Indexed OCR Text
Pages 21-40
الكفر تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ [إبراهيم: ٩]. والمعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله عز وجل تعجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم تعجبًا (١). لذلك أعد الله تعالى لمن كذب بشيء من آياته العذاب الأليم، وسماهم بالظالمين. قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَاُ سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَِنَا سُوّءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. ٢. الاستهزاء بالآيات. ولقد ذم الله تعالى هؤلاء الذين يتخذون آيات الله هزوا، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ مَلِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَّمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ [الجاثية: ٩]. ٩ يقول ابن كثير: ((أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن کفر به واتخذه سخریًا وهزوًا، أولئك لهم عذابٌ مهينٌ، أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن و استهزأ به». الله تعالى فقال: ((هو كافر))(٢) واستدل بقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ) لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرُمْ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾﴾(٣) [التوبة: ٦٥ - (١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن طالب ٣٧٨٠/٥. (٢) الصارم المسلول، ابن تيمية، ص ٥١٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٦٥/٧. ٦٦]. ٣. التحريف. وهو بمعنى التبديل والتغيير، أخبرت آیات القرآن عن حال اليهود والنصارى وما فعلوه من تحريف في التوراة والإنجيل، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]. يقول القرطبي: «هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالًا والحلال حرامًا اتباعًا لأهوائهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَّلُوهُوَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عرفوه وعلموه. وهذا توبيخٌ لهم، أي: إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعیل سوء وعنادٍ، فهؤلاء على ذلك السنن)) (٤). لیس هذا بل کتبوا كلامًا بأیدیھم وزعموا كذبًا نسبته إلى الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَهُم سئل الشافعي عمن هزل بشيء من آيات مِّمَّا كُنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِنَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة: ٧٩]. ٤. قولهم أساطير الأولين. أي: أباطیل قصص من سبق. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اُكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥]. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/ ٣. www. modoee.com ٣٥١ حرفالكاف فتحداهم الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَقُوَّلَهُ، بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴾ [الطور: ٣٣-٣٤]. ثم خفف عنهم بأن يأتوا بعشر سور من القرآن فقال تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ﴾ [هود:١٣]. فعجزوا، فخفف عنهم التحدي علی أن يأتوا بسورة: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ ﴾ [البقرة: ٢٣]. فعجزوا عن الإتيان بأقصر سورة من سور القرآن. رابعًا: موقفهم من المؤمنين: ١. المعاداة والقتل. يحاول أهل الكفر دائمًا قتال أهل الإسلام، حتی یردوهم عن دینهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَئِلُونَكُمْ حَتّى يُدُكُمْ عَنِ دِينِكُمْ إِنِ أُسْتَطَعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. والمعنى: إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دینهم(١). ٢. الاستهزاء والسخرية. قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/ ١٣٧. (٢١٢)) [البقرة: ٢١٢]. والمعنى: ويسخرون من ضعفاء المسلمين، يوهمونهم أنهم على حق، والمراد بذلك علماء اليهود، أو مشركو العرب، والذين اتقوا فوق الكفار (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ ) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ ٣٠ يَتَغَامَزُونَ فَكِينَ ﴿ وَإِذَا رَأَوَهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَالُونَ وَمَآ أُزْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ ) فَلْيَوْمَ الَّذِينَ عَلَى الْأَرَّبِكِ ٣٤ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ يَضْحَكُونَ ؟ يَنظُرُونَ ﴿ هَلْ تُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المطففين: ٢٩-٣٦]. الغمز: الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاءً. ﴿وَإِذَا أَنْقَلَبُواْ﴾ -يعني الكفار- ﴿وَ إِذَا أَنْقَلَبُواْ إِلَ أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ﴾، معجبين بما هم فيه یتفکهون بذکرهم(٣). ٣. الحسد وكراهية الخير. فأهل الشرك لا يحبون أن يصاب المؤمن بخیر أبدًا من ربه، ولذلك قال تعالی فاضحًا إياهم: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ١٠٥ (٢) تفسير القرآن، العز بن عبدالسلام، ٢٠٦/١. (٣) معالم التنزيل، البغوي، ٢٢٧/٥. ٣٥٢ فَضْو جَوَسُو ◌َةُ النَّفْسِي القرآن الكريم الكفر [البقرة: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدٍ مَا ◌َبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقّ يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْيِّهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) [البقرة: ١٠٩]. الحسد: كراهية نعمة علی مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه، والعفو ترك العقوبة على المذنب، وفي الآية تنبيه أن كثيرًا من أهل الكتاب يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسدًا، وقوله: ﴿مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: من عند هواهم(١). ٤. الصد عن الحق. قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءَ ﴾ [النساء: ٨٩]. ﴿وَدُوْ لَوْ تَكْفُّرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءُ ﴾ أي: في الكفر شرعا سواء(٢). خامسًا: موقفهم من اليوم الآخر: تعددت مواقف أهل الكفر من أصول العقيدة، فقابلوا البعث والحساب بالتكذيب (١) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٢٩١. (٢) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٩٤/١. والإنكار والكفر. ١. الكفر والتكذيب. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَيِلِ اللّهِ وَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ كَفِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٥]. والمعنى على ذلك ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ وهم على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرًا متأصلًا فى نفوسهم، فلا يخافون عقابًا على جرمهم، ولا ذمَّا ولومًا على إنكارهم يوم البعث والجزاء(٣). وقد سجل الله تعالى عليهم تكذيبهم وعدم تصديقهم في كثير من الآيات منها قول الله تعالى: ﴿مَا سَلَڪَكُمْ فِى سَقَّرَ (٢٠) قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ، وَلَّمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ ) وَكُنَا تَكَذِّبُ بِّوْمِ اَلِّذِينِ ، حَّ أَتَنَنَا أَلْيَقِينُ ٤٧ [المدثر: ٤٢-٤٧]. (وَكُنَا تَكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلِينِ﴾ أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب)(٤). ومن ذلك ما جاء عن مسروقٍ، عن عائشة، قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: (لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) (٥). (٣) تفسير المراغي ١٥٨/٨. (٤) التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/ ٤٥٦. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا www. modoee.com ٣٥٣ حرفالكاف وفسر النووي معنى هذا الحديث: بـ((أن وعظامهم وتتفتت وتنتثر في الأرض، وكانوا يتساءلون على سبيل الاستنكار (٢). ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافرٌ، ولا ينفعه عملٌ. قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ))(١). ٣. التشكيك والاستهزاء. لم تسلم الأمور الغيبية أيضًا من سخرية واستهزاء القوم الكافرين. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَذَلُكُ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا أَمْ بِهِ، ◌ِنَّةُ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ اَلْبَعِيدِ ﴾ [سبأ:٧-٨]. والمعنى: کلما أخبر رسول الله صلى الله علیه وسلم الناس بأمر البعث کان أهل الكفر يستنفرون الناس استنفار تشويش واستنكار واستهزاء قائلين لهم تعالوا ندلكم على الرجل الذي ينبىء الناس أنهم سيخلقون خلقًا جديدًا بعد أن يموتوا وتبلى أجسادهم ينفعه عملٌ، ١٩٦/١، رقم ٢١٤. (١) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، ٨٧/٣. سادسًا: موقفهم من الشياطين: انكب أهل الكفر على اتباع الشياطين فسول لهم الشيطان وأملى لهم، فاتبعوه فکانت الموالاة والاستھواء، ولقد بینت کثیر من آيات القرآن الكريم ذلك، منها ما يلي: ١. الموالاة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا، ومعنى ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت (٣) ٠ جمع ٢. التحاكم إلى الشياطين. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا ﴾ [النساء: ٦٠]. والمعنى على ذلك: يريدون أن (٢) التفسير الحديث، محمد عزت، ٢٦٨/٤. (٣) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب المالكي، ٨٥٥/١. ٣٥٤ جوسين القرآن الكريمِ الكفي يتحاكموا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إلى الطاغوت المضل عن مقتضى الإيمان والكتب، والحال أنهم قد أمروا في الكتب المنزلة أن يكفروا به، أي: بالطاغوت، وما ذلك إلا أن يريد الشيطان الذي هو رئیس الطواغيت أن يضلهم عن طريق الحق ضلالاً بعيداً، فالتحاكم إلى الطاغوت كفرٌ بالله تعالى. ولذلك قال ((الفخر الرازي)): ((يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانًا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفرٌ بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمانٌ بالله))(١). وعقب الفخر الرازي على قوله بآية أخرى تعقب آية التحاكم، وهي قول الله تعالى: فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ٦٥ [النساء: ٦٥]. فقال: «وهذا نصُ في تکفیر من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام» (٢). ٣. أستحواذ الشيطان على أهل الكفر. قال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَنَسَنُهُمْ ذِكْرِ اللهِ أُوْلَيْكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِّ ◌َلاَ إِنَّ حِزْبَ (١) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٠/ ١٢١. (٢) المصدر السابق. الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المجادلة: ١٩]. والمقصود بالاستحواذ: (الاستيلاء عليهم، من حاذ الإبل يحوذها إذا ساقها سوقًا عنيفًا)(٣). سابعًا: موقفهم من بعضهم بعضًا: يقف أهل الكفر صفًّا إلى صفٍّ، فعقيدتهم الموالاة والتبعية لبعضهم البعض، وفيما يلي بعض مواقفهم تجاه بعضهم البعض: ١. الموالاة. ومعناها محبة أهل الكفر واتباعهم، قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. حذر الله تعالى أهل الإيمان أن يتخذوا من اليهود والنصارى أولياء، فقال تعالى: ﴿﴿ يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوِْيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوَلَُّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ. مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَِّمِينَ ٥١ [المائدة: ٥١]. وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يوالي كافرًا، لكن يجب على المسلم أن يبرأ إلى الله تعالى من أهل الكفر، وأن يوالي أهل الإيمان. وقد أمر الله تعالى بالبراءة من عبادة الكفار، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا (٣) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢ / ٥٠٦. www. modoee.com ٣٥٥ حرفالكاف اَلْكَفِرُونَ ﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( ٢ وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ، وَلَآَ أَنَاْ عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ ن وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُم دِيتُكُمْ وَلِىَ دِينٍ ﴾ [الكافرون: والله تعالى قد أخبر عن البراءة من المشركين والكافرين فقال تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (١) ﴾ [التوبة: ١]. ٢. التقلید. قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَزِهِم مُّهْتَدُونَ ) وَكَذَلِكَ مَآ أَرْ سَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍمِّن نَّذِيٍ إلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَاً إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٢٢ -٢٣]. ومعنى ﴿أَمَّةٍ﴾ أي: دين(١)، فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه (٢)، لأن أصل الأمة الجماعة، والصنف، کقوله: ﴿وَمَامِن دَآبَقِفی اْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْدٍ إِلَّ أُمَمُ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ثم يستعار في أشياء منها: الدين. کقوله: إِ﴿إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا عَلَى أَمٍَّ﴾ أي: على (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٤/٢١، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/ ٣٣٢، الوجيز، الواحدي، ص ٩٧٢، تفسير القرآن،، السمعاني، ٩٧/٥. (٢) أحكام القرآن، الكيا الهراسي، ٣٦٩/٤. جوبيـ القرآن الكريمِ دین، لأن القوم كانوا يجتمعون علی دین واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمین: أمة محمد صلی الله عليه وسلم، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام)(٣). وسبب تقليد أهل الكفر الألفة والعادة واتباع الهوى والجهل. يقول ابن كثير معلقًا على الآية: ﴿بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾ ((أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها الدين هاهنا)»(٤). (٣) انظر تفسير السمر قندي، ٢٥٥/٣. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٤/٧. ٣٥٦ الكفى صفات الكافرين أخبر القرآن الکریم في کثیر من آیاته عن صفات الكافرين، ولعل من أبرزها الضلال والغرور، فلا يريدون السير في الطريق المستقيم، وظنهم أنهم على الحق وما سواهم على الباطل، أنعم الله تعالى عليهم بالجوارح فلم ينتفعوا بها، بل سخروها في محاربة الإسلام وأهله، فظلموا مَنْ تمسَّكَ بدينه، كل هذا بسبب الحسد والهوى الذي تمكن من قلوبهم، بل كانوا يتبعون الباطل ويجادلون به، فركنوا إلى هواهم، ولقد دلت آيات القرآن کما سأبین فیما یلي. أولًا: الضلال والإضلال: يُقَسِّمُ الراغب الأصفهاني الضلال إلى قسمين فيقول: ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَ ضَلَلا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وضلالٌ في العلوم العملية، كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات، والضلال البعيد إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اُللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا ). [النساء: ١٦٧]) (١). ويذكر الفيروزآبادي قسمي الإضلال فيقول: ((والإضلال أيضًا على قسمين: أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: إما أن يضل عنك الشىء، كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني؛ وإما أن یحکم بضلاله. فالضلال فى هذين سبب للإضلال. الضرب الثانى: أن یکون الإضلال سبيًا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل، كقوله تعالى: ﴿لَمَّت طَّابِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣]. أي: يتحرون أفعالًا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم (٢). ومن مظاهر الضلال: ١. الشرك بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. ٢. اتباع قرين السوء والشيطان، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥١٠. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز،" الفيروز آبادي، ٤٨٣/٣، ٤٨٢ بتصرف. www. modoee.com ٣٥٧ حرفالكاف ٢٨ يَنْوَيَلَقَ لَيْتِى لَمْ أَشَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٧ لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَ فِيُّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩]. ٣. عبادة الأصنام، قال تعالى على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَّبِعَنِىِ فَإِنَّهُ، مِنِّيٌ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦]. ٣٦ ٤. التقليد دون تفكير، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَلَى ءَاثَرِهْ فَهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَكَةُ هُمْ ضَالِّينَ يُهْرَعُونَ (٢)﴾ [الصافات: ٦٩-٧٠]. ٥. الصد عن الحق، واستحباب الدنيا على الآخرة، قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى اْأَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ ٢)﴾ [إبراهيم: ٢ - ٣]. ثانيًا: الغرور: مدار الغرور الجهل، يقول العز بن عبدالسلام: ((ومدار الغرور كله على الجهل، فما اغتر الكفار بعبادتهم إلا جهلًا منهم بحبوطها، وما اغتر المبتدعة ببدعهم إلا جهلا منهم ببطلانها، وما اغتر الأغنياء بغناهم إلا جهلا منهم بأنه فتنة ومحنة، وظنًّا منهم أنه كرامة ونعمة، وكذلك اغترار العابد بعبادته والزاهد بزهادته، والعارف بمعرفته، وربما أقدم هؤلاء على معصية ربهم ظنًّا منهم أن الله عز وجل لا يؤاخذهم بقربهم إلیه و کرامتهم علیه»(١). وأسباب غرور الكفار: ١. شدة إعجابهم بالدنيا، وحر صهم عليها، قال تعالى: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَائٌبَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُفِى اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْتٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَنَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَّاً وَفِ اْأَخْرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانُ وَمَا الْمَيَّوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّ مَتَحُ الْفُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. والمعنى: (أراد الكفار بالله، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، وأكثر حرصًا عليها)(٢). ٢. الاستكبار والإعجاب بالنفس، قال تعالی: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥]. والمعنى (استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا، وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي (١) مقاصد الرعاية لحقوق الله عز وجل، العزبن عبدالسلام ص ١٥٦. (٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ٣٤٧/٢. ٣٥٨ مَوَسُولُ اللَّي لِلْقُرآن الكَرِيمِ الكفي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات الله عز وجل وكفروا بها)(١). ٣. عدم تعجيل العذاب للكافرين في الدنيا، فيجعلهم يتمادون في الغرور قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَقْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ٤. كثرة المال والعطاء، يجعل الكافر في غرور شديد، ولا ينسب العطاء لله تعالى، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَّيْنَ مَالًا وَوَلَدًا ◌ْأَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ء ﴾ [مريم: ٧٧ -٧٨]. ٧٨ ثالثًا: عدم الانتفاع بالعقل والجوارح: إن الكافر لا یشغل عقله بما ینفعه، ولا يستخدم جوارحه إلا في الذي يضره، وفي تقليد الأنعام. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَتْوَّى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. ولقد ذم القرآن الكريم أهل الكفر بسبب عدم تعقلهم وتدبرهم، ومن أمثلة ذلك كما جاء في القرآن ما يلي: ١. عدم تعقلهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا (١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٠ / ٦٤٩٨. لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. يقول البغوي: ((لأن العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود)) (٢). ٢. عدم إبصارهم رغم وجود أعينهم، قال تعالى: ﴿أَعْيُنْ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٣. عدم سماعهم رغم وجود آذانهم، قال تعالى: ﴿وَهُمْ ءَاذَاٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاَ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والمعنى: (وصفهم بأنهم لا يبصرون بعيونهم ولا يعقلون بقلوبهم. جعلهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه، بمنزلة من لا يبصر ولا يعقل. ثم قال جل وعز ﴿بَل هُمْ أَضَلُّ﴾. وذلك أن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما لا تبصره)(٣). ٤. عدم استخدام حواسهم إلا في خدمة أغراضهم، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآَهُ وَنِدَآءْ صُمْ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]. وعدم استخدام ١٧١ الحواس في الطاعة والتفكر والتدبر يدل على عدم عمل العقل، مما لا ينتفع (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١ / ١١٠. (٣) معاني القرآن، الزجاج، ٣٩٢/٢. www. modoee.com ٣٥٩ حرفالكاف الكفار به. ٥. عدم عظة الكافر ممن كان قبله، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَالَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [الحج: ٤٦]. وعدم الاعتبار أو العظة يدل بالحال على فساد العقل، والمعنى (فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أو آذانٌ يسمعون بها التخويف. ﴿فَإِنَّهَا ﴾، أي: النظرة بغير عبرة، ويقال: كلمة الشرك. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد)(١) والدليل على أن الكافرين لم يجعلوا للعقل حظًّا من التفكير، ولم يجعلوا لجوارحهم نصيبًا من النظر والسمع قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ أَعْخَبِ السَّعِيرِ ( [الملك: ١٠]. نسمع سماع من يميز ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وينظر ﴿مَاكُنَا فِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ﴾، والمعنى: إِنَّا لم نسمع الحق ولم نعقله، أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا)(٢). (١) تفسير السمر قندي، ٢/ ٤٦٣. (٢) انظر تفسير القرآن، السمعاني، ٦/ ١٠. جوية القرآن الكريمِ رابعًا: الظلم: الظلم في اللغة معناه: (الجور ومجاوزة الحد، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه)(٣). وعرف الظلم في الاصطلاح بأنه: (وضع الشىء فى غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو زيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه)(٤). وفسر الشرك بالظلم، قال تعالى: الشِّرْكَ لَظُلْوٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. تفسير الظلم بالشرك علي إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كلّ على ما يليق به(٥) . ويدلل على هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]. قلنا: یا رسول الله، أینا لا یظلم نفسه؟ قال: (ليس كما تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. بشركٍ، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ)(٦). (٣) انظر: النهاية، ابن الأثير، ١٦١/٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١١٣٤، المصباح المنير، الفيومي، ص ١٤٦. (٤) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣/ ٥٤١. (٥) فتح الباري، ابن حجر ٣٥٥/٨. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث ٣٦٠ الكفي وأسباب الظلم: دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الظلم منها :- ١. الكفر، قال تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه (١) ٢. الكبر والغرور، ويتجلى ذلك في قصة النمروذ، عندما قال لنبي الله إبراهيم عليه السلام ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجّ إِبْرَهِكَمَ فِى رَبِِّةِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبَهِمُ رَبِىَ أَلَّذِى يُحْىِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِى وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهُ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى ٢٥٨ [البقرة: ٢٥٨]. اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فحمله غروره و کبره على مجادلة نبي الله إبراهيم، فنسب لنفسه الموت والحياة، وبأنه يقدر على فعل ما يفعله الله تعالى(٢). ٣. الكذب على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ* إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١]. والمعنى: (لا أحد أظلم الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلاً)، ١٤١/٤، رقم ٣٣٦٠. (١) فتح البیان، صديق خان ٨٨/٢. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١١. ممن افترى على الله كذبا، كمن زعم أن له ولدًا أو شریگًا، أو أن غیرہ یَدَّعي معه أو من دونه أو يتخذ وليًّا له يقربه إليه زلفى ويشفع للناس عنده، أو زاد فی دینه ما ليس منه، أو من كذب بآياته المُنَزَّلَةِ كالقرآن، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته)(٣). ٤. موالاة أعداء الله تعالى، والمقصد اتباع أرباب الكفر، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوَأْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَاءُ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِّنْكُمْ نَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ﴾ [التوبة: ٢٣]. ٥. السخرية من المرسلين، قال تعالى: ﴿وَعْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِ= إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُ تَجْوَ إِذْ يَقُولُ الظَّالِسُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًّاً مَّسْخُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٧]. خامسًا: اتباع الباطل والمجادلة به: والباطل ضد الحق، ومقصوده هنا الكفر والانحراف، ولقد جاءت آيات القرآن الكريم كثيرة في هذا المعنى تبين أساليب الكافرين، في المجادلة الباطلة عن عقيدتهم بغية الانتصار للنفس، دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الباطل والمجادلة به، فجاءت الآيات مبينة ومؤكدة (٣) انظر: تفسير المراغي ٧/ ٩٥. www. modoee.com ٣٦١ حرفالكاف لحال الكافرين في الصد عن دين الله تعالى، وفي اقترافهم للسبل التي اتخذوها ليكذبوا الرسل، ومن هذه الآيات القرآنية ما يلي: ١. المجادلة في الدين، وهو بمعنى الخصام في الدين، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَمَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْا كُلَّ مَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَاْ حَّة إِذَا جَاءُوَكَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآَ [الأنعام: ٢٥]. ٢٥ إِلَّ أَسَطِيُ اْأَوَّلِينَ ( والمعنى: ﴿وَإِن يَرَوْاُ كُلَّ ءَايَةٍ﴾، علامة تدل على صدقك ﴿لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ هذا حالهم في البعد عن الإيمان ﴿حَّى إِذَا جَاءُوَ يُجْدِلُونَكَ﴾ مخاصمين معك في الدین)(١). ٢. جحود الحق، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يُجَدِ لُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال: ٦]. والمعنى: جحود الحق بعد وضوح برهانه علم لاستكبار صاحبه، وهو - فى الحال- فى وحشة غَيِّه معاقب بالصد وتنغص العيش، يَمَلُ حياته ويتمنى وفاته (٢)، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَلَوْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ ﴾ [غافر: ٦٩]. (١) الوجيز، الواحدي، ص ٣٤٨. (٢) لطائف الإشارات، القشيري، ١/ ٦٠٤. یعني: یجحدون بآيات الله(٣). ٣. إيحاء الشياطين للكافرين بالجدال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى [الأنعام: ١٢١]. أَوْلِيَآپِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ والمعنى(أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل) (٤). ٤. خصام الرسل وتكذيبهم، ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ اَلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَتُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اَلْحَقِّ وَأَخَذُوَاْ مَتِى وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُوًا [الكهف: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّم بِرَسُولِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اُلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ ! [غافر: ٥]. والمعنى ﴿وَجَدَلُواْ﴾ أي: من بِالْبَطِلِ خاصموا رسولهم القول ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ أي: ليزيلوا ـهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ تَكَيْفَ كَانَ عِقَاپٍ ومنه مكان دحض، أي: مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزول فلا يستقر، جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان (٥). (٣) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤/ ١٤٢. (٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، ٢٨٧/٢. (٥) فتح البیان، صديق خان ١٢ / ١٦٢. ٣٦٢ مُوسُوبَةُ النَّ جوببيو القرآن الكريم الكفي سنة الله في الكافرين أرسل الله الأنبياء والرسل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإذا أطاعوهم فقد اهتدوا، وإن تولوا فقد أقيمت عليهم الحجة، قال تعالى: ﴿رُسُلَّا قُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقد أمهلهم الله تعالى عساهم أن يتوبوا وأن يأخذوا العظة والعبرة ممن سبقهم، وتارة تكون سنة الله تعالى الاستدراج، ولعلها أيضًا تفتح لهم طريق الهداية، فلما أصروا على كفرهم وعنادهم أمر الله تعالى بمجاهدتهم، ولقد جاءت آيات القرآن الكريم تبين عدم التسوية بين المؤمن والكافر أبدًا، فالمؤمن في معية الله تعالى يأتمر بما أمره الله به، وينتهي بنهيه، والله تعالى ترك بابًا لا يغلق هو باب التوبة، فالكافر لو تاب إلى الله توبة نصوحة بَدَّلَ ما كان عليه من سيئات وذنوب إلى حسنات، ولا أدل على ذلك من رحمة الله تعالى بعباده، فالله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، لكنهم لما اتبعوا أهواءهم حل ما حل بهم من الركون إلى الشياطين. أولًا: إقامة الحجة عليهم: أخبر سبحانه وتعالى بأنه غني عن العباد جميعًا، وتعددت إقامة الحجة في القرآن علی الکافرین منها: ١. إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ [النساء: ١٦٥] عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ والمعنى ﴿ رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. وقوله: ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذرٍ عذرٌ)(١). ٢. الدعوة إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿قُلٌ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُّنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٦٤]. ٣. المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِلَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَ ١٢٥ عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٥/٢. www. modoee.com ٣٦٣ حرفالكاف [النحل: ١٢٥]. هدف الدعوة الأول هو إدخال الناس في الإسلام؛ ولذا فإن الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما الهدف الأول للجدال والمحاججة، فهو دفع الخصوم وإقامة الحجة، وبعدها يأتي هدف اقتناع المجادل بالحق؛ ألا ترى - رحمك الله - أن المسلمين يفرحون عند إفحام خصومهم من الكفار ولو لم يهتد منهم أحد؛ لأنهم حققوا الهدف الأول من الجدال)(١)، كما قال تعالى: وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ اُلْكِتَبِ إِلَّا ◌ِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر موسى وهارون، عليهما السلام، حين بعثهما إلى فرعون فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ, يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤](٢). ٤. بيان عاقبة الأمم الكافرة، حَفَلَ القرآن الكريم ببيان عاقبة المكذبين في الدنيا، ومن ذلك قوم نوح وقوم عاد وثمود وغيرهم، قال تعالى: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِزَّهِيَمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ) وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ (١) التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني، سامي القدومي ص ٢٥١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦١٣/٤. ثُمَّ أَخَذْتُهُمٌّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ )﴾ [الحج: ٤٢-٤٤]. فأقام الله تعالى عليهم الحجج بعد إخبارهم بعاقبة من كفر قبلهم. ثانيًا: الإملاء والإمهال: والمقصود من الإملاء: التأخير. قال تعالى: ﴿ وَأُقْلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِی مَتِينُ ﴾ [الأعراف: ١٨٣]. (١٨٣) والمعنى قوله تعالى: ﴿وَأُمَلِلَهُمْ﴾ أي: أمهل لهم وأؤخر لهم)(٣). فعلى ذلك فإن المقصود بالإملاء إطالة المدة، یقول الواحدي معلقًا على قوله تعالى ((﴿ وَأَمْلِ لَهُمْ﴾: أي: أطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي)» (٤). لذلك وقت الله تعالى العذاب بأجل ٤٠٠٠٠٠ مسمى، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى ◌َجَلَّهُ هُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ٤٥]. والإملاء والإمهال له عدة أسباب في القرآن الكريم منها: ١. بيان عاقبة الطغاة، وسوء مصيرهم، قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ١٠٣]. وفي موضع آخر: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ (٣) انظر تفسير القرآن، السمعاني ٢٣٦/٢. (٤) انظر الوجيز، الواحدي، ٤٢٣/١. ٣٦٤ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الكفى [القصص: ٤٠]. عَقِبَةُ الَّلِمِينَ﴾ وفي موضع ثالث: ﴿فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩]. وفي الحدیث عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُوَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: ١٠٢] (١). ٢. ليميز الله الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ٣. الإضلال والشقاء ليزدادوا إثمًا، قال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِىِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ [التوبة: ٥٥]. وقال كَفِرُونَ تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوا [آل إِقْمَّأَ وَلَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (ٹ)﴾ فَهِّلِ عمران: ١٧٨]. وقال تعالى: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمةً إن أخذه أليمٌ شديدٌ)، ٦/ ٤٧، رقم ٤٦٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٧، رقم ٢٥٨٣. [الطارق: ١٧]. الْكَفِرِينَ آَمهنئُمْ رُویاً ﴾﴾ والمعنى ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوًَّ﴾ أي: قليلا فسيعلمون عاقبة أمرهم، حين ينزل بهم العقاب)(٢). ثالثًا: الاستدراج: استدرج الله المرء: جره قليلا قليلا إلى العذاب. قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم ◌ِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢، القلم : ٤٤]. (كلما جدَّدوا خطيئة جَدَّدْنا لهم نعمة وأنسيناهم شكر النعمة واستغفار الذنب)(٣). ولقد بينت آيات القرآن الكريم الهدف من الاستدراج، فتارة يكون الهدف التوبة، فيذكرهم الله تعالى بحال السابقين قبلهم وأن الله تعالى أهلكهم لما كذبوا الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِ وَمَا كَلُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ١٣ [يونس: ١٣]. ويذكرهم بحال الأخسرين أعمالًا حتى يستفيقوا من غفلتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَُُّكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (١٦ ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ اْيَّوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا: ١٠٤ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. وتارة يكون الهدف الإغواء والضلال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩١٩. (٣) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٥٩٢/٢. www. modoee.com ٣٦٥ حرفالكاف فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّيْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٤٤]. والمعنى (وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها)(١). وفي الحديث عن عقبة بن عامرٍ، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنیا علی معاصيه ما یحب، فإنما هو استدراجٌ) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَمَّانَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٤٤](٢). المستدرجون في القرآن: أهل الكفر المكذبون بآيات الله تعالى ورسله، والمتكبرون، والظالمون، والله تعالى قد یغدق عليهم العطایا فیمتعهم بعض السنیین، ثم يأتيهم العذاب فما أغني عنهم ما تمتعوا به من ملذات الدنيا. (١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢٠٢٢/٣. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٥٤٧/٢٨، رقم ١٧٣١١، والطبراني في الأوسط، ١١٠/٩، وفي الكبير، ٣٣٠/١٧. وحسنه العراقي في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين، ٢١٧٢/٥، رقم ٣٤٢٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع ١٥٨/١، رقم ٥٥٦. قال تعالى: ﴿أَفَرَوَّيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ ثُوَّ جَاءُهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ (٢٠٥ سِنِينَ مَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧]. (أي: إنهم وإن طال تمتعهم بنعم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتع عنهم شيئًا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط)(٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْ سَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَلِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ بَّهُونَ فَلَوْلَا إِذَا جَاءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ فَلَمَا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِء (٤٣ يَعْمَلُونَ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَهُم بَغْنَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٥]. والمعنى: إن الله تعالى إذا أغدق النعم على العبد المعرض عن طاعته المقيم على معصيته فهذا استدارج من الله تعالى، والمعنى تؤيده السنة النبوية كما في الحديث عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأيت الله يعطي العبد، وهو في ذلك مقيمٌ على معاصیه، فإنما ذلك منه استدراجٌ. ثم تلا قول الله: ﴿فَكَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فِحُوا بِمَا أُوْنُوَّا (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٨٨/١٥. ٣٦٦ جوسين القرآن الكريمِ الكفي ◌َخَذْفَهُمْ بَغْتَّةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ (١). رابعًا: الأمر بمجاهدتهم: أمر الله تعالى نبيه بمجاهدة الكافرين، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنهُمْ جَهَنَّةٌ ﴾ [التوبة: ٧٣]. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ولذلك فإن أصل القتال المشروع هو الجهاد، حتی یکون الدين كله لله تعالى، يقول ((ابن تيمية)): ((أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين)»(٢)، ولذلك كان الأمر بمجاهدة الكفار لأسباب كثيرة منها ما يلي: ١. أن یکون الجهاد تنفيذًا لأمر الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدِ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]. ٢. أن يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَننَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ (١)﴾ [البقرة: ١٩٣]. (١) الحديث أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨/ ٥٤٧، وابن جرير في تفسير ١١٥/٧. وحسنه العراقي في تخريج الإحياء، ٤/ ١٦٢، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٦١. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٥٤. والمعنى: (حتی لا یکون شرٌ بالله، وحتی لا یعبد دونه أحدٌ، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان)(٣)، وفي الحديث عن أبي موسى، قال: (جاء رجلٌ إلى النبي صلی الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حميةً، فرفع إلیه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا، فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله . عز وجل) (٤) ٣. أن يكون دفاعًا عن النفس، وردًّا لاعتداء الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُّ فَلَا تَظْلِّمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٣٦]. (٣) جامع البيان، الطبري، ٣/ ٥٧٠. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من سأل، وهو قائمٌ، عالمًا جالسًا، ١/ ٣٦ رقم ١٢٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ١٥١٢/٣، رقم ١٩٠٤. www. modoee.com ٣٦٧ حرفالكاف ٤. إذا تقابل الصفان، فلا يجوز التولي بل يجب مجاهدة الكفار، قال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُّوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ [الأنفال: ١٥-١٦]. والمعنى: ١٦ (إذا التقى الزحفان في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، فلا تولوهم الأدبار بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله)(١). خامسًا: غنى الله تعالى عنهم: إن الله تعالى غني عن الخلق أجمعين، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا يضره كفر الكافرين، ولقد جاءت الآيات القرآنية تبين ذلك، وتوضح أن الله تعالى لا يبالي بخلقه إن لم يعبدوه، قال تعالى: ﴿قُلّ مَا يَعْبَؤُا بِكُّتْ رَبِّ ◌َوَلَا دُعَاؤُكُمٌّ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٧]. والمعنى﴿ قُلْ مَايَعْبُؤُا پگُتْرٍ﴾ أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرةً وأصيلاً، لولا إيمانكم)(٢). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣١٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٣٤/٦. بين الله سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض، ولقد أخذ العهد والميثاق على الأمم السابقة أن يعبدوه ولا يكفروا به، فإن كفروا فإنه سبحانه وتعالى غني عن الخلق أجمعين، قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ١٣٦)﴾ [النساء: ١٣١]. والمعنى: (وإن تكفروا كما كفر أهل الكتاب فإن لله ما في السموات وما في الأرض إنه لا يضره كفرهم؛ إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ أي: غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا)(٣). أخبر الله تعالى على لسان بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أنه غني عن جميع الخلائق إنسهم وجنهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوَ أَنتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَيدُ ٥﴾ [إبراهيم: ٨]. والمعنى: إن تكفروا وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها، ﴿فَإِنَّ (٣) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٤٩١/٢. مَوَسُوعَة النفسية القرآن الكريم ٣٦٨ الكفي الله﴾ سبحانه ﴿لَغِىُّ﴾ عن شکرکم لا یحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص ﴿حَيدٌ﴾ أي: مستوجب للحمد لذاته؛ لكثرة إنعامه وإن لم تشکروه، أو یحمده غیر کم من الملائكة، وتنطق بنعمه ذرات الكائنات)(١). إن الله سبحانه وتعالى غني عن جميع خلقه مسلمهم و کافرهم، فکیف حال أهل الكفر والجحود، فإن الله تعالى أرسل الرسل بالبيانات والهدى من أجل الخلق جمیعًا، فمنهم من صد وجحد فاستغنی الله عنهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُمْ بِاَلْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ مَّدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حِيدٌ ))﴾ [التغابن: ٥- ٦]. ولذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. سادسًا: لا يستوي المؤمن والكافر: فرق الله تعالى بين الظلمات والنور، فالظلمات هي الكفر، والنور هو الإيمان، والكفر هو العمى، والإيمان هو البصر. مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ قال تعالى: كَالْأَعْنَى وَالْأَصَدِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَكَّرُونَ ﴾ [هود: ٢٤]. (١) فتح البیان، صدیق خان ٨٨/٧. ولذلك يقول ابن القيم: «فإنه سبحانه ذکر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما کانوا یبصرون، ثم ذکر المؤمنین، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن، وجعل أحد الفريقين کالأعمى والأصم من حیث کان قلبه أعمی عن رؤية الحق أصم عن سماعه؛ فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن؛ فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلَ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤](٢). وأهل الإيمان هم أهل الهداية، قال تعالى: ﴿أُوَكَ عَلَى هُدَى مِّن ◌َّيْهِمْ﴾ [البقرة:٥]. وأهل الكفر هم أهل الضلال، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم : ٤٤]. وأهل الإيمان هم أهل الفلاح، الذين آمنوا بالله ورسله. قال تعالى: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ اَلَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وأهل الكفر هم أهل الخسران. قال تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِأَلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم،- ١١٩/١. www. modoee.com ٣٦٩ حرفالكاف فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَعَمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ یکنها، فلم يغن عنها بناؤها شيئًا عند حاجتها إياه، فكما أن بيت العنكبوت لا يدفع عنها قَدْ خَسِرُوَّا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣]. بردًا ولا حرًّا، كذلك هذه الأوثان لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضًّا ولا خيرًا ولا شرًا)(١)، وأهل الإيمان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأهل الإيمان يثبتهم الله تعالى في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَخْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَثُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. وأهل الكفر علیهم ذلة ومسكنة وغضب من الله ومن الناس. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي اْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال تعالى: ﴿وَضُّرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللهُّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُّلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَمْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وتارة أخرى يصف الله تعالى حال أهل الكفر والجحود بأهون البيوت بيت العنكبوت. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ اَخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْمَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ))﴾ [العنكبوت: ٤١]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني: (الأصنام يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ أَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسها كيما (١) انظر الكشف والبيان، الثعلبي، ٢٧٩/٧. ٣٧٠ مُؤْو ◌َةُ الَفِيَ جوسين القرآن الكريمِ