Indexed OCR Text

Pages 21-32

لقمان
وذلك لما كانت وصايا لقمان لابنه في
إصلاح نفسه من خلال التوحيد والصلاة في
حق نفسه: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا لَقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ
لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢].
وقوله: ﴿يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ﴾ [لقمان:
١٧].
وإصلاح نفسه مع والديه بقوله:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ, وَهْنَا
عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ أَشْكُرْ لِ
وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ( وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً
وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَتَّبِعْ سَبِيلٌ مَنْ
أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَيِّئُكُم بِمَا
كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: ١٤ -١٥].
أمره بإصلاح المجتمع من حوله،
وذلك لأنه الغرض من الأمر بالمعرف،
ليبين له أن صلاح نفسه من خلال الصلاة
وغيرها غير كافٍ، بل لا بد من السعي لأجل
إصلاح المجتمع أيضًا، ووسيلة ذلك الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر (١).
والمعنى: أي: إذا كملت أنت في نفسك
بعبادة الله فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء
وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا في
أنفسهم ويكملوا غيرهم (٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٤٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢١/٢٥،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٥/ ٤٤٩.
ثانيًا: معالم دعوية في مواعظ لقمان:
هناك معالم دعوية كثيرة في وصايا لقمان
عليه السلام يمكن ذكر أهمها فيما يأتي:
١. الدعوة الى الله تعالى بالحكمة
والموعظة الحسنة
يشير إلى هذا المعلم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
ءَانَيْنَا لَقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ
فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ
حَمِيدٌ ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ.
يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِلَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لقمان: ١٢- ١٣].
فالحكمة التي وهبها الله تعالى للقمان
كانت ظاهرة في الدعوة إلى الله تعالى
بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك أمر من
الله تعالى لنبيه الكريم والمؤمنين به باتباع
هذا المنهج.
قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: ١٢٥].
والمعنى: ادع إلى شريعة ربك التي
شرعها لخلقه، وهو الإسلام بالحكمة،
بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي
ينزله عليك، والموعظة الحسنة، أي:
بالعبارة الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم
في کتابه، وذکرهم بها في تنزيله، کالتي عدد
www. modoee.com
١٧٩

حرف اللام
عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب
الدعوة؛ تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة،
وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم))(٣).
فيها ما ذكرهم من آلائه: ﴿وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ﴾ يقول: وخاصمهم بالخصومة
التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما
نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في
القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة
ربك (١)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلِيّ أَدْعُوّا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ أَتَّبَعَنّ
وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨)
[يوسف: ١٠٨].
قال الإمام الرازي: ((واعلم أنه تعالى أمر
رسوله صلی الله علیه وسلم أن يدعو الناس
بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي: الحكمة،
والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق
الأحسن)) (٢).
وقال أيضا: ((ومن لطائف هذه الآية
أنه قال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة فقصر الدعوة على
ذكر هذين القسمين؛ لأن الدعوة إذا كانت
بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت
بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما
الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود
منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام
والإفحام؛ فلهذا السبب لم يقل ادع إلى
سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
(١) جامع البيان، الطبري ٣٢١/١٧.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٨٦/٢٠.
٢. التدرج بالدعوة.
حيث إن لقمان عليه السلام بدأ بالأهم
وهو الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك.
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
قال تعالى:
يَعِظُّهُ يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْوٌ
عَظِيمٌ (٣)﴾ [لقمان: ١٣].
ثم بعد ذلك المهم ومنه الدعوة إلى طاعة
الوالدين والإحسان إليهما، كما في قوله
تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ.
وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ أَنِ آَشْكُرْ لِ
وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ ﴾ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً
وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًاً وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَنَابَ إِلَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِّئُكُم بِمَا
كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: ١٤-١٥].
وهكذا إلى نهاية الآيات.
فقد انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى
تعليمه أصول الأعمال الصالحة فابتدأها
بإقامة الصلاة، والصلاة التوجه إلى الله
بالخضوع والتسبيح والدعاء في أوقات معينة
في الشريعة التي يدين بها لقمان، والصلاة
عماد الأعمال؛ لاشتمالها على الاعتراف
بطاعة الله وطلب الاهتداء للعمل الصالح.
(٣) المصدر السابق ٢٨٧/٢٠.
١٨٠
جوببيو
القرآن الكريم

لقمان
وإقامة الصلاة إدامتها والمحافظة على أدائها
في أوقاتها، وشمل الأمر بالمعروف الإتيان
بالأعمال الصالحة کلها على وجه الإجمال؛
لیتطلب بيانه في تضاعف وصايا أبيه، كما
شمل النهي عن المنكر اجتناب الأعمال
السيئة كذلك، والأمر بأن يأمر بالمعروف
وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ يقتضي
حضّا على تغيير المنكر وإن نال ضررًا فهو
إشعار بأن المُغَيِّرِّ يؤذى أحيانًا، وهذا القدر
وينهى عن المنكر يقتضي إتيان الأمر
وانتهاءه في نفسه؛ لأن الذي يأمر بفعل الخير
وينهى عن فعل الشر يعلم ما في الأعمال من
خير وشر، ومصالح ومفاسد، فلا جرم أن هو على جهة الندب والقوة في ذات الله،
يتوقاها في نفسه بالأولوية من أمره الناس وأما على اللزوم فلا.
ونهیه إیاهم(١).
٣. صبر الداعية على الأذى.
إن الداعية إلى الله تعالى يتعرض للأذى
بكل صوره وأشكاله وعند ذلك يحب أن
يصبر على الأذى، وهذا ما وصى به لقمان
به ابنه قال تعالى: ﴿يَلْبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ
بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ
إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ١٧].
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
[المزمل:١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا
بِاللّهِّ وَلَا تَّحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيّقٍ مِّمَا
يَمْكُرُونَ (٣)﴾ [النحل: ١٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ
(١) انظر: التحرير والتنوير ١٦٤/٢١.
أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ
وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْنَ هُمْ وَنَسْتَجِ نِسَآءَ هُمْ
قَالَ مُوسَى
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ
لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةٌ وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: ١٢٧ - ١٢٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْعِ الْأُمُورِ﴾
یحتمل أن یرید مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن
جریج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم
الأخلاق، وعزائم أهل الحزم ،والسالكين
طريق النجاة، والأول أصوب(٢).
﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، أي:
بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
أَصَابَكَ﴾ علم أن الآمر بالمعروف والناهي
عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى،
فأمره بالصبر، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ﴾ أي: الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، والصبر على الأذى فيهما من حق
عزم الأمور إلى الله بها، أي: هو الذي يعزم
عليها لوجوبها(٣).
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥١/٤.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٤/٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٢/٦.
www. modoee.com
١٨١

حرف اللام
قال سيد قطب: «ثم يتابع لقمان وصیته
لابنه بتكاليف العقيدة، بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، والصبر على ما يستتبعه
هذا وذلك من مواجهة المتاعب التي لا بد
أن تواجه صاحب العقيدة، وهو يخطو بها
الخطوة الطبيعية، فيتجاوز بها نفسه إلى
﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ
غیرہ:
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ومع الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر والصبر على المصاب الأدب
الواجب،. أدب الداعي إلى الله ألا يتطاول
على الناس، فيفسد بالقدرة ما يصلح
بالكلام: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِىِ
اْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )
وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ
اُلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ لْخِيرِ﴾ والمؤثر النفسي
بتحقير التصعير والنفخة ملحوظ في التعبير.
وبه تنتهي هذه الجولة الثانية، وقد عالجت
القضية ذاتها في مجالها المعهود، بمؤثرات
جدیدة وبأسلوب جدید.
وهذا هو طريق العقيدة المرسوم، توحيد
لله، وشعور برقابته، وتطلع إلى ما عنده،
وثقة في عدله، وخشية من عقابه، ثم انتقال
إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم
بالمعروف، ونهيهم عن المنكر.
والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع
الشر، بالزاد الأصيل، زاد العبادة لله والتوجه
إليه بالصلاة،. ثم الصبر على ما يصيب
الداعية إلى الله من التواء النفوس وعنادها،
وانحراف القلوب وإعراضها،. ومن الأذى
تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي، ومن
الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند
الاقتضاء ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وعزم
الأمور: قطع الطريق على التردد فيها بعد
العزم والتصميم)) (١).
٤. فقه الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
قال القاضي ابن عطية: ((والناس في
تغيير المنكر والأمر بالمعروف على
مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام
والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض
الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم
اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام
والولاة بعد النهي عنه قولًا، وهذا في المنكر
الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة
من المنکر، کالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها
بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل
مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله
بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة
عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير
(يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
ويستعينون بالله على ما أصابهم)) فهذا وإن
كان لم يثبت في المصحف ففيه إشارة إلى
التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما
(١) في ظلال القرآن ٢٧٩٠/٥.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
١٨٢

لقمان
هي في قوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ ◌ِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥].
معناه: إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا
على تغيير منكره، وقال بعض العلماء:
((المعروف)» التوحيد، والمنكر الكفر، والآية
نزلت في الجهاد)،(١).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
يكون بحسب الطاقة والجهد (٢)
له علم، يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن
ما ینھی عنه منکر؛ لأنه إن كان جاهلًا بذلك
فقد یأمر بما ليس بمعروف، وینھی عما ليس
بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم
فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا، والمنكر
معروفًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى
وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨)
[يوسف: ١٠٨].
فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن
يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح
الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون
دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب،
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤٨٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٢/٦.
واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى:
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: ١٢٥].
فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف
وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي
أن يسند الأمر بالمعروف إسنادًا مطلقًا، إلا
لمن جمع بين العلم، والحكمة، والصبر
على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف
وظیفة الرسل وأتباعهم، وهو مستلزم للأذى
من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على
((ويشترط في الآمر بالمعروف أن يكون معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة،
وأغراضهم الباطلة(٣).
ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم
لولده، فيما قص الله عنه: ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَ مَّا أَصَابَكَ﴾
[لقمان: ١٧].
ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم
لورقة بن نوفل: (أومخرجي هم؟!) يعني:
قريشا، أخبره ورقة أن هذا الدين الذي جاء
به لم يأت به أحد إلا عودي) (٤).
ولا يحكم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٤٦٤.
(٤) خرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، رقم
٦٩٨٢، ٢٩/٩، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، رقم ١٣٩/١،١٦٠.
www. modoee.com
١٨٣

حرف اللام
قام علی ذلك دلیل من كتاب الله تعالى،
أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو إجماع
المسلمين.
وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما
لا نص، فلا يحكم على أحد المجتهدين
المختلفين بأنه مرتكب منكرًا، فالمصيب
منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم
معذور كما هو معروف في محله.
ويشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا
يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر؛
الإجماع المسلمين على ارتكاب أخف
الضررين))(١).
مضامين تربوية في مواعظ لقمان
لقد احتوت وصايا لقمان الحكيم على
مجموعة من المضامين التربوية، نتناولها في
النقاط الآتية:
أولًا: تربية النفس:
تكون تربية النفس من خلال غرس عقيدة
التوحيد في نفس الطفل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُّهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣].
لأن أعظم المسائل على الإطلاق هي
عقيدة التوحيد وإفراد الله سبحانه وتعالى
بالعبادة، فمن أجلها خلق الخلق وأنزل
الكتب وأرسل الرسل وجعل الجنة والنار.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وهي أساس كل شيء، فبدونها تحبط
الأعمال، وبها تبدأ تربية النفس الإنسانية،؛لذا
فإن أول واجب على الوالدين القيام به هو
غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل دون
كلل ولا ملل، وتوحيد الله في ذاته وصفاته
وأفعاله؛ لأنه هو الواحد الأحد لا شريك له
مالك كل شيء، هو الخالق المعطي والمانع
النافع الضار، وأن يوجها عواطف ابنهما إلى
حب الله تعالى.
فإن أدرك الطفل هذه الأمور تعلق بالله
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٤٦٤.
١٨٤
فَضْو
مؤسو ◌َة التَّقِينَ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

لقمان
سبحانه وتعالى ولم يتخذ سواه إلها، بل حَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ، فِ عَامَيْنِ
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ
[لقمان: ١٤].
يلجأ إليه في کل أموره، وإلى سنة نبيه صلى
الله عليه وسلم؛ لأنه لا يحكم إلا بحكم
الله تعالى وهو المخبر عنه، ويبتعد عن کل
مظاهر الشرك الذي وصفه الله تعالى بأنه
ظلم عظیم.
فالعقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان
وسلوكه، فإذا آمن إیمانا یقینیًا بالله سبحانه
وبعلمه ومراقبته الدائمة لعبده، كان هذا
الإيمان محددا لسلوك المسلم كفرد،
وسلوك الجماعة كأمة مسلمة، فالعقيدة لابد
أن تترجم في حياة الفرد الذي یعلم بأن الله
يطلع على سره ونجواه، وأن أفعاله مكتوبة
وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في
حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه
العقيدة التي آمنت بها، فلا سعادة لهذه
النفس الإنسانية، ولا استقامة لها إلا اذا
ارتبطت كافة جوانبها بعقيدة التوحيد، ومن
هنا يجب على المربي المسلم أن يربط كل
جوانب التربية بهذا الأصل الاعتقادي؛ لما
له من أهمية كبرى في حياة الإنسان النفسية
وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه، وتجعل
کل عواطفه وسلوكه وعاداته قوى متضافرة
متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد
هو الخضوع لله وحده.
ومن تربية النفس التربية على بر الوالدين.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
ويجب أن نشير إلى أنه يجب على
الوالدين إعانة ولدهما على برهما، بأن یکونا
متحابين متفاهمين ومتعاونين على تربيته،
یعلمه أبوە کیف ییر أمه، وتعلمه أمہ کیف ییر
أباه، وألا يفرقا بين الأبناء في المعاملة وفي
العطية، وألا يفضلا أحد الأبناء على إخوته
بسبب صغر سنه أو مرضه؛ لأن هذا من شأنه
أن يولد الحقد والضغائن بين الإخوة مما
ينعكس سلبًا على العلاقة بين الآباء والأبناء،
وألا يثقلا عليه بالأوامر، بل يجب الحديث
معه حال الصفاء فیکون أجدر بتقبل النصح،
لا بعد اللوم والتوبيخ والضرب؛ لأنه يولد
العناد لدى الابن (١).
إضافة إلى أن هذه الطاعة يجب ألا
تتجاوز المباحات، فلا يطيع الولد أبويه في
الكبائر والمحرمات والمنكرات؛ لأنه لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق، خاصة
إذا كانا مشركين يأمرانه بالشرك، فلا طاعة
لهما في ذلك، لكن لا يسقط حقهما في
المعاملة الحسنة والصحبة الطيبة.
قال تعالى: ﴿وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ
بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٠/٨،
تفسير المراغي ٢١/ ٨٤.
www. modoee.com
١٨٥

حرف اللام
فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ
إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِيْثُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٥) [لقمان: ١٥].
من كل هذا يتقرر أن من أول الواجبات
التي يجب على الطفل المسلم تعلمها
الشكر للوالدین، وأن یکون هذا بعد الإيمان
بالله سبحانه وتعالى وحده والشكر له؛
ولهذا جعل لقمان الشكر للوالدين بعد شكر
الله عز وجل والإيمان به اعترافًا بحقوقهما
ووفاء بمعروفهما.
ومن تربية النفس كذلك التربية على اتباع
طريق الصلاح، ويدل على هذا قوله تعالى:
﴿وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَنِيِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥].
فقد أمر الله تعالی باتباع سبیل من أناب
إليه، والمعنى: واسلك طريق من تاب من
شركه، ورجع إلى الإسلام، واتبع محمدًا
صلی الله عليه وسلم (١).
ويكون توجيه الطفل إلى مصاحبة
ومجالسة كل شخص إن كان منيبًا إلى الله
تعالی راجعًا إليه متبعًا طریقه وهدیه، فهو
أحق بأن يحترم ويحب ويتبع، فإن نشأ
الولد على أن الميزان في اختيار الأصحاب
والشيوخ أن يكونوا مطيعين لله منيبين إليه
وإلا فليس لهم طاعة ولا احترام، إلا إذا
أطاعوا الله ورجعوا إليه فإنه لا يتقبل ما
يراه في محيطه إلا إذا كان موافقًا لأمر الله،
حتى وإن أعجبه وأراد تقلیده لا يفعل ذلك
إلا إذا وزنه بميزان الشرع، فيصير لديه مناعة
من الشر والباطل الكثير الذي انتشر في
المجتمع خاصة في وقتنا هذا(٢).
ويدخل في تربية النفس التربية على مراقبة
الله تعالى في كافة الأحوال والأعمال.
قال تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ
حَبَّتٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ
أَوْ فِ اُلْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِرٌ
﴾ [لقمان: ١٦].
وفي هذه الآية يكشف لقمان لابنه عن
علم الله، وبسطة سلطانه، حتى يعبده عن
علم به، ومعرفة بما ينبغي له من كمال
وجلال.
فالله سبحانه، الذي يستحق أن يعبد،
وأن يفرد بالعبادة، هو المالك لهذا الوجود،
العالم بكل صغيرة وكبيرة فيه حتى الحبة
من الخردل، وهى من الصغر بحيث لا تكاد
تمسك بها الأصابع هذه الحبة، إن تكن
في أي مكان في هذا الوجود إن تكن في
صخرة، أي: صخرة من صخور الأرض،
أو تکن في السموات التي لا حدود لها، أو
تكن في الأرض، على أي عمق منها، وفي
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٩/٢٠،
محاسن التأويل، القاسمي ٣٠/٨.
(٢) تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري
ص١٨.
مَوسُو ◌َرُ النَّفِي
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٨٦

لقمان
أي مكان فيها- هذه الحبة الضالة الغارقة في
بحر هذا الوجود، یأتي بها الله، ويخرجها
من هذه الأعماق السحيقة في أحشاء الكون
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ينفذ نور لطفه إلى
كل شيء، ﴿خيرٌ ﴾ متمكن من کل شيء،
ويعلم كل شيء علمًا كاشفًا (١).
وهذه إشارة إلى أن الله يأتي بالحسنة
والسيئة مهما كانت صغيرة مما يُوَلِّدُ لدينا
الخوف منه تعالى ومراقبته في القول
والعمل، وفي السر والعلن، كذلك الولد
مهما حاولنا مراقبته، فإننا لا نستطيع مراقبته
في كافة أحواله، لكن إن زرعنا فيه مراقبة
الله تعالى، فأننا لا نحتاج إلى كثير متابعة
ولا كثير تنبيه.
فإن استوعب الولد أن الله تعالی یعلم
كل كبيرة وصغيرة في الجهر والخفاء فإنه
سیراقب الله عز وجل في کل أقواله وأفعاله،
لغير الله تعالى.
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
١١/ ٥٧٠.
عباده بالمحافظة عليها حال السفر والحضر،
حالة الصحة والسقم، والأمن والخوف،
وإقامتها تعني أداءها في وقتها بأركانها
وواجباتها بخشوع، على النحو المرضى، لما
فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات
له، ولما فيها من النهى عن الفحشاء والمنكر،
وإذا تم ذلك صفت النفس وأنابت إلى بارئها
في السراء والضراء(٢).
فإن أداها المؤمن حق الأداء، فإنه يصل
إلی قمة السمو الأخلاقي، فهي تنھی عن
الفحشاء والمنكر، وهي غذاء الروح، تمد
الإنسان بطاقة هائلة تعينه على مواجهة
المشقات والمكاره فى حياته ومقاومتها.
ثم بعد ذلك تأتي التربية على الصبر على
الدعوة و مشاقها.
قال تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأَمُرْ
بِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكٌ
فلا يعمل شيئا بدون إخلاص ولا يعمل شيئا إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: ١٧].
والصلاة هي رأس العبادات في كل
ومن تربية النفس التربية على أداء شريعة، وهى عمود الدين في كل دين ولهذا
العبادات.
كان مقامها هنا هو المقام الأول: ﴿يَلْبُنَىَّ
أَقِمِ الصَلَوَةَ﴾ ثم جاء بعد ذلك، ما تعطيه
قال تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ﴾
[لقمان: ١٧].
الصلاة من ثمر، وهو إصلاح کیان الإنسان،
وتعتبر الصلاة الركن الثاني من أركان وتنقيته من الشوائب والأدران، فيصبح
الإسلام، وهي عماد الدين، أمر الله تعالى
رسولا كريمًا من رسل الهدى والخير في
الناس، حيث ائتمر بالمعروف، وانتهى عن
(٢) تفسير المراغي ٢١/ ٨٤.
www. modoee.com
١٨٧

حرف اللام
المنكر، وهذا ما يدعوه إلى أن يكون داعيًا عقيدة التوحيد في نفوس الأطفال منذ
نعومة أظفارهم باستخدام كافة الوسائل
بالمعروف، ناهيا عن المنكر، إن لم يكن
بلسانه، فيعمله، وبما يجد الناس فيه، من
الأسوة الطيبة والقدوة الصالحة !!
والأساليب، مع مراعاة السن والنمو العقلي
والإدراكي لهم.
فمن ائتمر بالمعروف و انتھی عن المنكر،
كان أشبه بالمرآة الصقيلة يرى الناس عليها
وجه الخير والإحسان، فيتمثلونه ويتخذونه
قدوة لهم(١).
ثانيًا: أسس التربية الإسلامية من خلال
وصايا لقمان:
تعتبر وصايا لقمان لابنه دستورًا كاملًا
في أصول التربية الإسلامية، فقائلها أب
ومعلم صالح آتاه الله الحكمة، بالإضافة
إلى أنها نابعة عن قناعة وصدق، ومبنية
على التجربة والمعرفة، وهي تهدف أولًا
وأخيرًا أن يحقق الإنسان المسلم العبودية
الكاملة لله سبحانه وتعالى وحده في حياته
الفردية والاجتماعية، وهذه هي غاية التربية
الإسلامية.
ثالثًا: أساليب التربية الإسلامية من عن ندائه لحضوره بالخطاب، فالنداء
خلال وصايا لقمان:
إن وصايا لقمان الحكيم تضمنت
الوسائل التربوية المهمة یمکن ذکر أهمها:
الأول: ضرورة جلوس الأب مع ابنه
دائمًا للوعظ والتوجيه والتربية، وترسيخ
(١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥٧١/١١.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
الثاني: استخدام أسلوب الحب والشفقة
وإشعار الولد بأن النصيحة نابعة من باب
الخوف عليه والحرص على مصلحته
﴿يَنْبُنَىَّ﴾، وعدم استخدام الألفاظ
الجارحة والكلمات التي من شأنها الإنقاص
من قيمة الابن، فيزيد من تقبل الابن لنصح
الأب.
ويلاحظ أن كلمة الوعظ في السياق
بصيغة فعل المضارع للدلالة على تجدد
الوعظ واستمراره، إننا لا نعرف شيئًا عن
ابنه، لا نعرف اسمه ولا عمره عندما وعظه،
ولا نعرف عقیدته، وهل كان مؤمنا بالله أم
مشرگا به؟ کما لا نعرف هل استجاب الابن
لمواعظ أبيه أم لا.
وافتتاح الموعظة بنداء المخاطب
الموعوظ مع أن توجيه الخطاب مغنٍ
مستعمل مجازًا في طلب حضور الذهن
لوعي الكلام، وذلك من الاهتمام بالغرض
المسوق له الكلام.
بالإضافة إلى ذلك كان الأسلوب
الذي استعمله لقمان الحكيم ﴿يَبُنَّ
محببًا للنفس، وإشعاره بأنه يحبه، وأنه لا
١٨٨

لقمان
ينصحه إلا من باب الخوف عليه وحرصه القاصُّ ذا أسلوب متميز جذاب؛ استطاع
على مصلحته، فعلى المربين كذلك عدم شد انتباه الطفل والتأثير فيه؛ وذلك لما
للقصة من أثر في نفس قارئها أو سامعها،
ولما تتميز به النفس البشرية من ميل إلى تتبع
المواقف والأحداث رغبة في معرفة النهاية
التي تختم بها- أي قصة-، وذلك في شوق
ولهفة.
استخدام ألفاظ جارحة منفرة بل عليهم أن
يتفننوا في استعمال الكلمات الجميلة الراقية
الدالة على الاحترام والإشفاق والمحبة،
ولو كان الابن يفعل الأخطاء والجريمة،
مقترنة ببيان السبب والمسبب الذي يترتب
عليه لاحقا .
وهذا من أسباب نجاح الداعية والمربي
الواعظ أن لا ينشغل بالنتائج فقط، بل
يبذر البذور ويغرس الكلمات الطيبة
والتوجيهات والنصائح التي أخلص فيه لله
عز وجل، والنتائج والثمرات يتركها لله عز
وجل؛ فنحن لا نملكها، وهذا ما نستفيده
من قول لقمان لابنه کما حکی عنه المولى
﴿يَبُنَّ﴾.
الثالث: التربية بالقصة: يجب أن تكون
أساليب التربية مستفادة من الوحي العظيم:
الكتاب والسنة النبوية الشريفة. فهذه الشريعة
جاءت بکل ما یصلح به البشر شؤونهم، ومن
تلك الأساليب المستقاة منها تربية الأبناء بل
المجتمع بالقصة، فالتربية بالقصة وتوصيل
المعنی بالإحساس وتحقيق الهدف بالمثال
من أفضل الأساليب وأنجعها نتیجة إن شاء
الله تعالى.
فنحن نجد بأن الموعظة بالقصة تكون
مؤثرة وبليغة في نفس الطفل، وكلما كان
فمما لا شك فيه أن القصة المحكمة
الدقيقة تطرق السامع بشغف وتنفذ إلى
النفس البشرية بسهولة ويسر، ولذا كان
الأسلوب القصصي أجدى نفعًا وأكثر فائدة؛
فالقصة أمر محبب للناس وتترك أثرها في
النفوس والمعهود حتى في حياة الطفولة
أن يميل الطفل إلى سماع الحكاية، ويصغي
إلى رواية القصة (١).
هذه الظاهرة الفطرية ينبغي للمربين أن
يفيدوا منها في مجالات التعليم خاصة،
لنربط الولد بأنبياء الله عز وجل وهدیھم قال
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَيْهُدَنُهُمُ
أَقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وتربيتهم على ما
كان عليه صحابة رسول الله عليه الصلاة
والسلام.
والقصة خير وسيلة للوصول إلى ذلك؛
ولهذا کان النبي صلی الله علیه وسلم کثیرًا
ما يقص على أصحابه قصص السابقين
(١) تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري
ص١٨.
www. modoee.com
١٨٩

حرف اللام
للعظة والاعتبار، لقد كان ما يحكيه مقدمًا وسمو الهدف؛ لأنها تهدف إلى تربية
النفوس وتهذيبها، وليس لمجرد التسلية
بقوله: (کان فیمن کان قبلکم) (١) ثم يقص
صلى الله عليه وسلم على مسامعهم القصة
وما انتهت إليه، لقد كان النبي صلى الله عليه
وسلم يتمثل منهجًا ربانيًّا ﴿فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
والإمتاع، حيث كان الصحابة رضوان الله
عليهم أجمعين يأخذون من كل قصة العظة
والعبرة، کما يخرجون منها بدرس تربوي
سلوكي مستفاد، ينفعه وينفع من بعدهم في
الدنيا والآخرة.
ففي القصص عبرة لمن تفكر واعتبر،
قال الإمام ابن عاشور: «ما فيها من موعظة
المشركين بما لحق الأمم التي عاندت
رسلها، وعصت أوامر ربها حتى يرعووا
عن غلوائهم، ويتعظوا بمصارع نظرائهم
وآبائهم، وكيف يورث الأرض أولياءه
وعباده الصالحين.
قال تعالى: ﴿فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَتَنَافِی
الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وهذا في القصص التي يذكر فيها ما لقيه
المكذبون للرسل كقصص قوم نوح وعاد
وثمود وأهل الرس وأصحاب الأيكة))(٢).
وقصص القرآن تتميز بالواقعية والصدق
(١) مثل ما أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل،
رقم ٣٤٦٣، ٤ / ١٧٠.
(٢) التحرير والتنوير ١ /٦٦.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
ولكن هل الإعلام الموجه للطفل عمومًا
استفاد من هذا الأسلوب التربية بالقصة
لتحصيل أسباب تربوية أم أنه إعلام هدام
أو سلبي على أقل وصف؟ للأسف كثير
منه سلبي، فالقصص التي تعرض في أفلام
الكرتون فيها محاذير ومنكرات عديدة،
منها قصص تثير الفزع والرعب والرهبة في
نفوس الأطفال.
وقصص تثير العطف على قوى الشر
أو تمجيدها، وأحيانًا قصص شعبية التي
تحتوي على مواقف منافية للأخلاق،
(٣)
وقصص تعيب الآخرین وتسخر منهم
موضوعات ذات صلة:
الحكمة، داود عليه السلام، سليمان عليه
السلام
(٣) تربية الأبناء من وصايا لقمان، محمد زمري
ص١٨.
١٩٠