Indexed OCR Text
Pages 21-26
كرة يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة:٨]. فالعدل واجب شرعي مع جميع الناس، حتى لو كان بينك وبينه بغض وعداوة. التعدي على حقوق الآخرين، باستئثار المنافع، وعدم إعطائها لمن يستحقها، فإنه يولد الكراهية، وقد حذر الله ورسوله من الاعتداء على الآخرين فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْتَدُ وَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)(١). فمن اعتدى على غيره لا يمكن للآخرين أن يحبوه بل سيكرهونه لظلمه وسلبه حقوقهم. الكذب والغش؛ والكذب صفة مذمومة، وهي علامة نفاق لذلك فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب قصاص المظالم، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، رقم ٢٣٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم ١٦١٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم ٣٣، ومسلم في وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا)(٣) ولم يحدد رسولنا الكريم نوع هذا الغش بل هو عام في جميع أنواع الغش، سواء غش الناس في بيعهم وشرائهم، أو غشهم عند الزواج، أو غير ذلك، فمن كانت هذه صفاته فالناس سيكرهونه، فالكذابون والغشاشون مكروهون من الناس. قسوة القلب والغلظة في التعامل، فالقسوة والغلظة في التعامل مع الناس تجلب الكراهية فتنفر الناس من حولهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. التجسس: فالذي يتجسس على الناس ليكشف عوراتهم وأخطاءهم، كيف لهم أن يحبوه، لذلك نهى الله ورسوله عن التجسس، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم ٥٩. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غشنا فليس منا، رقم ١٠١. www. modoee.com ٢٦٣ حرفالكاف يفضحه ولو في جوف بيته)(١). وقد قال ابن عثيمين: (التجسس أذية، يتأذى به المتجسس عليه، ويؤدي إلى البغضاء والعداوة)(٢). الجدال: لذلك أمرنا الله تعالی أن تكون المجادلة بالتي هي أحسن في قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ لأن المجادلة غير الحسنة؛ في نهاية الأمر، تؤدي إلى الكراهية. کثرة العتاب واللوم، وورد في ذلك من أمثال العرب، (كثرة العتاب توجب البغضاء)(٣)، فكثرة العتاب واللوم يولد الكراهية بين الناس، مع أنه لا بد من العتاب واللوم ولكن ليس على كل صغيرة وكبيرة، وتكون بأسلوب راقٍ بعيدا عن القدح والذم. ٢. ضعف الإيمان. ويأتي ضعف الإيمان نتيجةً لعدم الالتزام بأوامر الله ورسوله، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في تعظيم المؤمن، ٤٤٦/٣، رقم ٢٠٣٢، وحسنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٢٣/٢، رقم ٧٩٨٥. (٢) شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين، ٢٥١/٦- ٢٥٢. (٣) المستطرف في كل فن مستظرف، الإبشيهي، ص ٦٩. تحسسوا، ولا تباغضوا وكونوا إخوانا)(٤). فقد جاء النهي عن التباغض ومع ذلك لا نجد التزاما، مما أدى إلى ضعف الإيمان؛ هو سبب لكل ظلم واعتداء على الآخرين، وسبب للكراهية والبغضاء، والحقد والحسد، وغير ذلك، لأنه حينها يكون الشيطان هو المتنفذ المتحكم في مثل هؤلاء، والشيطان لا يقرب إلا لما يحبه ويبعد عن كل ما يرضي الله، وكراهية المسلم لأخيه المسلم من الأمور التي يحرص عليها الشيطان فيقربها إلى كل ذي نفس ضعيفة بالإيمان. ٣. التفرق والاختلاف. اختلف العلماء المسلمون في كثير من المسائل سواء في الفرعية، أي: في فروع الشريعة والتي أظهرت المذاهب الفقهية، أو في مسائل أصول الدين، وهو الخلاف العقدي والذي أظهر الفرق الإسلامية. والخلاف الفقهي محمود، لذلك يقال: اختلاف الأئمة رحمة للأمة، وأما الخلاف العقدي فهو مذموم وعواقبه وخيمة على الأمة الإسلامية على مر العصور، وهذه (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا يخطب من خطب أخيه حتى ينكح أو يدع، رقم ٤٨٤٩، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، رقم ٢٥٦٣. ٢٦٤ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ كرة الفرق أدت إلى الكره والتباغض بين وغيرها، لذلك قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ﴾ المسلمين، وعدم قبول الآخر، لهذا نهى وَلَا الله عن التفرق والاختلاف فقال: [الحجرات: ١٣]. تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَغَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَيْنَتُ وَأُوْلَيْكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]. ومن الأسباب التي أدت إلى التفرق والاختلاف: التعصب لغير الحق من خلال التحزب في الأحزاب الوطنية أو القومية وغيرها من الأحزاب، أو التحزب إلى إمام من الأئمة، أو عالم من العلماء، فالأتباع يكرهون بعضهم البعض، وكل منهم يتهم الطرف الآخر بدلا من أن يعمل الجميع لخدمة الإسلام والمسلمين وخدمة الوطن، مع أن الواجب علينا كمسلمين حب المسلم للمسلم لا کراهیته، بغض النظر عن حزبه. ٤. الدعوة إلى عصبية النسب والجاهلية. والإسلام نبذ العصبية بشدة، وجعلها من عادات الجاهلية، وسبب نبذها هو ما فيها من آثار سلبية على الفرد والمجتمع، فهي تؤدي إلى الكره والتباغض بين أفراد المجتمع الواحد من جهة، وبينه وبين المجتمعات الأخرى من جهة أخرى، والعصبية غير مختصة بالعصبية القبلية بل بها وبغيرها مثل التعصب للحزب والجماعة، والتعصب العائلي، والتعصب للجنس واللون والبلد www. modoee.com ٢٦٥ حرفالكاف أثر الكره على السلوك الإنساني وإننا إذ نتحدث عن آثار الكره على السلوك الإنساني فإن المقصود بالكره هو الكره المذموم، وله كغيره من الأخلاق السلبية العديد من الآثار الآثار السلبية الضارة، والعواقب المهلكة على الفرد والمجتمع، ولا بد من التنبيه عليها حتى نتجنبها ولا نقع فيها؛ وهي كما يلي: أولًا: آثار كراهية أحكام الله: ١. نفي الإيمان عمن کره أحكام الله. فقد قال عز من قائل: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا ◌َُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٨-٩]. وقد وصفهم في بداية الآية بقوله: ﴿وَالّذِينَ كُفرُوا﴾ فمن يكره ما أنزل الله من الآيات لن يكون مؤمنا فكأن لم يعمل صالحا من قبل، فالمؤمن لا يمكن أن يكره آيات الله، لقول الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُ واْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْاْ تَسْلِيمًا (٥﴾ [النساء: ٦٥]. ذلك لأنهم لم يحكموا شرع الله فيما شجر بينهم ولأنهم وجدوا حرجا شديدا من أوامر ونواهي الله ورسوله ولم يسلموا تسليما تاما لقضاء الله تعالى، فقد أقسم الله بأنهم غير مؤمنين فنفى عنهم الإيمان. ٢. إحباط الأعمال. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ! ٨ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ فَأَحْبَطَ :[محمد: ٨-٩]. فلأنهم كرهوا ما أنزل الله فقد أحبط الله أعمالهم، لك أن تتصور من يبني عمارة، ثم بنفسه يهدمها! أو کمن تنقض ثوبا غزلته بعد وَلَا تعب ومشقة، لذلك قال الله تعالى: تَكُونُواْ كَلَِّى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدٍ قُوَّقِ﴾ [النحل: ٩٢]. ولأنهم قد كرهوا رضوان الله لكراهيتهم أحكام الإسلام، وكل مظهر من مظاهر الإسلام. والله عز وجل لا يقبل من الكافرين عملًا طوعًا كان أو كرهًا ليس ذلك إلا لأنهم كفروا بالله ورسوله فأحبط الله أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ) [التوبة: ٥٤]. ٣. الذل والهزيمة. فالله عز وجل حکم علی کل من يكره ما أنزل الله بالتعس، لقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعَسَالَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا [محمد:٨- مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَخَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴾ ٩]. والتعس: الانحطاط والعثار، قال ابن ٢٦٦ القرآن الكريم الكرة السکیت: التعس أن یخر على وجهه، والنكس أن يخر على رأسه، قال: والتعس أيضا الهلاك، قال الجوهري: وأصله الکب، وهو ضد الانتعاش، وقد تعس (بفتح العين) يتعس تعسا(١). ويقول تعالى مؤكدا هذا الخزي الذي يلحق بمن يكره ما أنزل الله أو بعضه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِّ فَمَا جَزَّاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِرِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. ٤. العذاب فى الآخرة. فالله أعد نار جهنم لکل من کره حكما من أحكام الله، لقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اَلَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِي الْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ ﴿ ﴾ [التوبة: ٨١]. ٨١ ثانيا: آثار كراهية المسلمين لبعضهم البعض: أما المسلم الذي يكره غيره من المسلمین، کأخیه أو جاره أو زمیله، لمصالح دنیویة، فآثار کرهہ کثیرة علی النفس وعلی المجتمع وهي كما يلي: (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣٣/١٦. ١. حلق الدين والتوعد بالعقوبة الأخروية. فعن الزبير بن العوام حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء؛ هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتی تحابوا أفلا انتکم بما یثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم).(٢) إن الأثر الأكبر للكراهية هي على نفس صاحبها، سواء على الناحية النفسية أو حتى الجسمية، من تعب للأعصاب وقلق البال، وهذا حتما يؤثر على جسمه بإضعافها، فلمجرد ذكر اسم من یکرهه أو یتذکر شيئا من أقواله أو أفعاله، فإن ناره تشتعل. ٢. القلق والاضطراب. وهذا الشعور يؤدي إلى الكثير من الانحرافات السلوكية كالانطواء، والغضب، والعدوانية، والكذب، لذلك من نعيم أهل الجنة أن نزع الله الغل من صدورهم. ٣. التفريق بين الأخوة الإيمانية أو أخوة النسب، وتقطيع أواصر المحبة بينهم، وعدم صلة الأرحام. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة ، رقم ٢٥١٠. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٦٣٤/١، رقم ٣٣٦١. www. modoee.com ٢٦٧ حرفالكاف رِحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ٤. تضعف المجتمع المسلم أمام أعدائه، نتيجة انشغاله بمشاكله الداخلية. ٥. انتفاء العدل بين الناس، وهذا بالتأكيد مؤذن بخراب المجتمع ومنجزاته. يقول تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. موضوعات ذات صلة: الإكراه، الرضا، المحبة ٢٦٨ قَضوري جوبي القرآن الكريمِ