Indexed OCR Text
Pages 21-35
الكمان
جید، لم تقطع ثمرته، فقال: (دون هذا) فأتی
بسوط قد ر کب به ولان، فأمر به رسول الله
صلی الله عليه وسلم فجلد، ثم قال: يا أيها
الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله،
من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر
بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه
كتاب الله)(١).
ولحديث: (من ستر مسلماً ستره الله يوم
القيامة)(٢).
وهذا النوع من الكتمان من الحزم
والاحتياط(٣).
ومن الوفاء أن يحافظ المسلم على سر
أخيه فیکتمه وإلا كان غادرا؛ لأن من حق
المسلم على المسلم أن یکتم عنه ما یکون
قد وصل إليه من سره، خاصة إذا كان قد
تعهد له بحفظ هذا السر وعدم إذاعته، ومن
هنا کان کتمان السر نوعا من الوفاء بالعهد،
(١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب المدبر، باب
ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، رقم
١٢، ٨٢٥/٢، والحاكم في المستدرك على
الصحيحين، رقم ٢٧٢/٤،٧٦١٥.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
وهو كذلك عند الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ٣٠٥/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم،
رقم ٢٤٤٢، ١٢٨/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم
الظلم، رقم ٢٥٨٠، ١٩٩٦/٤،.
(٣) انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم ٢/ ٥٠.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] (٤).
ثانيًا: الكتمان المذموم:
يكون الكتمان مذموما في الخصال
الآتية:
١. كتمان العلم.
نهى الله تعالى عن كتمان العلم، الذي
هو حياة الناس وهدايتهم إلى الصراط
المستقيم، فالواجب بيان الحق، وعدم
المداهنة، ومن ذلك: أن يجب على العالم إذا
رأى الناس على باطل أو خرافات أو شرك،
فإنه لا یسکت، بل يجب عليه أن یبین، ولا
يترك الناس يقعون في عبادة القبور، وعبادة
الأضرحة، ومزاولة البدع المضلة، ويسكت.
وقد وردت في هذا المعنى آيات في
كتاب الله العزيز منها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا
مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِى
الْكِنَبِ" أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُونَ
[البقرة: ١٥٩].
١٥٩
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ
أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمْنَا
قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ وَلَّا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ
(٤) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين
٣٢٠٦/٨.
www. modoee.com
١٨٩
حرفالكاف
﴾ [البقرة: ١٧٤].
١٧٤
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ.
فَتَبَدُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِ ثَمَنَّا قَلِيلًاً
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
استدل العلماء بهذه الآيات على: وجوب
تبليغ الحق وبيان العلم على الجملة، وللآية
تحقيق هو أن العالم إذا قصد الكتمان عصی،
وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أن
معه غيره، وكذلك فإن كان هناك من يبلغ
اکتفي به، وإن تعین علیه لزمه.
إن هذا الكتمان من الكبائر؛ لأنه تعالی
أوجب فيه اللعن؛ ولأن ما يتصل بالدين
ویحتاج إلیه المكلف لا يجوز أن یکتم، ومن
كتمه فقد عظمت خطيئته، وبلغ من الشقاوة
والخسران الغاية التي لا يدرك کنهها.
لكن يشترط لذلك شرطين:
أولًا: أن لا يخشى العالم على نفسه.
ثانيًا: أن يكون متعينا عليه ذلك بأن آتاه الله من فضله، كما أنهم حرفوا كلام الله
كان لا يوجد غيره، أو عين للفتوى بتعين وأولوه تأويلا فاسدا تبعا لأهوائهم.
الحاكم، وإلا لم يحرم عليه (١).
ونظیرها في بیان العلم وإن لم یکن فيها
ذكر الوعيد لكاتمه، قوله تعالى: ﴿فَلَوَلًا
(١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٧٢/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٩/٤، غرائب
القرآن، النيسابوري ١/ ٤٤٧، روح المعاني،
الألوسي ٤٢٦/١، التفسير الوسيط، طنطاوي
٠٣٢٤/١
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ
الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ لأن كتمان ذلك
وسیلة إلی تضییع أحكام الله، وما يتعلق بها
من طاعة، وهذا الإظهار فرض على الكفاية،
لأنه إذا أظهر البعض، صار بحیث یتمکن
کل أحد من الوصول إليه، فلم يبق مکتوما،
وإذا خرج عن حد الكتمان، لم يجب على
الباقين إظهاره مرة أخرى(٢).
وكتمان ما أنزل الله تعالى يتناول: إخفاء
ما أنزله، وعدم ذكره للناس وإزالته عن
موضعه ووضع شيء آخر موضعه، كما
يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه
الصحيح جريا مع الأهواء، وقد فعل أهل
الكتاب ولا سيما اليهود- كل ذلك - فقد
کانوا یعرفون مما بین أیدیھم من آیات أن
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق،
ولكنهم کتموا هذه المعرفة حسدا له على ما
والآية وإن كانت نزلت على سبب
خاص وهم اليهود إلا أنها عامة تشمل كل
من كتم آيات الله؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَأْمُدَى ﴾ فـ
(٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٧٢/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٩/٤، غرائب
القرآن، النيسابوري ١/ ٤٤٧، روح المعاني،
الألوسي ١/ ٤٢٦.
موسُو ◌َةَ النَّقْتَبـ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٩٠
الكمان
(ما) اسم موصول بمعنى الذي، وهي تفيد تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
العموم(١).
أما قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ ﴾
فالمراد کل ما أنزله على الأنبياء كتابا وحيا
دون أدلة العقول، وقوله تعالى: ﴿وَاَلْمُدَى﴾
يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية؛ لأن
الهدى عبارة عن الدلائل، فيعم الكل، فهذه
الآيات تدل على أن من أمکنه بیان أصول
الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجا
إليها ثم تركها أو كتم شيئا من أحكام الشرع
مع شدة الحاجة إليه، فقد لحقه الوعيد
العظيم (٢).
٢. كتمان الشهادة.
نهى الله تعالى عن كتمان الشهادة، لأن
كتمانها من أكبر الكبائر، وهي تعدل شهادة
الزور؛ لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها،
ویترتب على ذلك فوات حق من له الحق،
وقد دل على هذا المعنى آیات في كتاب الله
العزیز، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ
شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا
(١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٧٢/١،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٩/٤، غرائب
القرآن، النيسابوري ١/ ٤٤٧، روح المعاني،
الألوسي ٤٢٦/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤/ ١٤١، البحر
المحيط، أبو حيان ٢٨٩/١، محاسن التأويل،
القاسمي ١ /٤٥٦.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةُ
وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ، وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّاً
إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
أوجب الإسلام إظهار الشهادة وعدم
کتمانها؛ لأن دین الإسلام دین العدل لا يقبل
الظلم ولا یرتضیہ لأحد کائنا من كان، مؤمنا
أو كافرا، غنيا أو فقيرا، قريبا أو بعيدا؛ لأنه
بالشهادة تؤدى الحقوق لأصحابها المشهود
لهم، فإن کتم الشاهد ولم يقم شهادته ضاع
حق المشهود له، وقد توعد الله من كتم
الشهادة وتركها أو حرفها وغيرها، وتعمد
الكذب فيها فإنه سيلقى جزاءه عند الله؛ لأن
الله تعالی خبير بعمله وقصده ونيته، فيجازيه
علی ذلك بما يستحقه.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُّمُواْ
الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾
[البقرة: ٢٨٣].
قال السدي: ((يعني: فاجر قلبه))، وهذه
كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّ إِذَا
لَّمِنَ الأَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
◌ُ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
وقال تعالى:
كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ
www. modoee.com
١٩١
حرفالكاف
تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
(١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]))(١).
تَعْمَلُونَ خَبِيًّا
وكتمان الشهادة فيه ضرر كبير على
البشرية واختلال لنظامها وهي تعادل شهادة
الزور الجريمة العظمة والطامة الكبرى التي
کادت تعدل الإشراك بالله، والتي تهددنا
في أموالنا ودمائنا وأمننا، تلكم التي أخربت
بيوتًا عامرة وأزهقت أرواحًا بريئة وأهدرت
حقوقًا واضحة فما فشت في أمة إلا وسادت
وغيره من أضراره الخطرة حذرنا الرسول
صلى الله عليه وسلم منها بقوله: (ألا أنبئكم
بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين
وقتل النفس) يقول الراوي: كان متكئًا
فجلس، ثم قال: (وشهادة الزور وقول الزور)
وما زال یکررها حتى قلنا لیته سكت(٢).
فيها الفوضى وتحكمت فيها الأهواء، لذا عنده ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، أي: كتمها من الملك
وقال ابن عباس رضى الله عنه: ((شهادة
الزور من أکبر الکباثر، و کتمانها كذلك»،
وبما أن الوعيد الشديد المقترن بالنهي
عن الكتمان لا يكون إلا عند الدعوة إلى
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٠٧،
تفسير السمعاني ٢٨٧/١، معالم التنزيل،
البغوي ١/ ٣٩٧، تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير ٧٢٨/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، رقم
٢٦٥٤، ١٧٢/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر، رقم ٨٧،
٠٩١/١
الشهادة لإحياء الحق، أو عند الخوف من
فوات الحق، لذا كان الأمر مفيدا للوجوب
عند هاتين الحالتين، وقال ابن عباس: ((على
الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ويخبر
حيثما استخبر، قال: ولا تقل أخبر بها عند
الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ویرعوي)).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام،
أي: لا أحد أظلم، ﴿مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً
عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: موجودة ومودعة
الأعظم، أو هي عنده منه وهو يستخبره عنها
مع علمه بأنه فاضحه؛ لأنه العالم بالسرائر،
ويحتمل أن يريد بذلك الذم لأهل الكتاب
بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هودا
ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامیة،
فظلموا أنفسهم بکتمهم لهذه الشهادة، بل
بادعائهم لما هو مخالف لها، وهو أشد
في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم،
الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد
أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن
أحد أظلم منهم(٣).
وقال المفسرون: ((ذكر الله تعالى على
كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في
(٣) انظر: تفسير السمعاني ٢٨٧/١، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/١، تفسير الراغب
الأصفهاني ٣٢٦/١، فتح القدير، الشوكاني
١٧٢/١، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن
حجر الهيتمي ٢٣٣/٣.
١٩٢
جوسين
القرآن الكريم
الكمان
سائر الكبائر، وهو إثم القلب، ويقال: إثم تعالى أهلها وأثنى عليهم: إقامة الشهادة
والقيام بها، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِشَهَدَتِهِمْ
قَيِمُونَ ﴾ [المعارج: ٣٣].
القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ
قلبا جعله منافقا وطبع علیه، نعوذ بالله من
ذلك)»(١).
وإضافة الإثم إلى القلب الذي هو أشرف
أعضاء البدن ورئيسها في قوله تعالى:
﴿فَإِنَّهُرْ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ تأكيد في تأكيد؛ لأن
القلب محل اكتساب الآثام والأجور، والآلة
التي وقع بها أداؤها لما عرف أن إسناد الفعل
إلی محله أقوی من الإسناد إلی کله.
ولأنه هو محل الكتمان فهو محل
المعصية بتمامها هنا، بخلاف سائر
المعاصي التي تتعلق بالأعضاء الظاهرة،
فإنها وإن كانت مسبوقة بمعصية القلب،
وهو الهم المتصل بالفعل، فليس هو محلا
لتمامها، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن
في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد
کله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
القلب)(٢).
وإن من صفات المؤمنين التي مدح الله
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٠٧،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/١، تفسير
الراغب الأصفهاني ٣٢٦/١، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٤١٥/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فضل من استبرأ لدينه، رقم ١،٥٢/ ٢٠،
ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب
أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم ١٥٩٩،
٠١٢١٩/٣
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ
مِنْكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]،
أي: أدوها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون
صحيحة عادلة حقا، خالية من التحريف
والتبديل والكتمان.
وقد نهى الله تعالى الشهداء عن الامتناع
من تحمل الشهادة إذا دعوا إلى ذلك، وكذا
إذا دعوا إلى إقامة الشهادة وأدائها، بل عليهم
الإجابة إذا تعينت عليهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
وتحمل الشهادة فرض كفاية على
الصحيح، وكذا أداؤها فرض كفاية كما
هو مذهب جمهور العلماء، وقد ثبت من
حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله
عنه عن النبي صلی الله علیه وسلم أنه قال:
(ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي
بالشهادة قبل أن يسألها)(٣) (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب بيان خير الشهود، رقم ١٧١٩،
١٣٤٤/٣.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤١٥/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٤٠٧، تفسير
السمعاني ٢٨٧/١، فتح القدير، الشوكاني
١٧٢/١، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن
www. modoee.com
١٩٣
حرفالكاف
وفي إظهار الشهادة والقيام بها حين لَيَكْثُمُونَ أَلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١﴾ [البقرة:
١٤٦].
طلبها أو عند الحاجة إليها حكم عظيمة،
ومصالح عميمة، دلت على أن الخلق
لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم
مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل
والمصلحة، بما يؤدي إلى حفظ الحقوق
وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام
أمر المعاش، والسعادة في الدارين والتي
هي مراد كل إنسان (١).
٣. كتمان الحقوق.
نهى الله تعالى اليهود عن أعمالهم
القبيحة من الإغواء والإضلال، وتلبيس
الحق بالباطل، وتمويهه به، وإلقاء الشبهات،
و کتمانهم الحق الذي يعرفونه من أمر محمد
صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي نزل
عليه، وإظهارهم الباطل، وإخفاء الدلائل
والبينات، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح
به، وقد أوضح هذا المعنى في آيات من
کتاب الله العزیز منها:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ
[البقرة:
وَتَكْتُهُواْ أَلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾
٤٢].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمّْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ
حجر الهيتمي ٢٣٣/٣.
(١) انظر: تفسير الشيخ المراغى ٧٨/٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ١٢٠.
وقوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ
اُلْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[آل عمران: ٧١].
فقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعض
الأخلاق القبيحة التي تميز بها علماء أهل
الكتاب من اليهود والنصارى، فقد كانوا
جبهة تضليل للناس، وتحريف للكتاب،
وتلبيس للحق(٢) بالباطل، وكتمانا للحق
وإخفائه عن الناس.
كل ذلك عن قصد وعلم، بدافع الحسد
واتباعا للأهواء، ومناصبة للعداء؛ لأن
المدلس لا يؤمن جانبه، والمضلل لا
يصدق، والحاسد لا يشفيه إلا زوال النعمة
عن المحسود، وقد أسند هذا الكتمان وهذه
الأفعال القبيحة إلى فريق منهم إذ لم يكونوا
كلهم كذلك؛ فإن منهم من اعترف بالحق
وآمن واهتدى به، کعبد الله بن سلام رضي
الله عنه وكان من علماء اليهود وأحبارهم،
وتميم الداري رضي الله عنه من علماء
النصارى.
ومنهم من کان یجحده عن جهل ولو علم
به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن
على الأمم بالعدل، وقد تنوعت أساليبهم
القبيحة في كتمان الحق وإخفائه ولهم في
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٧٠/١.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
١٩٤
الكمان
ذلك طريقتان:
الأولى: طريقة كتمان الحق وإخفائه
حتى لا يظهر، وهي المشار إليها بقوله
تعالى: ﴿وَتَكْثُمُونَ اُلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ٧١].
ومن أعظم ما کتمه أهل الكتاب هو ما
وجدوه في کتبهم من صفات محمد صلى
الله عليه وسلم، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم
كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن
ذلك کتموها.
تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ" وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ
[البقرة :
لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (ن)﴾
١٤٦].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ
فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٠].
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ
وقال تعالى:
شَىْءٍّ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ { الَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ.
مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ
يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَّيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ
الَّتِ كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧].
وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام
التوراة الشيء الكثير.
قال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ
جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ
وَيَعْقُواْ عَنْ كَثِيرِ، قَدْ جَاءَ كُم
مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ (٥)﴾
[المائدة: ١٥].
ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم
رجم الزاني المحصن، فقد جاء عن عبد الله
بن عمر رضي الله عنهما: (أن اليهود جاءوا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم
وامرأة قد زنيا، فقال لهم: (كيف تفعلون بمن
زنى منكم؟) قالوا: نحممهما ونضربهما،
فقال: (لا تجدون في التوراة الرجم؟)
فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد
الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها
إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي
يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ
ما دون يده، وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم،
فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما
رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما
فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز عند
المسجد، فرأیت صاحبها یحني علیھا یقیها
الحجارة)(١) (٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس)،
رقم ٥٦٦، ٦/ ٣٧.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٦/٨،
www. modoee.com
١٩٥
حرفالكاف
والثانية: طريقة خلط الحق بالباطل
حتى لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهي
المشار إليها بقوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ
لِمَ تَلِسُونَ الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧١].
کان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل،
بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل
القرآن الكريم هذا الجرم عليهم.
قال تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ
اَلَِّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفٍ بِعَهْدِكُمْ
وَإِقََّ فَأَرْهَبُونِ ) وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ
مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِيَّةٌ وَلَا
تَشْتَرُواْ بِتَابَتِ ثَمَنَا قَلِيلاً وَإَنَىَ فَأَتَّقُونِ ) وَلَا
تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٢].
وقال سبحانه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ
تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١].
وفي الحق والباطل أربعة أقوال:
أحدها: أن الحق: إقرارهم ببعض أمر
النبي صلى الله عليه وسلم، والباطل:
كتمانهم بعض أمره.
والثاني: الحق: إيمانهم بالنبي صلى الله
عليه وسلم غدوة، والباطل: كفرهم به عشية.
والثالث: الحق: التوراة، والباطل: ما
کتبوه فيها بأیدیھم.
البحر المحيط، أبو حيان ٢٠٧/٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٤٧١/١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ١٣٤، التفسير
الوسيط، طنطاوي ٢/ ١٤٠.
والرابع: الحق: الإسلام، والباطل:
اليهودية والنصرانية.
قوله تعالى: ﴿وَتَكْثُمُونَ اُلْحَقَّ﴾، قال
قتادة: «کتموا الإسلام، و کتموا محمدا صلى
الله علیه وسلم)»(١).
ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس
الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي
بأيديهم أن هارون صلى الله عليه وسلم
هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل،
واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي،
ووافقهم على عبادته من دون الله تعالى،
وفي الوقت نفسه يبرئون السامري، وقرئ:
(تلبسون) بالتشديد، والتشديد للتكثير، وقرأ
يحيى بن وثاب: (تلبسون) بفتح الباء، أي:
تلبسون الحق مع الباطل، جعل الحق كأنه
ثوب لبسوه، كقوله عليه السلام: (المتشبع
بما لم يعط كلابس ثوبي زور) (٢)، ولبس
الحق بالباطل عام، وقيل هو خاص بالعقائد
والأحكام(٣).
وقد كان أهل الكتاب يحرفون الكلام
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٩٣/١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٥/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
المتشبع بما لم ينل، وما ينهى من افتخار
الضرة، رقم ٣٥/٧،٥٢١٩.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٦/٨،
البحر المحيط، أبو حيان ٢٠٧/٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٤٧١/١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ١٣٤.
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ
١٩٦
الكمان
عن مواضعه وهو نوع من الخلط الذي هو أقبح منه، وهو أنهم مع بخلهم بأموالهم
كانوا يمارسونه: وقد أثبت الله تعالى على
أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال
تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦].
يأمرون الناس بالبخل، كأنهم يجدون في
صدورهم من جود غیرهم بماله حرجا
ومضاضة، وهذا غاية اللؤم، ونهاية الحمق،
وقبح الطباع، وسوء الاختيار، ويخفون نعم
الله التي أعطاها لهم فلا يظهرونها سواء
أكانت هذه النعم نعما مالية أم علمية أم غير
ذلك من نعم الله عليهم.
وقال تعالى: ﴿فَمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحْرِفُونَ
اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهٌِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَا
ذُكِرُواْيِةٍ﴾ [المائدة: ١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَنَّعُونَ لِقَوْمٍ
ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكَ" يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدٍ
مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] (١).
٤. كتمان النعم.
ورد كتمان النعم في قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا )﴾
[النساء: ٣٧].
فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفا من
الناس لا یحبهم، وهم المختالون الفخورون
الذين من صفتهم أنهم يبخلون ويأمرون
غيرهم بالبخل، وهؤلاء ضموا إلى ما وقعوا
فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر ما
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٦/٨،
البحر المحيط، أبو حيان ٢٠٧/٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٧١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ١٣٤ .
فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر
علیه ولا تبین، لا في أکله ولا في ملبسه، ولا
في إعطائه وبذله، فيوهمون الفقر مع الغنى،
والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان،
ولهذا توعدهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأَعْتَدّنَا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، والكفر هو
الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه
ویکتمها ویجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه،
ثم إن هذا الكتمان قد یقع على وجه یوجب
الكفر، مثل أن يظهر الشکایة عن الله تعالى،
ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى
حد الكفر، فلذلك قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾.
والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس
وغيره: اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال
والفخر والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله
من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه
وسلم، وقيل: هو فيمن كان بهذه الصفة،
وفيمن كتم نعم الله وأنكرها، وذلك كفر
www. modoee.com
١٩٧
حرفالكاف
بالله تعالى، وقيل: المراد المنافقون الذين هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن
كان كافرًا لنعمه فله عذاب يهينه كما أهان
النعم بالبخل والإخفاء، ويجوز حمل الكفر
على ظاهره، وذكر ضمير التعظيم للتهويل
لأن عذاب العظيم عظيم، وغضب الحليم
وخيم(٢).
كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، وقيل: المرد
المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُونَ
مَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، يعني:
من الرزق والمال، فيجيء على هذا أن
الباخلين منفية عنهم محبة الله، والآية
إذا في المؤمنين، فالمعنى: أحسنوا أيها
المؤمنون إلی من سمی، فإن الله لا يحب
من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم
من المؤمنین، وأما الكافرون فإنه أعد لهم
عذابًا مهيناً، ففضل توعد المؤمنین من توعد
الكافرين، بأن جعل الأول عدم المحبة،
والثاني عذابًا مهينًا (١).
ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك،
وأكثر شمولا، وأعم فائدة، والعبرة بالعموم
لا بالخصوص كما هو معلوم عند علماء
الأصول، ومما يدل على ذلك لفظ: (الذين)
اسم موصول يفيد العموم فيدخل في الآية
كل من اتصف بهذه الأوصاف مؤمنًا كان
أو كافرًا، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
مُهِينًا﴾، أي: أعددنا لهم ذلك ووضع
المظهر موضع المضمر إشعارا بأن من
(١) انظر: العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر
٢/ ٨٧٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٢،
مفاتيح الغيب، الرازي ٧٩/١٠، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٣/٥، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٢/ ٧٤، أحكام القرآن، ابن
العربي ١/ ٥٥٠، أحكام القرآن، الجصاص
١٦٣/٣.
قال الإمام ابن كثير: ((وقد حمل بعض
السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار
العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى
الله عليه وسلم و کتمانهم ذلك.
وَأَعْتَدْنَا
ولهذا قال تعالى:
◌ِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، ولا شك أن
الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في
البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا
في ذلك بطريق الأولى؛ فإن سياق الكلام
في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا
الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِينَآءَ النَّاسِ﴾ [النساء:
٣٨].
فذكر الممسكين المذمومين وهم
البخلاء)) (٣).
قال أبو بكر الجصاص: ((الاعتراف بنعم
الله تعالى واجب وجاحدها كافر، وأصل
الكفر إنما هو من تغطية نعم الله تعالى
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٢/٥،
روح المعاني، الألوسي ٣٠/٣.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٥١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٠٣.
جوسُوا عَرَ النَّفْسَنَةْ
الْقُرآن الكَرِيْيمِ
١٩٨
الكمان
وكتمانها وجحودها، وهذا يدل على أنه
جائز للإنسان أن يتحدث بنعم الله عنده لا
على جهة الفخر، بل على جهة الاعتراف
بالنعمة والشكر للمنعم، وهو كقوله تعالى:
﴿وَأَمَّ بِنِعْمَةِ رَيِّكَ فَحَدِّثْ (١)﴾ [الضحى: ١١]،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد
ولد آدم يوم القيامة)(١)، فأخبر بنعم الله
عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه
الافتخار)) (٢).
ويجوز ترك إظهار النعمة، عند من يخشى
غائلته حسدا وكيدا، حتى توجد وتظهر، قال
الله عز وجل في سورة يوسف: ﴿إِذْ قَالَ
يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًاً
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ ، قَالَ
يَبُنَيَّ لَا نَقْصُصْ رُهِ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ
كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾
[يوسف: ٤ - ٥].
فأول الشمس والقمر أبويه، وأول
الكواكب الأحد عشر إخوته الأحد عشر،
وفهم يعقوب مزية حاله، وظهور خلاله؛
فخاف عليه حسد الإخوة الذي ابتدأه ابنا
آدم، فأشار عليه بالكتمان(٣).
(١) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل
نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع
الخلائق، رقم ٢٢٧٨، ١٧٨٢/٤.
(٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٦٣/٣.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٢/٢،
مفاتيح الغيب، الرازي ٧٩/١٠.
الكتمان يوم القيامة
ذكر الله تعالى ندامة الكفار وحسرتهم
مما يرون من أهوال الموقف يوم القيامة،
وما يحل بهم من الخزي والفضيحة
والتوبيخ، فيتمنوا أن يدفنوا فتسوى بهم
الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا
وكانوا هم والأرض سواء.
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ
أُمَِّم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا
يَوْمَئِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا
٤٢
[النساء: ٤١ - ٤٢].
وقد ذكرت الآية أن الذين كفروا وعصوا
الرسول يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا
يكتمون منه شيئا، فتشهد عليهم ألسنتهم
وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ
يوفيهم الله جزاءهم الحق ويعلمون أن الله
هو الحق المبين (٤).
ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ
اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ أن ما عملوه ظاهر عند الله لا
يقدرون علی کتمانه، والمعنی یودون لو أن
الأرض سویت بهم وأنهم لم يكتموا الله
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦٢٥/١،
الكشاف، الزمخشري ٥١٢/١، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٥٥/٢، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ١٩٩/٥، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٠٧، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ١٧٩ .
www. modoee.com
١٩٩
حرفالكاف
٦٥
حدیثا؛ لأنه ظهر كذبهم(١).
وما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم
وجحودهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَيْنَا
مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
فإن ذلك یکون في بعض مواضع القيامة،
حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب
الله، فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم
جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر، ولا يبقى
للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة (٢).
قال الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى:
يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾،
((على القراءات الثلاث معناه: أنهم يتمنون
أن يستووا بالأرض، فيكونوا ترابا مثلها على
أظهر الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ
اَلْكَافِرُ بَيْتَنِ كُتُّ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ بین
في موضع آخر أن عدم الکتم المذکور هنا،
إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل
ما عملوا عند الختم على أفواههم إذا أنکروا
شركهم ومعاصيهم، وهو قوله تعالى:
﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيهِمْ
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦٢٥/١،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٥، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٩/٥، تفسير
القرآن العظیم، ابن کثیر ٣٠٧/٢.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
وََشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[يس: ٦٥].
فلا يتنافى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ
حَدِيثًا﴾، مع قوله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِرَيْنَامَا
كُنَّ مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقوله تعالى عنهم أيضًا: ﴿مَا كُنَّا
[النحل: ٢٨]. وقوله عنهم:
نَعْمَلُ مِن سَوعم
﴿بَلِ لَّوْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤].
للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى))(٣).
قال سيد قطب: ((وهؤلاء الكافرون
المختالون الفخورون الباخلون المبخلون،
الكاتمون لفضل الله، المراؤون الذين لم
يبتغوا وجه الله، هؤلاء هم نكاد نراهم
من خلال التعبير! واقفين في الساحة،
وقد انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم
للشهادة! هؤلاء هم بكل ما أضمروا
وأظهروا، بكل ما كفروا وما أنكروا، بكل ما
اختالوا وما افتخروا، بكل ما بخلوا وبخلوا،
بكل ما راءوا وتظاهروا، هؤلاء هم في
حضرة الخالق الذي كفروا به، الرازق الذي
كتموا فضله وبخلوا بالإنفاق مما أعطاهم،
في اليوم الآخر الذي لم يؤمنوا به، في
مواجهة الرسول الذي عصوه .. فكيف؟؟؟
إنها المهانة والخزي، والخجل والندامة، مع
الاعتراف حيث لا جدوى من الإنكار»(٤).
(٣) انظر: أضواء البيان ١/ ٢٤١.
(٤) انظر: في ظلال القرآن ٢/ ٦٦٢.
٢٠٠
جوية
القرآن الكريمِ
الكمان
عاقبة الكتمان
أولًا: عاقبة الكتمان المحمود:
إن كتمان السر المحمود عاقبته محمودة
سواء في الدنيا أو في الآخرة، ومن أهم
عواقب كتمان السر ما يأتي:
١. كتمان الأسرار من أقوى أسباب
النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح،
وخير معین علی قضاء الحاجات ودفعا
للحسد والمكر وغيرها من الآفات
والمخاطر التي تنتج عن إفشاء الأسرار
والإعلان بها، وفي ذلك تظهر الحكمة
والغاية التي أوصى بها النبي صلى الله
عليه وسلم الناس بقوله: (استعينوا على
قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي
نعمة محسود)(١)،(٢).
٢. من كتم ذنبه وستره عن الناس فإنه
يصون نفسه من المهانة والمذلة
واستخفاف الناس. وإذا كان ذنبًا
يوجب الحد سقطت عنه المطالبة في
الدنيا، ويستره الله في الآخرة(٣). لما
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم
٢٤٥٥، ٥٥/٣، وأبو بكر البيهقي في شعب
الإيمان، رقم ٣٤/٩،٦٢٢٨.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٤٣٩/٣،١٤٥٣.
(٢) انظر: أدب الدنيا والدين، الماوردي ص
٣٠٦.
(٣) انظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال
رواه صفوان بن محرز: أن رجلا سأل
ابن عمر رضي الله عنه: کیف سمعت
رسول صلى الله عليه وسلم يقول في
النجوى؟ قال: (يدنو أحدكم من ربه
حتی یضع کنفه عليه، فيقول: عملت
كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملت
كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره، ثم
يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا
أغفرها لك اليوم) (٤). وما رواه أبو
هريرة رضي الله عنه، يقول: سمعت
رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول:
(كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن
من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل
عملا، ثم یصبح وقد ستره الله عليه،
فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا
و كذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح
یکشف ستر الله عنه)(٥). فقد مدح من
یکتم ذنبه ويستتر وإن ستر الله مستلزم
لستر المؤمن على نفسه، فمن قصد
إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب
٩/ ٢٦٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب باب لا يظلم المسلم المسلم ولا
يسلمه، رقم ٢٠/٨،٦٠٧٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا
يسلمه، رقم ٦٠٦٩، ٢٠/٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب
تحريم الظلم، رقم ٢٩٩٠، ٢٢٩١/٤.
www. modoee.com
٢٠١
حرفالكاف
ربه فلم يستره، ومن قصد التكتم
والتستر حياء من ربه ومن الناس من
الله علیه بستره إياه(١).
٣. من كتم ذنب أخيه وستره عليه ولم
يظهره فإنه مأجور بستره في الدنيا
والآخرة، فيستره في الدنيا بأن لا يأتي
زلة يكره اطلاع غيره عليها، وإن أتاها
لم يطلع الله عليها أحدا، وستره في
الآخرة بالمغفرة لذنوبه وعدم إظهار
قبائحه وغير ذلك(٢)، وذلك لما رواه
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (ومن ستر مسلما ستره الله يوم
القيامة)(٣).
٤. كتمان السر بين الزوجين يعتبر من
الأسباب الرئيسة في ديمومة الحياة
الزوجية واستقرارها، ودفع الأضرار
الناجمة على الفرد والمجتمع والأسرة
الناجمة عن إفشاء الأسرار الاجتماعية،
وقد عالج القرآن الكريم ذلك في قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ.
حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ
(١) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٤٨٨/١٠.
(٢) انظر: سبل السلام، الصنعاني ٦٣٨/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب باب لا يظلم المسلم المسلم ولا
يسلمه، رقم ٢٤٤٢، ١٢٨/٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب
تحريم الظلم، رقم ٢٥٨٠، ٤ / ١٩٩٦.
بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِّ فَلَمَا نَّأَهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ
أَنْبَكَ هَذَا قَالَ بَبَأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ( إِن
◌َنُبًا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَهَرَا
عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ )
عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا
مِنكُنَّ مُسْلِمَتِ مُؤْمِنَتٍ قَئِنَتٍ تَبِّبَتٍ عَبِدَاتٍ
سَبِحَةٍ ثَيْبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحـ
-٥].
٥. كتم الأسرار من أهم العوامل التي
تساعد على تماسك المجتمع المسلم.
ويعمل على تقوية العلاقة الاجتماعية،
وتوثيق عرى المحبة بين الإنسان ومن
يكتم عليه سره، فقد ورد التحذير
من إفشاء الأسرار؛ لأن المجالس
تعقد بالأمانة على ما يجري فيها من
أمور، فيجب على الجالس أن يحفظ
أسرارها، ولا يحل له أن يفشي عن
إخوانه ما لا يحبون أن يخرج عنهم،
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت
فهي أمانةٌ) (٤).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة،
باب ما جاء أن المجالس أمانة، رقم ١٩٥٩،
٣٤١/٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في نقل الحديث، رقم ٤٨٦٨، ٢٦٧/٤.
والحديث حسنه الترمذي، والألباني في
٢٠٢
القرآن الكريم
الكمان
وفي الجملة فإن في كتمان السر العاقبة
المحمودة والآمنة في الدنيا والآخرة، ویعتبر
كتمان السر المحمود من جملة العبادات،
ومن المبادئ الأخلاقية والاجتماعية
الإسلامية الأصيلة ..
[انظر: السر: أثر إفشاء السر على الفرد
والمجتمع]
ثانيًا: عاقبة الكتمان المذموم:
يمكن ملاحظة واستخراج عاقبة الكتمان
المذموم من الآيات الواردة في الكتمان
المذموم على النحو الآتي:
١. العذاب الأليم في النار، كما في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ
اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَناً
قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِىِ بُعُونِهِمْ إِلَّا
النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
(١٧٤
[البقرة: ١٧٤].
٢. استحقاق اللعنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى
مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِ الْكِنَبِّ
أُوْلَتْبِكَ يَلْعَنُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ
﴾ [البقرة: ١٥٩].
١٥٩
٣. عاقبة الكتمان المذموم هي عاقبة
الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
صحيح الجامع، رقم ١٤٦/١،٤٨٦.
مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهُّ وَمَا
اَللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
٤. عاقبة الكتمان المذموم هو الفجور،
كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُّمُواْ الشَّهَدِدَةَ
وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَاثِمٌ قَلْبُهُ، وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
٥. أن عاقبة الكتمان المذموم هو
الَّذِينَ
الكفر، كما قال تعالى:
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِءٌ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
مُهِينًا ()﴾ [النساء: ٣٧].
٦. أن عاقبة الكتمان المذموم هو الذم
والاحتقار والإهانة، يدل على ذلك
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ.
فَتَبَدُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِن ثَمَنًا
[آل
قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ()﴾
عمران: ١٨٧].
٧. أن عاقبة الكتمان المذموم هو تمنى
الهلاك والدمار، قال جل شأنه:
يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوْاْ
الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ
حَدِيثًا
٤٢) [النساء: ٤٢].
موضوعات ذات صلة:
السر، العلن، النجوى
www. modoee.com
٢٠٣