Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الكَمَانْ
عناصر الموضوع
مفهوم الكتمان
١٧٠
الكتمان في الاستعمال القرآني
١٧١
الألفاظ ذات الصلة
١٧٢
الكتمان وعلم الله تعالى
١٧٥
أنواع الكتمان
١٨٤
الكتمان يوم القيامة
١٩٩
٢٠١
عاقبة الكتمان
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ

حرفالكاف
مفهوم الكتمان
أولًا: المعنى اللغوي:
الخفاء والستر: وهو من کتمت الشيء: أکتمه کتما و کتمانا، ومنه سر كاتم، أي: مكتوم،
واستكتمته سري: سألته أن يكتمه، ورجل كتمة، إذا كان يكتم سره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ بَكْتُمُ إِيمَنَهُ﴾ [غافر: ٢٨]. أي: يستره ويخفيه(١).
قال ابن فارس: ((كتم: الكاف والتاء والميم أصل صحيح يدل على إخفاء وستر، ومن
ذلك كتمت الحديث كتما وكتمانا، قال تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُّمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]))(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الكتمان هو: إخفاء الشيء وستره وترك إظهاره قصداً، مع مساس الحاجة إليه، وتحقق
الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء
آخر في موضعه(٣).
والكتمان يستعمل في المعاني، وهو أصل في ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
فالشهادة معنى من المعاني، كما يستعمل في الأعيان، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ
يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِآَخِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
لأن ما يكتمن في أرحامهن هو الجنين وهو من الأعيان (٤).
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
يلاحظ أن الكتمان لغة هو: الخفاء والستر، وقد استعمل القرآن الكريم هذا المعنى
اللغوي للكتمان، وعلى ذلك وردت أقوال المفسرين في بيان هذه اللفظة، فلا فرق بين معنى
الكتمان لغة مع معناه في الاصطلاح.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠١٨/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ص ٧٧٧، المحكم المحيط الأعظم،
ابن سيده ٧٧٩/٦، لسان العرب، ابن منظور ٥٠٦/١٢، المصباح المنير، الفيومي ٥٢٥/٢.
(٢) انظر: مقاييس اللغة ١٥٧/٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤/ ١٤٠، اللباب في علوم الكتاب ابن عادل ١٠٤/٣، لباب التأويل،
الخازن ١/ ٩٧، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٨٢.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٠٢، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢١٢،
الكليات، الكفوي ص ٥٦٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٦/٢.
١٧٠
القرآن الكريمِ

الكمان
الكتمان في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كتم) في القرآن الكريم (٢١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللَّهُ
بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ()﴾ [البقرة: ١٤٠]
الفعل المضارع
٢٠
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيَمَنَهُ:
[غافر: ٢٨]
وجاء الكتمان في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ستر الحديث، يقال: كتمته
كتمًا وكتمانًا، وكتمه تكتيمًا، واكتتمه: أخفاه(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٥٩٥ - ٥٩٦.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٧/٥، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٠٢، بصائر ذوي
التمییز، الفيروزآبادي ٣٣٥/٤.
www. modoee.com
١٧١

حرفالكاف
الألفاظ ذات الصلة
الإخفاء:
١
الإخفاء لغة:
الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته،
ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من
جهتها، وهو من الأضداد (١).
والإخفاء اصطلاحًا هو:
الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى
إليه من جهتها(٢).
الصلة بين الكتمان والإخفاء:
إن الكتمان هو: إخفاء المعاني والسكوت عن بيانها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، أي: يسكتون عن ذكره، والإخفاء يكون في الأعيان وفي
المعاني، والشاهد أنك تقول: أخفيت الدرهم في الثوب ولا تقول: كتمت ذلك، وتقول:
كتمت المعنى وأخفيته، فالإخفاء أعم من الكتمان (٣).
السر:
٢
السر لغة هو:
ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته:
كتمته، كما يطلق على: ما يظهر؛ لأنه من الأضداد، يقال: سررته: أعلنته، والوجهان جميعا
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْالنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأْ الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤].
الأول: كتموها، والثاني: أظهروها بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ يَلَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ
رَيِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]؛ ولأن دار الآخرة ليست دار تجلد وتصبر (٤).
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٤/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٢/٢، لسان العرب، ابن
منظور ٢٣٤/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٥٦٤/٣٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص
٤٢.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢،
الكلیات، الكفوي ص ٥١٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٤٧، تفسير الشعراوي ٣٤١٨/٦.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/٤، المصباح المنير،
١٧٢
جوبيه
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الكمان
السر اصطلاحًا هو:
اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها (١).
الصلة بين الكتمان والسر:
إن السر أعم من الكتمان؛ لأن الكتمان يختص بالمعاني غالبا كالإسرار والإخبار؛ ومنه
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد نهى الله تعالى
النساء عن كتمان ما في الأرحام، والسر يختص بالجثث والأعيان؛ لأن الأصل في السر
تغطية الشيء بغطاء، ثم استعمل في غيرها تجوزا (٢).
الإكنان:
٣
الإكنان لغة:
الستر والتغطية والإخفاء (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا
[النحل: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: أخفيتم، والأكنان: جمع
كن، وهي: الأسراب والأماكن في الجبال، والأغطية، وكل ما يحفظ ويستر من المطر والريح
وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أي: أغطية (٤).
الإكنان لغة:
وقاء كل شيء وستره، والكن: البيت أيضا، والجمع أكنان وأكنة، ومنه قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَا﴾ [النحل: ٨١]، وأكن الشيء: ستره، ومنه قوله تعالى:
﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيَ أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؛ أي أخفيتم(٥)، واكتنت المرأة: غطت وجهها
وسترته حياء من الناس، والكنانة: جعبة السهام تتخذ من جلود لا خشب فيها أو من خشب
الفيومي ١/ ٢٧٣، تاج العروس، الزبيدي ١٢/ ٧.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، الكشاف، الزمخشري ٧٣٦/٤.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٤٧.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٥٦، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ٢٧٣، تاج العروس، الزبيدي ١٢/ ٧.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، التفسير الوسيط، الواحدي ٧٦/٣، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٣/ ٤١٢.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٠٦/٤،
لسان العرب، ابن منظور ٣٥٦/٤، تاج العروس، الزبيدي ٧/١٢.
www. modoee.com
١٧٣

حرفالكاف
لا جلود فيها (١).
الإكنان اصطلاحًا هو:
الستر والتغطية، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للإكنان عن المعنى اللغوي له(٢).
الصلة بين الإكنان والكتمان:
إن الكتمان يختص بالمعاني كالأسرار والأخبار؛ لأن الكتمان أصل فيهما كما سبق،
والإكنان يختص بالجثث والأعيان؛ لأن الأصل في الإكنان تغطية الشيء بغطاء (٣).
الجهر:
٤
الجهر لغة:
جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي: رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر
العلانية وفي الحديث: (وكان عمر رجلًا مجهرًا)(٤) أي: صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر
هو ما ظهر.
والجهر أيضًا: رفع الصوت يقال جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها (٥).
الجهر اصطلاحًا:
هو ((رفع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن جاوره)) (٦)
الصلة بين الجهر والكتمان:
أن الجهر خلاف الكتمان، وهو إظهار المعنى للنفس ورفع الصوت به (٧).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٥٦/٤، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ٢٧٣.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦٢٥/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٩/١٠، المفردات للراعب
الأصفهاني ص ٧٢٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ١٦١.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٥٦/٤، المصباح المنير،
الفيومي ١/ ٢٧٣، تاج العروس، الزبيدي ١٢/ ٧.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، رقم ٤٦٦٢، وأحمد
في مسنده، رقم ١٨٩٢٦، ٣٢٢/٤.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٩/٤، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٤٧١.
(٦) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص١٦٨.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٨٧.
١٧٤
مَوَسُولَة النَّقِين
القرآن الكريمِ

الكمان
الكتمان وعلم الله تعالى
إن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في
الأرض ولا في السماء، فيستوي في علمه
المكتوم والعلن، ويظهر موضوع الكتمان
وعلم الله تعالى في القرآن الكريم من خلال
النقاط الآتية:
أولًا: سعة علم الله لكل شيء:
إن علم الله واسع وكامل وشامل، لا
يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء،
يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها،
وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو
بكل شيء عليم، والآيات الدالة على سعة
علم الله بكل شيء كثيرة في كتاب الله
العزيز ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًاً
أَفَلَا تَتَّذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠].
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلّ شَىْءٍ عِلْمَاً
عَلَى اَللَّهِ تَوَكَلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَّ إِلَهُكُمُ اللّهُ الَّذِى
لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾﴾ [طه:
٩٨].
والواسع من صفات الله تعالى وهو:
الذى وسع رزقه جميع خلقه، ووسعت
رحمته كل شىء، وهو الكثير العطاء، والذى
يسع لما يسأل، والمحيط بكل شيءٍ، وفيه
إشارة إلى علم الله تعالى بجميع الكائنات
الشاملة لأعمالهم ليرقبوه في خاصتهم
وظاهرهم وباطنهم (١).
ومما يدل على سعة علم الله تعالى
بالكتمان الآيات التي تدل على أن الله بکل
شيء علیم:
فقد بين الله تعالى أنه بكل شيء عليم،
ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوا اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ
اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
أَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَّ كُلَّ شَىْءٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾[ الأنعام: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
[المائدة: ٩٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى
بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتْعَلِمُونَ اللَّهَ
يِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ
اُلْأَرْضَِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات:
١٦ ].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/٤، بصائر
ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢١٢/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠١/١٦،
روح المعاني، الألوسي ٨/ ٥٦٧، خصائص
التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبد العظيم
المطعني ٣٦٢/٢.
www. modoee.com
١٧٥

حرفالكاف
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَاَلَّهِرُ
وَالْبَالِئٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾[ الحديد: ٣].
دلت الآيات أن الله بكل شيء عليم كما
أفاده لفظ (كل) المفيد للعموم، و ﴿عَلِيمٌ﴾
مبالغٌ في العلم بكل ما من شأنه أن یعلم کائنا
ما كان مخلوقا أو غير مخلوق، ومن جملته
ما صدر عن العباد من قول وفعل عمدًا أو
خطأ، أزلا وأبدا، فلا يخفى عليه خافية مما
كان وما سيكون من الذوات والصفات
والأحوال، فهو سبحانه الموصوف بهذه
الصفات العظيمة المستحق للعبادة الذي
يعلم حال العباد وما ينفعهم وما يضرهم (١).
وكذلك الآيات التي تدل على أن الله
عالم بالغيب والشهادة، ومن هذه الآيات،
قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوٌّ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
[الحشر: ٢٢].
تعالى:
﴿عَلِمِ الْغَيْبِ
وقوله
وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[المؤمنون: ٩٢].
وقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد: ٩].
وقوله تعالى: ﴿ وَقُّلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ فِىِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا
[النساء: ١٢٦].
عَمَلَكُ وَرَسُولُهُ, وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُّرَ دُّونَ إِلَى عَلِ
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبْشُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥
[التوبة: ١٠٥].
(١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧٦/٣.
جوسى
وَضَو
القرآن الكريمِ
ويترتب على أن الله بكل شيء عليم،
وأنه يستوي في علمه السر والجهر: أن تظهر
صفة المراقبة لله تعالى في السر والعلن،
وذلك أن العبد إذا استشعر عظمة علم الله
وسعته، وشموله لکل ما خلق الله سبحانه،
فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر
وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من العلم
الذي ینفعه في دينه ودنياه وآخرته تنفيذا
لقوله تعالى: ﴿وقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه:
١١٤](٢) .
ومما يدل على سعة علم الله الآيات
الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء:
إن علم الله محيط بكل شيء والإحاطة
بالشيء علما هي: أن تعلم وجوده وجنسه
وقدره وكيفيته، وغرضه المقصود به
وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا
لله تعالى، وعبر بالإحاطة عن الاطلاع التام
والقدرة والسلطان، وقد أوضح هذا المعنى
في آيات في كتابه العزيز منها:
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا
(٢) انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا،
منشور في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة العدد ٤٦، عام ١٤٠٠-١٤٠١ هـ،
ص ٦١.
١٧٦

الكمان
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾
[الأنفال: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿إِنَ رَبٍِّ بِمَا تَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ
أَحَاطَ بِلنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِيّ أَرَيْنَكَ
إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اَلْقُرْءَانِّ
وَتُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّاَ طُغْيَنًا كَبِيرًا ﴾
[الإسراء: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن
لِقَآءِ رَبِّهِمُ أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُحِيطٌ ﴾
[فصلت: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿لِنَّعْلَمُواْ أَنَّاللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَخْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق:
١٢].
وهذه الآيات وأمثالها تدل على أن الله
سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، والتعبير
بالإحاطة إثبات لعظمة الله وسعة ملكه،
ومقدار سلطانه، الذي يشمل كل شيء،
وينفذ إلى كل شيء! ومن كان هذا شأنه،
وتلك صفته، فإن من السفه والضلال أن
يولي الإنسان وجهه إلى غيره، أو يعبد
معبودا سواه، وإسناد الإحاطة إلى اسم الله
تعالى مجاز عقلي، لأن المحيط هو علم
الله تعالى فإسناد الإحاطة إلى صاحب
العلم مجاز في عدم خفاء شيء من عملهم
عن علم الله تعالى، ويلزمه أنه مجازيهم
عن عملهم بما يجازي به العليم القدير من
اعتدى على حرمه، وتضمن ذلك الوعيد
الشديد والتقريع البالغ، وإذا كان تعالى
محيطا بجميع الأقوال والأعمال، فكان
ينبغي أن تستر القبائح عنه بعدم ارتكابها(١).
ولما كان الكتمان مما يكون في الغيب
فقد اختص الله تعالى بالغيب المطلق الذي
لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى فقد
استقل سبحانه وتفرد بمعرفته، وهذا الغيب
يقول تعالى عنه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ
عَلَى غَيْبِهِ= أَحَدَّا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولِ﴾
[الجن: ٢٦-٢٧].
ومن هذا الغيب المطلق قضية القيامة،
قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٦٥
[النمل: ٦٥].
فالقيامة لا يعلم وقتها إلا الله سبحانه،
إلا أنه جعل لها مقدمات وعلامات تدل
عليها وتنبئ بقربها (٢).
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥٨/٤،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٥،
التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣/ ٩١٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤/١٠، تفسير
الشعراوي ٨/ ٤٧٣٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٠٢، أحكام
القرآن، ابن العربي ٢٥٥/٢، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٨٢/١٤، فتح القدير،
www. modoee.com
١٧٧

حرفالكاف
وقد سمى الله تعالى نفسه العليم: وهو
بصيغة المبالغة على وزن فعیل، ورد في
القرآن الكريم اثنتين وخمسين ومائة مرة،
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ
، وَهُوَ يَكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمُْ وَاللّهُ عَلِيُمْ بِلظََّلِينَ
[البقرة: ٩٥].
ومن أسماء الله تعالی العالم على وزن
(فاعل)، وقد ورد في القرآن خمس عشرة
مرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى
الصُّورِ، عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الأنعام:
٧٣].
وقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد: ٩].
ومن أسماء الله تعالى العلام على وزن
(فعال)، وهو صيغة مبالغة، يدل على سعة
العلم وعظمته، وقد ورد في القرآن الكريم
أربع مرات، منها:
قوله تعالى: ﴿قَالُواْلَا عِْمَ لَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ
اُلْغُيُوبِ ﴾ [المائدة : .
وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ
مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:
١١٦](١).
الشوكاني ١٤١/٢.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٣/١٨، المعجم الموسوعي لألفاظ
وعلم الله تعالى أزلي، وهو صفة
من صفاته الذاتية سبحانه، يقتضي علمه
بالظواهر والسرائر، وإحاطته بکل شيء، فلا
يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السموات
والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أکبر، فيعلم
ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه، وأن العبد
إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله
لکل ما خلق الله جل وعلا، فإنه یعیش دائما
یراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب
منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في
دينه ودنياه وآخرته.
ثانيًا: إحاطة علم الله بما يكتمه العباد:
وردت آيات في كتاب الله العزيز تبين
إحاطة علم الله تعالى بما يكتمه العباد من
الخير والشر، وغيرها من الأعمال منها:
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَ بِّ
فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ
غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا
كُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ
فِي قُلُوبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ﴾ [آل عمران:
١٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءُ وكُمْ قَالُوْءَامَنًا وَقَد
دَخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِّ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ
يَكْتُونَ ﴾ [المائدة: ٦١].
القرآن الکریم وقراءته، أحمد مختار عمر ص
٠١٠٣٣
جَوْسُواحَرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
١٧٨

الكمان
وقوله تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (
* [المائدة :
٩٩
٩٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ يِنَ
اَلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١)﴾ [الأنبياء:
١١٠].
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ
تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيَّرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَحُ لَّكُمْ وَاللّهُ
يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [النور:
٢٩].
فقد حذر الله تعالى في الآيات السابقة
العباد جميعا المؤمنين و العصاة والمنافقين
والكفار الذين يخفون معاصيهم وكفرهم
ونفاقهم عن الناس بأنه سبحانه وتعالى
مطلع على ما يصدر منهم من خير وشر و کل
أعمالهم فلا تخفى عليه خافية.
فالكتمان والسر والجهر، والاختفاء
والظهور عند الله تعالى سواء؛ لأنه يسمع
السر، كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما
يعلم الظاهر، ويعلم ما يجهر به خلقه من
القول، ويعلم ما يكتمونه، وأن هذا الكتمان
لن ينفعهم بشيء، وأنه سوف يفضحهم لا
محالة في ذلك.
قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَمُ مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبَّلٌ
وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
٢٨
[الأنعام: ٢٨].
وأخبر سبحانه أنه سيحاسبهم على ذلك،
كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهِ مَا فِي السَّمَوتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضُِّ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِّرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يَشَكَةُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيٌ (*)﴾ [البقرة:
٢٨٤].
وحينها يسرون الندامة على ما كتموه،
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا
اَلْعَذَابَ﴾ [سبأ: ٣٣](١).
وقد وردت آيات تبين أن الله تعالى
محيط بما يكتمه العباد بألفاظ أخرى وهي
بمعنى الكتمان منها:
١. بلفظ السر.
قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ مِنْكُ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ
وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِلَّهَارِ ﴾ [الرعد: ١٠](٢).
والمعنى: أن من هو بالليل في غاية
الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب
لوجهه، سواء فى علم الله تعالى وإحاطته
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٠/١، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١٢٣/١، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٤٧/٢، مفاتيح الغيب، الرازي
٣٩٢/١٢.
(٢) السارب هو: الظاهر البارز، الذاهب حيث
يشاء، والمتصرف في حوائجه، كما يأتي
السارب بمعنى: المتواري والمستخفي هو:
المختفي المستتر عن الأعين، لكن من خلال
السياق يتبين أن معنى السارب هو: الظاهر
لأنه في مقابل المستخفي.
انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٢٥،
معانى القرآن، الأخفش ٤٠٢/٢، معاني
القرآن، النحاس ٤٧٦/٣.
www. modoee.com
١٧٩

حرفالكاف
بهما، وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى يقوم على كتمان الكفر وإظهار الإيمان
والطاعة (٢).
مقتضاه: أن ((المستخفى والسارب)» هو
رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار
البراءة في التصرف مع الناس، قال الزجاج:
معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في
نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي
في الظلمات علم الله فيهم جميعا سواء (١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ
يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ
السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧].
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
وقوله تعالى:
تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ وَنَعْلَءُ
مَا تُوَسْوِسُ بِه نَفْسُهُ، وَغَمْنُ أَقْرَبُ إِلَيْدِمِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
﴾ [ق: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِاجْهَرُواْبِّ.
إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٢ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
● [الملك: ١٣- ١٤].
اُللَّطِيفُ الْخِيُ (
وفي هذه الآيات تهديد للكافرين
والعصاة بأنه سبحانه يعلم جميع الأشياء
الواقعة منهم، وهو بالمرصاد في الجزاء
عليها، وفيها تهديد للمنافقين بكشف
أسرارهم وإظهار خفاياهم؛ لأن النفاق
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٦/١٦،
التفسير الوسيط، الواحدي ٧/٣، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٩٩/٣.
ونبه الله تعالى على أنه مطلع على
﴿ وَأَسِرُّواْ
الضمائر والسرائر، فقال تعالى:
قَوْلَكُمْ أَوِأَجْهَرُ واْ بِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
١٣
[الملك: ١٣].
أي: سواء أخفيتم كلامكم أو جهرتم
به، يعلم بما يخطر في القلوب وما تكنه
الضمائر، لا يخفى عليه منه خافية، فاحذروا
من المعاصي سرا کما تحترزون عنها جهرا،
فإن ذلك لا يتفاوت بالنسبة إلى علم الله
تعالى، وقدم السر على الجهر لأنه مقدم
عليه عادة، فما من أمر إلا وهو يبدأ أولا
في النفس ثم يجهر به، وللتحذير من
التکتم والسر الذي قد یظن عدم العلم به،
والآية خطاب عام لجميع الخلق في جميع
الأعمال، وتشمل ما کان یسر به الكفار من
الكلام في أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وفيها تهدید ووعید لمن یسر خلاف
ما يعلن مما لا يرضي الله تعالى(٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣٥/١٨،
التفسير الوسيط، الواحدي ٢٣٢/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٧/٦، الجواهر
الحسان، الثعالبي ٤٢٦/٢، تفسير الشعراوي
٣٤١٨/٦.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٨٩/٣٠،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٤/١٨،
أسباب النزول، الواحدي ص ٤٤٢، التفسير
المنير، الزحيلي ٢١/٢٩.
١٨٠
القرآن الكريم

الكمان
٢. بلفظ الإخفاء.
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِّ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْمُّوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهٌ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يَشَكَةُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيٌ (*)﴾ [البقرة:
٢٨٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ
اَلْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ ﴾ [آل عمران: ٥].
وقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ مِنكُ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ
وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ
وَسَارِبٌ بِلنَّهَارِ ﴾ [الرعد: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآَ
أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
[الممتحنة: ١].
والآيات السابقةتدل على أن الله لا يخفى
عليه شيء ولا يضيق عليه علم جميع ذلك؛
لأنه خالق كل شيء، ومن يخلق فهو أعلم
بما يخلق علم اليقين، فهو العالم والعليم
بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد
قائم بذاته، ولا شيء أيضًا مما هو موجود،
أو مما سيوجد ولم يوجد بعد، إلا وهو
مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوبٌ ذلك
فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت الذي
يوجد فيه، والحال التي يفنى فيها (١)، وفي
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٧/١٨، مفاتيح
الآيات تهديد ووعيد للعصاة وللمنافقين
وللكافرين الذين يخفون معاصيهم ونفاقهم
وكفرهم، بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم
كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما
يعاقب على الظاهر (٢).
ثالثًا: إظهار الله ما يكتمه العباد:
إن الله تعالى يظهر ما يكتمه العباد من
أعمال وتصرفات وعقائد، وقد يكون ذلك
الإظهار في الدنيا فيفضح من يكتم الشر
والمعاصي والكفر والنفاق وغير ذلك،
وقد یکون في الآخرة بأن يفضح الله تعالى
العصاة والكفار والمنافقين على رؤوس
الأشهاد يوم القيامة، وذلك على التفصيل
الآتي:
إظهار الله تعالى ما يكتمه العباد في
الدنیا:
إن الله تعالى يفضح من يكتم الشر
والمعاصي والكفر والنفاق وغير ذلك في
الدنيا، فيحذره الناس وينزلون به العقاب
المقرر شرعا، ويدل على ذلك آيات في
كتاب الله العزيز منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
الغيب، الرازي ٢٠/٤، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٢٦١/١، التفسير الوسيط،
الزحيلي ١ / ٥٦١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٢/٥، البحر
المحيط، أبو حيان ٥٢١/٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٦٣٩/١، الكشاف،
الزمخشري ٢٩٣/٢، مفاتيح الغيب، الرازي
١٠٩/١٦.
www. modoee.com
١٨١

حرفالكاف
قَدَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَةُ ثُمْ فِيهَا وَاَللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ
[البقرة: ٧٢]، فالآية دليل
تَكْتُمُونَ (١)﴾
على أن الله تعالى يظهر ما يكتمه العباد من
الكبائر والموبقات، فقد نصت الآية على أن
الله تعالى يظهر ما يكتمه القاتل، وكذلك
بقية الكبائر كالسرقة وغيرها.
وكذلك يظهر الله تعالى ما يكتمه
المنافقون والكافرون من النفاق والكفر،
وكذلك أصحاب الأفكار الباطلة والهدامة
والعقائد المنحرفة، ويدل على ذلك قوله
تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ
عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِدْوَا
إِنَ اللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ ﴾[التوبة:
٦٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ
قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَنْ لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ
[محمد: ٢٩].
فقد هدد الله تعالى المنافقين الذين
يسرون العداوة والبغضاء والتآمر بالمسلمين
أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئهم بما في
قلوبهم، أي: بما في قلوب المنافقين من
الحسد والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون
فيما بينهم ويسرون ويخافون الفضيحة
بنزول القرآن في شأنهم (١) وكقوله تعالى:
﴿أَلَّ يَسْجُدُ واْلِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْهَ فِ السَّمَوَتِ
وَاْلْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣١/١٤، النكت
والعيون، الماوردي ٣٧٨/٢، معالم التنزيل،
البغوي ٣٦٥/٢.
وإخراج الخبء لفظ عام يتناول کل ما
يخبئه الإنسان يعني بذلك: يظهره ويطلعه
من مخبئه بعد خفائه (٢).
إظهار ما يكتمه العباد يوم القيامة:
يظهر الله تعالى ما يكتمه العباد يوم
القيامة: لأن في ذلك اليوم تكشف السرائر،
ويعرض الناس على عالم الغيب والشهادة،
الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في
السماء، ولا يخفى على الله تعالى من أعيان
وأعمال وأحوال وأمور العباد شيء، ويدل
على هذا المعنى آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ
﴾ [الحاقة: ١٨].
١٨
خَافِيَةَ
وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُم بَرِرُونٌّ لَا يَخْفَ عَلَى
اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ
﴾ [غافر: ١٦].
١٦
وقوله جل شأنه: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا غُخْفِى
وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ فِي الأَرْضِ
وَلَا فِي السَّمَآءِ ﴾ [إبراهيم: ٣٨].
وكذلك قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَابِنَةَ
[غافر:
اُلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى السُّدُورُ
١٩](٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣٥/١٨،
الكشف والبيان، الثعلبي ٦٤/٥، مفاتيح
الغيب، الرازي ٩٣/١٦، محاسن التأويل،
القاسمي ٤٤٨/٥، أحكام القرآن، الجصاص
٣٤٨/٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١١٣/١، صفوة التفاسير، الصابوني ٦٠/١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٤/٢٣، تفسير
جَوْن ◌ُواحَرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
١٨٢

الكمان
کما يدل على هذا المعنى آيات أخرى
منها:
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَنِ أَلْزَّمْنَهُ طَرَهُ.
فِي عُنُقِهِ،ٌ وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُ
مَنشُورًا ﴾ [الإسراء: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيِلَثَنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ یُرْحَعُونَ إِلَيْهِ
فَيُنِيِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: بما فعل(٤).
٦٤].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ( ٢) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨](١) (٢).
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٩/٨، معالم
التنزيل، البغوي ٤ /١٠٨، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٥٤/٥، التفسير المنير، الزحيلي
٢٩/ ٨٩.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٤/٢٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٩/٨، معالم
التنزيل، البغوي ١٠٨/٤، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٥٤/٥، التفسير المنير، الزحيلي
٨٩/٢٩.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠١/١٧،
النكت والعيون، الماوردي ٢٣٣/٣ الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٩/١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٥١/٥، فتح القدير،
الشوكاني ٥٥٦/٤، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٤٨/١٥، أضواء البيان، الشنقيطي
١٥٤/٢، في ظلال القرآن، سيد قطب
٢٢١٧/٤.
وكذلك الغدر بالمسلمين، يدخل في
ما يظهره الله تعالى يوم القيامة مما يكتمه
العباد، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
(ینصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة،
فيقال هذه غدرة فلان بن فلان)(٣)، والحكمة
في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه
الناس، فيكشف الغدر والغادر يوم القيامة
علانية ويطلع عليه بصورة فيها شيء من
الإهانة، ويصير علما منشورا على صاحبه
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما يدعى الناس بآبائهم، رقم ٦١٧٧،
٤١/٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تحريم الغدر، رقم ١٧٣٥،
١٣٥٩/٣.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٩/٣.
www. modoee.com
١٨٣

حرفالكاف
أنواع الكتمان
إن من الكتمان ما هو محمود وذلك
كتمان الإيمان وكتمان السر، ومنه ما هو
مذموم، ويكون الكتمان مذموما في كتمان
العلم وكتمان الحقوق، وكتمان النعم،
ويمكن بيانها في النقاط الآتية.
أولًا: الكتمان المحمود:
يكون الكتمان محمودا في الأمور الآتية:
١. كتمان الإيمان.
إن كتمان الإيمان من أجل الدعوة
والدفاع عنها، وفي مرحلة الضعف خوفا
على النفس، مما أباحه الشرع، وقد ذكر الله
تعالى في معرض المدح رجلا مؤمنا من
آل فرعون كان يكتم إيمانه، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ مَالٍ فِرْعَوْنَ
يَكْتُ إِيمَانَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ
اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَتٍ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن
يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُِ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اُللَّهَ لَا يَهْدِى
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَنَّابٌ ﴾ [غافر: ٢٨](١).
وكان هذا الكتمان عن سياسة حكيمة،
وتدبير محكم، من أجل مصلحة الدعوة
وحمايتها، وإحباط لخطط فرعون، وليس
خوفا من فرعون، ولا ضعفا في الإيمان، فإن
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٥/٢١.
إيمان هذا المؤمن، كان إيمانا راسخا وثيقا،
قائما على اقتناع بلغ مبلغ اليقين القاطع.
وكان هذا الكتمان من أجل أن الرجل لم
یکن یرید الإیمان لنفسه فحسب، بل إنه كان
یرید أن یکون داعية لفرعون وقومه جميعا
إلى الإيمان بالله تعالى وحده، ولو أنه أعلن
إیمانه، وجاء إلى فرعون يدعوه إلى أن يؤمن
بالله كما آمن هو، لما استمع فرعون إلى
كلمة منه، ولأخذته العزة بالإثم، وأبى عليه
کېره وعناده أن ينقاد لداعية يدعوه إلى أي
أمر، ولو فتح له أبواب السماء، وهو موقف
تاریخی خلده القرآن الکریم، فرضي اللهعن
هذا المؤمن وأمثاله في سجل الخالدين (٢).
فقد کتم الرجل إيمانه حين رأی أن ذلك
من مصلحة الدعوة، وأظهر الرجل إيمانه
حين رأى أن ذلك من مصلحة الدعوة،
ومواجهة خطر فرعون، قال تعالى: ﴿وَقَالَ
فِرْعَوْنُ ذَرُوِّ أَقْتُلُ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهُ﴾
[غافر: ٢٦].
فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وقام
بواجبه بالجهاد بالكلمة عند سلطان جائر
والتي هي أفضل الجهاد، كما قال صلى الله
عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند
سلطان جائر)(٣)، ولا أعظم من هذه الكلمة
(٢) انظر: روح البيان، الخلواتي ١٧٧/٨، التفسير
القرآني للقرآن، الخطيب ١٢/ ١٢٢٦.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأوامر والنواهي، رقم ٤٣٤٤، ١٢٤/٤،
١٨٤
مَوَسُو ◌َ التَّقِينَ
القرآن الكريمِ

الكمان
عند فرعون، وهي قوله تعالى: ﴿أَنَقْتُلُونَ
رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ ﴾ [غافر: ٢٨].
أي: لأجل أن يقول ربي الله، لأن من
عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل
بهم، وإخراجهم من دیارهم من غیر ذنب،
إلا أنهم يؤمنون بالله ويقولون: ربنا الله،
كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين
حرقوا المؤمنين: ﴿قُئِلَ أَعْحَبُ الْأُخْدُودِ
اَلنَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (١) وَهُمْ عَلَ
مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ
أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: ٤
- ٨]، وقوله تعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللّهَ عَلَ نَصْرِ هِمْ لَقَدِيرٌ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرٍ حَقٍّ إِلَّ أَن
يَقُولُواْ رَبُّنَا اللهُ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠]، إلى غير
ذلك من الآيات(١).
والترمذي ف سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء
أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر،
رقم ٢١٧٤، ٤ /٤٧١، والنسائي في سننه،
كتاب البيعة، فضل من تكلم بالحق عند إمام
جائر، رقم ٤٢٠٩، ١٦١/٧، وابن ماجه في
سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، رقم ١٣٢٩/٢،٤٠١١،.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه.
وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع
٤٤٠/١.
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٦/١٥،
التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٢ / ١٢٢٦،
أضواء البيان، الشنقيطي ٣٨٤/٦.
واختلف المفسرون أيضا: هل كان
إسرائيليا أو قبطيا من آل فرعون؟ والتحقيق
أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية هو
من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى:
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ عَالِ فِرْعَوْنَ﴾،
ودعوى أنه إسرائيلي، غير صحيح؛ لأن
القرآن وصفه بأنه من آل فرعون (٢)، دون
أن يذكر القرآن اسمه، وإنما أشار إلى
خاصته، وذوي قرابته، فهو إنسان ذو شأن
في المجتمع الفرعوني، ومع هذا لم يكشف
القرآن عن اسمه، إذ ما جدوى الاسم، في
مقام الوزن للقيم الإنسانية في الناس؟
إن المعتبر هنا هو الصفة لا الموصوف،
وذات المسمى لا الاسم، فالمهم أن
الرجولة في الإيمان، أيا كان هذا المؤمن في
أي زمان، وفي أي مكان، وبأي اسم، وبأي
صفة، فمن الحكمة أن يظل مبهما ليكون
مثالا وقدوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان،
ليشيع خبره بهذا الوصف في الدنيا كلها لا
يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص، فحمل
راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في
الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عين
البيان للقصة.
وهذا هو المغزى من هذه القصة، فلا
يقال إنه كان ابن عم فرعون، وكانت سببا في
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٦/١٥،
أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٣٨٤.
www. modoee.com
١٨٥

حرفالكاف
رجولته، ولا يقال إنه كان له نصف الملك
وکان هذا وراء قوته، إنه الإيمان الذي يعيش
به المؤمن عزيزًا كريمًا، إنه الإيمان الذي
يصغر في عين صاحبه الظلم والطغيان، إنه
الرجل الذي دفعه إیمانہ إلی الحق لینصره،
ولیدفع عن أهله الأذى، فالرجل ليس من
أصحاب السلطة أو السطوة، وإنما من
أصحاب الإیمان الذي يدفع أهله إلی تغییر
المنکر بکل ما یملکون، غیرة علی دینھم، إذ
کیف یری منکرا ویسکت عليه (١)؟
ويمكن القول بأن معرفة اسم هذا المؤمن
لا يزيد إلى القصة شيئا؛ لأن العبرة بالموقف
الإيماني القوي في وقت الحاجة إليه، لا
بالشخص الذي صدر عنه، ولأن ذكر اسم
هذا الشخص ومعرفة مركزه الاجتماعي قد
يوحي بأن انكار المنكر قد يكون مقصورا
علی من هو مساو له في شخصه ومركزه
الاجتماعي.
وقد ذكر الله تعالى أن من أمة محمد
صلی الله عليه وسلم من یکتم إيمانه، فقد
كان هناك من المؤمنين من أهل مكة من
یکتم إيمانه، وقد وردت آيات تبين هذا
المعنى:
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَلَهُ
مُؤْمِنَتٌّ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَّئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٨٨٦٧/١٤، التفسير
القرآني للقرآن، الخطيب ٩١٨/١١، أضواء
البيان، الشنقيطي ٦/ ٣٨٤.
مَعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الفتح: ٢٥].
وكان هؤلاء الذين يخفون إيمانهم هم
السبب في عدم تسليط الله للمؤمنين على
أهل مكة، فقد ذكر الله تعالى أنه لولا وجود
رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من أهل
مكة، يكتمون إيمانهم ويخفونه خوفا على
أنفسهم من كفار قريش، لسلط الله المؤمنين
على الكافرين فقتلوهم وأبادوا خضراءهم،
ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات
أقوام لا يعرفونهم حالة القتل.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ
وَنِسٌَّ مُّؤْمِنَتْ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَُّوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ
مِنْهُم مَّعَزَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الفتح: ٢٥].
والمعرة هي: غرامة الدية والكفارة وما
يصيب المؤمن من الغم من قتل المسلم
على يده؛ لأن المؤمن يغتم لذلك، ﴿لَيُدْخِلَ
اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ [الفتح: ٢٥].
أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين
أظهرهم المؤمنین، وليرجع كثير منهم إلى
الإسلام(٢).
ويكون المعنى الإجمالي للآيات: كان
هنالك بعض المستضعفين من المسلمين
في مكة لم يهاجروا، ولم يعلنوا إسلامهم
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/٢٢، أحكام
القرآن، ابن العربي ١٣٧/٤، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٢٨٦/١٦، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣٤٤/٧، الإتقان في علوم
القرآن، السيوطي ٤ / ١١٩.
١٨٦
القرآن الكريم

الكمان
تقية في وسط المشركين، ولو دارت رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَةٌ مُؤْمِنَتٌ﴾، كنا ثلاث
الحرب، وهاجم المسلمون مكة، وهم رجال وتسع نسوة وفي رواية: وكنا تسعة
نفر سبعة رجال وامرأتين)(٣).
لا يعرفون أشخاصهم، فربما وطؤوهم
وداسوهم وقتلوهم، فيقال: إن المسلمين
يقتلون المسلمین! ويلزمون بدیاتهم
حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم
مسلمون(١).
ولعل منهم من أشارت إليه آية النساء في
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُرْلَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَاَلْنِسَآِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّالِ أَهْلُهَا
وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيَّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن ◌َّدُنكَ
نَصِيرًا (٥)﴾ [النساء: ٧٥].
وآيات النساء: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
اُلْرِجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا
يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ
عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا )﴾ [النساء: ٩٨-
٩٩](٢) .
ويلاحظ أن الدين الإسلامي يهتم بأتباعه
وسلامتهم وترك كثير من المصالح من أجل
سلامتهم حتى وإن كانوا قلة لا يتجاوزون
العشرات، ويدل على ذلك ما رواه أبو جمعة
جنيد بن سبع- وقيل: حبيب بن سباع-
رضي الله عنه قال: (فينا نزلت: ﴿وَلَوْلًا
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٢٨/٦،
تفسير الشعراوي ٤٨٨٩/٨.
(٢) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت
٦١١/٨.
ولولا أن المؤمنين بينهم غير متميزين
عنهم كما قال تعالى: ﴿لَوْتَزَّيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:
٢٥]، قوله تعالى: ﴿لَوْتَزَّلُوا ﴾ أي: تمیزوا،
قاله القتبي، وقيل: لو تفرقوا، قاله الكلبي،
وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار
لعذب الكفار بالسيف، قاله الضحاك، ولكن
الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار(٤).
وهذه الآيات تبين أن دين الإسلام هو
دين العزة والكرامة ودين الحرية والمساواة
في الحقوق والواجبات، لا يقبل بالمذلة
والمهانة، ولا يرضى للإنسان أن يعيش
مستعبدا في هذه الأرض، فكل مؤمن
وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار
دينه، تجب عليه الهجرة من ذلك المكان
إلى مكان يستطيع إظهار دينه، بشرط ألا
يكون من الصبيان أو النساء أو العجزة،
فهؤلاء قد رخص الله تعالی لهم، فإن كان
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم
٢٢٢٠٤ /٢٩٠.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ / ١٠٧ :
أخرجه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما
ثقات.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٩/٢٢، أحكام
القرآن، الجصاص ٥٢٦/٣، أحكام القرآن،
ابن العربي ٤ / ١٣٧.
www. modoee.com
١٨٧

حرفالكاف
من المستضعفين: وكان التخويف بالقتل
ونحوه ممن يظن منهم أنهم يفعلون ما
خوفوا به، جاز المكث والموافقة ظاهرا
بقدر الضرورة، مع السعي في حيلة للخروج
والفرار بدينه، والموافقة حينئذ رخصة.
وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن
شهيد قطعا (١).
٢. كتمان السر.
إن كتمان السر من الكتمان المحمود،
وقد ورد في آيات عديدة تدل على هذه
الصفة في كل من الأمانة والوفاء والوقار،
فمن الأمانة أن يكتم الإنسان سر أخيه،
فالذي يؤتمن علی سر، فیحافظ علیه یکون
مؤديا للأمانة، لأن إفشاء السر خيانة محرمة.
ويكفي في العلم بكونه سرا القرينة
القولية كقول محدثك: هل يسمعنا أحد؟
أو للفعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء،
ومن هنا كان كتمان السر نوعًا من الأمانة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَّخُونُواْ
اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
*[الأنفال: ٢٧].
وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم
التفت فهي أمانة)(٢).
(١) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص
١٩٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب نقل الحديث، ٢٦٧/٤، رقم ٤٨٦٨،
وكتمان هذا النوع ضرب من الأمانة
ونوع من الوفاء، وعلامة على الوقار.
وآكد أمانات السر وأحقها بالكتمان ما
يكون بين الزوجين، وقد جاء في الحديث
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة،
الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم
ينشر سرها)(٣).
ومن كتمان السر المحمود أن يكتم
الإنسان ما يحصل منه من مستقبح من قول
أو فعل، كالزنا وشرب الخمر، والقذف، لأن
الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه
إذا اقترف فاحشة، و کما يجب عليه ذلك في
حق نفسه، فإنه يجب عليه في حق غيره.
لما روي عن مالك عن زيد بن أسلم:
(أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له
رسول الله صلی الله علیه وسلم بسوط فأتي
بسوط مكسور، فقال: (فوق هذا) فأتي بسوط
والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب
ما جاء أن المجالس أمانة، ٤ /٣٤٢، رقم
١٩٥٩.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح ١٤٠٥/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب تحريم إفشاء سر المرأة، رقم ١٤٣٧،
٠١٠٦٠/٢
جَوَسُورَةُ التقنية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٨٨