Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
اللَعَبُ
عناصر الموضوع
مفهوم اللعب
٥٦
اللعب في الاستعمال القرآني
٥٧
الألفاظ ذات الصلة
٥٨
تنزيه الله تعالى عن اللعب
٦٠
أنواع اللعب
٦٣
وصف الحياة الدنيا باللعب
٦٨
من صور اللعب بالدين
٧٠
أسباب اللعب المحرم
٧٥
الموقف من اللاعبين بالدين
٧٩
٨٣
علاج اللعب
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف اللام
مفهوم اللعب
أولًا: المعنى اللغوي:
اللعب واللعب: ضد الجد، لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِبًا وَلَعْبًا، وَلَغَّبَ، وتَلاعَبَ، وتلعب مرة بعد
أخرى(١).
ويقال لكل من عمل عملا لا يجدي عليه نفعًا: إنما أنت لاعبٌ(٢).
قال الراغب: (أصل الكلمة اللعاب، وهو البزاق السائل، وقد لعب يلعب لعبًا: سال لعابه،
ولعب فلان: إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا، يلعب لعبًا واللعبة للمرة الواحدة،
واللعبة: الحالة التي عليها اللاعب، ورجل تلعابةٌ: ذو تلعبٍ، واللعبة: ما يلعب به، والملعب:
موضع اللعب)(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وردت تعاريف كثيرة ومتعددة للفظة (اللعب)، نذكر منها:
اللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع (٤).
اللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل(٥).
اللعب عمل يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به (٦).
اللعب: عملٌ أو قولٌ في خفةٍ وسرعةٍ وطيشٍ، ليست له غايةٌ مفيدةٌ، بل غايته إراحة البال،
وتقصير الوقت، واستجلاب العقول في حالة ضعفها (٧).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٧٣٩/١.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٥٣/٤، لسان العرب، ابن منظور، ٧٣٩/١، تاج
العروس، الزبيدي ٢٠٩/٤.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٤١.
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٥٠٠، الدر المصون، السمين الحلبي ١٥٠/١.
(٥) فتح البيان، القنوجي ٧٩/١٣.
(٦) روح البيان، إسماعيل حقي ٣/ ٥٠.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٣/٧.
٥٦
جوبيبو
القرآن الكريمِ

اللعب
اللعب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (لعب) في القرآن الكريم (٢٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٩
[يوسف: ١٢]
المصدر
٨
﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ
١٦
اسم الفاعل
٣
[الأنبياء: ١٦]
وجاء اللعب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ضد الجد (٢)، وهو أيضًا:كل
فعل لا يدل على مقصدٍ صحيح (٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص١١٢٩.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٣٩/١، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص ١٣٤.
(٣) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤٣١/٤.
www. modoee.com
٥٧
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ
١٢

حرف اللام
الألفاظ ذات الصلة
اللهو:
١
اللهو لغة:
قال ابن منظور: (اللهو: ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوّى وطربٍ ونحوهما.
واللهو: اللعب. يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوًا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت
به عن غيره. ولهيت عن الشيء، بالكسر، ألھی، بالفتح، لھیًا ولھیانًا إذا سلوت عنه وترکت
ذكره وإذا غفلت عنه واشتغلت)(١).
اللهو اصطلاحًا:
هو الشيء الذي يتلذذ به الإنسان فيلهيه، ثم ينقضي (٢).
وقيل: هو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعنى (٣).
وقيل: هو صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي (٤).
الصلة بين اللهو واللعب:
اللعب تقدیم شيء علی غیره من غیر إهمال للثاني إنما یأتي بعده، مثال ذلك من يقول:
بعد هذا الشغل، أشتغل بالعبادة والآخرة.
وأما اللهو فالاشتغال بشيء إلى حد الاستغراق فيه والإعراض عن غيره، فالدنيا للبعض
لهو يشتغل به، وينسى الآخرة بالكلية (٥).
وكلاهما فيه انشغال عن المهمات من الأعمال بأخرى ليست ذات أهمية.
وكلاهما يخلو من مقصد يحقق منفعة حقيقيةً في الحياة.
وآثارهما لا تدوم؛ بل هي سريعة الزوال.
العبث:
٢
العبث لغة:
يقول ابن فارس: (العبث، هو الفعل لا يفعل على استواءٍ وخلوص صوابٍ. تقول: عبث
(١) لسان العرب، ابن منظور ٢٥٨/١٥.
(٢) التعريفات، الشريف الجرجاني ص ١٩٤.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤٩٠/٣.
(٤) البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٢٢١.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ٧٩٩.
٥٨
القرآن الكريمِ

اللعب
یعبث عبثًا، وهو عابثٌ بما لا یعنیه وليس من باله)(١).
وقد عبث يعبث عبثًا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله(٢).
العبث اصطلاحًا:
أن تعبث بالشيء، وقيل: العبث: ما لا فائدة فيه يعتد بها، أو ما لا يقصد به فائدة(٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا
فائدةٌ تعود على الفاعل) (٤).
الصلة بين العبث واللعب:
العبث من مرادفات اللعب، ومعناهما متقارب جدًا، ولذا يفسر كل منها بالآخر.
الرتع:
٣
الرتع لغة:
قال الراغب الأصفهاني: (الرتع أصله: أكل البهائم، يقال: رتع يرتع رتوعًا ورتاعًا ورتعًا.
قال تعالى: ﴿يَتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]، ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير) (٥).
الرتع اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الرتع واللعب:
أن كلا منهما يدل على الحركة والنشاط والانبساط.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٥/٤.
(٢) العين، الفراهيدي، ٢/ ١١١، تهذيب اللغة، الأزهري، ١٩٩/٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٩٥/٥.
(٣) تاج العروس، الزبيدي ٢٩٥/٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٩٠.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٤١.
www. modoee.com
٥٩

حرف اللام
تنزيه الله تعالى عن اللعب
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِيِينَ ﴾ [الدخان: ٣٨].
قبل البدء بتنزيه الله عن اللعب، يجب
علينا الحديث عن صفة الحكمة لله تعالى؛
لأن پإثبات هذه الصفة لله تعالی ننزهه عن
اللعب والعبث.
والحكمة عبارةٌ عن معرفة أفضل الأشياء
بأفضل العلوم. ويقال لمن يحسن دقائق
الصناعات ویتقتها: حکیم(١).
الحكمة عند العرب، هي ما منع من
الجهل، وبذلك سمي الحاكم لمنعه
الظالم(٢).
والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خللٌ
ولا زللٌ(٣). أو هو العالم بوضع الأشياء في
مواضعها (٤).
والحكمة صفة من صفات الله عز وجل،
لذلك فإن الله تعالى لم يشرع حكما من
الأحكام، وما خلق شيئًا من المخلوقات
إلا له فيها حكمة عظيمة وغاية نبيلة، وهذه
الحكمة التي خلق الله تعالى لها الخلائق
مذكورة في كثير من الآيات في كتاب
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
٤١٩/١.
(٢) مشارق الأنوار، القاضي عياض ١/ ١٩٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٥٧٨.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢/ ٤٩٤.
جونير
القرآن الكريم
الله الكريم سواء كان بصريح العبارة أو
بالتضمين، وكذلك يدل عليها اسم الله:
الحکیم.
فـ (الحكيم) اسم من أسماء الله الحسنى
يدل على الكمال وأن الله تعالى لم يفعل
فعلا، ولم يخلق خلقا إلا له فيه حكمة
وغاية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله: (وقد أجمع المسلمون على أن الله
موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير
ذلك: فقال الأشاعرة والجهمية: الحكمة
ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها
على الوجه الذي أراده. ولم يثبتوا إلا العلم
والإرادة والقدرة. وهم قد أطلقوا ألفاظها،
ولكنهم لا يعنون بها معناها، بل يطلقونها
لأجل مجيئها في القرآن. وهم يثبتون أنه
مرید، وینکرون أن تكون له حكمة يريدها،
وأنه لم يخلق شيئًا لشيء، وأنكروا الأسباب
والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله
وأمره والحكم المقصودة بذلك. وقال
أهل السنة: بل هو حكيم في خلقه وأمره.
والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان
کذلك، لکان کل مرید حکیمًا)(٥).
والحكمة تناقض العبث واللعب،
وأصحاب العقول السليمة والفطرة يدركون
أن الله الخالق الموصوف بالحكمة لا بد
(٥) النبوات، ابن تيمية ٢ / ٩٠٤.
٦٠

اللعب
أن يكون وراء تنظيمه لهذا الكون، ووضع تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ
فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾
الإنسان فيه غاية وحكمة، وتعالت حکمته
أن یکون خلق هذا کله عبثًا.
[ص: ٢٧ - ٢٨].
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن تكوين
العالم وخلق السماوات والأرض وما بينهما
من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى
مؤسس على الحكم والغايات، ولم يأت
اعتباطا ولعبا ولهوا، فقال تعالى: ﴿ وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَحِينَ آ
[الأنبياء: ١٦]. يعني: ما خلقناهما عبثًا.
وفي آية أخرى يؤكد سبحانه على أن خلق
السماوات والأرض لم يكن عبثا بل كان
بالحق والجد، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ (٥) مَا خَلَقْتَهُمَّا
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ {
[الدخان: ٣٨-٣٩].
وقال: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
◌ِاَلَْقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْلَا
يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٢].
وأشار سبحانه وتعالى إلى أن الذي لا
یؤمن بالبعث والنشور شأنه شأن من لا یری
في خلق السماوات والأرض حكمة وغاية،
حتى لو لم يصرحوا بأن الله خلقهما باطلا،
ولكن لما أنكروا البعث والجزاء صار في
ظنهم خلقهما باطلا، حيث قال جل جلاله:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ
ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ( أَمْ
وفي آية أخرى يذكر لنا أن في خلق
السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار
علامات ودلائل على قدرة الله تعالى
وحکمته لمن كان ذا عقل ولب، من الذين
يذكرون الله على كل حال، ويتفكرون في
خلق السماوات والأرض وعجائب صنع
الله فيهما، فيقولون معتقدين ومعترفين:
ربنا وخالقنا ما خلقت هذا الكون والخلائق
باطلا وعبثا وخالیًا عن حكمة، أنت منزه من
أن يكون خلقك وفعلك عبئًا.
فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَالنَّارِ ﴾﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقد وبخ الله منكري البعث والحساب
علی تمادیھم في الغفلة، بأسلوب الاستفهام
الاستنكاري، فإنه يلزم من إنكارهم البعث
أن یکون خلق الناس مشتملا على عبثٍ
فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أَخْسَبُاَلْإِنسَنُّأَن
(٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦].
يَتْرَكَ سُدّى
www. modoee.com
٦١

حرف اللام
ثم نفى عن نفسه العبث فقال: ﴿فَتَعَلَى
اللَّهُ الْمَلِكُ اَلْحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
اَلْكَرِيرِ (٣)﴾[المؤمنون: ١١٦].
فالأدلة النقلية والعقلية تثبت بأن الله
تعالى منزه عن اللعب والعبث واللهو
والباطل.
وهنا قد ترد شبهة، وهي إن الله تعالى
يذم الحياة الدنيا في كثير من الآيات،
ويصفها بأنها لهو ولعب وزينة، ولا مَنْشِئ
لها غيره سبحانه. فإن كانت الحياة الدنيا
على هذا الوصف، وهي مخلوق لله تعالى،
فکیف التوفيق بين هذا وبين كون الله تعالى
لا يخلق عبثا؟
فالإجابة عن هذا من وجوه:
أولًا: على التقديم والتأخير مع الإضمار:
كأنه قال: اعلموا أن مَثَلَ الحياة الدنيا وزينتها
وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، كمثل
الغیث أعجب الكفار نباته، ثم یصیر إلى ما
ذکر حتى لا ينتفع به؛ فهكذا هي حال الحياة
الدنيا، والله أعلم.
ثانيًا: إنما الحياة الدنيا على ما هي عند
کثیر من الناس لهو ولعب و لأنهم لا يعرفون
من الدنيا إلا التمتع والتزين والتفاخر
والتكاثر، وكذا الذين لا يؤمنون بالبعث على
ما يظنون أن الحياة الدنيا لم تكن إلا للإفناء
والإهلاك، وعلى هذا الظن تكون لهوا ولعبا
التوحید فهي حكمة وحق وصواب، وارتقاء
بسبب العبادة إلى المراتب العليا عند الله،
والفوز بالجنة.
ثالثًا: لو أن الحياة الدنيا قوبلت بحياة
الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت
على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب،
والآخرة على الدوام والبقاء، كما قال
تعالى: ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ
أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].
فالآخرة باقية، والدنيا فانية. فالحياة الدنيا
-مقارنة بالآخرة- قليل جدا، وفي القرآن
الكريم إشارات كثيرة إلى هذه الحقيقة،
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا
لَِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٢].
وقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَالَكُمْ
إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى
الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ
الْآَخِرَةُ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا فِ
الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ ﴾ [التوبة: ٣٨].
وقوله: ﴿وَمَا لَلَوَةُ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلَّا
[الرعد: ٢٦].
وقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّ إِلَّا لَهْوٌّ
وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وقوله: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا
وعبثا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ
٦٢
جوبيـ
القرآن الكريم

اللعب
[غافر: ٣٩].
رابعًا: أو يقال: إن من جعل الحياة الدنيا
للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا، ومن جعل
الحياة الدنيا زادا للآخرة وبُلْغَةً إليها، فهي
ليست بلعب، وهو ما قال تعالى: ﴿مَثَلُ
مَا يُتْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ
رِيج فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ
فَأَهْلَڪَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ
(١٧) ﴾ [آل عمران: ١١٧].
أخبر أن الإنفاق للدنیا کمثل ربح فیھا صر
- البرد الشديد-، شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته
جائحة أو أصابته ربح باردة فأهلكته.
وقال في النفقة التي تكون في الدنيا
الحياة الآخرة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِىِ
مُّ سُتَبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ
وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
والله أعلم (١).
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٩/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
أنواع اللعب
أولًا: اللعب المباح
إن المتتبع والناظر في الآيات التي ذكر
فيها (اللعب، ومشتقاتها)، يجد أن اللعب
لیس بمذموم علی إطلاقه، بل من اللعب ما
هو مباح، كما في قوله تعالى، في قصة نبي
الله يوسف عليه السلام، ذاكرا قول إخوة
يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام وطلبهم
منه أن يرسل معهم أخاهم يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ
مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَّهُ، لَحَفِظُونَ
﴾ [يوسف: ١٢].
فقد ذكر المفسرون أن المراد باللعب
المذكور في هذه الآية هو اللعب المباح،
وهو مجرد الانبساط لانشراح الصدر،
والاستجمام ورفع السآمة، أو هو اللعب
الذي يتعلمون به الحرب ویتقوون به علیه،
فقد كان أكثر لعب أهل البادية بالاستباق
والانتضال والرمي بالعصى والسهام
ونظائرها، مما يعد من باب التأهب للغزو
أو رد العدو. بدليل: ﴿قَالُواْ يَتَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا
نَسْتَبِقٌ﴾ [يوسف: ١٧].
ولم يكن هذا من اللعب المحظور
الذي هو ضد الحق وقرین اللهو، والدليل
على ذلك: أن يعقوب عليه السلام لم ينكر
عليهم لما قالوا: ونلعب-وفقا لقراءة أهل
البصرة- وإنما سماه لعبًا؛ لشبهه به، وإنه في
www. modoee.com
٦٣

حرف اللامر
صورته(١).
ويلاعب أهله ليسكن ما به وبها. وهذا
ونسبة اللعب - على جميع الاحتمالات- كله وإن كان مُلْهيًا، فهو في الأصل حق.
إلى يوسف لا حرج فيها؛ لأن يوسف حينها وإنما رخص للمؤمن في التلهي بهذا؛ لأن
کان صبيا، ولم یکن نبیا بعد.
وفي السنة النبوية الشريفة ما يدل على
اللعب أو اللهو المباح، فعن عقبة بن عامر الأشياء التي هي في الأصل حق حتى يكون
عن رسول الله صلی الله عليه وسلم: (کل
ما يلهو به الرجل المسلم باطلٌ، إلا رميه
بقوسه، وتأدیبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن
من الحق)(٢).
وإنما أبيحت هذه الثلاثة الأنواع؛ لأن
في هذه الثلاثة عونا علی الدین وقواما له،
فالرجل يرمي بقوسه؛ لئلا تذهب عادته
للرمي، ولا
أعضاؤه ومفاصله
یتشنج
وكتفاه، ويؤدب فرسه؛ لئلا يجمح، ولا
یکون مستولیا على النزع منه.
ويتعلم الفروسية؛ لئلا ينقطع عنه
شجاعته، ويكون جريئا ذا قلب. فإذا ترك
ذلك ضعف قلبه وجبن.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٤٨/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٤/٣، تفسير
العز بن عبد السلام ١١١/٢، غرائب القرآن،
النيسابوري ٤ /٦٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب
في الرمي، رقم ٢٥١٣، والنسائي في سننه،
كتّاب الخيل، باب تأديب الرجل فرسه، رقم
٣٥٧٨، والترمذي في سننه، كتاب فضائل
الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل
الله تعالى، رقم ١٦٣٧.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قلبه في أثقال العظمة، فإذا دام عليه ضاق
به والتمس تفريجا وتخفيفا، فيلجأ إلى هذه
مزاجا للمؤمن (٣).
وقد رأى جماعة من العلماء في مفهوم
كلمة: (باطل)، في الحديث المذكور آنفا، أن
الکلمة هذہ لا تدل على تحريم ما سوى تلك
الثلاثة، فقال ابن حجر العسقلاني: وإنما
أطلق على ما عداها البطلان من طريق
المقابلة، لا أن جميعها من الباطل
(٤)
المحرم(٤).
وقال الهروي والمباركفوري: في
معنی:( باطل): لا ثواب له)(٥).
وقال الشوكاني: قال الغزالي: قلنا قوله
صلی الله عليه وسلم: (فهو باطلٌ) لا يدل
علی التحریم، بل يدل على عدم فائدة انتھی.
وهو جوابٌ صحيحٌ؛ لأن ما لا فائدة فيه من
قسم المباح، على أن التلهي بالنظر إلى
الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله
عليه وسلم كما ثبت في الصحيح خارجٌ عن
(٣) انظر: نوادر الأصول، الحكيم الترمذي
٢٣٥/٤.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٩١.
(٥) انظر: مرقاة المفاتيح، الهروي ٢٥٠٢/٦،
تحفة الأحوذي، المباركفوري ٢١٩/٥.
٦٤
جوبيو
القرآن الكريم

للعب
تلك الأمور الثلاثة)(١).
و عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت
جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاریین
يرميان قال: فأما أحدهما فجلس فقال له
صاحبه: أکسلت؟قال: نعم فقال أحدهما
للآخر: أما سمعت رسول الله صلى الله
علیه وسلم يقول:(کل شيءٍ ليس من ذکر
الله فهو لعبٌّ، لا يكون أربعةٌ: ملاعبة الرجل
امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل
بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة)(٢).
وهناك أنواع من اللعب المباح، منها
مثلًا: المسابقة، فقد سابق النبي صلى الله
عليه وسلم عائشة مرتين، سبقته في الأولى
وسبقها في الثانية، عن عائشة، رضي الله
عنها، (أنها كانت مع النبي صلى الله عليه
وسلم في سفرٍ قالت: فسابقته فسبقته على
رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني
فقال: (هذه بتلك السبقة)(٣).
وسابق النبي صلى الله عليه وسلم بناقته
(١) نيل الأوطار، الشوكاني ١١٨/٨.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، باب
ملاعبة الرجل زوجته، رقم ٨٨٨٩.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٨٣٣، رقم ٤٥٣٤.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣١٣/٤٣، رقم
٢٦٢٧٧، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد،
بابٌ في السبق على الرجل، ٢٩/٣، رقم
٢٥٧٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٧٥/٢، رقم ٢٣٤٤.
العضباء فسبقت، عن أنسٍ رضي الله عنه
(كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقةٌ تسمى:
العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابيّ على
قعودٍ له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمین،
وقالوا: سُبِقَتِ العضباءُ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن حقًّا على الله أن
لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه) (٤).
و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم
یرخص في اللعب المباح کما رخص صلى
الله عليه وسلم للحبشان، وأذن لعائشة النظر
إلیھم.
عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلی
الله عليه وسلم جالسًا فسمعنا لغطًا وصوت
صبيانٍ، فقام رسول الله صلى الله عليه
وسلم فإذا حبشيةٌ تزفن والصبيان حولها،
فقال: (يا عائشة تعالي فانظري). فجئت
فوضعت لحيي علی منکب رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين
المنكب إلى رأسه، فقال لي: (أما شبعت،
أما شبعت). قالت: فجعلت أقول: لا؛ لأنظر
منزلتي عنده إذ طلع عمر، قالت: فَارْفَضَّ
الناس عنها. قالت: فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إني لأنظر إلى شياطين
الإنس والجن قد فروا من عمر) قالت:
فرجعت)(٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب التواضع، رقم ٦٥٠١.
(٥) أخرجه الترمذي، أبواب المناقب، باب في
www. modoee.com
٦٥

حرف اللامر
ومن هنا يتبين لنا أن الإسلام أباح أنواع شيء من العورة، وأن لا تكون على عوض
من مال، أو منفعة دنيوية.
اللعب التي تفيد الذهن أو الجسم، أو ترفع
عنهما السآمة والملل، أو تعيد إليهما النشاط
والحيوية بشرط ألا تكون في هذا اللعب
مخالفة شرعية أو إهدار للوقت فیما لا فائدة
فيه، وأن لا يتضمن ضررا، ولا يكون فيه
خسة ودناءة لا يليق بصاحب المروءة، ولا
يشغل عن الواجبات والفرائض(١).
قال العيني: إذا لم يشغله، أي: اللعب عن
طاعة الله يكون مباحا، وعليه أهل الحجاز.
لا یری أن الشارع أباح للجاریتین یوم العید
الغناء في بيت عائشة من أجل العيد، كما
مضى في كتاب العيدين، وأباح لها النظر إلى
لعب الحبشة بالحراب في المسجد؟(٢).
ومن اللعب المباح الألعاب الرياضية
التي تنشط البدن وتقوي الروح، وتساعد في
علاج بعض الأمراض، بشرط أن لا تؤدي
إلى إضاعة الصلاة أو أي فرض آخر، وأن لا
تتسبب في حصول الحقد والكره والبغضاء
والعداوة بين اللاعبين، وأن لا ينكشف فيها
مناقب عمر بن الخطاب ٦٢١/٥، رقم
٣٦٩١.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
غريبٌ من هذا الوجه.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٨١٩/٧.
(١) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٦/ ٢٠٦، فقه
السنة، سيد سابق ٥١٤/٣، الموسوعة الفقهية
الكويتية ٢٦٨/٣٥.
(٢) عمدة القاري، العيني ٢٧٣/٢٢.
قال ابن القيم الجوزية: والرياضة
المعتدلة، هي التي تَحْمَرُّ فيها البشرة وتربو،
و یتندی بها البدن، وأما التي يلزمها سيلان
العرق فمفرطة. وأي عضو كثرت رياضته
قوي فإن من استكثر من الحفظ قويت
حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته
المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه وأما
ركوب الخيل ورمي النشب والصراع،
والمسابقة على الأقدام، فرياضة للبدن
كله، وهي قالعة لأمراض مزمنة، كالجذام،
(٣)
والاستسقاء، والقولنج
٠
اللعب الحرام:
الإسلام دین جاد، یرید من المسلمين أن
یکونوا جادین في کل الأمور والشؤون، ولو
تأملنا في أنواع اللعب التي أباحها الإسلام
لرأينا أنها تحقق مقصدًا من مقاصد الشريعة،
وحد الإسلام لها حدودها ضمن ضوابط
وقواعد معينة، مثل: خلوها من المحرمات،
وأن لا يفضي إلي ترك الواجبات، ولا إلى
بث العداوة والكراهية والبغضاء والفساد، و
فإذا أخل بهذه الضوابط والشروط تحول من
الحل إلى الحرمة.
فقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ
(٣) الطب النبوي، ابن القيم ص ١٨٦ .
٦٦
القرآن الكريم

اللعب
◌َيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ
وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾
[التوبة: ٦٥].
فيه إشارة إلى أن نوعا من اللعب يؤدي
إلى الكفر، وهو اللعب على وجه الاستهزاء
بالله وبالقرآن وبالرسول صلى الله عليه
وسلم.
فقد روي عن قتادة في قوله تعالى:
وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا
تَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ [التوبة: ٦٥].
قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في
غزوة تبوك ور کب من المنافقین یسیرون بین
يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم
وحصونها، فأطلع الله نبيه صلی الله عليه
وسلم على ما قالوا، فقال: (علي بهؤلاء
النفر) فدعاهم فقال: (قلتم كذا وكذا؟)
فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب (١).
(١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٣٤ ..
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ /٩٥.
فاللعب الذي يؤدي إلى الكفر أو
ارتكاب محرم، أو تضییع واجبٍ، یکون
حراما، وسياق الآيات القرآنية التي وردت
فيها مادة: (لعب) ومشتقاتها كلها وردت في
سياق الذم والتقبيح إلا ما وردت في سورة
(يوسف الآية: ١٢)، وإن أغلبها مقترنة
بألفاظ تدل على الذم مثل: اللهو، والهزء،
والخوض.
عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (کل ما يلهو به الرجل
المسلم باطلٌ، إلا رمیه بقوسه، وتأدیبه فرسه،
وملاعبته أهله، فإنهن من الحق)(٣).
قال الكاساني الحنفي: واللعب حرامٌ
في الأصل إلا أن اللعب بهذه الأشياء
صار مستثنى من التحريم شرعًا، واستثنى
الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة فبقيت
الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم (٤).
وقال الخطابي: إن جميع أنواع اللهو
يقول الفخر الرازي: (إِنَّهُ تعالى بين أن
ذلك الاستهزاء كان كفرًا، والعقل يقتضي أن
الإقدام على الكفر لأجل اللعب غير جائزٍ،
فثبت أن قولهم: إنما كنا نخوض ونلعب
ما كان عذرًا حقيقيًّا في الإقدام على ذلك
الاستهزاء، فلما لم یکن ذلك عذرًا في نفسه
الكلام الباطل واجبٌ (٢).
محظورة، وإنما استثنی رسول الله صلى الله
عليه وسلم هذه الخلال من جملة ما حرم
منها؛ لأن كل واحدة منها إذا تأملتها وجدتها
معينة على حق، أو ذريعة إليه، ويدخل في
معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح، والشد
نهاهم الله عن أن يعتذروا به؛ لأن المنع عن على الأقدام، ونحوهما مما يرتاض به
الإنسان، فيتوقح بذلك بدنه، ويتقوى به
(٣) سبق تخريجه.
(٤) بدائع الصنائع، الكاساني ٦/ ٢٠٦.
www. modoee.com
٦٧

حرف اللام
علی مجالدة العدو. فأما سائر ما يتلهى به
البطالون من أنواع اللهو كالنرد، والشطرنج،
والمزاجلة بالحمام، وسائر ضروب اللعب،
مما لا يستعان به في حق، ولا يستجم به
لدرك واجب، فمحظور کله(١).
وصف الحياة الدنيا باللعب
إن الله تعالى وصف الدنيا باللهو
واللعب في كثير من الآيات، وبأسلوب
القصر؛ ليُفْهِم الخلق أن الدنيا مهما تزينت
لأصحابها، وطال عمر الإنسان فيها، ومهما
اجتمع للإنسان فيها من أسباب الغنى
والثروة، ومهما كثر متاعها وزخرفها، فهي
لا تعدو أن تكون لهوا ولعبا، وأنها لا تعدل
عند الله جناح بعوضة، وأن الدار الآخرة
خير منها.
وقد اختلف العلماء في المراد من
الحياة الموصوفة باللعب واللهو في قوله
تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَحِبُّ وَلَهْوٌ﴾
[الأنعام: ٣٢].
على قولين:
الأول: المراد منها حياة الكافر
والمشرك، لأن حياة المؤمن يكثر فيها
الأعمال الصالحة ويتقرب فيها إلى الله
تعالی فهي مزرعتها لآخرته، وعلیھا یئاب
بأجزل الثواب، وأعظم الجزاء. ويقل فيها
اللغو والباطل، فلا توصف حياته باللعب
واللهو. وأما الكافر فإن كل حياته في الدنيا
ويال عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما:
يريد حياة أهل الشرك والنفاق(٢).
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٥١٥، لباب
التأويل، الخازن ١٠٨/٢، اللباب في علوم
الكتاب، ابن عادل ٨/ ١٠٦، غرائب القرآن،
٦٨
(١) معالم السنن، الخطابي ٢٤٢/٢.
صَوَبُو حَرَ النَفسِيكِالوَصوي
القرآن الكريم

اللعب
والحياة في ذاتها غير مذمومة، بل في
الحياة حكم عظيمة، يكفيها أنها من خلق
الله، ليبلو بها بني آدم.
قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَّوَةَ
◌ِبْلُوَكُمْ أَبُّكٍُ أَحْسَنُ عَمَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[الملك: ٢].
ومعلوم أن لله تعالى حكمة في خلق كل
مخلوقاته، ولم يخلق عبئًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَاْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٦].
فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة
الدنيا غير مذمومة على إطلاقها من غير قيد،
بل المراد أن من لم يستخدم هذه الحياة الدنيا
في طاعة الله، بل صرفها إلى طاعة الشيطان
ومتابعة الهوى فذاك هو المذموم (١).
ومن خلال استقراء كلمة اللعب في
القرآن الكريم يتبين لنا أن حياة المؤمن التقي
والعالم حياة جد وعطاء، وليس حياة لهو
ولعب وغفلة وعبث. لننظر إلى الآيات التي
ورد فيها وصف الحياة الدنيا باللعب واللهو،
كيف يصف الدار الآخرة ويحدد أهلها، في
إشارة إلى أن لكل منهما أهلها.
قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاَ إِلََّ لَعِبٌ
وَلَهْوٌّ وَلَكَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ( ٣٢).
[الأنعام: ٣٢].
النيسابوري ٦٩/٣.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٥١٥.
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوَّ وَإِن
تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِّكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلَكُمْ أَمْوَلَكُمْ
٣٦
[محمد: ٣٦].
وقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّا إِلَّا لَهْوٌ
وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ
﴾ [العنكبوت: ٦٤].
٦٤
كَانُواْ يَعْلَمُونَ ◌َ
ففي هذه الآيات إشارة إلى أن المتقين
والعالمين بالحقائق لا يعنيهم أمر اللعب
واللهو في شيء، وأنهم بعيدون عنه كل
البعد، وهم في طاعة مستمرة ابتغاء مرضاة
الله تعالی.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ
عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
﴾ [القصص: ٥٥].
00
لَا نَبْتَغِى الْجَِهِلِينَ {
الثاني: أنها تشمل حياة المؤمن والكافر،
فهي عامة؛ لأن الإنسان مسلمًا كان أو
كافرًا، يلتذ باللعب واللهو، ثم عند انقضائه
وانتهائه، تحصل له الحسرة والندامة؛ لأن
اللذة الحاصلة من اللعب واللهو سريعة
الزوال لا بقاء لها (٢).
ووجه تسمية الحياة الدنيا باللعب
واللهو؛ لأن مدتها قليلة سريعة الانقضاء
والانتهاء، كمدة اللعب واللهو؛ ولأن
الإنسان في كثير من الأحيان يقع في المكاره
والمتاعب بسبب الانشغال باللهو واللعب،
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٨/ ١٠٦، غرائب القرآن، النيسابوري ٦٩/٣.
www. modoee.com
٦٩

حرف اللام
كذلك الحال لمن انشغل بملذات الدنيا.
أو لأن اللعب واللهو إنما يحصل للصبيان
والمغفلين. وأما العقلاء والنبلاء فقلما
يحصل لهم خوضٌ في اللعب واللهو
وكذلك الالتذاد بطيبات الدنيا لا يحصل إلا
للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور (١).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥١٥/١٢،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠٦/٨.
من صور اللعب بالدين
ذكرت في القرآن الكريم بعضا من صور
اللعب بالدين. نذكر جلها ضمن النقاط
الآتية:
أولًا: اللعب بالآيات:
قال تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْدِينَهُمْ
لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ:
أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ نَا مِن دُونِ
اللَّهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدٍْ لَّا
يُؤْخَذْ مِنْهَاً أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواً
لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: ٧٠].
في هذه الآية الكريمة يخاطب الله تعالى
نبيه الكريم أن يذر ويترك الذين اتخذوا دينهم
لعبا ولهوًا، واغتروا بمباهج الحياة الدنيا
وزخارفها ومتاعها ولذائذها، ووأمره أن
یذکر الناس بالقرآن، کی لا ترتھن أو تحبس
نفس بذنوبها وتصبح رهينة ما كسبت،
في يوم ليس لها غير الله ناصر ينقذها من
العذاب، ولا شافع يشفع لها عنده، ولا فدية
تنفعها.
والأمر بترك هؤلاء يعني: عدم المبالاة
بتكذيبهم واستهزائهم، أو هو تهديد لهم،
فهو كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
(١) [المدثر: ١١].
أو المراد به ترك معاشرتهم ومخالطتهم
٧٠
◌َ النَّسَبـ
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

للعب
لا ترك الإنذار والتخويف؛ لأن هذا یناقض
مهمة ما جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ
بِهِ﴾ (١).
وفي المراد بدينهم الذي اتخذوه لعبا وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ )﴾
ولهوًا وجوه(٢):
أولًا: دين الإسلام، فإنهم كلفوا وأمروا
به، فاستهزؤوا به.
ثانيًا: اتخذوا ما هو لعبٌ ولهوٌ من عبادة بأن يستمر بتذكير هؤلاء وغيرهم بالقرآن
الكريم ولا يبالي باستهزائهم وتعنتهم.
الأصنام وغیرها دینًا لهم.
ثالثًا: اتخذوا أعيادهم لعبًا ولھوّا.
رابعًا: الملة، أي ما يتدینون به وينتحلونه
ويتقربون به إلى الله.
والذي يبدو لي أن تفسیر الدين بالإسلام
الذي أخذ جل تعاليمه وأحكامه من القرآن
والذي كان المشرکون یستهزؤن به، يتناسب
مع سياق الآيات السابقة، فإن الله تعالى
خاطب نبيه محمدًا صلی الله عليه وسلم
في حق الذين يخوضون في آيات الله من
الكافرين والمشركين فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٦/٢، لباب
التأويل، الخازن ١٢٣/٢، البحر المديد، ابن
عجيبة ٢/ ١٣١، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٩٥/٧.
(٢) انظر: درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب
الإسكافي ٥١٨/٢، مفاتيح الغيب، الرازي
٢٤/١٣، لباب التأويل، الخازن ١٢٣/٢،
فتح القدير، الشوكاني ١٤٧/٢، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٩٥/٧.
الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَاَلِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ
فِي حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلَا نَقْعُدْ
بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ وَمَا
عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ
[الأنعام: ٦٨-٦٩].
ثم أمره بأن يذر الذين يتخذون دينهم لعبًا
ولهوًا، وغرتهم الحياة الدنيا بزينتها، ثم أمره
وعلى هذا يكون المراد بالاسم
الموصول (الذين) في قوله تعالى: ﴿ وَذَرِ
الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا﴾ الكفار
الذين يخوضون في آيات الله(٣) :وقد قيل:
إن الكفار كانوا إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا
عند سماعه(٤):
وقد فسر كل من الواحدي (٥)،
والبغوي (٢)، وابن عادل (٧)، والألوسي (٨)
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا
وَلَهُوَا﴾ بالكفار الذين إذا سمعوا آيات الله
استهزؤوا بها وتلاعبوا عند ذكرها.
(٣) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٥٠/٣.
(٤) لباب التأويل، الخازن ١٢٣/٢، روح البيان،
إسماعيل حقي ٣/ ٥٠.
(٥) الوسيط في تفسير القرآن المجيد، الواحدي
٢٨٦/٢.
(٦) معالم التنزيل، البغوي ١٣٣/٢.
(٧) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢١٢/٨.
(٨) روح البيان، إسماعيل حقي ٥٠/٣.
www. modoee.com
٧١

حرف اللام
يقول الخطيب الإسكافي: (فهؤلاء قوم لا يعقلون، وإنما نفى عنهم العقل؛ لأن
لعبهم واستهزاءهم هذا من أفعال السفهاء
والجهلة، فكأنه لا عقل لهم، أو لأنهم لم
ينتفعوا بعقولهم في أمور دينهم(٣).
حضروا النبي وسمعوا القرآن، وعبثوا عند
سماعه ولعبوا بآیاته، وأجروها مجری أفعال
يستروح إليها، ولا نفع في عقباها، ثم شغلوا
بدنياهم عن تدبرها وألهتهم حلاوتها عن
الفكر في صحتها)(١).
وأما كيفية اتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا
فإنهم بنوا أمر دينهم على التشهي، وتدينوا
بما ليس فيه فائدة ونفع، كعبادتهم للأصنام،
أو أن أعمال دينهم لم تكن واقعة موقعًا مما
يرضي الله تعالى. فكانت إما صرفًا للوقت
بعض الشؤون فيكون لهوَا (٢).
ثانيًا: الشعائر الدينية:
ذكر الله سبحانه وتعالى نوعًا من اللعب
الحرام، وهو اللعب والاستهزاء بالصلاة
والنداء إليها، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
أَخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
[المائدة: ٥٨].
٥٨
أي: إذا أذن المؤذن للصلاة، فسمعه
الكفار استهزءوا به. وإذا رأوهم يصلون
ورأوا رکوعهم وسجودهم استهزءوا بذلك
أيضا. وكان استهزاؤهم بسبب كونهم قوم
(١) درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي
٥١٨/٢.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ١٣١/٢، تفسير
المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٤٣٢.
فقد أخبر الله تعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم عن سفه الكافرين والمشركين
فيما صنعوا من السخرية والاستهزاء حين
سماعهم الأذان ومشاهدتهم الصلاة.
فقد ذكر المفسرون عددًا من الروايات
في سبب نزول هذه الآية، منها:
عن السدي: كان رجل من النصارى
فيما لا نفع فيه فيكون لعبًا، وإما شاغلة عن بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: ((أشهد أن
محمدًا رسول الله))، قال: ((حرق الكاذب))
فدخلت خادمة ذات ليلة من الليالي بنار،
وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة
فأحرقت البیت، فاحترق هو وأهله(٤)
وقال الكلبي: كان منادي رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة
وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا
لا قاموا وصلوا لا صلوا، ويضحكون على
طريق الاستهزاء فأنزل الله هذه الآية (٥).
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٥٤٧/٣، الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٥٠،
مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٤٥٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣٢/١٠، تفسير
ابن أبي حاتم ٤ / ١١٦٤.
(٥) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢١٠/٢،
زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٥٦٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٤/٦، الدر
٧٢
جوية
القرآن الكريم

اللعب
وقيل: كان المنافقون يتضاحكون بوجه عام(٣).
ويتغامزون عند القيام إلى الصلاة تنفيرًا
للناس عنها (١).
وقال آخرون: إن الكفار لما سمعوا
الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على
ذلك، فدخلوا على رسول الله صلى الله
علیه وسلم فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئًا
لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية. فإن
كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت
من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في
هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء
والرسل قبلك، فمن أين لك صباح كصياح
العنز؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من
أمر. فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
وهذه الآية توكيد للآية السابقة وبيان
لمن اتخذ الدين هزوًا ولعبًا.
قال تعالى: ﴿يَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اَخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
◌َبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَتَّقُواْ الَّ إِنَّكُ مُؤْ مِنِينَ (
[المائدة: ٥٧].
فقد بين استهزاءهم بحكم خاص من
أحكام الدين، بعد ذكر استهزائهم بالدين
المنثور، السيوطي ٣/ ١٠٧.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٨/١٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٤/٦.
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص ٢٠١،
غرائب القرآن، نظام الدين النيسابوري
٦٠٧/٢.
وعلى هذا فتأخذ هذه الآية حكم سابقتها
في عدم جواز موالاة من استهزأ بالأذان
والصلاة، وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأنهم
بفعلهم هذا قد كفروا.
ثالثًا: الأنبياء وأتباعهم:
من صور اللعب بالدين هو الاستهزاء
بالرسل وورثتهم من العلماء والدعاة، وهذه
العادة قديمة معروفة عبر القرون.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى
شِيَعِ الْأَوَِّينَ * وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ
بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ ﴾ [الحجر: ١٠ - ١١].
أي: لقد أرسلنا قبلك رسلاً إلى أمم قد
مضت من قبل، وما أتى رسولٌ أمةً إلا كذّبوه
واستهزءوا به. فهذا دأب الأمم المكذبة
الرسلها عبر التاريخ.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث
عن الاستهزاء بالرسل، منها: ﴿وَلَقَدِ
أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴾
[الأنعام: ١٠].
و﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ شِيَحِ
الْأَوَِّينَ ﴿ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ.
[الحجر: ١٠ - ١١].
١١
يَسْتَهْزِءُونَ
(٣) انظر: تفسير السمعاني ٤٨/٢، إرشاد العقل
السليم، أبو السعود ٥٣/٣، محاسن التأويل،
القاسمي ٤ / ١٧٧.
www. modoee.com
٧٣

حرف اللامر
و﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ
إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ مَحْنُونَ ﴾﴾ [الذاريات: ٥٢].
و﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَتَّخَذُوَاْ ءَايَِّى
وَرُسُلِى هُزُوًا ﴾ [الكهف: ١٠٦].
والرسل الكرام عليهم السلام تعرضوا
للسخرية والاستهزاء، فصبروا وتحملوا،
ولم یترکوا دعوة أقوامهم إلى الله تعالی،
وكان نتيجة استهزاء هؤلاء الأقوام الهلاك
والخسران.
واللعب على وجه الاستهزاء بالعلماء
والقراء وأهل الخير والصلاح بمثابة
الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، كما ورد
في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ
الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَبِّتُهُم
بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا
تَحْذَّرُونَ ﴿ وَلَيِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ،
وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
٦٥
[التوبة: ٦٤-٦٥].
عن عبد الله بن عمر قال: (قال رجل في
غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا
هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا
أجبن عند اللقاء فقال رجل في المجلس:
كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى
الله عليه وسلم ونزل القرآن. قال عبد الله
ابن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول
الله صلی الله عليه وسلم تنكبه الحجارة،
وهو يقول: (يا رسول الله، إنما كنا نخوض
ونلعب)، ورسول الله صلی الله عليه وسلم
يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) (١).
ففي هذا بيان أن الإنسان قد يكفر
بكلمة يتكلم بها، أو بفعل يفعله، ومن ذلك
الخوض واللعب في الباطل الذي يؤدي
إلى الاستهزاء بالله والقرآن والرسول،
وكذا المؤمنين على وجه العموم وأهل
العلم على وجه الخصوص. وقد وصف
الله من كان هذا شأنه بالمجرم، وأن عمله
هذا يجعله كافرا، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ () وَإِذَا
مَرُواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ { وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمُ
أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ { وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ
٣٢
وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ (٢)
لَضَّأَلُونَ {
قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
٣٤
[المطففين: ٢٩-٣٤].
ومن الأدلة على أن الاستهزاء والسخرية
بالمؤمنین من شأن أهل النار، فعندما ينادي
أهل النار قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا
١٠٧) ﴾ [المؤمنون: ١٠٧].
فَإِنَّا ظَالِمُونَ ®
يقول الله تعالى جوابًا لهم: ﴿قَالَ
إِنَّهُ، كَانَ فَِقٌ مِّنْ
أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ()
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٤/١٤،
الكشف والبيان، الثعلبي ٦٥/٥.
٧٤
جوي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ