧
حرف اللامر
إذ نزل القرآن بلغتهم، وقد قال الله تعالى بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن
ثم لزمنا التمسك بها، ولزمنا بثها، ونشرها
من غير استحياء ولا استنكاف(١).
ممتنًّا على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى
العرب، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌلَّكَ وَلِقَوْیِكَ﴾ [الزخرف:
٤٤].
ولما كان الله قد أرسل محمدًا صلى الله
أي: لشرف لك ولقومك يا محمد أن عليه وسلم إلى قومه العرب وجب أن يكون
نزل عليك هذا القرآن، وأن نزل بلغتك ولغة
قومك.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا
فشرفٌ إذن للعرب أن القرآن نزل بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَّمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
بلغتهم؛ ولهذا شكر لابد أن يقدم، فکل من
أنعم الله عليه بنعمة فإنه يلزمه أن يقدم لها
شكرًا موازيًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَتَ رَبُّكُمْ لَپن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَّرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
فعلى العرب أن يشكروا نعمة الله
عليهم؛ إذ أنزل القرآن بلغتهم، فلزامًا عليهم
أن يحملوا عبء الدعوة إلى الله أكثر من
غيرهم، فھي نعمة أسداها اللہ إلیھم ولم
تُسَدَ إلى غيرهم؛ فجدير بهم أن ينهضوا
إلى حمل دعوة الإسلام، وبثها ونشرها في
العالم، وقد قال الله تبارك وتعالى محذرًا
إياهم من التخاذل عن هذه المهمة: ﴿فَإِن
يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَّكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
ومن هنا ينشأ اعتزازنا بلغة العرب، لا
لأنها لغة لجنسنا ولبني جلدتنا، ولکن لأنها
اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، والتي تحدث
الوحي بلسانهم المفهوم بينهم.
قال الأزهري: ((وجعل الله عز وجل
القرآن المنزل على النبي المرسل محمد
صلى الله عليه وسلم عربيًّا؛ لأنه نسبه إلى
العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي
والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم
لغة العرب في باديتها وقراها العربية))(٢).
ومن الحكم من كونه أنزل عربيًّا: أن
يعقلوه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيَّ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: ٢].
أي: لكي يفهموه ويفقهوه ويعقلوه، ولا
يخفى عليهم لفظه ولا معناه، قال الطبري
في تفسيره لهذه الآية: ((يقول تعالى ذكره:
إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآنًا عربيًا على
العرب؛ لأن لسانهم و کلامهم عربي، فأنزلنا
هذا الكتاب بلسانهم؛ ليعقلوه ويفقهوا
منه؛ وذلك قوله عز وجل:
(١) انظر: سلسلة التفسير، مصطفى العدوي
٢٤ /٠٦
(٢) تهذيب اللغة ٢١٩/٢.
١٣٨
القرآن الكريمِ
اللغة العربية
تَعْقِلُونَ﴾))(١).
ولأن العرب كما قال ابن خلدون: ((هم
أسرع الناس قبولًا للحق والهدى؛ لسلامة
طباعهم من عوج الملكات، وبراءتها
من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق
التوحش القريب المعاناة المُتَهَيِّئ لقبول
الخیر ببقائه على الفطرة الأولى، وبعده عما
ينطبع في النفوس من قبيح العوائد، وسوء
الملكات)»(٢).
ومن الحكم من نزول القرآن باللسان
العربي أن هذا اللسان قد بلغ الغاية في
الفصاحة والبيان، فصار أهلًا لنزول القرآن
به. يقول ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ
أَنزَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيَّ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف:
٢]: وذلك؛ لأن لغة العرب أفصح اللغات
وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني
التي تقوم بالنفوس، أنزل أشرف الكتب
بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة
أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف
بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف
شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل
الوجوه (٣).
قال الشافعي بعد أن ساق الآيات
السابقة: «فأقام حجته بأن کتابه عربي في كل
آية ذکرناها، ثم أكد ذلك بأن نفی عنه جل
(١) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٥١.
(٢) مقدمة ابن خلدون ص٧٥.
ثناؤه كل لسان غير لسان العرب في آيتين
،وَلَقَدْ نَعْلَمُ
من كتابه، فقال تبارك وتعالى:
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ، بَشَرٌّ لِسَانُ
الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ
ءَ
[النحل: ١٠٣].
تَبِّينُ
وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُواْ
لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَنُهُ{ ءَأَعْجَِىٌّ وَعَرَبِىٌّ﴾ [فصلت:
٤٤]»(٤)
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا﴾
[يوسف: ٢].
وقال تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجَ﴾
[الزمر: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيًّا ﴾
[الزخرف: ٣].
ويؤخذ من هذه الآيات أن القرآن كله
عربي، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا
وهو عربي أصلًا، أو معرب خاضع لموازين
اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها، ولا يشكل
على هذا اشتماله على بعض كلمات قيل:
إنها من أصل أعجمي (غير عربي) مثل
(سندس) و(إستبرق) و(قسورة) وغيرها؛
لأن هذه الكلمات إما أن تكون مشتركة بين
العرب وغيرهم، أو أن العرب قد استعملوها
وعربوها، فصارت تنسب إليهم لا باعتبار
أصلها، بل باعتبار استعمالها وتعريبها.
قال الطبري: ((ولم نستنكر أن يكون
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٥/٤. (٤) الرسالة ص ٤٦ - ٤٧.
www. modoee.com
١٣٩
حرف اللامر
من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس
الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فکیف
بجنسين منها، كما قد وجدنا اتفاق كثير
منهم فيما قد علمناه من الألسن المختلفة؛
وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم
والقرطاس))(١).
فلا مجال للطعن في كون القرآن كله
عربي بمثل هذه الشبهة، وهي وجود بعض
الألفاظ غیر عربية أو مشترکة، وأنه لو كانت
مجالًا للطعن في القرآن لما تركها أسلاف
هؤلاء من مشركي مكة ومن بعدهم، وهم
أهل اللغة، ولم يتركوا مجالًا لأحدٍ للطعن
في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن إلا
قالوه، ولو أنهم وجدوا هذه الشبهة قائمة
لقالوها.
والمقصود أن القرآن كله عربي جملة
وتفصيلاً، وأنه نزل بلسان العرب قوم النبي
صلى الله عليه وسلم، وكان من مزية عربية
القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان،
هما:
الأول: أن تعلم القرآن والنطق به على
أصوله يُقَوِّمُ اللسان، ويفصح المنطق،
ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة
العرب، فليس هناك شيء يشبه القرآن في
تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية
المختلفة.
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ١٥.
الثاني: كان للقرآن الفضل الأكبر في
الحفاظ على اللغة العربية في مسيرة القرون
الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من
فترات ضعف وتخلف.
ولعل التنويه بكون القرآن عربيًّا المقصود
به بيان إعجاز القرآن الذي نزل بلغة العرب،
وقد تحداهم بما هم بارعون فيه أن يأتوا
بمثله فعجزوا، وهم أهل اللغة والفصاحة
والبلاغة، وقد مضى من القرون والأحقاب
ما يبلغ أربعة عشر قرنًا ولم يأت بما يناظره
آتٍ، ولم يعارضه أحد بشيء إلا أخزى
نفسه، وافتضح في أمره، وإنما تعذر على
البشر الإتيان بمثله لأمور:
منها: أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء
اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف
المعاني والحوامل لها، ولا تدرك أفهامهم
جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك
الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء
جميع وجوه النظوم التي بها یکون ائتلافها
وارتباطها بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار
الأفضل عن الأحسن من وجوهها إلا أن
يأتوا بکلام مثله.
وإنما يقوم الكلام بأشياء ثلاثة:
١. لفظ حامل.
٢. ومعنى به قائم.
٣. ورباط لهما ناظم.
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور
١٤٠
جَوْنُوحَة النَّفْتَ
القرآن الكريم
اللغة العربية
منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى
شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب
من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد
تلاؤمًا وتشاكلا من نظمه، وأما معانیه فكل
ذي لب يشهد له بالتقديم في أبوابه، والرقي
في أعلى درجاته.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على
التفرق في أنواع الكلام، وأما أن توجد
مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا
في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن
القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح
الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنًا
أصح المعاني، جامعًا في ذلك بين الحجة
والمحتج له، والدليل والمدلول عليه؛
لیکون ذلك أوکد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً
عن وجوب ما أمر به ونھی عنه.
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور
والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمرٌ
تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم،
فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته
بمثله، ومناقضيه في شكله، ثم صار
المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لما رأوه
منظومًا، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزًا
عنه، غیر مقدور علیه، وقد كانوا يجدون
له وقعًا في القلب وقرعًا في النفس، يريبهم
ویحیرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعًا من
الاعتراف؛ ولذلك قالوا: إن له لحلاوة، وإن
عليه لطلاوة، وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم
يقولون: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا
فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةٌ وَأَصِيلاً ﴾ [الفرقان:
٥].
مع علمهم أن صاحبهم أمي، وليس
بحضرته من يملي أو يكتب شيئًا، ونحو
ذلك من الأمور التي أوجبها العناد، والجهل
والعجز، وقد حكى الله عن بعض مردتهم
-وهو الوليد بن المغيرة المخزومي- أنه
لما طال فكره في القرآن، و کثر ضجره منه،
وضرب له الأخماس من رأيه في الأسداس،
فلم يقدر على أكثر من قوله: ﴿إِنَّ هَذَآ إِلَّا
قَوْلُ اَلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥](١) عنادًا وجهلاً به،
وذهابًا عن الحجة، وانقطاعًا دونها.
وقد اقترن وصف القرآن الكريم بكونه
عربيًّا کونه بيًِّا غير ذي عوج.
قال تعالى: ﴿قُرْءَانَّا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَچ
لَّعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ ﴾ [الزمر: ٢٨].
ووصفت آیاته بأنها مبینات.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَتٍ
مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤].
ولبيانه وصفه الله عز وجل بأنه ميسر
للفهم والحفظ والاتعاظ، فقال: ﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾ [القمر:
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢/ ٥٥٠، رقم
٣٨٧٢، والطبراني في الكبير، ١٢٥/١١،
رقم ١١٢٥٠، وهو في صحيح السيرة النبوية
١٥٨/١.
www. modoee.com
١٤١
حرف اللام
١٧ ].
بل عد بعض العلماء من وجوه إعجاز
القرآن يسر تناوله وسهولة حفظه وفهمه،
وأنه قادر على مخاطبة جميع فئات الناس
على مختلف ثقافاتهم وعصورهم؛ إذ إن
معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب
بها الناس كلهم على اختلاف مداركهم
وثقافاتهم، وعلی تباعد أزمنتهم وبلدانهم،
ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.
ومعنى أنه ﴿غَيْرَ ذِى عِوَجِ﴾ أي: هو
قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه
ولا انحراف ولا لبس، بل هو بیان ووضوح
وبرهان(١).
لأن عوجًا نكرة، وقعت في سياق النفي؛ لما
في ﴿َغَيْرَ﴾ من معناه(٢).
ولما كان القرآن لا يأتيه الباطل من بين
یدیه ولا من خلفه فمن المؤكد أن یکون غیر
ذي عوج، واللغة العربية هي الأنسب لقرآن
غير ذي عوج.
وأخبر الله تعالی بأن آياته قد فصلت،
فقال: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْءَايَتُهُ﴾ [فصلت: ٣].
أي: بينت آياته بالعربية حتى يفهم.
ولا يرد على كونه مفصلاً مجيء بعض
الحروف في أوائل السور، مثل: ﴿حمّ﴾
و﴿الّ﴾ و﴿صّ﴾ و﴿طسّمْ﴾ وغيرها؛
فهذه الحروف التي في أوائل السور وإن
كان الظاهر أنها غير معروفة المعنى، إلا أن
الصواب أن هذه الحروف جاءت لمعنى
وهو تحدي العرب، وكأنه يقول لهم: هذا
القرآن مکون من حروف جاءت من جنس
كلامکم الذي تتکلمون به، فکیف عجزتم
عن الإتيان بمثل سورة منه؟! ولهذا غالب
السور التي جاءت في مطلعها هذه الحروف
المقطعة يعقبها ذكر القرآن، أو ما يدل على
الوحي إلا في سورتين، وهاتان السورتان
أيضًا قد تضمنتا ذكر القرآن.
والمقصود أن عروبة القرآن أحد أهم
وهذا التعبير أبلغ من التعبير بـ(مستقيم)؛ أوصافه التي ذكرها الله في مقام الثناء على
كتابه، وبهذا اللسان العربي الفصيح ارتفع
عن أن یکون أعجمیًّا، وأن يكون فيه عوج،
بل هو في أعلى درجات البلاغة، وهي درجة
الإعجاز التي اختص بها، ويشهد لذلك أن
الله تعالی وصفه بأنه قرآن نزل بلسان عربي
مبين، وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين
أنه رفعه عن أن يجعله أعجمیًّا، وتحدی به
البشر في أكثر من موضع على أن يأتوا بمثله.
ولما كان القرآن عربيًا تُوَجَّبَ على من
یرید فهمه وتدبره أو تفسیره أن یعرف اللسان
الذي نزل به، وأن يهتم بهذه اللغة كونها لغة
القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكونه جزءًا
من الدين، بل لا يمكن أن يقوم الإسلام
(١) توفيق الرحمن، فيصل آل مبارك ٢٣٠/٤.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٢٦١/٢٣.
١٤٢
الْقُرآن الكَرِيمِ
اللغة العربية
إلا به؛ إذ لا يصح أن يقرأ المسلم القرآن الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد أن هذا
إلا بالعربية، وقراءة القرآن ركن من أركان وعد الله، والله لا يخلف وعده - يشير إلى
ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر
بالنار والخلود فيها-، فقال له ابن العلاء: من
العجمة أتیت، هذا وعید لا وعد (٢).
الصلاة التي هي رکن من أركان الإسلام،
كما أنه لا يتم فهم الكتاب العزيز إلا بمعرفة
اللسان العربي؛ ولهذا ندرك حرص العلماء
قال الشاعر(٣):
في العصور المتقدمة على التأليف في
وإني وإن أوعدته أو وعدته
إعراب القرآن ومعانيه؛ بل إن بعض هذه
الكتب منها ما يسمى بـ(معاني القرآن) مما
يوحي بأهمية الإعراب في فهم المعاني.
فمن أراد الكلام على كتاب الله فعليه
أولًا معرفة اللغة التي نزل بها وإلا لم يدرك
مراد الله من كلامه، قال شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله: ((لابد في تفسير القرآن
والحديث من أن يعرف ما يدل على مراد
الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يفهم
كلامه؟ فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما
یعین علی أن نفقه مراد الله ورسوله بکلامه،
وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني،
فإن عامة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب،
فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله
علی ما يدعون أنه دالً علیه، ولا يكون الأمر
كذلك)»(١).
وهناك أمثلة عديدة تدل على أن من جهل
لسان القرآن وأراد أن يتكلم فيه وقع في
الخطأ والضلال، فهذا أبو عمرو بن العلاء
لما ناظر عمرو بن عبيد في مسألة خلود أهل
(١) الإيمان ص ١١١ .
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وكذلك قول من زعم أنه يجوز للرجل
نكاح تسع حرائر مستدلا بقوله تعالى:
﴿فَتَكِحُوْ مَاطَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَلِّ مَثْنَى وَثُلَكَ
وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣].
فالمجموع تسع نسوة، قال الشاطبي:
((ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل، وأن معنى
الآية: فانكحوا إن شئتم اثنتین اثنتين، أو ثلاثًا
ثلاثًا، أو أربعًا أربعًا))(٤).
ومن ذلك قول من قال: إن المحرم من
الخنزير إنما هو اللحم وأما الشحم فحلال؛
لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم،
ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم
بخلاف الشحم فلا يطلق على اللحم لما
قال ما قال(٥).
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٦٧/٢.
(٣) البيت منسوب لعامر بن الطفيل، انظر: لسان
العرب، ابن منظور ١/ ٦٣.
(٤) الاعتصام، الشاطبي ٢/ ٥٦.
(٥) انظر: الكشاف ١٥٦/١، اللباب في علوم
الكتاب، ابن عادل ٢٧٦/٢.
www. modoee.com
١٤٣
حرف اللام
قال الشاطبي رحمه الله بعد أن ذكر
الأمثلة السابقة: ((فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف
يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك
يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه،
والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك؛
لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله
تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم من جاء
بعدهم ممن هو ليس بعربي اللسان تكلف
ذلك حتى علمه))(١)
ولهذا نجد أن العلماء اشترطوا فیمن أراد
تفسیر کتاب الله معرفته عدة أمور، منها:
١. معرفة أوجه اللغة.
وهو أمر ضروري في اختيار ما يناسب
النص، وقصر المعنى على الوجه المراد،
ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى:
﴿وَوَجَدَكَ ضَاَلَا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].
فإن لفظة: (الضلال) تقع على معان
كثيرة، فتوقع البعض أنه أراد بالضلال الذي
هو ضد الهدى، وزعموا أن الرسول صلى
الله عليه وسلم كان على مذهب قومه
أربعين سنة، وهذا خطأ فاحش؛ فقد طهره
الله تعالى لنبوته، وارتضاه لرسالته، ومن
سيرته صلى الله عليه وسلم ما يرد على
مزاعمهم؛ إذ سمي في الجاهلية الأمين،
وكانوا يرتضونه حكمًا لهم وعليهم، والله
سبحانه وتعالى إنما أراد بالضلال: الغفلة،
كما قال في موضع آخر: ﴿لَّايَضِلُّرَچِوَلَا
يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
فالمراد: الغفلة (٢) أي: لا يغفل سبحانه
وتعالى . وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
«هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة،
ثم رده إلى جده عبد المطلب، أو هو ضلاله
من حليمة السعدية مرضعته، أو يكون
المراد: أنه ضل في طريق الشام حين خرج
به عمه أبو طالب»(٣).
٢. معرفة الصيغ وما تدل عليه من معنى.
لئلا يؤدي ذلك إلى تفسير القرآن الكريم
بما لا يليق، أو فهم المعنى غير المراد، ومن
ذلك على سبيل المثال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ
لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وغير ذلك من الآيات التي ورد فيها
نفي الظلم عن الله سبحانه وتعالى بصيغة
(فعَّال)، ففي هذه الآية وما أشبهها وردت
لفظة (ظلام) بصيغة المبالغة، ومعلوم أن
نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله،
مثال ذلك قولك: زید لیس بنگار للإبل، لا
ينفي إلا مبالغته في النحر ولا ينفي أنه ربما
نحر بعض الإبل، ومعلوم أن المراد بنفي
المبالغة في الآيات هو نفي الظلم من أصله
عن الله سبحانه وتعالى.
(١) الاعتصام، الشاطبي ٢/ ٥٨.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٥٠/٥.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ٤٨٦.
١٤٤
الْقُرْآن الكَرِيْمِ
اللغة العربية
وأجيب عن ذلك بناءً على فهم اللغة
العربية وهو أن المراد نفي نسبة الظلم إليه
سبحانه ؛ لأن صيغة (فعَّال) قد جاءت في
اللغة العربية مرادًا بها النسبة، فأغنت عن
ياء النسب، ومثاله في لغة العرب قول امرئ
القيس (١):
وليس بذي رمح فيطعنني
وليس بني سیفٍ ولیس بنبال
أي: ليس بذي نبلٍ، وعلى هذا أجمع
المحققون من المفسرين واللغويين (٢).
٣. معرفة الأوجه الإعرابية.
فمما يجب معرفته للمفسر معرفة أوجه
الإعراب؛ لأن المعنى يتغير بتغير الإعراب،
ويختلف باختلافه، وعلى سبيل المثال لو أن
قارئًا قرأ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: ٤].
برفع (کفو) ونصب (أحد) لکان قد أثبت
کفوًا لله، تعالی عما يقولون علوًّا كبيرًا، بل
إن الحركة لها دور في المعنى ولو لم تكن
إعرابًا، ويدل على ذلك لزوم كسر الخاء في
قوله تعالى: ﴿هُوَ اْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣].
وكسر الواو في قوله تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ
الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤].
(١) انظر: ديوان امرئ القيس ص ٤٩.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٣١/٣،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٢١/٢،
روح المعاني، الألوسي ١٤٣/٤، أضواء
البيان، الشنقيطي ٧/ ١٤٠.
فإن فتحها يؤدي إلى معنى اعتقاده الكفر.
وكذلك فإن الإعراب له تأثير بَيِّنٌ في
الأحكام الفقهية وتوجيهها؛ فالمعاني
تختلف باختلاف وجوه الإعراب، ويختلف
الحكم تبعًا لذلك، وعلى سبيل المثال لو قال
شخص: فلان له عندي مائةٌ غیر درهم، برفع
(غير) لكان مقرًّا بالمائة كاملة؛ لأن غير هنا
صفة للمائة، وصفتها لا تنقص شيئًا منها(٣)،
ولو قال: له عندي مائةٌ غير درهم، بنصب
(غير) لكان مقرًّا بتسعة وتسعين درهمًا؛
لأنه استثناء، والاستثناء إخراج ما بعد حرف
الاستثناء من أن يتناول ما قبله.
ولو قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت
الدار، بكسر همزة (إن) لم تطلق حتى
تدخل الدار؛ لأن (إن) للشرط، ولو قال:
أنت طالق أن دخلت الدار بفتح همزة (أن)
وقع الطلاق في الحال؛ لأن معنى الكلام:
أنت طالق لأنك دخلت الدار؛ أي: من أجل
أنك دخلت الدار؛ فصار دخول الدار علة
طلاقها، لا شرطًا في وقوع طلاقها (٤).
بل إن الحکم یختلف باختلاف تصاريف
الكلمة؛ فلو أن رجلًا حلف ألا يلبس مما
غزلته فلانة، فلا يحنث إلا بما غزلته قبل
الیمین، ولو قال: مما تغزله فلا يحنث إلا
بالذي تغزله بعد اليمين، فلو قال: من غزلها
(٣) شرح المفصل، ابن يعيش ص١١.
(٤) انظر: معاني الحروف، الرماني ص ١٧٤،
شرح المفصل، ابن يعيش ص١٢.
www. modoee.com
١٤٥
حرف اللامر
دخل فيه الماضي والمستقبل(١).
٤. المعرفة بلغات العرب.
إذ من المعلوم أن لكل قبيلة لغتها،
وأفصح اللغات لغة قريش، إلا أن هناك
بعض الكلمات في القرآن جاءت على غير
لغة قريش، فقد أشكل على عمر بن الخطاب
رضي الله عنه معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذُهُرْ
عَلَى تَخُوُفٍ﴾ [النحل: ٤٧].
فقام في المسجد فسأل عنها، فقام
إليه رجل من هذيل فقال معناها: ((على
تنقص))(٢) أي: شيئًا فشيئًا.
بل إن تحديد الدلالة اللفظية قد يتوقف
عليها تقرير الحكم الشرعي؛ لأن الأسلوب
العربي في لغة القرآن الكريم يتميز بالتصرف
في فنون القول، وتكثر فيه الألفاظ التي تمثل
أکثر من معنی، ومن ذلك على سبيل المثال:
لفظة (اللمس) الواردة في قوله تعالى:
﴿لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣]. فمن
الفقهاء من حدد معنى (اللمس)
بالاتصال بالمرأة، ومنهم من حدده
بمعنى المس فقط(٣).
ومن ذلك أيضًا ما ورد في حديث
الرسول صلی الله عليه وسلم، فقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) الكوكب الدري، الإسنوي ص ٣٠٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/١.
(٣) انظر: المجموع، النووي ٢٨٢/٢، المغني،
ابن قدامة ١/ ٢١٩.
(أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا) (٤)،
قاله لنسائه، فحسبنه من الطول الذي
هو ضد القصر، فظنت سودة إحدى
زوجاته أنها المرادة، فلما ماتت زينب
رضي الله عنها قبلها علمن حينئذٍ أن
المراد بالطول هو الفضل والكرم،
وكانت زينب أكثرهن صدقة، وهذا
يوافق کلام العرب فهم يقولون: فلان
أطول يدًا في حالة الكرم(٥).
والمقصود أن القرآن قد وصف بأنه
عربي؛ لأنه نزل بلغة العرب، وخوطب
الناس بالعربية؛ لأن أمة العرب أفصح الأمم
لسانًا، وأسرعهم أفهامًا، وأقدرهم بيانًا،
وألمعهم ذكاءً، وأحسنهم استعدادًا لقبول
الهدى والرشاد؛ ولأن اللسان العربي أفصح
الألسنة، وأنفذها في نفوس السامعين،
وأحب اللغات للناس، فإنها أشرف وأبلغ
وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسی
عليه السلام، ومن اللغة التي تكلم بها
عيسى عليه السلام ودونها أتباعه أصحاب
الأناجيل؛ ولأنها لسان سهل وبين؛ ولهذا
جعلت وسيلة لتبليغ الخير للناس ودعوتهم
إلى الله، وقد ذكر جل وعلا أنه يسر هذا
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة، باب من فضائل زينب أم المؤمنين
رضي الله عنها، رقم ٢٤٥٢.
(٥) انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم،
للقاضي عياض ٧/ ٢٤٢.
١٤٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
اللغة العربية
القرآن بلسان هذا النبي العربي الكريم؛ ليبشر بكونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات
وفصاحة التراكيب، أي فصاحة الكلام،
وانتظام مجموعها بحیث یخِفُّ حفظها على
الألسنة.
به المتقین، وینذر به الخصوم الألداء، وهم
الكفرة، فقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ
لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّدًّا﴾
[مريم: ٩٧ ].
﴿فَإِنَّمَا يَتَرْنَهُ بِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ
وقال:
يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الدخان: ٥٨ ].
فالله تعالى هنا يخبر عن نعمته وهي أنه
يسر هذا القرآن الكريم بلسان النبي صلى
الله عليه وسلم ؛ ليحصل المقصود منه،
والانتفاع به ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾
بالترغيب في المبشر به من الثواب العاجل
والآجل (١).
وفي قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسْرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ إشارة
إلى أهمية اللسان الذي هو لسان النبي صلى
الله علیه وسلم، وهو کذلك لسان قومه،
يفهمون به ما يقوله لهم، ویحیط ھو کذلك
علمًا بما يقولون له، مما يفهم منه أن رسول
الله صلی الله عليه وسلم كان قد بلغ القمة
في فصاحة الكلام، ووضوح الخطاب، وقوة
الحجة.
ومعنى تيسير القرآن تيسير ألفاظه ومعانيه
وفهمه دون كلفة علی السامع ولا إغلاق،
کما یقولون: يدخل للأذن بلا إذن، وهذا
اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب
المعاني؛ فأما من جانب الألفاظ فذلك
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٠١.
وأما من جانب المعاني فبوضوح
انتزاعها من التراكيب، ووفرة ما تحتوي عليه
التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة
هي له، وبتولد معان من معان أخر، كلما
کرر المتدبر تدبره في فهمها، ووسائل ذلك
لا يحيط بها الوصف(٢). ومن أهمها إيجاز
اللفظ؛ ليسرع تعلقه بالحفظ، وإجمال
المدلولات؛ لتذهب نفوس السامعين في
انتزاع المعاني منها كل مذهب يسمح به
اللفظ والغرض والمقام، ومنها الإطناب
بالبيان، إذا كان في المعاني بعض الدقة
والخفاء، ويتأتى ذلك بتأليف نظم القرآن
بلغة هي أفصح لغات البشر، وأسمح ألفاظًا
وتراكيب، ووفرة المعاني، ويكون تراكيبه
أقصى ما تسمح به تلك اللغة، فهو خیار من
خیار من خیار.
ووصف الله القرآن بأنه أنزل حكمًا
عربيًّا، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا
عَرَبًا﴾ [الرعد: ٣٧].
أي: بلسان العرب؛ لتحكم به بینهم.
أو المراد بـ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي: محكمًا
متقنًا بأوضح الألسنة وأفصح اللغات؛ لئلا
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٦/١٣.
www. modoee.com
١٤٧
حرف اللام
يقع فيه شك واشتباه؛ وليوجب أن يتبع
وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده
ويناقضه من الأهواء (١).
ففي هذه الآية الكريمة ذكر فضيلتين
للقرآن الكريم:
فضيلة من جهة معانیه ومقاصده و هدایاته
وحكمه وأحكامه وتشريعاته، وهو المعبر
عنها بکونه
مَا﴾.
وفضيلة من جهة ألفاظه ومفرداته
عربيًّا
وتراكيبه، وهى المعبر عنها بكونه
أي: نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات
وأغناها وأجملها.
فحصل لهذا الكتاب كمالان؛ كمال من
جهة معانیه ومقاصده، وهو کونه
وكمال من جهة ألفاظه، وهو المكنى عنه
بكونه ﴿عَرَبًّا﴾، وذلك ما لم يبلغ إليه
كتاب قبله؛ لأن الحكمة أشرف المعقولات
فیناسب شرفها أن یکون إبلاغها بأشرف لغة
وأصلحها للتعبير عن الحكمة(٢).
ثم في كونه (عربيًا) امتنان على العرب
المخاطبین به ابتداءً، حيث إنه نزل بلغتهم،
فكان من الواجب عليهم أن يقابلوه بالفرح
والتسليم لأوامره ونواهيه، فهو الكتاب
الذي فيه شرفهم وعزهم.
وكأن في هذا تعريض بغباء مشركي
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤١٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٣/٤.
العرب، حيث لم يشكروا الله تعالى على
هذه النعمة، بل قابلوا من أنزل عليه هذا
القرآن بالعناد والعصيان (٣).
وإنما سمي القرآن حكمًا؛ لأن مشتمل
على جميع التكاليف والأحكام والحلال
والحرام، والنقض والإبرام؛ أو لأنه لما كان
القرآن سببًا للحكم جعل نفس الحكم على
سبيل المبالغة، أو لأن الله تعالى لما حكم
على جميع الخلق بقبول القرآن، والعمل
بمقتضاه سماه حكمًا لذلك المعنی (٤).
أو يكون الحكم هنا بمعنى: الحكمة،
كما في قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾
[مريم: ١٢].
وجعل نفس الحكم حالًا منه مبالغة،
والمراد: أنه ذو حكم، أي: حكمة(٥). أي:
يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه
الحكمة، مترجمًا بلسان العرب؛ ليسهل
عليهم فهمه وحفظه. وقيل: أراد بالحكم
العربي القرآن كله؛ لأنه يفصل بين الحق
والباطل ويحكم (٦).
أو المراد ب﴿حُكْمًا﴾ أي: مفصحًا عن
الأحكام، نحو: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبطِلَ الْبَاطِلَ
[الأنفال: ٨].
(٣) انظر: الوسيط، طنطاوي ٦/ ٣٩٤.
(٤) لباب التأويل، الخازن ٤ / ٩٥.
(٥) التحرير والتنوير ٦/ ٢٢٥.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣٢٦.
١٤٨
جَوَسُور
القرآن الكريم