Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ القُدْوَةُ عناصر الموضوع مفهوم القدوة ٢٢٢ القدوة في الاستعمال القرآني ٢٢٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٤ ٢٢٥ أنواع القدوة ٢٣٨ أهمية القدوة وآثارها ٢٤٦ نماذج من القدوة في القرآن المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ حرف القاف مفهوم القدوة أولًا: المعنى اللغوي: القدو: ((أصل البناء الذي ينشعب منه تصريف الاقتداء))(١). والقدوة، بضم القاف وكسرها: بمعنى الأسوة(٢)، وفي المصباح المنير: ((الضم أكثر من الكسر)»(٣)، وهي اسمٌ من: اقتدى به إذا فعل مثل فعله تأسيًا، وفلانٌ قدوةٌ، أي: يقتدى به، وتقدت به دابته: لزمت سنن الطريق (٤). والقدوة أيضا: التقدم. ويقال: فلان لا يقاديه أحدٌ ولا يماديه ولا يباريه ولا يجاريه، وذلك إذا برز في الخلال كلها (٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: القدوة: بالكسر والضم: ((الاقتداء بالغير ومتابعته والتأسي به))(٦). وعرفها الأصفهاني بأنها: «الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبيحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا))(٧). وذكر الشنقيطي في أضواء البيان أن الأسوة والقدوة سواء، والمراد بهما: اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة (٨). (١) تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ١٩١. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٢٧٦/٣٩. (٣) المصباح المنير ٢/ ٤٩٤. (٤) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦/ ٥٣٤، المصباح المنير، الفيومي ٤٩٤/٢. (٥) تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ١٩٢. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٦٩. (٧) المفردات، الأصفهاني ص ٧٦. (٨) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨٥/٨. ٢٢٢ جوية القرآن الكريم القدوة القدوة في الاستعمال القرآني وردت مادة (قدو) في القرآن في موضعين (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿أُوْلَيْكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةْ الفعل الأمر ١ [الأنعام: ٩٠] اسم الفاعل ١ إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاتَِّهِم مُّقْتَدُونَ *[الزخرف: ٢٣] ٢٣ وجاءت القدوة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الأسوة الذي يُقتدى به ويُتَبَعُ ويُتَّخَذُ مثالاً يُسار على طريقته(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥١٨-٥١٩، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الفاء ص٨٧٦-٨٧٧. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٧١/١٥-١٧٢، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٦/٥-٦٧. www. modoee.com ٢٢٣ حرف القاف الألفاظ ذات الصلة الأسوة: ١ الأسوة في اللغة: الأسوة والإِسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة (١). وهي اسم من (أسا) أو (ائتسى)، بمعنی اقتدی واتبع (٢). قال الأزهري نقلًا عن اللیث: «فلان یتأسی بفلانٍ، أي: يرضى لنفسه ما رضیه ویقتدى به، وكان في مثل حاله))(٣). الأسوة في الاصطلاح: هي: ((الاتباع للفعل والاقتداء بالفاعل، وهذا الشيء أسوة هذا الشيء، أي: هو تبع له ومحكوم إلى حكمه)) (٤). الصلة بين القدوة والأسوة: القدوة والأسوة بمعنى واحد، فهي مرادفة لها (٥). الاتباع: ٢ الاتباع في اللغة: أصل مادة (تبع) تدل على التُّلُوِّ والقُفُوِّ. يقال: تبعت فلانًا إذا تلوته واتبعته. وأتبعته إذا لحقته. والأصل واحدٌ (٦). الاتباع في الاصطلاح: قال الراغب: ((تبعه واتبعه: قفا أثره، وذلك تارة بالجسم، وتارة بالارتسام والائتمار))(٧). الصلة بين القدوة والاتباع: بينهما تلازم، فمن یقتدي بشخص فإنه يتبعه، فإن لم يتبعه فهو غير مقتٍ به. (١) انظر: مجمع بحار الأنوار، الكجراتي ٥٩/١، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦٣٥/٨، مختار الصحاح، الرازي ص ١٨. (٢) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، ابن المطرز ص ٢٦، ومجمع بحار الأنوار، الكجراتي ٥٩/١. (٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١٣/ ٩٥. (٤) تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي ص ٤٣. (٥) الفائق في غريب الحديث، الزمخشري ٤١/١. (٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٦٢. (٧) المفردات، الأصفهاني ص ١٦٢. ٢٢٤ جوبيع القرآن الكريمِ القدوة أنواع القدوة إن الإنسان في طبيعة خلقه مجبول على موازنة نفسه وأحواله بغيره من الناس، وبما جرت عليه أحوالهم، فإذا هو استثمر طبيعة نفسه هذه في النظر إلى من فُضِّلَ عليه في المال أو في الخلق عاد عليه بالضرر وكفران ما هو فيه من نعم الله، وربما حسد من رآه أفضل منه وحقد علیه، إلى آخر ما هنالك من مرذول الأخلاق!(١)، وربما سره أن يكون مثله فسار على دربه وحذا حذوه للوصول إلی ما وصل إليه، مسيئًا کان المتأسی به أو محسنًا، ومن هنا كانت القدوة منقسمة إلى قسمين: إحداهما حسنة، وأخرى سيئة، وبيان ذلك في النقاط الآيتة: أولًا: القدوة الحسنة: يمكن القول: إن القدوة الحسنة هي اتباع الإنسان غيره في الخير، ومحاسن الأخلاق في الأقوال والأفعال، فبالقدوة الحسنة يكون المؤمن أسوة لأتباعه يقودهم بالفعل والقول، ويتأثرون بعمله الجميل ولفظه الحسن فيحذون حذوه، فإن كان الصدق مطلوبًا من كل إنسان فإنه في القدوة أكثر طلبًا، وإن كان الجد مطلوبًا من كل مسلم فإنه في القدوة أكثر حاجة؛ لأن الناس (١) انظر: الأخلاق الفاضلة قواعد ومنطلقات لا کتسابها، الرحيلي ص ٥٣. مجبولون على عدم الانتفاع بمن خالف قوله فعله، وأول علامة النجاح في القدوة أن يقوم بما یأمر به، وینتهي عما ینھی عنه(٢). وإذا تأملنا قول الله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. وجدنا أن الإنسان لا يكون مؤثرا في غيره إن هو لم يلتزم ما يأمر به غيره. قال الشاعر(٣): يا أيها الرجل المعلمِ غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى کیما یصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تُعذر إن وعظت ويُقتدى بالقول منك ويُقبل التعليم لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم وتتجلى القدوة الحسنة في القرآن الكريم فيما يأتي: ١. الرسل والأنبياء. الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق ودعاة الحق، وقد حث الله تعالى على الاقتداء بهم (٢) انظر: موسوعة الأخلاق، الخراز ص ٤٢٤. (٣) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٣٤، ولطائف المعارف، ابن رجب ص ١٨، ولم یعزواه لأحد. www. modoee.com ٢٢٥ حرف القاف والسير على نهجهم وتتبع سننهم، والتأسي [الممتحنة: ٤]. بأخلاقهم وأفعالهم. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْرَّةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللّهَ وَلْيَوْمُالْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فلا يجوز لمسلم أن یحید عن درب النبي عليه الصلاة السلام، وكل من خالف ما صح عنه علیه السلام فیما أمر به فقد خالف أمر ربه وباء بذنبه وفقد القدوة والهداية إلى الصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيّ الْأُعِيِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٨ ]. وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوَأْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِإِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. لقد سطر الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- صورًا رائعة في القدوة والأسوة، ولا ينحصر الاقتداء به على جانب دون آخر، بل هي في كل جوانب حياته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يقول ويفعل بأمر ربه لا بهوی نفسه. وكما أن النبي الكريم أسوة لنا، كذلك هم الأنبياء السابقون قدوة حسنة ومثل أعلى لأقوامهم، وأسوة لنا في كل ما صح عنهم من الأقوال والأفعال: قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنَزَهِيمَ وَأَلَّذِينَ مَعَدُر﴾ وفي سورة الأنعام بعد أن ذكر الله -عز وجل- نحو ثمانية عشر نبيا ورسولًا، أمر الله تعالى رسوله الكريم باقتفاء هديهم فقال: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللّهُ فَبِهُدَلَهُمُ أَقْتَدِةِ ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ومما يدل على أهمية القدوة الحسنة، وأنها ركيزة أساسية في اقتناع الأقوام بدعوة أنبيائهم، ما قاله شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]. [انظر: الاتباع: اتباع الوحي والأنبياء عليهم السلام] ٢. الصحابة والتابعون. ممن وصفهم القرآن الكريم بأنهم أهل للقدوة الحسنة أصحاب رسول الله صلى الله علیه وسلم، فمن تتبع سیرتهم وجدها زاخرة بالخيرات ومملوءة بالبركات، وجديرة بالاقتداء في جليل الأعمال، وعظيم الأخلاق، خاصة سيرة المقربين من الرسول الأمين، وآل بيته الطيبين، والعشرة المبشرين، وعموم الأنصار والمهاجرين، ومن لحق بهم واستن بهديهم من التابعين. قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ٢٢٦ مَوَسُو ◌َة النفسية القرآن الكريمِ القدوة لقد دفعت القدوة الحسنة كثيرًا من الناس للإقبال سريعا على هذا الدين العظيم، فرب صفة واحدة مما يأمر به الدين تترجم حية علی ید مسلم صالح یکون لها أثر لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشرة؛ لأن النفوس قد تنفر من الكلام الذي تتصور أن للناطق به مصلحة، وأحسن من تلك الصفات التمسك بالأخلاق الحميدة التي هي أول ما یری من الإنسان المسلم، ومن خلالها یحکم له أو عليه. لقد دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لما رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خلقًا حميدا في أشخاص مسلمین صالحین، مارسوا سلوكهم الرشيد فكانوا كحامل مصباح يبدد ظلمة الظلم بنور الهداية (١) لقد كان الصحابة والتابعون حملة لکتاب الله حفظًا وفهمًا وتطبيقًا. قال تعالى: ﴿بَلْهُوَءَايَتُ بِنَتُ فِىصُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَئِنَآ إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. ((قال ابن كيسان: يعني المهاجرين والأنصار، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء)) (٢). (١) انظر: موسوعة الأخلاق، للخراز ص ٤٢- (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٣٤. ٤٣. (٢) التفسير البسيط، الواحدي ١١٢/٥. ٣. العلماء. العلماء هم خير من يتأسى بالرسل الكرام؛ لأنهم فقهوا عنهم دينهم وترجموه في حياتهم العملية. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ وَالْمَلَتِكَةُ وَأُوْلُواْ الْمِلِْ قَابِهًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ اُلْعَهِزُ اَلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. أي: وشهد أولو العلم بأنه لا إله إلا هو قائمًا بالقسط، أي: بالعدل، واختلفوا في أولي العلم فقيل: هم الأنبياء عليهم السلام لأنهم أعلم الخلق بالله تعالى، وقيل: هم علماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وقيل: هم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم علماء جميع المؤمنين(٣)، وهذا القول أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي الذي ذكر أنهم العلماء من الناس (٤). وما دامت الآية عامة فهي تشمل العلماء جمیعا، فصفة العلم تشمل کل من ذکر. قال ابن جرير: ((المراد من الكلام، الخبر عن شهادة من ارتضاهم من خلقه فقدسوه: من ملائكته وعلماء عباده)»(٥). وقال الرازي: ((المراد من أولي العلم في (٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٦١٧. (٥) جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٧٢. www. modoee.com ٢٢٧ حرف القاف هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة؛ لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم))(١). وفي الآية الكريمة دلالة واضحة صريحة على المكانة العالية الرفيعة التي أولاها الله تعالى للعلماء. ومن الأحاديث التي تبين أن العلماء صورة في القدوة والأسوة عن الأنبياء، قوله صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دینارًا، ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافٍ) (٢). ومن الآيات التي تبين شرف العلماء وأنهم أكمل الناس في الأخذ عن ربهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْا إِنَّ اللَّهُ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿ وَتَلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣ ]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٦٩. (٢) أورده البخاري في ترجمة باب العلم قبل القول والعمل، من كتاب العلم، صحيح البخاري ٢٤/١، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤١، ٣١٧/٣، وابن ماجه في سننه، في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم ٨١/١،٢٢٣. وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم ٠٧٤/١،٢١٢ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٩]. إن التزام العلماء بهذا الدين العظيم يرسخ في نفوس الذين يأخذون عنهم الأسوة الحسنة، ذلك أن إيصال الخير إلى الناس بالقول والعمل أبلغ من إيصاله إليهم بالقول دون العمل؛ لأن الحالة الأولى فيها إشغال لحاستين عند الأتباع هما السمع والبصر، والعبرة بالبصر ربما كانت أبلغ من العبرة بالسمع وحده، فالناس يتأثرون بالأفعال أکثر من تأثرهم بالأقوال، ولا خير في عالم لا يعمل بعلمه. ٤ . الصالحون. أهل الصلاح لا يهدون الناس إلا إلى الخير والفلاح، كيف لا وهم الذين جعلوا هدي الأنبياء في قلوبهم، وخضعت جوارحهم وقلوبهم لعلام الغيوب! ومن هؤلاء الصالحين ما أخبرنا به القرآن الكريم عن ذلك الرجل الصالح. قال تعالى: ﴿وَجَآءُ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠ ]. وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ بَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ [القصص: ٢٠ ]. جوية الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٢٨ القدوة يلاحظ في الآيتين السابقتين أن الرجل المذكور فيهما جاء داعيا للخير حريصا عليه، يفهم هذا من قوله تعالى في وصف حاله بـ﴿يَسْعَى﴾، ولم يقل: يمشي، وفيه زیادة حرص، فمعنی یسعی: أي يسرع ويجد في مشيه(١). وأكثر المفسرين على أن الرجل المذكور في آية القصص هو مؤمن آل فرعون کما ذکر الرازي(٢)، وإن کان هذا القول لا يقطع به، فتبقى العبرة في أن الرجل جاء إلى موسی عليه السلام على وجه الإشفاق وأسرع إليه ليخوفه بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، ونصحه بالخروج. أما الرجل المذكور في آية سورة يس، فإن القوم جحدوا الرسل الذين أرسلوا إليهم وكذبوهم واجتمعت آراء أهل هذه المدينة علی قتلهم، فجاء ذلك الرجل یسعی إليهم، وكان منزله أقصى المدينة، وكان مؤمنا(٣). لقد جاء ذلك الرجل من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين. وظاهر أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان، ولم يكن في عزوة من قومه أو منعة من عشيرته، ولكنها العقيدة (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٦١/٣. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٨٧. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٤٥. الحية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها؛ إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة وهو لا يطلب أجرًا ولا يبتغي مغنمًا إنه لصادق، وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم و استهزائهم وتنکیلهم، وهو لا يجني من ذلك كسبا، ولا يطلب منهم أجرًا؟(٤). إن الصالحين هم خير من يسرع إلى الخير ويبينوه للناس متى لزم الأمر، فهم قدوة الناس إلى الخير والصلاح، وفي هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حث الناس على الصدقة لما رأى فاقة في بعض أصحابه (فجاء رجلٌ من الأنصار بصرة کادت کفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس، حتی رأیت کومین من طعام وثیاب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل، كأنه مذهبةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنةً حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ) (٥). (٤) في ظلال القرآن، قطب ٢٩٦٣/٥. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرةٍ، أو كلمةٍ طيبةٍ وأنها حجابٌ من النار، رقم ١٠١٧، www. modoee.com ٢٢٩ حرف القاف والسنة الحسنة في الحديث هي القدوة الميسور تربيته طبقا لشريعة الإسلام. (٣) الحسنة؛ لأن الناس تابعته في التصدق، وفعلت مثل فعله. ٥. الآباء الصالحون. الآباء هم قدوة الأبناء، حتى إن هذا الأمر قد درج في الأمثال نحو قولهم: من شابه أباه فما ظلم (١)، وقد نظموا هذا في الشعر، قال رؤية بن العجاج(٢): بأبه اقتدى عدي في الکرم ومن يشابه أبه فما ظلم يصف الشاعر في هذا البيت عدي بن حاتم، بأنه اقتدى بأبيه، وسلك طريقه في الجود والكرم، فجاء على مثال أبيه. فالقدوة بالآباء أعظم أساليب التربية في نظر الإسلام الذي يقيم منهجه التربوي على هذا الأساس، فلا بد للطفل من قدوة في والديه وأسرته لتنطبع في نفسه المبادئ والقيم الإسلامية، فإذا وجد الطفل القدوة الحسنة في والديه حذا حذوهم، وأصبح من ٧٠٥/٢. (١) انظر: الأمثال، القاسم بن سلام ص ١٤٥، الأمثال، الهاشمي ١/ ٢٤٠، المستقصى في أمثال العرب، الزمخشري ٣٥٢/٢، وقال: هو من قول کعب بن زهير. (٢) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١/ ٥٠، شرح الأشمونى لألفية ابن مالك ٥٠/١، حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك ١ / ١٠٥. إن الأب هو المعلم الأول، والأم هي المدرسة الأولى منهما ينهل الأبناء وعلى خطاهما يسيرون، فإن أحسنوا تربيتهم على الإیمان جمعهم الله بهم في الجنان. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم يِإِيمَنِ ◌َّلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَمَا أَلْنَهُم مِّنْ عَيَلِهِمِن شَىْءٌ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. أي: أن الأبناء إذا تبعوا آباءهم على الإيمان، وكانت مرتبتهم أدنى من آبائهم، فإنهم يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا (٤). وقال تعالى عن اقتداء يوسف عليه السلام بآبائه: ﴿وَتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللّهِ عَلَيْنَا وَ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾[يوسف: ٣٨]. والآباء الذين أشار إليهم يوسف عليه السلام هم أنبياء الله الذين دعوا إلى توحيده الخالص، وبین أسماءهم من الأب الأعلى إلى الأدنى بقوله: ﴿إِثْرَهِيمَ وَ إِسْطَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ فلفظ الآباء يشمل الجدود وإن علوا، وبين أساس ملتهم التي اتبعها وراثة (٣) انظر: التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها، السيد ص ٥٤. (٤) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٤٩٠/٢٠. جَوَسُولَة التقنية الْقُرآن الكَرِيمِ ٢٣٠ القدوة وتلقینا فکانت یقینا له ولهم ووجدانا. (١) واتباع يوسف لآبائه من القدوة الحسنة، قال القرطبي: «فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي، وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان اتباعه آباءه من صفات المدح)). (٢) وبصلاح الآباء يحفظ الأبناء، فقد حکت لنا سورة الكهف قصة يتيمين حفظ الله تعالى لهما كنزهما بصلاح أبيهما. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا گَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَِّكَ ﴾[الكهف: ٨٢ ]. أراد الله تعالی إبقاء ذلك الکنز علی ذینك اليتيمين رعاية لحقهما، ورعاية لحق صلاح أبيهما، فأمر الخضر عليه السلام بإقامة ذلك الجدار رعاية لهذه المصالح، وأضاف الخضر هذه الرعاية لأمر اليتيمين إلى الله تعالى، لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله سبحانه وتعالى. (٣). ٦. الصحبة الصالحة. الصحبة هي: ((الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخلطة (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١٢/ ٢٥٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٣/٢. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٢/٢١ - ٤٩٣. فهي كمال الصحبة»(٤). والصحبة لها أثرها في المصاحب، فالصاحب الصالح عون لأخيه على فعل الخيرات والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات. قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. وعندما هاجر النبي عليه السلام إلى المدینة أمره ربه أن یتخذ أبا بكر صاحبًا. قال تعالى: ﴿إِذَّ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾[التوبة: ٤٠]. قال الواحدي: ((قال المفسرون: وهذه الصحبة كانت بأمر الله؛ لأن جبريل لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج قال: ومن يخرج معي؟)»(٥). قال ابن عادل: ((وتخصيص الله إياه بهذا التشريف يدل على علو منصبه في الدین»(٦). وعلى هذا فإنه يستفاد من ذلك أن المسلم إذا أراد أن يتخذ صاحبا فعليه بصاحب الدین، فإنه أنفع له في دنياه، وأنصح له في دینه. (٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١ / ٥٨٧. (٥) التفسير البسيط، الواحدي ٤٣٩/١٠، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم، ١٧٩٩/٦. (٦) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠/ ٩٦ www. modoee.com ٢٣١ حرف القاف قال ابن حبان: ((والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شکله، فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحری صحبة من زانه إذا صحبه ولم یشنه إذا عرف به، وإن رأى منه حسنة عدها، وإن رأی منه سیئة سترها، وإن سكت عنه ابتدأه، وإن سأله أعطاه))(١). ثانيًا: القدوة السيئة: لما كانت القدوة الحسنة هي اتباع الإنسان غيره في الخير، فإن القدوة السيئة هي: اقتداء الإنسان بغيره في الشر والباطل وفعل المنكرات. ولا يقف الحد عند الاتباع فحسب بل يتعدى ذلك إلى الدفاع عن أهل الباطل وتبرير أفعالهم، والتسويق لكفرهم أو فسقهم وفجورهم، ومن أنواع القدوة السيئة التي ذكرها القرآن الكريم ما يأتي: ١. الشيطان وحزبه. من أسوء أنواع القدوة أن يتتبع الإنسان سبيل الشيطان وحزبه، وأن يحذو حذوهم متناسيا أمر خالقه سبحانه في وجوب اتخاذه عدوًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُوْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ * [فاطر: ٦]. (١) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان ص ١١٠ ((أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي)»(٢) فإن مصير أتباعه أن يكونوا من أصحاب السعير. إن الاقتداء بإبليس لا يجدي نفعا، ولا يكشف ضرا، بل يجلب الحسرة والخزي والندامة حين إن إبليس يتبرأ من متبعيه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ اْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ أَلْقِّ وَوَعَدَلَّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَّ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعُوّتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِيٌَّّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلٌ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. يصدر هذا الاعتراف الصريح من إبليس يوم القيامة فیعترف أن الوعد الحق هو وعد الله على ألسنة رسله، وأنه وعد أتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًّا، وخبراً صدقًا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم، واعتذر إبليس لنفسه قائلًا: وما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، غير أنكم استجبتم لي بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلی ما أنتم فيه، فلا (٢) لباب التأويل، الخازن ٤٥٣/٣. صَوَسُوبَةُ التَّقَـ القرآن الكريمِ ٢٣٢ القدوة تلوموني اليوم، ولوموا أنفسكم، فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل(١). ((فيا للشيطان! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه!»(٢). [انظر الاتباع: اتباع الشيطان] ٢. الكبراء والرؤساء. إن نظرة كثير من الناس قاصرة، فهم ينظرون إلى عاجل أمرهم دن آجله، ولأجل ذلك ربما قدموا طاعة القادة والزعماء على طاعة الخالق سبحانه، وهذه الطاعة للقادة إما أن تكون خوفا من بطشهم وعقابهم، وإما أن تكون طمعا فيما بين أيديهم من الجاه والمال، وفي المقابل فإن خنوعهم وخضوعهم وتذللهم هذا يزيد القادة بطشا واستكبارا وغرورا، فيتمادوا في الباطل وينساق الاتباع خلفهم، وهذا ماحدث لفرعون حين استخف قومه ونصب من نفسه إلها من دون الله، واتبعه قومه على باطله، فكان بئس القدوة لمن اقتدى به. قال تعالى: ﴿فَبَعُواْ أَقَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ اَلْوِرْدُ اَلْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨]. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٩/٤. (٢) في ظلال القرآن ٢٠٩٨/٤. أي: يقودهم، فيمضي بهم إلى النار، حتی یوردهموها، ویصلیهم سعیرها، وبئس الورد الذي يردونه (٣). وهذا مصير أي ولاء يكون لغير الله، فإن القادة سيتخلون عن أتباعهم يوم القيامة. ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ قال تعالى: الضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِنْ شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَنَنَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَاً أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. والضعفاء هم الضعفاء. هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين والطغاة. ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة فما یرید الله لأحد أن یکون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله. وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعًا عن نصيبه في الحريه -التي هي ميزته ومناط تكريمه- أو أن ينزل كارهًا. والقوة المادية -كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية. فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٦/١٥. www. modoee.com ٢٣٣ حرف القاف الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال! من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعًا للمستكبرين في العقيدة، وفي التفكير، وفي السلوك؟ من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة. فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة، ولا لأنهم أقل جاهًا أو مالًا أو منصبًا أو مقامًا إنما هم ضعفاء؛ لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان! إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء (١). وفي صورة أخرى من صور مخاصمة الأتباع لقادتهم يوم القيامة يوم الخزي والندامة للتابع والمتبوع على طريق الضلال. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُّونَ فِالنَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَتُؤْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُتََّلَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَآَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (١) انظر: في ظلال القرآن ٢٠٩٦/٤. [غافر: ٤٧ - ٤٨ ]. يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، فيقول الأتباع للقادة والسادة والكبراء: (إنا كنا لكم تبعا) أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، فهل تتحملونه عنا قسطا من العذاب؟. فكان الجواب من السادة: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. (٢). ٣. الآباء الكافرون. القدوة السيئة بالآباء أخطر ما يهدد إيمان الأسرة وأمنها، فإذا رأى الولد في صغره سلوك أبيه قلده دون أن يدري ماذا يفعل، ويتحمل الأب هنا وزر القدوة السيئة، غير أن الإنسان لا عذر له بالاقتداء بالآباء بعد أن يصبح ناضجا، فعليه أن يعمل عقله، لا أن يلغي تفكيره ويتبع الآباء على ضلالاتهم ويصبح كالأنعام، ينساق خلف قائد القطيع بلا عقل ولا روية، وهذا ما نعاه الله تعالى على المشركين. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهَِّابَّاءَنَا أَوْلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٠ ]. والملاحظ في هذه الآية أنها جاءت في سياق آيات من سورة البقرة تحذر من القدوة (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٩/٧. ٢٣٤ صَوْسُوعَةُ النفسية القرآن الكريم القدوة السيئة ومن تبعية السوء، فقبلها بخمس آيات وأن الاقتداء بالضالين والمفسدين من الآباء وغيرهم فيه تعطيل للعقل والحواس، واقتداء بالشيطان الرجيم. كان الكلام عن اتخاذ الأنداد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وجاء اقتران مقولة هؤلاء الكفرة في فهؤلاء الناس قدموا محبة الأنداد الاقتداء بالآباء مع ذكر الشيطان في آية أخرى. وطاعتهم على طاعة الله، ثم تلتها براءة التابع والمتبوع من بعضهما ﴿وإذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]. وبعدها جاء الكلام عن الشيطان وسبل إغوائه للإنسان ليصرفه عن القدوة الصالحة ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ (٣٠) إِنَّمَا يَأْمُرُّكُم بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآَ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. قال البيضاوي: ((﴿وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ﴾ لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام)» (١). ثم عاد الكلام ليصرح بتبعية فاسدة أخرى هي تبعية الأبناء للآباء الضالين، واقتدائهم بهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]. وذكر الشيطان في وسط الآيات التي تتكلم عن التبعية والولاء والبراء فيه إشارة إلى أن هذه القدوات الباطلة ما هي إلا اتباع لوساوس الشيطان، وأنها سوء وفحشاء، (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١١٨. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْمَآَ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَقَبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]. وهذا يدل على أن الشيطان الرجيم يقف خلف تزيين القدوة السيئة للناس. ومن الآيات التي نهت عن الاقتداء بالآباء في العبادات وسيء العادات: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَ الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَُ ◌ِ مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءُ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]. ((ومما يروى من نوادر العامة أن رجلا كان له ابن، ولما أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى فلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له ابن له www. modoee.com ٢٣٥ حرف القاف وهو لا يعلم بالقصة، فأخذه أيضًا وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بأبیه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه یبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلا إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تر کته حتى مات لیفعلن بي عقبي مثل هذا. فأخذه ورده إلى بيته)) (١). [انظر: الاتباع: الآباء الكافرون] ٤. الصحبة السيئة. مضى المثل بقولهم: الصاحب ساحب، وهو كذلك فهو إما أن يسحب صاحبه إلى الجنة وإما أن يسحب صاحبه إلى النار، وعندها تقع الحسرة والندامة للتفريط في الصحبة الصالحة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَنَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَپیلاً يَنْوَيَلَقَ لَيْتَنِى لَوْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ -٢٨ ]. فالواضح من الآية الكريمة أن الصاحب الفاسد هو سبب هلاكه ودخوله النار. وقد يكون الصاحب من غير أهل الإسلام! والنهي في حق هذا أشد، وفيه قوله تعالى: يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن (١) زهر الأكم في الأمثال والحكم، اليوسي ٢٤٤/١. ﴾ [آل عمران: ١١ ]. دُونِكَمْ أي: بطانة من غيركم من أهل الأديان الأخرى، وبطانة الرجل هم خاصة صحبه الذين يطلعون على داخل أمره(٢) . وحتى يتجنب المرء الصحبة الفاسدة عليه أن يتحرى في صاحبه صفات الصاحب الصالح إذ ينبغي أن یکون فیمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلا، حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص علی الدنیا. أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت قال علي رضي الله عنه: فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه فکم من جاهل أردی حلیمًا حین آخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللشيء على الشيء مقاييسُ وأشباه وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته؛ لأن من يخاف الله لا يصر على کبیرة؛ ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأغراض. قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكْرِنَا وَأَنَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨ ]. (٢) التيسير فى أحاديث التفسير، الناصري ٢٥٨/١. ٢٣٦ النهـ جوسين القرآن الكريم القدوة وقال تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُ فَتَرْدَى ﴾ [طه: ١٦]. وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق، وأما المبتدع، ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة فکیف تؤثر صحبته، ومما قاله عمر رضي الله عنه في الحث على طلب التدين في الصديق: واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى (١). كما أن مشاهدة الفسق والفساق تهون أمر المعصية على القلب وتبطل نفرة القلب عنها، وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء؛ بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة(٢). ولما أن كان للصحبة أثر كبير في اقتداء کل منهما بصاحبه تعددت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب اختيار (١) إحياء علوم الدين، الغزالي ١٧١/٢ - ١٧٢. (٢) المصدر السابق ١٧٣/٢. الرفيق الصالح، والابتعاد عن رفيق السوء، ومن ذلك: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: (المرء علی دین خلیله، فلينظر أحدكم من يخالل) (٣). إن الصحبة السيئة تجلب لصاحبها الشقاء السرمدي، فربما كان الإنسان مستقيمًا فیتعثر بصاحب السوء فیقلب له حياته رأسا على عقب، وتنقلب الطاعة إلى معصية، فلا یجد عند صاحب السوء إلا نار الدنيا قبل نار الآخرة، وما أجمل تشبيه النبي عليه الصلاة والسلام لصاحب السوء بكير الحداد الذي هو نار وحر ودخان في الدنيا ووباله في الآخرة كذلك، فعن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، کمثل صاحب المسك و کیر الحداد، لا یعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، و کیر الحداد یحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثةً)(٤). (٣) أخرجه أحمد في مسنده ١٤/ ١٤٢. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٦٦٤، رقم ٣٥٤٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، بابٌ في العطار وبيع المسك رقم ٢١٠١، ٦٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، رقم ٢٠٢٦/٤،٢٦٢٨. www. modoee.com ٢٣٧ حرف القاف أهمية القدوة وآثارها أولًا: أهمية القدوة: مما لا شك فيه أن القدوة لها تأثير کبیر في المقتدي، والمقتدى به، فالأول متابع للثاني إن أحسن أحسن متبعوه، وإن أساء أساء متبعوه، فهم علی دربه سائرون، أما المقتدى به فهو أحد اثنین، إما أن يبهره جاهه بعد أن أصبح مطاعا متبعا مشهورا يحاكى من الآخرین فينتظرون قوله ويترقبون فعله، فإنه وقت إذ ربما یفتن عن دينه وينحرف في أخلاقه، وقد تزهو نفسه فینالها العجب بدلا من التواضع، ويصبح همه الظهور والقشور، وإما أن يزداد تواضعا وخوفا من الله وخشية، من أمور الدنيا وقلوب العباد. قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ويزيد في شكر الله عز وجل على ما سخر له إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرُّ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٤٣-٤٤]. للقدوة الحسنة أهمية بالغة، فهي دعوة الصالحين الدائمة في كل صلاة يتوجهون فيها إلى الله عند قراءة أم الكتاب، وذلك حين يردد المؤمن طالبا الهداية من رب العالمين بقوله: ﴿ أَهْدِنَا الضَّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. إنه يريد طريق الهداية متأسيا ومقتديا فيمن هداهم الله الصراط المستقيم: ﴿مِرِطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [ الفاتحة: ٧]. كلمات تغرس في قلب المؤمن وجوب القدوة الحسنة، مع كل صلاة بل مع كل ركعة يستفتح فيها بفاتحة الكتاب، وهو إذ يطلب من الله تعالى أن يرشده القدوة الحسنة يستعيذ به سبحانه من القدوة السيئة. ١. أهمية القدوة الحسنة(١). إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة كامنة في النفوس هي التقليد والمحاكاة. فقد فطر الناس على افتقاد القدوة والبحث عن الأسوة، ليكون لهم نبراسا يضيء سبيل الحق، ومثالا حيا يبين لهم كيف يطبقون شريعة الله، لذلك لم يكن لرسالات الله من وسيلة لتحقيقها على الأرض إلا إرسال الرسل، یبینون للناس ما أنزل الله من شريعة. تعد القدوة الحسنة أفضل أساليب التربية وأقربھا إلی النجاح، فالإنسان في طبعه یمیل إلى التقليد والمحاكاة، فإذا كان المحاكي قدوة تأصلت في المقتدي الخلال الطيبة والخصال الكريمة والقيم الرفيعة. (١) انظر: التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها، عاطف السيد ص ٥٣-٥٤. أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، النحلاوي ص ٢٠٥- ٢٠٨. ٢٣٨ جَوَبُ القرآن الكريمِ القدوة إن صاحب القدوة يحقق بأسلوبه وسلوكه كل الأسس والأساليب والأهداف التي يرجى أن يقوم عليها نموذج المجتمع القدوة، لذلك بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم؛ ليكون قدوة حسنة ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فكان الرسول الكريم هاديا ومربيا بسلوكه الشخصي بالإضافة إلى الذكر الحكيم والسنة، وكان النبى ترجمة عملية حية لتعاليم وآداب القرآن، كما أن سيرة الصحابة والتابعين تعد نموذجا لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم. ولا بد للناس من قدوة في مجتمعهم تجسد لهم شريعة الإسلام السمحة وتقاليده السامية؛ ليحملوا بصدق أمانة تربية الأجيال، ولا بد للمجتمع من قدوة فيمن يتولى أمره تتجسد فيه المبادئ الإسلامية فيتطلع المجتمع إلیه ویسیر علی نهجه. القدوة الحسنة في الإسلام هي لمن التزم بالمنهج الرباني، فنجاح الأثر التربوي للرسول عليه السلام يتوقف على الإيمان بأنه مؤيد بالوحي والإلهام من عند الله، فلا يقره الله على خطأ في التشريع، وأنه أمين قد بلغ رسالات ربه، فإذا تم هذا الإيمان شعر الإنسان بسعادة عظيمة كلما اقتدى بأمر من أوامر الرسول، أو أسلوب من أساليبه التربوية فى الحياة، أما الفلاسفة والزعماء وعلماء التربية، فإنما يتبعون الظن، ويضعون النظريات (١)، لذلك كان الأنبياء والرسل في كل عصر قدوة للناس. أهم ميادين القدوة: الأسرة والمدرسة، لذلك كانت الأسرة محط نظر الإسلام كونها اللبنة الأولى لبناء المجتمع، فلا بد للطفل من قدوة في والديه وأسرته لتنطبع في نفسه المبادئ والقيم الإسلامية. ومما لا شك فيه أنه إذا وجد الطفل القدوة الحسنة في والديه وفي معلمه حذا حذوهم، وأصبح من الميسور تربيته طبقا لشريعة الإسلام، لقد ذكر لنا القرآن الكريم حرص الأبناء البررة على اتباع الآباء المخلصين، قال يوسف عليه السلام: ﴿وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَابَآوِىّ إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]. وفي المقابل ذكر القرآن الكريم حرص الآباء المخلصين على هداية أبنائهم وإرشادهم كما جاء في بعض وصايا لقمان لابنه: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرِ عَ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِالْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]. إن أهم الأسس النفسية لاتخاذ القدوة هو دافع التقلید: والتقليد أمر غریزي يتجلى في الرغبة الملحة التي تدفع الضعيف، (١) أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، النحلاوي ص ٨١. www. modoee.com ٢٣٩ حرف القاف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك القوي في أن يكونوا قدوة وإماما، كما نبه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم البشرية والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطیع جمیع أفراده إلى اتباع قائده، واقتفاء أثره، ويرتقي التقليد بارتقاء المجتمع، حتى يبلغ في التربية الإسلامية ذروته من الوعي، والسمو والهدف النبيل، والتقليد يرتكز على ثلاثة عناصر: عمومًا إلى ما يتحمله كل من يؤثر في سلوك الآخرین، من النتائج حین يقلدونه بخير أو شر، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو عمر، وجرير بن عبد الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سیئة کان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). وقد كان سبب ورود الحديث أنه جاء قوم مجتابي النمار يبدو عليهم الفقر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة ليتصدقوا فلم يتقدم أحد، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة، حتی قال صحابي: فجاء بوسق من تمر، ثم قلده الصحابة، فتتابعوا يجلبون مما عندهم فذكر الحديث. أولها: الرغبة في المحاكاة والاقتداء، فالشخص المقلد مدفوع برغبة خفية لا يشعر بها، نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث، وأسلوب الحركة والمعاملة والكتابة، ومعظم عادات السلوك، دون أن يقصد، وهذا التقليد غير المقصود لا يقتصر على حسنات السلوك، بل قد يتعداها إلى غيرها، فالشخص المتأثر يتقمص، عن طريق لا شعوري، شخصية المؤثر كلها أو جلها، ولذلك كان من الخطورة بمكان ظهور المساوئ في سلوك القدوة؛ لأنه بذلك یحمل وزر من يقلده فيها. لذلك نبه القرآن الآباء إلى أن الاستمتاع بالأطفال، والحنان والعطف عليهم، يجب ألا يشغلهم عن أن يكونوا قدوة صالحة لهم، فقال في وصف عباد الرحمن: ﴿ وَأُلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٤]. فوصف عباد الرحمن بأنهم يرغبون في أن تقر أعینھم بالزواج والولد، کما يرغبون الثاني: الاستعداد للتقليد: في كل مرحلة من العمر استعدادات، وطاقات محدودة لذلك لم يأمر الإسلام الأطفال بالصلاة قبل سبع سنين، ولا يمنع ذلك من ترك الطفل يقلد أبويه بحركات الصلاة قبل أن يبلغ سبع سنين، ولكن لا يؤمر بكل أذكارها. وعلى العموم يجب أن نحسب حسابا لاستعداد الطفل، وطاقاته عندما نطلب منه تقليد ٢٤٠ جوي القرآن الكريم