Indexed OCR Text
Pages 21-40
اللهی
﴿الَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ حَّ زُرٌْ
تعالى:
الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢].
ووصف الله تعالى، أن كل ما من شأنه
الزينة لا ديمومة له، فهو غرور يمر ولا يبقى،
كالهشيم المتكسر، فقال تعالى: ﴿أَعْلَمُوا
أَنَّمَا الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ
وَتَكَاثُرٌ فِ اَلْأَمَوَلِ وَالْأَوْلَدِ كُمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ
اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُمُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ
حُطَمَّاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانٌ وَمَا الْمَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾
[الحديد: ٢٠].
وفصل سبحانه وتعالى، في أكثر من
موضع في القرآن الكريم، أن المال ليس هو
السبيل النافع والمنجي يوم القيامة، فقال
تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدََّ﴾ [الليل: ١١].
ويوم القيامة يخاطب أهل النار
بالقول: ﴿قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨].
وذكر جل جلاله، أن العمدة في النجاح
والفلاح يوم القيامة، والقربة منه سبحانه
وتعالى، قائم على الإيمان، والعمل الصالح
المستقر في القلب السليم، وليس كثرة
الأموال والأولاد (١).
٨٨
فقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: ٨٨-
١٠ / ٤١٣.
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٢٢/١١.
٨٩].
وقال أيضا: ﴿ وَمَا أَمْوَ لُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى
تُقَرِّيَكُمْ عِندَنَازُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾
[سبأ: ٣٧].
وسيلة النجاة من فتنة المال وتبعاته
الدنيوية والأخروية:
بعد استقراء الآيات التي تناولت
الحديث عن الجانب المالي في حياة
الإنسان، ومعاملاته اليومية، تبين، أن شهوة
المال، يمكن أن تطغى على القلب البشري
فتودي به إلى المهالك، لكن القرآن الكريم،
كما وصف لنا المشكلة، وحذرنا منها، فإنه
كذلك يقدم الحلول الواقعية، والأدوية
الناجعة، لمنع حدوث المرض، بل حتى
علاجه إذا وقع، ومن خلال النظر في الآيات
القرآنية ذات العلاقة، يتجلى بوضوح أن
البلسم الشافي لعلاج شهوة حب المال،
وإطفاء نارها من القلب، هو الإنفاق
والصدقة، من ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْمِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣].
فالصدقة بعمومها -واجبها ونفلها-
مطهرة من دنس البخل، والطمع، والدناءة،
والقسوة على الفقراء البائسين، وما يتصل
بذلك من الرذائل(٢)، وتربي في النفس
قيمة الشعور والمسؤولية تجاه الآخرين،
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٢٠.
www. modoee.com
٢١١
حرف اللام
ومشاركتهم بما من الله عليه من مال
هو بالأصل مالكه، امتثالا لقوله تعالى:
﴿وَءَاتُّوهُمْ مِن مَّالِ الَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور:
٣٣].
بمعنى آخر، فإن الصدقة تصحح بوصلة
القلب نحو الآخرة، والتعلق بما هو باق،
وتخلصه من رق كنز المال الذي هو فان.
وقد استعمل القرآن الكريم، الأساليب
التشجيعية للحث على الصدقة؛ لأن إخراج
المال ليس بالشيء السهل على النفس
البشرية، وهذه الوسائل هي:
الوقاية من عذاب النار، لقوله تعالى:
﴿وَسَيُجَتَُّهَا الْأَنْغَى { الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ.
يتزكى ﴾ [الليل: ١٧-١٨].
مغفرة الذنوب ورفع الدرجات، لقوله
تعالى: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
مضاعفة الأجر والثواب، لقوله تعالى:
﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُّونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى
كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
ضمان دخول الجنة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:
١١١].
الأمان من الخوف، والحزن في الدنيا
الَّذِينَ
والآخرة، لقوله تعالى:
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا
وَعَلَاَنِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
[البقرة: ٢٧٤].
ثالثًا: الأمل:
لقد ورد ذكر الأمل في القرآن الكريم
مرتین اثنتين، هما:
الأولى: في قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَثَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
وفسر الأمل في هذه الآية على أوجه
عدة، مي(١):
١. الطمع بهلاك النبي صلى الله عليه
وسلم، وتمني هلاك ملکه وأمره.
٢. تقديرهم بامتداد حياتهم؛ ليبقى لهم
الرياسة، والشرف، وذلك الذي كان
يمنعهم من الإجابة عنه، والانقياد له.
٣. الطمع أن المشرکین وآباءهم قد أصابوا
الحق، فمنعهم ذلك الإجابة عن الآيات
والحجج، والنظر فيها.
وجاء الأمل في موضع الذم مع تعقيبٍ
بالتهديد والوعيد؛ لأنه شغلهم عن الأخذ
بحظهم من الإيمان والطاعة، ونسوا
واجباتهم ومصائرهم الآخرة(٢).
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٩/٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن زمنين ٣٧٩/٢،
٢١٢
جوبيـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
اللھی
والتعبير القرآني، يصور الأمل لأنها تبقى لصاحبها يوم القيامة(٢)، ففي
الآية، توجيه إلهي لعباده المؤمنين، بضرورة
الإكثار من أعمال الخير؛ لأنها الباقية
الدائمة، متعددة النفع في الدنيا والآخرة.
بالمتحكم، بالقرارات والمسيطر على
الأفعال، والحاجب عن رؤية الحق، حتى
كأنه يحول صاحبه لمخلوق، همه الأكل،
والتلذذ والتمتع، ويقول: هل من مزيد؟
يؤمل نفسه طول البقاء؛ ليزداد متعة، ولذة،
فشابه الأنعام في أفعالها، ويمكن أن يطلق
عليه، الأمل الكاذب.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَ يَأْكُونَ
كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
الآخر: في قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَاَلْبَنُونَ
زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّاً وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُ
عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
في هذه الآية تعقد مقارنة بين ما هو
باق، وما هو فان، بين الأمل الصادق،
والأمل الكاذب، فيبين منطوق الآية أن
المال والبنون وما سواهما من المتع، زينة
للحياة الدنيا التي هي في النهاية فانية،
ويعقبه بذكر الأمل الصادق الذي يفضي إلى
منفعة حقيقة، ومصلحة متحققة في الدنيا
والآخرة، موعود بها من صادق الوعد جل
جلاله، وذكر الباقيات بعد الزينة دل على
أنها ليست باقية (١).
وذهب كثير من العلماء، إلى أن المراد
بالباقيات الصالحات، جميع أعمال الخير؛
التفسير البسيط، الواحدي ٣٧٩/٢.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٣/١٥،
تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٩٢٧.
رابعًا: التجارة والبيع:
أمر الله تعالى عباده بالسعي في الأرض،
طلبا للرزق، والانتفاع مما هو مخلوق على
وجه هذه الأرض، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِبِهَا وَكُواْ
مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
ويأتي هذا التوجيه الإلهي في إطار
الحفاظ على عجلة الحياة في حركة دائمة
منتجة، وتعد التجارة أبرز الأنشطة البشرية
وقمتها في حركة الحياة؛ فهي قائمة على
التبادلية بین منتج زارع أو صانع، ومستهلك،
وهي وسيلة عظيمة يستطيع الإنسان أن يحقق
من خلالها الغنى والثراء، كما أنها تعد أحد
أوجه القوة الفعالة المؤثرة في السياسات
والقرارات الدولية.
ولما كان للتجارة هذا القدر من الأهمية،
نبه الله تعالى إلى ضرورة الموازنة بين
متطلباتها من مال، ووقت، وجهد، ومتابعة
مستمرة، وبين الواجبات العبادية، فلا يطغى
الجانب المادي على الجانب الروحي، ولا
تهمل المعاملة مع الخالق في سبيل المعاملة
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٥/١٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٣٣٤/١٥.
www. modoee.com
٢١٣
حرف اللام
مع المخلوق. وذكر أن من صفات عباده الجمعة، والسعي إلى حضور الخطبة،
والصلاة التي تذكر بالله تعالى، فتملؤ القلب
بتعظيمه، وإجلاله.
المؤمنين عدم انشغالهم بمتطلبات التجارة
عن الواجبات العبادية.
فقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِمْ تَجْرَةٌ وَلَا بَيْعُ
عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوِْ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧].
ولعل تخصيص التجارة بذلك، يعود
إلى أنها أقوى الصوارف للإنسان، وأشدها
عن الواجبات العبادية؛ فكثرة الحديث عن
حال السوق، والبضائع، وأسعار العملات،
وغيرها من متعلقات التجارة، تصرف عن
طاعة الله وذكره حتى يخلو القلب من ذلك،
كما أن أمور البيع مما يشغل التاجر عن
صلاته، فيؤخرها عن وقتها أو يضيعها أو لا
يؤديها حقها؛ بإقامة أركانها، وتحقيق آثارها،
وهي مانعة عن إخراج الزكاة، لأنه ينظر إليها
على أنها تنقص من ماله(١).
وقد يتبادر إلى الذهن تساؤل: لما كان
البيع داخلًا تحت جنس التجارة، فلم أعيد وَمِنَ النِّجَزَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ ﴾ [الجمعة: ١١].
ذكره في الآية؟
والجواب كما ذكر أهل التفسير: إن أثر
البيع في الإلهاء أقوى وأعظم؛ لأن ربحه
متیقن ناجز، وربح ما عداه متوقع(٢).
لذلك نجد التوجيه الإلهي، يوصي
المؤمنين ترك البيع حال النداء الصلاة
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٦٩/٩،
تفسير الشعراوي ١٧ / ١٠٨١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٣٩٧.
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُوِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[الجمعة: ٩].
((وأمر جل جلاله نبيه عليه السلام بأن
يعظهم أن ما عند الله من الثواب على
حضور الجمعة خيرٌ من فائدة التجارة ولذة
اللهو. وكذلك ما أعد الله من الرزق للذين
يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من
وسائل الارتزاق جزاءً لهم على إيثارهم
جزاءً في الدنيا قبل جزاء الآخرة، فرب رزقٍ
لم ينتفع به الحریص علیه وإن کان کثیرًا،
ورب رزقٍ قلیل ینتفع به صاحبه ويعود علیه
(٣)
بصلاحٍ))(٣).
فقال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٩/٢٨.
٢١٤
القرآن الكريم
اللهی
خامسًا: الانشغال بالمفضول عن بمتابعة النبي، وشدة عنايته بمراتب الأعمال
الفاضل.
من صور اللهو الخفية التي تغيب عن بال
الكثير من المكلفين، الانشغال بالمفضول
من الأعمال الصالحة والطاعات على
فاضلها، وهي حيلة يقصدها الشيطان إذا
عجز عن جر ابن آدم إلى دوامة الدنيا ليغرقه
في شهواتها وملذاتها، ویسعی بذلك إلى
التشويش على المؤمن بإنقاص الأجر
والثواب الذي يسعى إليه لنيل رضا الله
تعالى(١).
ويعد الانشغال بالمفضول من الأعمال
عن الفاضل، من اللهو الباطل، كما ذكر ابن
حجر، تحت ترجمة كل لهو باطل فقال: ((إذا
شغله أي شغل اللاهي به عن طاعة الله أي
كمن التهى بشيءٍ من الأشياء مطلقًا سواءٌ
کان مأذونًا في فعله أو منھیًا عنه كمن اشتغل
بصلاة نافلةٍ أو بتلاوة أو ذکرٍ أو تفکرٍ في
معاني القرآن مثلًا حتى خرج وقت الصلاة
المفروضة عمدًا فإنه يدخل تحت هذا
الضابط (٢).
وحتى يتجنب المؤمن الوقوع في مثل
هذه الشراك الخفیة،کان لا بد له أولًا، من
السؤال الدائم لله سبحانه وتعالى، أن يرزقه
البصيرة الدالة على الخير، وهذا لا يتأتى إلا
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢٦١/٢.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٩١.
عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له، وأنفعها
للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى، ولرسوله،
ولكتابه، ولعباده المؤمنين(٣).
سادسًا: الانشغال بما لا فائدة حقيقة
فیه:
تتعدد صور الملهيات في الحياة الدنيا،
والمحيطة بالصراط المستقيم تتخطف
الناس ذات اليمين وذات الشمال، وإن
كانت جميعها تشترك في الهدف، إلا أنها
مختلفة في نتائجها؛ فبعضها يقصده الإنسان
من أجل فائدة يحسبها دائمة، لكنها حقيقة
سرعان ما تزول وتنتهي، إما عاجلاً أو آجلا،
فعلى سبيل المثال، من يشتغل بجمع المال،
ويفني عمره في سبيل ذلك، فإنه يتلذذ
بیریقه، ومنافعه إلی حین أن يموت، وعندئذ
تنتهي تلك اللذة، وتنقطع تلك المتعة، لكن،
هناك من الملهيات ما لا فائدة تجنى من
السعي خلفه، وهذه هي المصيبة الكبرى،
والطامة العظمى؛ لأن هذا يدل على مستوى
الانحطاط الفكري الذي وصل إليه هذا
اللاهي.
وقد عرض القرآن الكريم، صورًا للهو
الذي لا فائدة منه، من باب ضرب المثال لا
الحصر، وهي الآتي:
(٣) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢٦١/٢.
www. modoee.com
٢١٥
حرف اللام
١. الانشغال بأساطير، وقصص الأمم وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ
السابقة.
وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم، بقوله
تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ
◌ِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوَّاً
أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].
ويلاحظ أن القرآن الکریم یبین قبيح فعل
الكفار، وسوء صنیعهم، حيث إنهم تركوا
الكتاب الحكيم، وانشغلوا بما لا فائدة فيه،
وهذه أقبح من الأولى(١).
ويندرج تحت هذا الباب، في هذا
الزمان، كثير من المواد الإعلامية المرئية؛
كمسلسلات الدراما، والأفلام السينمائية،
والمسابقات الغنائية، وغيرها، وفي هذا
دلالة على خطر الإعلام في نشر الملاهي
غير النافعة في المجتمع.
٢. الضحك والسخرية من المؤمنين.
وهذا منهج أهل النفاق والكفر على
مر الأزمنة، لا يكاد يختلف إلا بالوسائل
والآليات المستخدمة في سبيل ذلك،
فيخبرنا القرآن الكريم عن ذلك، حين يقرع
الكفار يوم القيامة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ
فَرِقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا
وَأَرْحَنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ ﴿﴿ فَأَخَذْ تُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
حََّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
[المؤمنون: ١٠٩-١١٠].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١٥/٢٥.
جوسين
القرآن الكريمِ
مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَتَغَامَنُونَ ﴿ وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَّ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ
﴿ وَإِذَا رَأَوَهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ
فَكَهِينَ
لَضَاَلُونَ ) وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ )﴾
[المطففين: ٢٩-٣٣].
قال ابن عاشور: «کانوا یضحكون» يدل
على أن ذلك صفةٌ ملازمةٌ لهم في الماضي،
وصوغ يضحكون بصيغة المضارع للدلالة
على تكرر ذلك منهم وأنه ديدنٌ لهم (٢).
والمتدبر لآيات سورة المؤمنون يعقد
مقارنة بین فریقین:
فريق أول: انشغل بعمل يرجو منه فائدة
حقیقة، وهو تعبید النفس لله، وتعلقها به.
وفريق آخر: أشغل نفسه بعمل لا طائل
منه، ولا نفع، وهو السخرية والاستهزاء
بالفريق الأول.
وأي فائدة تجنى من إطلاق سهام
السخرية والاستهزاء نحو إنسان يسعى
لهدف نبيل، لذلك يعقب الله تعالى بقوله
عن نتيجة سخرية الكافرين: ﴿فَلْيَوْمَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ، عَلَى الْأَرَآَيِكِ
يَنْظُرُونَ ﴿ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
[المطففين: ٣٤ -٣٦].
والجذر (لغ و) يدل على أصلين:
الأول: ما لا يعتد به.
(٢) التحرير والتنوير ٢١٠/٣٠
٢١٦
اللهی
والآخر: اللهج بالشيء (١).
فعلى الأول، يطلق اللغو على السقط،
وعلى كل ما لا يحصل منه على فائدة أو
نفع، سواء كان كلامًا أو غيره. يقال: شاة لغو
أي لا يعتد بها في المعاملة (٢).
وقد وضح البيهقي: مفهوم اللغو مع
ضرب الأمثلة التي تزيد في بیانه وتفصيله،
فعرفه بأنه: الباطل الذي لا يتصل بقيدٍ
صحیح، ولا یکون لقائله فيه فائدةٌ، وربما
یکون وبالا علیە(٣).
وقسمه إلى عدة أقسام وهي (٤):
الناس؛ فيفشي سرائرهم، ويهتك
أستارهم، ويذكر أموالهم وأحوالهم
من غير حاجةٍ به إلى شيءٍ من ذلك،
عادة سوء ألفها فلا یرید النزوح عنها.
الخوض فيما لا يحل من ذكر الفجار،
والفجور، والملاهي.
الافتخار بالآباء الجاهلين، والتمدح
بهم، والذكر للمعاملات المبنية على
الاستطالة، ويكون فيه خوض المبطلين
في القصائد فيما عندهم، وتفضيلهم
إياه على ما عند غيرهم بالدعاوي،
والتوسع في المقال في غير حاجةٍ.
(١) مقاییس اللغة، ابن فارس ٢٥٥/٥.
(٢) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦ / ٦١.
(٣) شعب الإيمان ١٣/ ٢٦٧.
(٤) المصدر السابق.
إنشاد الأشعار المقولة في ضروب
الأكاذيب فيما لا يجدي على أهلها نفعًا
في العاجل، ولا في الآجل والاشتغال
بها تضييعٌ للزمان.
وقد امتدح الله عباده المؤمنين ببعدهم
عن اللهو، واجتنابهم إياه، وعد ذلك سببًا
من أسباب الفلاح، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفَلَحَ
اٌلْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
﴿ وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾
[المؤمنون: ١ - ٣].
كما أن الله تعالى جعله من صفات
أن يتكلم الرجل بما لا يعنيه من أمور عباد الرحمن، فقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا
يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا
(٧٢ ) [الفرقان: ٧٢].
في المقابل، فقد أخبر الله تعالى، أن
الخوض في اللغو من صفات الجاهلين،
كما ذكر على لسان عباده المؤمنين:
سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَّنَا أَعْمَلُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِىِ اَلْجَاهِلِينَ ﴾
[القصص: ٥٥].
www. modoee.com
٢١٧
حرف اللام
اللهو بالدين
إن من الوسائل التي يتبعها أهل الباطل
في حربهم على الحق، التعرض لثوابته
بالسخرية والاستهزاء، واتخاذها لهوا ولعبًا،
وما ذلك إلا لأجل هز صورة الدين في داخل
قلوب المسلمين وزعزعتها، وتشكيكهم
بثوابته وأصوله، فإذا ظفروا بذلك، سهل
عليهم الولوج إلى الداخل؛ لتخريب هذا
البناء وتشويهه، ومن ثم السيطرة على
صاحبه، ليصبح أداة طيعة، ومسخًا مشوهًا
ينفذ ما يملى عليه. والثوابت التي يتعرض
لها أهل الباطل، هي:
١. القرآن الكريم؛ مصدر النصوص
الشرعية.
٢. النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ الدين،
وشارح نصوصه، ومن قام مقامه من
العلماء والصالحين.
٣. الشعائر والأحكام الدينية.
أولًا: اللهو بالآيات القرآنية:
القرآن الكريم حجة الله على عباده، فيه
من الحجج والبراهين الدالة على ألوهيته
وربوبيته ما لا ينكره كل ذي لب، وفيه من
الأحكام والقواعد، ما ينظم مسيرة الحياة
الإنسانية بيسر وسلاسة، لذلك يعده أهل
الباطل خصمهم اللدود، وعدوهم الأول؛
لأنه يقوض مصالحهم وسياساتهم التي
تحقق لهم الكثير من المنافع، وتجلب لهم
الكثير من المتع وتضمن لهم الاستمرارية
في التحكم بمصائر البلاد والعباد.
ولما كانت عقولهم وقواهم قاصرة عن
الانتصار على هذا القرآن، ودحض حججه
ويراهينه بالعقل والمنطق، فإنهم سلكوا
سبلا أخرى لمواجهته والصد عنه، ومنها:
حمل الآية على غير معناها، ومرادها
استهزاءً، كقول أبي جهلٍ لما سمع
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ٢ طَعَامُ
الأَثِيرِ ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤ ].
تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم المجموع
الزبد والتمر فقال: ((زقمونا»، وقوله:
لما سمع قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةً
عَشَرَ ﴾ [المدثر: ٣٠]: أنا ألقاهم
وحدي(١)، ورد ذلك في قوله تعالى:
﴿وَأَّخَذُوَاْ ءَايَتِىِ وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَا﴾
[الكهف: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِم
مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَْ عَذَابٌ
مُهِينٌ ﴾﴾ [الجاثية: ٩].
وصف القرآن بأوصاف غير لائقة؟
كعدم صلاحيته للحكم، أو جور
أحكامه وتشریعاته، أو نسبته إلى النبي
محمد صلی الله علیه وسلم دون الله،
لذلك جاء النھي الإلهي صارمًا وحازمًا
للمؤمنين بعدم حضور المجالس
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٢/٢٥.
٢١٨
جوي
التَّفْسِيْ
القرآن الكريم
اللهی
التي يستهزأ فيها بآيات الله، وإلا عد في الإيمان، ويتفاوت هذا الخلل بطبيعة
المشكلة وحقيقتها، بمعنى؛ إن كانت طارئة
أم دائمة، أم تمس أصل الإيمان أم لا.
الحاضر من المشاركين، وكان عليه
من الوزر والإثم ما على المباشرين
للفعل، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ
فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا
وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمٍ حَتَّى يَخُوضُواْ
فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ
الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِی جَهَنَّمَ جَميعًا
[النساء: ١٤٠].
١٤٠
وذكر أهل العلم أن النهي عن القعود
مطلقًا؛ بسبب ما تقتضيه المجالسة من
المؤانسة، والمشاركة فيما يجرى من
المحادثة في الغالب، وفي هذا تشجيع
لأمثال هؤلاء بالدوام على هذا الأمر،
وانتشار الظاهرة في المجتمع، لذا كان لا بد
لمن حضر مجلسًا وقع فيه تحقير أو استهزاء
بآيات الله ودينه؛ أن ينكر عليهم، ويقوم من
فوره، حتی لا یکون مثلهم، کما ورد عن ابن
عباس رضي الله عنه(١).
ثانيًا: اللهو بالشعائر الدينية:
تعد الشعائر الدينية، التطبيق العملي
للنصوص الشرعية، وتتمثل أهميتها في أنها
تعكس مستوى الإيمان المخزون في القلب
لدى الإنسان؛ فإذا ما شاب هذه التطبيقات
خلل ما، ظهر أن هناك مشكلة حقيقية
(١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٧ / ١٥٥.
وعند استقراء الآيات القرآنية المتعلقة
بالموضوع، ظهر أن اللهو بالدین یکون من
أربعة أطراف رئيسة هي:
١. مؤمن نقص مستوى الإيمان فى قلبه.
٢. منافق ادعى الإيمان باللسان، وقلبه
فارغ منه.
٣. کتابی ادعى الإیمان، وفعله مخالف له.
٤. كافرٌ انتفى الإيمان من قلبه بالكلية.
فالطرف الأول وجه إليه الخطاب الإلهي
مضمنا بالتهديد والوعيد في سياق بيان
حكم الطلاق حثا للمسلمين على احترام
صلة الزوجية، وعدم الاستقواء على النساء
لضعفهن، والحذر من اتخاذ مسألة الطلاق
لهوا ولعبا كما كان عليه أهل الجاهلية(٢).
فقال تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللَّهِ
ج
﴾ [البقرة: ٢٣١].
والآية الكريمة، وإن تناولت حكمًا
شرعيًا إلا أن النهي ينسحب على جميع
الأحكام الشرعية، واللهو المنهي عنه يتخذ
صورتین، هما:
* المعصية للأمر وترك العمل به، وتفصيل
ذلك أن من رضي بالله ربًا وبمحمد نبيا
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣١٥/٢.
www. modoee.com
٢١٩
حرف اللامر
وجب عليه طاعة أمرهما وما يصدر
عنهما من توجیهات وأحكام، فإذا ظهر
منه خلاف ذلك کان کالمستهزئ بها،
إذ كيف يدعي الطاعة ثم لا ينفذ؟!(١).
التسامح في أداء التكاليف، كما يتسامح
فيما يكون من باب الهزل والعبث،
جريًا على عادةٍ منتشرةٍ في المجتمع،
أو مصلحةٍ توافق الهوى، أو شهوةٍ
متمكنةٍ من القلب، فهو يعامل تكاليف
الله معاملة تكاليف البشر(٢).
ويمكن استخلاص أمر مهم من هذه
الآية، وهو أن الموجه الفعلي للتصرفات
والسلوكيات، إنما هو الإيمان الذي وقر
في القلب، وليس الأهواء، والشهوات، أو
العادات التي تلبسها المرء في زمنٍ ما من
حیاته. کما أن صدق الإيمان من ضعفه،
يظهر عند تطبيق الأحكام الشرعية، وبخاصة
إذا كانت فيما يتعلق بحقوق العباد.
أما بقية الأطراف، من منافقين، وأهل
كتاب وكفار، فقد وجه الخطاب الإلهي
للمؤمنين بالنهي عن اتخاذهم أولياء للهوهم
في الدين، واستهزائهم به، لقوله تعالى:
◌َهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً
وَلَعِيًّا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَاَلْكُفَّارَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/٥، مفاتيح
الغيب، الرازي ٦/ ٤٥٣.
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣١٥/٢.
أَوْلِيَاءٌ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنْ كُمْ مُؤْ مِنِينَ { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
اُلْضَّلَوْةِ أَنَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌّ لَا
يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٨].
ويمكن حصر صور اللهو في التشريعات
الدينية، بما يأتي:
إظهار المودة والاحترام للإسلام
باللسان، واستبطان الكفر (٣)، كقول
الله تعالى عن المنافقين ﴿وَإِذَا لَقُوا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى
شَيَطِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
﴾ [البقرة: ١٤]. فكانوا يقولون:
لعبنا بعقولهم، وضحكنا عليهم(٤)، أو
أداء الشعيرة على سبيل اللهو واللعب،
كما كان المنافقون يتضاحكون،
ويلعبون عند القيام إلى الصلاة تنفيرًا
للناس عنها (٥).
تكذيبهم واستخفافهم بالإسلام،
وأحكامه كاستهزاء الكفار، وأهل
الكتاب بالصلاة أو النداء، فبعضهم
ينعت الأذان بصياح العير، وآخرون
يتندرون إذا رأوا صلاة المسلمين (٦).
· اعتقادهم أن لا فائدة في التشريعات
الدينية، ولا منفعة منها في الدنيا
(٣) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٧/ ٤٤٠.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٣٠٢/٤.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٨/١٢.
(٦) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٧/ ٤٤٠،
مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٨/١٢.
٢٢٠
القرآن الكريم
اللهی
والآخرة، فيزعمون أن مصدرها البيئة
المحيطة، أو الأعراف السائدة في الزمن
الغابر، فيجب إلغاؤها، واستبدالها بما
هو أنسب وأفضل(١).
ثالثًا: اللهو بالشخصيات الاعتبارية:
التعرض للشخصيات المهمة بالأذى
والسخرية منهج قدیم حدیث، يسلكه أهل
الباطل في مواجهة أهل الحق والصلاح؛
لصرف الناس عنهم، وتنفيرهم من دعوتهم،
ولا يلجأ أهل الباطل إلى هذا الأسلوب، إلا
لعجزهم عن دفع الحق وحججه الدامغة،
فقال تعالى مسليًا نبيه عليه السلام: ﴿وَلَقَدِ
أَسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾
[الأنعام: ١٠].
ولأنهم اتخذوه منهجًا، فقد صار جزءًا
من حياتهم لا يفارقهم، حتى إنهم نسوا
مقابل ذلك المقصد من خلقهم، فما عادوا
يتفكرون ولو للحظة عل عقولهم تتنبه،
وقلوبهم تستيقظ.
فقال تعالى واصفًا ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ
مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا
وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ (٥) فَأَتَّخَذْتُهُ سِخْرِيًّا حَّة
أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَّكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (®
[المؤمنون: ١٠٩- ١١٠].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٨/١٢.
وتنوعت صور اللهو والسخرية الموجه
نحو شخوص الأنبياء؛ فاتهموهم بالجنون،
والكذب، والضعف(٢).
فقالوا عن نوح: ﴿إِنْ هُوَ إِلََّ رَجُلٌ بِ جِنَّةٌ
فَتَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٥)﴾ [المؤمنون: ٢٥].
وقالوا عن هود: ﴿إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ
بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوْءٍ﴾ [هود: ٥٤].
وغير ذلك من الأمثلة كثير.
ولم يختلف الأمر بشأن النبي صلى الله
عليه وسلم فقد واجه الاستهزاء والسخرية
من كل الأطراف التي عايشها في مكة
والمدينة، من أهل الشرك، والكتاب،
والنفاق؛ ففي مكة كان يتعمد كفارها إظهار
السخرية من شخصه الكريم، فقد كان يقول
بعضهم لبعض: أهذا الذي يذكر آلهتكم؟
لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوّا
إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى
يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّعْنِ هُمْ
كَفِرُونَ ﴾[الأنبياء: ٣٦].
وسبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى
الله عليه وسلم مر على أبي سفيان، وأبي
جهل، وهما يتحدثان، فلما رآه أبو جهل،
ضحك. وقال لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد
مناف، فغضب أبو سفيان، فقال: ما تنكرون
أن يكون لبني عبد مناف نبي، فسمعها النبي
صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل،
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٤٧٣.
www. modoee.com
٢٢١
حرف اللام
فوقع به، وخوفه، وقال: (ما أراك منتهيًا حتى يبلغه الخبر. فقال الجلاس: نقول ما نشاء،
فإنما هو أذنٌ سامعة ثم نأتیه فيصدقنا(٤).
يصيبك ما أصاب عمك)، وقال لأبي سفيان:
(أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية)(١).
والظاهر أن المشركين يرمون من
اتخاذهم النبي صلى الله عليه وسلم مادة
للعبث، واللهو، بصورة علنية لهدفين: الأول
ضرب الروح المعنوية للنبي لقوله تعالى:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحُْنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:
٣٣] (٢)، الآخر: إدخال الشك في قلوب
الناس حول صواب ما يدعو إليه.
وفي المدينة المنورة كان اللهو من جماعة
المنافقين بمحاولة إظهار النبي عليه السلام
- وحاشاه - بصورة الغر الساذج الذي يتلقف
المعلومة دون تمحيص، أو اختبار، فيقبلها،
ويصدقها. فقالوا هو أذن (٣)
كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمُ
الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ﴾
[التوبة: ٦١].
قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة من
المنافقين، منهم: جلاس بن سويد، ومحشر
بن خويلد، وأبو ياسر بن قيس، وذلك أنهم
کانوا ينالون من رسول الله عليه السلام،
فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٥٢/٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٣٠، مفاتيح
الغيب، الرازي ٥١٨/١٢.
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
١٠ /٤٤٦.
ويسعى المنافقون من وراء هذا الاتهام،
إلى تحقيق هدف خبيث، وهو النيل من ثقة
النبي عليه السلام والطعن فيما ينقله ويبلغه،
فلربما نقل أخبارًا زعم أنها من القرآن، وهي
ليست كذلك، وعندئذ تتضعضع ثقة الناس
به، فلا يستجيبون له، وهذا يوضح لنا حقيقة
مهمة، وهي تبادلية الأدوار بين أهل الكفر
والنفاق، وتنوع الأساليب المستخدمة في
الهجوم على أهل الصلاح والعلم، ومحاولة
زعزعة ثقة الناس بهم، وضرب مصداقيتهم.
ولم يتوقف منهج اللهو والاستهزاء عند
الأنبياء، بل شمل أتباعهم من المؤمنين،
وعادة ما يلجأ أهل الكفر والنفاق إلى
التركيز في استهزائهم على أمور دنيوية
لا يملك المؤمن شأنًا من أمرها؛ كالفقر،
واللون، والمرض، وقد وصف الله تعالى
ذلك في قوله: ﴿ زُيِّنَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [البقرة: ٢١٢].
وذكر الرازي أسبابًا متعددة لنزول
الآية، تشترك كلها في استهزاء أهل الكفر
والنفاق من فقراء المسلمين وضعفائهم(٥)،
كذلك نجد المنافقين يستهزؤون من
تسابق المسلمين للطاعات، ويشككون
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٦٧.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب ٦/ ٣٦٧.
٢٢٢
جوسين
القرآن الكريمِ
اللهی
في نواياهم، ودوافعهم لفعلها، فينعتونهم
بالرياء، أو طلب الشهرة، أو الغباء، وغير
ذلك من الأوصاف.(١) كما قال تعالى،
واصفا حال المنافقين: ﴿الَّذِينَ
يَلْمِزُونَ الْمُطّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩].
وسبب نزول هذه الآية، كما أخرج
مسلمٌ، عن أبي مسعود الذي قال: أمرنا
بالصدقة- قال: كنا نحامل، في رواية: على
ظهورنا- قال: فتصدق أبو عقيل بنصف
صاعٍ. قال: وجاء إنسانٌ بشيءٍ أكثر منه فقال
المنافقون: إن الله لغنيٌ عن صدقة هذا، وما
فعل هذا الآخر إلا رياء.(٢)
والظاهر أن الدافع لذلك يكون شعور
الكفار والمنافقين بالغيرة والحسد من
المسلمين، أو نقص داخلي ومرض قلبي
لا يستطيع المنافق الانفكاك عنه فيعبر عنه
برمي الآخرين بالنقائص والسيئات.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١١/١٦،
تفسير المنار، محمد رشید رضا ٤٨٧/١٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
الحمل بأجرةٍ يتصدق بها، والنهي الشديد عن
تنقيص المتصدق بقليل، رقم ١٠١٨.
الملهى عنه
اللهو عبارة عن عملية تفاعليه يشترك
فيها طرفان: قلب الإنسان ملك الحواس
والجوارح، وأحد الملهيات، تؤدي إلى
الانشغال عن مقاصد مهمة خلق الإنسان
من أجل تحقيقها، فتكون النتيجة انحراف
الإنسان عن صراط الله تعالى المستقيم إلى
سبل الشيطان، مما يؤدي إلى ظهور الكثير
من الآثار السلبية التي تنعكس على حياة
الفرد والمجتمع.
وبعد استقراء للآيات القرآنية نستخلص
أن الملهى عنه لا يخرج عن أحد المقصدين:
الأول: مقصد عاجل في الدنيا، والذي
من أجله خلق الخلق، وهو العبادة لقوله
تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ لَِّنَّ وَالْإِنسَ إِلََّّ
لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
الآخر: مقصد آجل في الآخرة والذي
يرتبط به المصير النهائي لكل مخلوق، لقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
أولًا: اللهو عن العبادة:
وصف الله سبحانه وتعالى ذاته العلية،
في أكثر من موطن في القرآن الكريم،
بالحكمة، وتجلت هذه الحكمة في مقصده
من خلق المخلوقات جميعًا، وما أو کل من
وظائف لكل صنف منها، فما خلقها سدى
www. modoee.com
٢٢٣
حرف اللام
ولا عبئًا، بل خلقها بالحق، کما قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا
بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].
وقال أيضًا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَحِينَ﴾ [الدخان: ٣٨].
ومن أجل هذه المخلوقات وأشرفها،
الإنسان الذي حصر الله مهمة وجوده
بالعبادة، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلْجِنَّ
وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وذلك إنما يدل على أهميتها، ومنزلتها
العظيمة، فهي العهد القديم الذي أخذه
الله من الإنسان، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَلَنْ شَهِدْنَا﴾
[الأعراف: ١٧٢].
وهي النداء الأول في کل رسالة بعثها الله
لبني البشر، فما خاطب نبيٌّ قومه إلا ابتدأهم
بقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ◌ّ
[نوح: ٣] (١).
وهي الأمر المؤكد عليه في القرآن
الكريم لبني البشر في مواطن كثيرة، فقال
تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ
(٩٩)
[الحجر: ٩٩].
وقال أيضًا: ﴿وَأَنِ أَعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١].
(١) انظر: العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي
ص٢٠-٢٣.
والمراد بالعبادة التي أمر بها الإنس
والجن، أنها (اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله
ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة
والظاهرة؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام،
والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة،
وبر الوالدين، وصلة الأرحام والوفاء
بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، والجهاد للكفار، والمنافقين،
والإحسان للجار، واليتيم، والمسكين وابن
السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم،
والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من
العبادة))(٢)
إذن فالعبادة بهذا التصور، أفقٌ رحبٌ،
ودائرة واسعةٌ تشمل الشعائر الدينية الواجبة
والتطوعية، ومنظومة الأخلاق والفضائل
الإنسانية، وكذلك العلاقات الاجتماعية
القريبة والبعيدة، وتشمل كذلك الأخذ
بالأسباب كما قال ابن تيمية: «فكل ما أمر
الله به عباده من الأسباب فهو عبادة)»(٣).
فالنتيجة هي أن العبادة عبارة عن حركة
الفرد والمجتمع بثبات واتزان، نحو هدف
واضح المعالم مصحوبة بأفق واسع، يسودها
المشاركة والتعاون في البناء والإعمار،
لتحقق الصلاح العاجل، والآجل (٤).
(٢) العبودية، ابن تيمية ص ٤٤.
(٣) المصدر السابق ٧٠.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٨٧/٦،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧/٢٧.
٢٢٤
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
اللهی
صور اللهو عن العبادة:
تعددت المواضع القرآنية التي وردت
فيها التحذيرات الإلهية، والتوجيهات
الربانية، من الانزلاق في دوامة اللهو
على حساب مقصد الخلق، وهو العبادة،
وتنوعت الآيات الدالة على ذلك ما بين
توجيه للمؤمنين إلى ضرورة المضي قدمًا
لتحقیق مقصد وجودهم، وتهديد ووعيد
للكافرين الذين انصرفوا يلهثون خلف
شهواتهم، ونزواتهم متشاغلين لاهين عن
سبب خلقهم ووجودهم، فوصفهم الله
تعالى قائلاً: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كُمَا
تَأَكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُمَنْوَّىَُّمْ ﴾ [محمد: ١٢.
وانحصرت صور الملھی عنه، بالأمور
الآتية:
١. اللهو عن ذكر الله تعالى.
وجه الله تعالى عباده المؤمنين إلى
المحافظة على الصلة به، وطريق ذلك دوام
ذكره سبحانه وتعالى، في كل الأحوال،
والهيئات، واستحضار عظمته، وقدرته،
فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ
أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾
[المنافقون: ٩].
وذكر الله تعالى، عام في كل ما يذكر
الإنسان بربه، ويبقيه على صلة به، سواء
كان الصلوات الخمس أم قراءة القرآن
وتدبر آياته، أم الدعاء، أم الجهاد في سبيل
الله(١)، فهو يعين على الخضوع الكامل،
والاستسلام التام لأمر الله تعالى المصاحب
بالتعظيم، والامتنان والافتقار إليه سبحانه
وتعالى، وذلك له أثر مهم على الإنسان في
تصحيح مساره دائمًا، نحو تحقيق مراد الله
تعالى من الاستخلاف في هذه الأرض.
وقد امتدح الله تعالى، عباده المؤمنين
بالثبات على الصراط المستقيم، دون أن
يشغلهم شيء من متع الدنيا عن طاعته،
وعبادته، فقال: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِهِمْ تَجْرَةٌ وَلَا
بَعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةِ﴾ [النور:
٣٧].
ووجههم إلى ديمومة ذكره، والإكثار
منه، والاحتراس من الانصباب، في أشغال
الدنیا انصبابًا ینسي ذكر الله، أو یشغل عن
الصلوات؛ لأن الفلاح يكون في الإقبال
على مرضاة الله، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ
اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ
[الجمعة: ١٠].
والانشغال عن ذكر الله تعالى، بعمومه
هو حال أهل الكفر والضلال، فقلوبهم
لاهية عن تعظيم الله وشكره على نعمه،
منصرفة عن تنفيذ أمره، غارقة في متع
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١٥/٥،
مفاتيح الغيب، الرازي ٥٥٠/٣٠، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٢٥٠.
www. modoee.com
٢٢٥
حرف اللام
الدنيا وملذاتها، فصار مقصد حياتهم إشباع
رغباتهم، والتلذذ بمتع الدنیا، وليس لهم هم
سوى ذلك، فجعلهم الله تعالى في مصاف
البهائم والأنعام، وتوعدهم بعذاب أليم يوم
القيامة (١) فقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ
وَيَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَنْوَى لَّمْ﴾
[محمد: ١٢].
وقال أيضًا: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ
وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
٢. اللهو عن الصلاة.
الصلاة هي الرباط المتين الذي يربط
العبد بربه، وهي أرفع صور العبادة، وأكمل
وسيلة من وسائل الذكر؛ لأنها تعبر عن حالة
الذل، والخضوع، والافتقار التي يتلبسها
الإنسان ظاهرًا وباطنًا تعظيمًا لله تعالى الذي
منحه من النعم ما لا يعد ولا يحصى(٢)،
فقال تعالى: ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدْنِى
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
وهي الناهية للإنسان عن فواحش الأمور
ومنكراتها، فقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ
إِنَ الصَّلَّوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
إذن هي المقومة لأفعاله وأقواله،
الموجهة له نحو الخير والفضيلة.
واللهو عن الصلاة، تضييع لجميع ما
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٦٤.
(٢) انظر: محاسن الشريعة، القفال ٢١٩/١،
حجة الله البالغة، الدهلوي ١/ ١٣٧.
سبق ذكره من الخير، ويكون على الصور
الآتية:
تضييع الجماعات أو تأخير الصلوات
عن أوقاتها(٣).
# الإخلال بشروطها وأركانها (٤).
الإنشغال عن خطبة الجمعة، وما
فيها من تذكير بالنعم، وحثًا على
استدامتها (٥).
٣. اللهو عن الزكاة.
تمثل الزكاة إحدى وسائل التطهير
القلبية، والتزكية النفسية للعبد من الأمراض
المنضوية على حب المال، والتعلق به،
لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَ لِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وتعد الوقاية من الشح، سببا من أسباب
الفلاح، كما أخبر تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللّهَ مَا
أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيْرًا
لِأَنْفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَيْكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
وحب المال والتعلق به، من أمات الخطايا
التي تدعو صاحبها إلى الشح المهلك
الباعث على حفظ المال وجمعه وازدياده
وصيانته عن ذهابه في النفقات، وفي سبيل
ذلك يتولد اللهو عن الإنفاق بالمعنى العام،
والزكاة بالمعنى الخاص، وبهذا يكون قد
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٨/١٨.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٣٩٧.
(٥) انظر: التحرير والتنوير ٢٢٢/١٨.
٢٢٦
القرآن الكريم
اللهی
شغل بجمع المال، والاستزادة منه وكنزه،
على حساب الواجب العبادي المفضي إلى
المحافظة على التآلف الاجتماعي.
٤. اللهو عن القرآن الكريم.
القرآن كتاب الله الهادي إلى الصراط
المستقيم، والدال على السبل الموصولة إلى
الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، العاصم
من الزلل والزيغ، الحافظ من الضلال،
ولا يكون ذلك إلا باتباع هديه، وتطبيق
توجیھاته، دلت على ذلك نصوص كثيرة من
القرآن والسنة، منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى
هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ
اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
واللهو عن القرآن الكريم، عبر عنه
(بالهجر) لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ
قَوْمِى أَشَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:
٣٠ ].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله مبينا
معاني الهجر الواردة في هذه الآية: هجر
القرآن أنواع:
أحدها: هجر سماعه والإيمان به
والإصغاء إليه.
والثاني: هجر العمل به والوقوف عند
حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه
في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد
اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما
أراد المتکلم به منه.
والخامس: هجر الاستشفاء و التداوي
به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب
شفاء دائه من غيره ویهجر التداوي به (١).
والتركيز على الأمور سالفة الذكر، لا
يعني حصر اللهو فيها إنما فيه إشارات مهمة
أراد الله سبحانه وتعالى توجيه نظر المؤمنين
إليها، وهي على النحو الآتي:
من انشغل عن حقوق الله، ولھی عنها
کان عن غيرها أشغل.
الأمور المذكورة، هي لب الأمور
ورأسها، وهي شرائع تعلم العبد ترتيب
الأولويات، والانضباط نحو تحقيق
الهدف، فإذا شغل عنها كان إلى تضييع
تحقيق المراد أقرب.
ثانيًا: اللهو عن الحساب وتبعاته:
من الحقائق المهمة التي تغيب عن قلب
الإنسان وعقله، أن وجوده في هذه الحياة،
إنما هو مؤقت بزمن محدد ومهمة معلومة،
فإذا انتهى هذا الزمن انتقل من الحياة الدنيا
إلى الحياة الآخرة، للحساب على ما أنجز
(١) الفوائد، ابن القيم ص ٨٢.
www. modoee.com
٢٢٧
حرف اللام
في حياته الأولى، لذلك ينبه القرآن في قبائح المحرمات والجرأة عليها، لقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَوْ عَنِ
الصِّرَطِ لَتَكِبُونَ ﴾ [المؤمنون: ٧٤].
مواطن كثيرة إلى ضرورة التنبه إلى هذه
الحقيقة، وعدم الغفلة عنها، ومن ذلك قول
الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقْ فَلَا
تَغُرَّتَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُودُ
٥﴾ [فاطر: ٥].
لكن الواقع في حیاة الکثیرین، يدل على
الغفلة عن ذلك اليوم، وعدم الاستعداد
الحقيقي لما بعد الموت، يصدق فيهم قول
الله تعالى: ﴿اَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ حَّ زُرْتُمُ
الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: ١ - ٢].
والآية وإن نزلت فى حق أهل مكة حين
أشغلهم تکاثرهم بالمال والعدد حتى صاروا
من أصحاب القبور، فإن هذا حال الکثیرین
ممن هم على ظهر هذه الأرض (١).
وسبب غفلة الإنسان عن يوم المعاد
پرجع إلى أمرین مترابطین ارتباطًا وثيقًا كلما
ارتفعت وتيرة الأول ازدادت وتيرة الآخر،
وهما: الغفلة عن ذكر الموت وأحواله،
والاغترار بالحياة الدنيا وطول الأمل.
وتتمثل خطورة الغفلة عن ذكر الموت
والحياة الآخرة، أنها تؤثر في حياة الإنسان
الفكرية، والنفسية، والخلقية، سلبًا؛ فتدفعه
إلى التمتع بملذات الحياة الدنيا، والإغراق
فيها، بل يتعدى الأمر للخروج عن المتع
كما أنها تربي في قلب صاحبها صفة
الكبر الذي ينكر كل ما يخالف هواه،
ويرفض ما لا تهواه نفسه، لقوله تعالى:
﴿فَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ شُّنْكِرَةٌ
وَهُم ◌ُسْتَكْبُونَ﴾ [النحل: ٢٢].
ومرد ذلك سببه الاعتقاد، عدم وجود
حساب عن كل هذه الأفعال أو مساءلة،
فإنما هي حياة، ثم موت، وفناء، هذا هو
تفكير الكفار، ويبدو جليًا في الآية الكريمة:
﴿إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَفَحْيَا وَمَا نَحْنُ
بِمَبْعُوئِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧].
فهذه الآية جاءت على لسان الكافرين،
فأمثال هؤلاء متوعدين بالجزاء من جنس
عملهم، وهو نسيانهم في نار جهنم، لقوله
جل جلاله: ﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِيْنَهُمْ
لَهْوَا وَلَعِبًّا وَغَرَّتَهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاأَ فَالْيَوْمَ
نَفْسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا
كَانُواْ بِعَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف:
٥١].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى
النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْفِى حَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم
بِهَا فَأَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْيُرُونَ
المألوفة للفطرة السليمة السوية، إلى تناول فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الّْ وَمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:
(١) جامع البيان، الطبري ٥٧٩/٣٤.
٢٢٨
القرآن الكريمِ
٢٠].
اللهى
علاج اللهو
لا بد لكل مرض علاج، ولكل داء
دواء، فما أنزل الله من داء إلا أنزل معه
شفاء!وأعظم دواء في العلاج، وأنجعه،
وأكثره فعالية ما تنزل به القرآن الكريم،
لقوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظََّلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا.
[الإسراء: ٨٢].
ويتميز المنهج القرآني في علاج
الإنسان؛ بقوته وفعاليته، فهو يقوم على
انتزاع حب الدنيا المتجذر في القلب، مع
تحجيم اندفاع الإنسان نحوها للاستزادة من
لذائذها، ومتعها بما يؤدي إلى إلغاء طول
الأمل لدیه.
ويقوم العلاج القرآني على ركيزتين
رئیسیتین، هما:
الأولى: علاج نفسي تربوي.
الثانية: علاج تطبيقي عملي.
أولًا: العلاج النفسي التربوي:
والمقصود بذلك، معالجة سلوكيات
الأفراد المصابين بمرض اللهو من خلال
إبطال المعتقدات الخاطئة الراسخة في
عقولهم عن حقيقة الدنيا، وزيف متاعها
وملذاتها، وعقوبة المخدوع بها، في المقابل
يؤصل لمفاهيم جديدة، حول الحياة
الأخرى، ودوام نعيمها، وجزاء العامل
لها، مثال ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ
اَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ
لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
٦٤
[العنكبوت: ٦٤].
واتبع القرآن الكريم، في هذا الشق
العلاجي، مخاطبة العقل؛ لكونه محل
إدراك ماهية الأمور، والقادر على التمييز
بین صحیحها وسقيمها، ونافعها وضارها،
والموجه إلى الصراط المستقيم، والمصحح
حال الزيغ والضلال، وقد استعمل القرآن
في مخاطبة العقل، الأمور الآتية:
١. المقارنة بين الحياة الدنيا، والحياة
الآخرة.
فقد وردت هذه المقارنة في القرآن
الكريم، ثلاث مرات:
الأولى: قول الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبُّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ
لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
[العنكبوت: ٦٤].
وتركز هذه الآية، على مفهوم الحياة
الحقيقية، وذلك من خلال استعمال لفظة
((الحيوان))، بمعنى الحياة الباقية التي لا حياة
سواها، وهذا منبه مهم وفعال يساعد على
لفت انتباه الإنسان نحو هذه الحياة، وتنفيره
من الحياة الدنيا الزائلة، ومنع الاستغراق
فيها(١).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٧٥.
www. modoee.com
٢٢٩
حرف اللامر
الثانية: قول الله تعالى:
الدُّنْيَّا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يَتَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢].
وَمَا الْحَيْوة
١٠٠
ويلاحظ أن المقابلة في هذه الآية، هو
بین نعيم الدنيا والآخرة، فنعیم الدنیا لعب
ولهو يتشاغل به المتشاغلون عن الأكدار
والهموم، وهو في نهاية المطاف فانٍ، في
حین یکون نعيم الآخرة زمنه مدید ونعيمه
مستمر (١).
الأخيرة: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا لَلَوَةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوْ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْيِّكُمْ أُجُورَكُمْ
وَلَا يَسْئَلَكُمْ أَمْوَلَكُمْ ﴾[محمد: ٣٦].
والسياق الذي وردت فيه هذا الآية
ينضوي على تنبيه مهم للإنسان، وهو
الحذر من أن تكون الحياة الدنيا صارفة عن
الواجبات المفروضة، ويراد بالواجب هنا
الجهاد في سبيل الله، وفي السياق أيضًا،
إشارة إلى الحياة الدنيا إذا عمرت بالإيمان
والتقوى، حملت خیرًا کثیرًا(٢).
والفهم الخاطئ لهذه الآيات، يتسبب
بإشکال ینتج عنه فکرین متضادين:
أحدهما: الدعوة للزهد في الدنيا،
والانصراف عن الانتفاع بخيراتها، مما ينتج
عنه معاداة لكل المظاهر الدنيوية، ويصل
الأمر إلى محاربة الحاجات الفطرية عند
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٠٤/٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٣/٢٦.
الإنسان، فيؤدي إلى التخلف، والجمود،
والجهل، ولعل أبرز مثال على ذلك، ما
أورده القرآن الكريم، وهو الرهبانية التي
ابتدعها النصارى، فقد قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً
أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلََّ ابْتِغَآءَ رِضْوَنِ
اللَّهِ ﴾ [الحديد: ٢٧].
والثاني: يهاجم الدين ويعاديه ويتهمه
بالتحجر والتسبب بالتخلف والرجعية،
وينتج عن هذا الاستغراق في متع الدنيا
ولذائذها، وهجر كل ما له صلة بالدين،
وخير مثال على ذلك من الزمن الماضي
الثورة على الكنيسة في أوروبا والتحلل من
كل القيم والمعتقدات الدينية.
والخلل كما أسلفت، إنما هو في الفهم
والسلوك الذي يترتب عليه، وقد قدم القرآن
المنهجية الواضحة الصحيحة في كيفية
التعامل مع الدنيا، وجاء ذلك على لسان
الصالحين من قوم قارون حين قدموا له
النصح قائلين: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللّهُ
الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيّاً
وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغُ اَلْفَسَادَ
فِ الْأَرْضِ إِنَّاللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص:
٧٧].
وعلق سيد قطب على هذه الآية قال:
والقرآن لا يعني بهذا أن يحض على الزهد
في متاع الحياة الدنيا والفرار منه وإلقائه
بعیدا. إن هذا ليس روح الإسلام ولا اتجاهه.
٢٣٠
القرآن الكريمِ