Indexed OCR Text

Pages 21-40

القراءة
اللغط واللغو والنجاسات.
والاستماع والإنصات المأمور بهما هما
المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال،
والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن، ولما جاء
الرحمة من الله سبحانه.
يقول القرطبي: ((ومن حرمته ألا يقرأ
في الأسواق، ولا في مواطن اللغط واللغو،
ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله تعالی ذکر
عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا به من إصلاح النفوس، وهذا ما يقود إلى
باللغو مروا کراما، هذا لمرورٍ بنفسه، فکیف
إذا مر بالقرآن الكريم تلاوةً بين ظهراني أهل
اللغو ومجمع السفهاء)»(١).
١٠. الاستماع والإنصات للقارئ.
الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن
طريق الرحمة، ووسيلة الانتفاع والتدبر،
وسبيل المؤمنين قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ
اٌلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهَمُونَ﴾
[الأعراف: ٢٠٤].
فلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس
وهدى ورحمة في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَآِرُ
مِنْ زَّيِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
[الأعراف: ٢٠٣].
أُمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا
له واحترامًا، ويتأكد ذلك في الصلاة
المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة (٢).
قال الليث: ((يقال ما الرحمة إلى أحد
بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله
جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ
لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾، و((لعل)) من الله
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩/١.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٦/٣،
فتح القدير، الشوكاني ٢٨٠/٢.
واجبة)»(٣).
يقول الطبري: (اليرحمكم ربكم
باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره،
واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه
في آياته)»(٤).
فالأمر بالاستماع والإنصات إرشاد إلى
طريق الفوز بما أشير إليه من صفات القرآن:
الهدى والرحمة، والمنافع الجليلة التي
ينطوي عليها القرآن.
والاستماع: أخص من السمع، لأنه إنما
یکون بقصد ونية، أما السمع: فیحصل ولو
بغير قصد، والإنصات: السكوت للاستماع
حتى لا يكون شاغل عن الإحاطة بكل ما
يقرأ (٥).
يقول ابن سعدي: ((والفرق بين الاستماع
والإنصات، أن الإنصات في الظاهر
بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن
استماعه.
وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه،
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٩.
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/١٣.
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ٩/ ١٥٠،
تفسير المراغي ٩/ ١٥٤.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف القاف
ویحضر قلبه ویتدبر ما یستمع، فإن من لازم
على هذين الأمرين حين يتلی کتاب الله،
فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا
مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة
في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة
عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه
الکتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم
الحظ من الرحمة، قد فاته خیر کثیر)»(١).
يقول النووي: ((ومما يعتنى به ويتأكد
الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل
فيها فمن ذلك اجتناب الضحك، واللغط،
والحديث فى خلال القراءة إلا كلامًا يضطر
إليه، وليمتثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ
الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَّهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأعراف: ٢٠٤])) (٢).
وقد ذكر الله حال الكافرين في تواصيهم
بعدم سماع القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْافِيهِ﴾
[فصلت: ٢٦].
و﴿وَالْغَوْافِيهِ﴾: أي: إذا تلي لا تسمعوا
له، قال مجاهد: يعني: الغوا بالمكاء،
والصفير والتخليط في المنطق على رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن (((٣).
١١. الخشية والبكاء والسجود عند
القراءة:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٤.
(٢) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٩٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٤/٧.
جوبيه
القُرآن الكَرِيْمِ
القرآن الكريم موعظة القلوب ومذكر
النفوس، اشتمل على الترغيب والترهيب،
والتذکیر للإنسان بمصيره ومآله ورجوعه،
فهو يرقق القلب ويبكي العين، ويزيد
الإيمان، ويقوي الخشية.
وقد ذكر الله من صفات أهل خشيته،
وطرائق أوليائه أنهم عند سماع القرآن
وتلاوته توجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم
وتلین قلوبهم، ویخرون سجدًا وبکیًا، وهذا
دلیل علی خوفهم من الله وتعظیمهم لكتابه،
قال تعالى: ﴿إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ مَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ
سُجَّدًّا وَبِّكِيًا ﴾ ﴾ [مريم: ٥٨].
يقول القرطبي: ((وصفهم بالخشوع
والبكاء وضم السجود إلى البكاء، وأبان به
عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في
تعظيمهم لله تعالى وآياته)» (٤).
ويقول ابن كثير: ((أي: إذا سمعوا كلام
الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه،
سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا
وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة،
والبكي)): جمع باكٍ، فلهذا أجمع العلماء
على شرعية السجود هاهنا، اقتداء بهم،
واتباعًا لمنوالهم)»(٥).
ووصف الله حالة أهل الخشية عند
سماعهم القرآن بقوله: ﴿نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١٢٠.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٢/٥.
٣٤٤

القراءة
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وسلم: اقرأ علي، قال: قلت: أقرأ عليك
وعليك أنزل، قال: إني أشتهي أن أسمعه من
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣].
غيري، قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍوَجِئْنَا
بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ٤١].
فتقشعر منه جلودهم لما فيه من
التخويف والترهيب، ثم تلين عند ذكر
الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل
الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر (١).
وقد امتدح الله أهل العلم الذین إذا يتلى
عليهم القرآن يخرون تعظيمًا له وتكريمًا،
وعلمًا منهم بأنه من عند الله، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَآَ
يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١)
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا (٥
[الإسراء:
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ ﴾
١٠٧ - ١٠٩].
يقول القرطبي: «هذه مبالغة في صفتهم،
ومدحٌ لهم، وحقٌ لكل من توسم بالعلم
وحصل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة،
فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع
ويذل)) (٢).
لقد کان شأن صحابة رسول الله صلى
الله عليه وسلم عند سماعهم القرآن وتلاوته
والسجود، وقدوتهم
الخشوع والبكاء
وأسوتهم في ذلك نبينا محمد صلى الله
عليه وسلم فقد جاء عن ابن مسعود رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٢٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٤٢.
قال لي: كف - أو أمسك- فرأيت عينيه
تذرفان)(٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن،
٢٤٣/٦، رقم ٥٠٥٥، ومسلم في صحيحه،
كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع
القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع
والبكاء عند القراءة والتدبر، ١٩٥/٢، رقم
١٩٠٣.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف القاف
سند قراءة القرآن
الإسناد معتمدٌ أصيل، وطريق متين،
والقرآن الكريم أعظم المنقولات إسنادًا،
وأقدسها اتصالًا، فهو وحي رباني، اتصل
بالخالق سبحانه، ونقل عن طريق أمين
الوحي جبريل عليه السلام، ونزل على
قلب إمام المنذرين، وسيد الخلق أجمعين،
يوضح منزلة هذا الإسناد ما يلي:
أولًا: الإسناد إلى الله تعالى:
قراءة القرآن عظمت هيبتها، وعلت
منزلتها، وازداد جلالها حينما اتصل سندها
بالله عز وجل، فمصدرها طريقٌ إلهي،
ووحيٌّ رباني، وقد أشار الله في كتابه إلى
هذا السند المعظم، والاتصال المقدس،
فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَثَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَّمِينَ (٦)
نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ
الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].
أي: أنزله الله إليك بواسطة أمين الوحي
جبريل عليه السلام، وجبريل تلقاه عن الله
تعالی سماعًا.
فقد جاء في الحديث عن النواس بن
سمعان رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله
بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من
خوف الله، فإذا سمع أهل السماء صعقوا،
وخروا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه
جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي
به إلى الملائكة، فكلما مر بسماء سأله أهلها
ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فینتهي به حیث
أمر) (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَغُلَقَّى الْقُرْءَانَ مِنْ لَّدُنْ
حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦].
يقول ابن قتيبة: ((أي: يلقى عليك القرآن
فتلقاه أنت، أي: تأخذه من عند حكيم
عليم))(٢).
وأخبر الله أنه هو الذي سيقرئ نبيه
محمدًا صلی الله عليه وسلم، وأمره باتباع
قراءته، ليتعلم كيفيتها وطريقتها، وهو
المتكفل بحفظها له في صدره، قال تعالى:
﴿َسَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا
قَرَأْنَهُ فانّعْ قُزْءَانَهُ﴾ أي: إذا تلاه علیك جبريل
عليه السلام عن الله عز وجل فاستمع
لقراءته، ثم اقرأه كما أقرأك.
يقول ابن عاشور: ((وقوله: فإذا قرأناه
أي: إذا قرأه جبريل عنا، فأسندت القراءة إلى
ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي،
والقرينة واضحة)) (٣).
وقال تعالى: ﴿تِلَّكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ
(١) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٣٣٦/١،
رقم ٥٩١، والطبري في تفسيره ٣٩٠/٢٠.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٧٥/٦:
أخرجه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان
بن صالح وقد وثق .. وبقية رجاله ثقات.
(٢) غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٣٢٢.
(٣) التحرير والتنوير ٣٤٩/٢٩.
٣٤٦
جوبي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

القراءة
بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢].
فأسند سبحانه التلاوة إلى نفسه؛ لأنها
كلامه الذي أنزله على رسوله صلی الله علیه
وسلم بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه
علیه مبلغًا عنه سبحانه(١).
ثانيًا: الإسناد إلى جبريل عليه السلام:
أخبر الله بالواسطة بينه سبحانه وبين نبيه
محمدٍ صلى الله عليه وسلم في نقل القرآن
أنه روح القدس، الملك القوي الكريم،
جبريل الأمين عليه السلام، وأقسم سبحانه
على فضله، ورفعة منزلته بين الملائكة،
مشيدًا بعلو سند القرآن وجلالته فقال
سبحانه: ﴿فَلَ أُقِيمُ بِأْخُِ ◌ِ الْجَوَارِ الْكُنَسِ
٦ وَلَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
١٨)
إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ ٠ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرشِّ مَكِينٍ
ث ◌ُمُطَاع ◌َمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير: ١٥ - ٢١].
يقول ابن سعدي: «وهذه آیات عظام،
أقسم الله بها على علو سند القرآن،
وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم
فقال: ﴿إِنَّهُ. لَقَوْلُ رَسُولٍ كٍَ﴾ وهو: جبريل
عليه السلام نزل به من الله تعالى، ووصفه
الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثرة خصاله
الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم
رتبة عند ربه))(٢)
قال تعالى: ﴿عَلَّتُهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٨٦/٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩١٢.
٥].
أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله
عليه وسلم جبريل عليه السلام، شديد القوة
على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، وعلى إيصال
الوحي إلى الرسول صلی الله عليه وسلم.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن
الصفة التي كان يأتيه جبريل عليه السلام
بالوحي عليها، فقد سأله الحارث بن هشام
رضي الله عنه فقال: (یا رسول الله، کیف
يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة
الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد
وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك
رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول)، قالت عائشة
رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه
الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه
وإن جبينه ليتقصد عرقًا)(٣).
وهذه الحالة والتي يكون فيها جبريل
عليه السلام على هيئته الملكية هي التي نزل
القرآن الكريم جميعه عن طريقها.
يقول ابن حجر: ((والصلصلة المذكورة
صوت جبريل بالوحي والحكمة في تقدمه
أن يقرع سمعه صلی الله عليه وسلم الوحي
فلا يبقى فيه مكان لغيره)) (٤).
(٣) سبق تخريجه قريبًا ص ٣٧.
(٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر
٢٠/١.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف القاف
ثالثًا: الإسناد إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
اصطفی الله تعالی نبیه محمدًا صلى الله
عليه وسلم، وشرفه بتبليغ رسالته، وتلاوة
كتابه، وأمره بإقراء أمته، فقال سبحانه:
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَّ
لِسَتْلُوَأْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الرعد:
٣٠].
أي: لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من
وحيي الذي أوحيته إليك، وتقرأ عليهم
القرآن)»(١).
وقال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
٢) وَأَنْ أَتْلُوا الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٩٢].
أي: وأن أتلوا القرآن على الناس، فحذف
متعلق التلاوة لظهوره، فقام صلى الله عليه
وسلم بمهمته خير قيام، وأقرأ صحابته رضي
الله عنهم الكرام.
ووصفه الله بصفة تلاوة القرآن وقراءته
تشريفًا وتكريمًا فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ
اَللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
يقول الرازي: ((فقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِهِ،﴾ إشارة إلى كونه مبلغًا لذلك
الوحي من عند الله إلى الخلق)) (٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٥/١٦، فتح
القدير، الشوكاني ٨١/٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٤١٩/٩.
ويقول ابن عاشور: ((وابتدأ بالتلاوة؛
لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثنی
بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من
الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يعلق
به من مساوئ الأعمال والطباع، وعقب
بذكر تعليمهم الكتاب؛ لأن الكتاب بعد
إبلاغه إليهم تبين لهم مقاصده ومعانيه
وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله؛ لأن
من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال
الحكمة»(٣).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى
تعليم أصحابه رضي الله عنهم قراءة القرآن،
ويقرئهم بما أقرأه جبريل عليه السلام، ويقرأ
عليهم، ويأمرهم بالقراءة عليه.
فقد ورد عن عثمان رضي الله عنه، وابن
مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلی
الله عليه وسلم: (كان يقرئهم العشر الآيات،
فلا یجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلموا
ما فيها من العلم والعمل، فيعلمهم القرآن
والعلم والعمل جميعًا) (٤).
يقول السخاوي: ((كان القراء في الأمر
الأول يقرأ المعلم على المتعلم اقتداءً
برسول الله صلی الله علیه وسلم، فإنه كان
يتلو كتاب الله عز وجل على الناس كما
أمره الله عز وجل، كذلك كان جبريل عليه
(٣) التحرير والتنوير ٢٠٩/٢٨.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده ٤٦٦/٣٨، رقم
٢٣٤٨٦، وابن أبي شيبة في مصنفه، ٦/ ٢٣٧.
٣٤٨
جوية
الْقُرْآن الكَرِيمِ

القراءة
السلام يعرضه على رسول الله صلى الله
علیه وسلم و كانوا يلقنونه من يتعلمه خمسًا
خمسًا، ويقولون: إن جبريل عليه السلام
كذلك كان يلقنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم)»(١).
(١) جمال القراء، السخاوي ص ٥٣٠.
مراتب الناس في القراءة
لقد أشار القرآن الکریم إلى أقسام الناس
في حالهم مع قراءة القرآن من حيث الانتفاع
وعدمه، والإعراض والهجر مبينًا صفاتهم،
وموضحًا أسباب كل حالٍ من أحوالهم
ووسائله وموجباته، يوضح ذلك ما يلي:
أولًا: القراء المنتفعون بالقراءة:
أشار القرآن الكريم إلى أن المنتفعين
بقراءة القرآن وتلاوته هم المؤمنون خاصة،
فإذا قرؤوا القرآن وسمعوا قراءته زادتهم قوةً
في التصديق، وشدةً في الإذعان، ورسوخًا
في اليقين، ونشاطًا في الأعمال الصالحة،
وسعةً في العلم والمعرفة، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنًا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
يقول ابن سعدي: ((يحدث في قلوبهم
رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة
ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا
عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به
الإيمان»(٢).
قال تعالى: ﴿كِتَبُّ ◌ُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن
فِي صَدْرِكَ حَرَجُ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢].
يقول القرطبي: ((خص المؤمنين لأنهم
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٥.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف القاف
المنتفعون به))(١).
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن
أنهم أهل خشية وخوف من الله عز وجل،
يظهر ذلك على جوارحهم.
قال تعالى: ﴿طِهِ مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
اَلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىِ ن إِلَّا نَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى﴾
[طه: ١ - ٣].
فخص بالتذكرة من یخشی دون غيرهم،
لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى:
﴿فَذَكِرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ ﴾ [ق:
٤٥](٢).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ
كِتَبًا مُّتَشَِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ أَلَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٢٣].
يقول ابن كثير: «كان الصحابة رضي
الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة
رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر
جلودهم، ثم تلین مع قلوبهم إلی ذکر الله،
ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون
والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في
ذلك؛ ولهذا فازوا بالقدح المعلى في الدنيا
والآخرة))(٣).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٢١٧.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤/ ٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٥٥.
تَرَكٌَّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ
اُلْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٢].
وفيض دموعهم؛ لمعرفتهم بأن الذي
يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى
رسول الله صلی الله علیه وسلم حقٌّ.
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن
الكريم الاهتداء بهديه في السير على
الطريق المستقيم في حياتهم الموصل إلى
رضوان الله، قال تعالى: ﴿ یھْدِی ید
اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِ يهِمْ إِلَى صِرَاطِ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
يقول ابن كثير: «ينجيهم من المهالك،
ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم
المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور،
وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم
حالة
وقال: وهذه صفة المؤمنين المنتفعين
ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما بالقرآن، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة،
وطريق السلامة في جميع الاعتقادات، وفي
الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي
إلی روضات الجنات»(٤).
ثانيًا: القراء غير المنتفعين بالقراءة.
لقد أخبر الله في كتابه العزيز بأن الذین لا
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير بتصرف يسير
٦٨/٣.
٣٥٠
جوية
القرآن الكريمِ

القراءة
يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم الكفار حجابًا يحول بينهم وبين فهمه
لا ينتفعون بقراءة القرآن وتلاوته، ففي وتدبره، والإيمان به، والأكنة: جمع: «كنان»
آذانهم ثقل عن استماعه، وفي قلوبهم عمى وهو الغطاء الذي يغشى القلب فلا يفقه
القرآن، ولا ينتفع به.
فلا يبصرون هدایته.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ
[فصلت:
ءَاذَانِهِمْ وَقَّرٌ وَهُوٌ عَلَيْهِمْ عَمِّى﴾
٤٤].
يقول الطبري: ((وهذا القرآن على قلوب
هؤلاء المکذبین بها عمی عنه، فلا يبصرون
حججه علیهم، وما فيه من مواعظه)»(١).
قال قتادة: ((عموا عن القرآن وصموا عنه،
فلا ينتفعون به»(٢).
لقد أشار الله في كتابه إلى أن عدم
الإيمان بالله ورسوله صلی الله عليه وسلم
مانع قوي وعظيم من الانتفاع بالقرآن الكريم
عند سماعه وقراءته؛ لأنه يطفئ نور القلب
ویظلمه، ویرین علیه، ويحجبه، ويجعله في
قفل وغطاء وأكنة، ويختم عليه، ويحمله
على الإنكار، بل ويعطل الحواس من سمع
وبصر وعقل عن الفهم والتدبر.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا
بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا
مَسْتُورًا (٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
وَفِىّ ءَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
أي: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبين
(١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٨٤.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١٧٧.
يقول ابن كثير: ((أن يفقهوه، أي: لئلا
يفهموا القرآن، ففي آذانهم الثقل الذي
يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم
ويهتدون به))(٣)
بل عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم،
وجعلها غلف كالأوعية المغلقة فلا تعي ولا
تفقه ما تقرأه عليهم، قال تعالى: ((﴿وَلَین
جِئْتَهُم بِشَايَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا مُبْطِلُونَ ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ
الَّذِينَ لَّا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٥٨ -٥٩].
ولقد حذر الله في كتابه العزيز من مشابهة
أهل الكتاب في قراءتهم التوراة والإنجيل
دون انتفاع بها، أو إیمان بما فيها.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
اَلْكِثَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨].
لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظٍ
دون إدراك معانیھا.
يقول ابن سعدي: ((ليس لهم حظ من
كتاب الله إلا التلاوة فقط))(٤).
وعن زياد بن لبيد رضي الله عنه قال:
(ذکر النبي صلی الله عليه وسلم شيئًا،
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٢/٥.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦.
www. modoee.com
٣٥١

حرف القاف
قال: (وذاك عند أوان ذهاب العلم، قال: ٢٦]. وذلك هجرهم إياه))(٢).
قلنا يا رسول الله يذهب العلم ونحن نقرأ
القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم
إلى يوم القيامة، قال: ثكلتك أمك يا ابن أم
لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجلٍ بالمدينة،
أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة
والإنجيل فلا ينتفعون مما فيهما بشيء)(١).
ثالثًا: الهاجرون للقراءة:
جاء الذم في القرآن الكريم لهجر القرآن،
ونقل الله عز وجل شكاية رسوله صلى الله
علیه وسلم إلى ربه من حال قومه في هجرهم
للقرآن وإعراضهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ
الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ
مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
ونقل الإمام الطبري عن ابن زيد قوله:
((لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله
قالوا لا، وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ
عَنٌْ﴾ [الأنعام: ٢٦].
قال: ینهون عنه، ویبعدون عنه)).
وقال الطبري: وهذا القول أولی بتأويل
ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا:
﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا أَلْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْفِيهِ﴾ [فصلت:
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢١٨/٤، رقم
١٧٩١٩، والحاكم في المستدرك ٦٨١/٣،
رقم ٦٥٠٠، والطبراني في الكبير ٢٦٥/٥،
٥٢٩١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشیخین، ولم يخرجاه.
قال القرطبي: ((وقيل: معنى ﴿مَهْجُورًا﴾
أي: متروكًا. ونقل عن أنسٍ مرفوعًا: (من
تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهد، ولم
ینظر فیه، جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول یا
رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجورًا
فاقض بيني وبينه)(٣).
وجاء الندب في السنة المطهرة إلى قراءة
القرآن في البيوت، وعدم هجر قراءة القرآن
فيها فتكون كالقبور، فالموتى في قبورهم
لا يقرؤون قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَ يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَمُونَ﴾
[الأنعام: ٣٦].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا
بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت
الذي تقرأ فيه سورة البقرة) (٤).
رابعًا: المعرضون عن القراءة:
قراءة القرآن هي الحياة للقلب، والسعادة
في الدارين، والإعراض عنها، وعن تدبر
القرآن، والعمل به سبب في عقوبات عظيمة:
١. المعيشة الضنك في الحياة الدنيا.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٦٤/١٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨/١٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في
بيته وجوازها في المسجد، ١٤٥/٢، رقم
١٨٦٠.
٣٥٢
القرآن الكريمِ

القراءة
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى ينساه (٤)، بل يحمل حملاً ثقيلاً من الآثام
قال تعالى:
والأوزار، وبئس الحمل حمله يوم القيامة.
فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال:
((معيشةً ضنكا: الشقاء))(١).
يقول البغوي: ((﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِى﴾ يعني: القرآن فلم يؤمن به ولم
يتبعه، فإن له معيشة ضنكا، ضيقا))(٢).
ويقول ابن كثير: ((﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح
لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن
تنعم ظاهره، وليس ما شاء، وأکل ما شاء،
وسكن حيث شاء، فإن قلبه في قلقٍ وحيرة
وشك))(٣).
٢. يجيء يوم القيامة أعمى منسيًا،
يحمل أوزارًا.
قال تعالى: ﴿وَغَحْشُرُهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ
أَعْمَى ®) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِّ أَعْمَى وَقَدْكُنتُ
بَصِيرًا ) قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ
اَلْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦].
فالمعرض عن آیات الله یحشر إلی النار
أعمى البصر والبصيرة، في تناسٍ لحاله
وعدم اعتبار به، فالجزاء من جنس العمل،
فلما أعرض عن آيات الله، وعاملها معاملة
من لم يذكره فكذلك يعامله الله معاملة من
(١) جامع البيان، الطبري ٣٩٠/١٨.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٧٨/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٣/٥.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ ءَانَيْتَكَ مِنْ لَُّنَاذِكْرًا
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا
١٠٠
خَلِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِملًا﴾
[طه: ١٠٠ - ١٠١].
٣. التعرض لانتقام الله عز وجل.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ
◌ِشَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها
له، ثم بعد ذلك ترکها وجحدها، وأعرض
عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها، وسينتقم الله
ممن فعل ذلك أشد الانتقام.
قال قتادة رحمه الله: ((إياكم والإعراض
عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد
اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز، وعظم
من أعظم الذنوب»(٥).
يقول ابن كثير: ((وقد أدخل بعض
المفسرين - نسيان القرآن في معنى
الإعراض - فإن الإعراض عن تلاوة القرآن،
وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون
کثیر، وتفریط شدید، نعوذ بالله منه»(٦).
والمعرضون عن قراءة القرآن لا ينتفعون
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢٤/٥.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٧٠.
(٦) المصدر السابق ١/ ٧٣.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف القاف
به فحالهم کحال الأموات الذین لا یسمعون،
قال تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَحُّْ وَلَ الْأَمْوَتُّ إِنَّ اللَّهَ
يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ الْقُبُورِ﴾
[فاطر: ٢٢].
يقول ابن عاشور: ((وإن عدم انتفاع
المعرضين هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم
الأموات في القبور، وأنت لا تستطيع أن
تسمع الأموات واستعير من في القبور للذين
لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات
بمن في القبور لأن من في القبور أغرق في
الابتعاد عن بلوغ الأصوات؛ لأن بينهم وبين
المنادي حاجز الأرض))(١).
(١) التحرير والتنوير ٢٩٦/٢٢.
ثمرات القراءة
أرشد القرآن الكريم إلى قراءته مرتبًا
عليها ثمرات عظيمة، ومنافع عديدة، من
حصول الأجر، وإصابة الحق، وبلوغ منزلة
العلم والخشة لله عز وجل يوضح ذلك ما
يلي:
أولًا: ثمرات قراءة القرآن:
قراءة القرآن عبادة عظيمة، ومنزلتها
رفيعة، فقد أشار القرآن الكريم إلى ثمراتها،
ومنها:
١. قراءة القرآن تجارة مع الله، فكلما ازداد
العبد تلاوة للقرآن كلما ازداد أجرًا
ومثوبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ
اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ
سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نِجَرَةً لَّنْ تَبُّورَ﴾
[فاطر: ٢٩].
يقول البغوي: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ
كِتَبَ اللَّهِ﴾ يعني: قرأوا القرآن يرجون
تجارة لن تبور، لن تفسد ولن تهلك، والمراد
من التجارة ما وعد الله من الثواب))(٢).
وروي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن القرآن
يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره
كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٦٩٤/٣.
٣٥٤
فَضْو
القرآن الكريمِ

القراءة
فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك وإصابة الصواب، فهم يميزون بين ما
يؤمرون به، وبین ما ینهون عنه(٣).
القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت
ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك
اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك
بیمینه، والخلد بشماله، ویوضع على رأسه
تاج الوقار) (١).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به
حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم
حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، ومیم
حرف)(٢).
٢. من ثمرات قراءة القرآن حصول
الهداية باتباع أوامره واجتناب نواهيه،
وهذا حال المؤمنين إذا تلقوا القرآن
وقرؤوه ودرسوه وتفقهوا فيه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ
وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ١٨].
فهم الذين هداهم الله، ووفقهم للرشاد،
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٣٥٢/٥، رقم
٢٢٩٥٠، والحاكم في المستدرك وصححه،
٧٤٢/١، رقم ٢٠٤٣، والبيهقي في شعب
الإيمان ٣٧٥/٣، رقم ١٨٣٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل
القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن
ما له من الأجر، ١٧٥/٥، رقم ٢٩١٠،
والبيهقي في شعب الإيمان ٣٣٤/٣، رقم
١٧٨٦.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
يقول ابن عاشور: ((وقد دل ثناء الله
على عباده المؤمنين الكمل بأنهم أحرزوا
صفة اتباع أحسن القول الذي يسمعونه
ويقرؤونه، على شرف النظر والاستدلال
للتفرقة بين الحق والباطل، وللتفرقة بين
الصواب والخطأ، ولغلق المجال في وجه
الشبهة ونفي تلبس السفسطة)) (٤).
٣. من ثمرات قراءة القرآن حصول
العلم النافع الذي يورث خشية الله
والخوف منه، وحصول النفع بتدبره،
والهدی بالعمل به.
قال تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَّكُ
لِيَكَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِمَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾ [ص:
٢٩].
يقول السيوطي: ((وتسن القراءة بالتدبر
والتفهم فهو المقصود الأعظم، والمطلوب
الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير
القلوب»(٥).
وقال ابن سعدي: «هذه هي الحكمة من
إنزاله ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمه،
ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه
والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٢/٤، فتح
القدير، الشوكاني ٤ / ٤٥٦.
(٤) التحرير والتنوير، بتصرف ٣٦٧/٢٣.
(٥) الدر المنثور، السيوطي ٣٦٨/١.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف القاف
مرة تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حق،
محكمه ومتشابهه، فيؤمنون به(٤).
الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل
الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر
أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل
بها هذا المقصود، وأن هذا المقصود من
التذكر))(١).
لقد وصف الله أهل العلم بانتفاعهم
بقراءة القرآن وتلاوته وأن ذلك يثمر عندهم
خشوعًا وبكاءًا وخشية فقال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ
لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].
قال القرطبي: ((قال الحسن: الذين أوتوا
العلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا
إذا تلوا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن
خشعوا وسجدوا وسبحوا))(٢).
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: ((مدح
الله العلماء في هذه الآية، والمعنى: أن الله
تعالى يرفع الذين أوتوا العلم على الذين
آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا
فعلوا ما أمروا به))(٣).
قال تعالى: ﴿وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
ءَامَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِندِ رَيِّنَا وَمَا يَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ
آلْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ٧].
فأهل العلم الراسخون فيه، الذين
وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، يعلمون
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧١٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٠/١٠.
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٥٤٥/١٨.
يقول ابن عاشور: «هم الذين تمكنوا في
علم الكتاب، ومعرفة محامله، وقام عندهم
من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى،
بحيث لا تروج عليهم الشبه)»(٥).
وإذا كان الحق سبحانه حث على طلب
القراءة فيما ينفع، ويحصل به العلم؛ ومن
باب: ((وبضدها تتميز الاشياء)» ففي المقابل
نجده سبحانه قد نعى على أولئك الذين
يتعلمون ما فيه شرٌ وضرر، قال تعالى:
﴿وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمّْ﴾
[البقرة: ١٠٢].
أي: یضرهم في دينهم، وليس له نفع
يوازي ضرره.
ثانيًا: ثمرات القراءة في كتاب الكون:
الکون کتاب مفتوح لكل قارئ له، فهو
ميدان رحب للتفكر والتدبر فيما أودع الله
فيه من آيات بينات، ودلائل واضحات،
فإن الأرض والسماء، والبحار والجبال
وما فيهما من مخلوقات عجيبة، وكائناتٍ
حية، وما قامت عليه من نظام محكم دقيق؛
ليجعل المؤمن المتبصر يدرك صنع الله
وقدرته و حکمته.
وقد أرشد الله الخلق في كتابه إلى قراءة
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٦٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٤/٣.
٣٥٦
القرآن الكريمِ

القراءة
هذا الكتاب بعين العقل والفكر والوجدان،
قال تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَنتُ وَالنُّذُرُ عَن فَوْرٍ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
يقول ابن عاشور: ((أي: فادعهم إلى النظر
في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل
أسباب الإيمان، ودفع غشاوات الكفر،
وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما
هو حول الإنسان من أحوال الموجودات،
وتصاريفها الدالة على الوحدانية، مثل
أجرام الكواكب، وتقادیر مسیرها، وأحوال
النور والظلمة والرياح والسحاب والمطر،
وكذلك البحار والجبال)) (١).
وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد
نزلت علي الليلة آيةٌ ويلٌ لمن قرأها ولم
يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ أَلَّتِى تَّخْرِى
فِىِ الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنَزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ
مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَآَّةٍ وَتَصْرِيفِ أَلْرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾﴾ [البقرة: ١٦٤](٢).
فالقراءة فى كتاب الكون المفتوح، وتتبع
يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون،
(١) التحرير والتنوير ٢٩٥/١١.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب التوبة،
٣٨٧/٢، رقم ٦٢٠.
وتقلب صفحات هذا الكتاب هو عبادة لله
من صميم العبادة.
فالكون ليس جامدًا ولا صامتًا، ولا
أصمًا أبكمًا، ولكنه كتاب ناطق بالحجة
والبرهان على وحدانية الله جل جلاله.
ومن سدت عيناه عن قراءة كتاب الكون،
وكان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية
قدرة الله وآياته ورؤية الحق، فهو في الآخرة
أشد عمی، وأضل سبيلا.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى
فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:
٧٢].
www. modoee.com
٣٥٧

حرف القاف
القراءة في الآخرة
اليوم الآخر تجتمع فيه الخلائق عند
ربهم، ويقوم الناس لرب العالمين، وهو يوم
الجزاء والحساب، ينشر الله فيه سجلات
الأعمال، وصحائف الحسنات والسيئات
فيعرف المرء عمله، فيكون المؤمن فرحًا
مسرورًا يأخذ كتابه بيمينه، ويكون الكافر
خائفًا وجلا يأخذ كتابه بشماله.
ويوم القيامة يأمر الله المرء بقراءة كتابه،
قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ
حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
يقرؤه هو وغيره، فيه جميع ما عمله من
أول عمره إلى آخره.
قال قتادة: ((سیقرأ يومئذٍ من لم یکن قارئًا
في الدنيا))(١).
قال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِنَبُ﴾ [الكهف:
٤٩].
أي: كتاب الأعمال وديوانه، وضع
ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات.
وقد قرأ بعضهم (٢): ﴿هُنَالِكَ تتلوا كُلُّ
نَفْسِ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠].
قال ابن كثير: ((فسرها بعضهم
(١) معالم التنزيل، البغوي ١٢٤/٣.
(٢) قراءة: حمزة والكسائي وخلف العاشر.
انظر: السبعة، ابن مجاهد ص ٣٢٥، النشر في
القراءات العشر، ابن الجزري ٢٦/١.
بالقراءة))(٣)، ويقول الطبري: ((يتلو كتاب
حسناته وسيئاته)) (٤).
وقال بعض الصلحاء: ((الكتاب يوم
القيامة، لسانك قلمه، وريقك مداده،
وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على
حفظتك، ما زيد فيه، ولا نقص منه، ومتى
أنكرت منه شيئًا يكون فيه الشاهد منك
عليك))(٥).
فالقراءة يوم القيامة شاهد حي، ولسان
ناطق، وباب من أبواب إقامة الحجة، فأمر
الله بها يوم القيامة يذكر بالأمر بها في الدنيا،
ففي الدنيا جاء الأمر: ﴿اقْرَأَ ﴾ ويوم القيامة
جاء الأمر: ﴿أَقْرأْ﴾ دلالة على ما بين
الأمرین ماذا قرأ الإنسان وماذا حصل.
وينقسم الناس يوم القيامة في قراءتهم
لكتاب أعمالهم إلى فريقين: فريق آخذ
کتابه بیمینه، وفریق آخذ کتابه بشماله، واحد
يوضع له كتابه فتجري على وجهه نضرة
النعيم، وآخر يوضع له كتابه فتعلو وجهه
ظلمة الجحيم.
فأهل اليمين: يقرؤون كتابهم مسرورين
فرحين، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ.
بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا
يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٢].
يقول ابن عطية: ((يقرؤون كتابهم،
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٥/٤.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٨١.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٠/١٠.
٣٥٨
جَوَبُور
القرآن الكريم

القراءة
عبارة عن السرور بها، أي: يرددونها
ويتأملونها))(١)، ويقول ابن كثير: ((أي: من
فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح،
يقرؤه ويحب قراءته))(٢).
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِ كِنَبَهُ بِمِنِهِ،
فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُ واْكِتَبِيَهْ﴾﴾ [الحاقة: ١٩].
فدعوته الناس إلى القراءة علامة
الفرح والنشاط وقوة العزيمة، أي: دونكم
کتابي فاقرؤوه فإنه یبشر بالجنات، وأنواع
الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر
العيوب(٣).
يقول صاحب الكشاف: ((لم خص
أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، كأن أصحاب
الشمال لا يقرؤون كتابهم؟.
قلت: بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في
كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء
على جناياته، والاعتراف بمساويه، أما
التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل
والانخزال، وحبسه اللسان، والتتعتع،
والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب
عن تسوية القول، فكأن قراءتهم كلا قراءة.
وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس
وأما أهل الشمال: فيعطون كتاب ذلك، لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم أحسن
قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم
حتى يقول القارئ لأهل المحشر: ﴿هَآؤُمُ
أُقْرَهُ وَأْكِتَِيَهُ﴾ [الحاقة: ١٩](٥).
أعمالهم السيئة بشمالهم، تمییزًا لهم وخزيًا
وعارًا، فيضعه وراء ظهره حتى لا يطلع
عليه أحد؛ لأنه يعلم أن هذا الكتاب مليء
بالسيئات، فهو لا يريد أن يطلع الناس على
ما عمله، قال تعالى: ﴿وَمَّا مَنْ أَوِىَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ
فَيَقُولُ يَتْنَنِى لَوْ أُوْتَ كِنَبِيَهُ﴾ [الحاقة: ٢٥].
یقول ابن عاشور: ((وتمنى كل من أوتي
کتابه بشماله أنه لم يؤت کتابه؛ لأنه علم من
الاطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب،
فيتمنى أن لا يكون علم بذلك إبقاء على
نفسه من حزنها زمنًا فإن ترقب السوء
عذاب)»(٤).
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٤٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩٩/٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٨٣.
(٤) التحرير والتنوير ٢٩/ ١٣٥.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٨٢.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف القاف
أثر القراءة في نهضة الأمة الإسلامية
إن القراءة من أهم وسائل اكتساب
العلوم والمعارف المختلفة، والاستفادة
من منجزات المتقدمين والمتأخرين
وخبراتهم، فهي طريق التعلم والمعرفة،
والحاجة لها لا تقل أهمية عن الحاجة إلى
الطعام والشراب، فبالقراءة تحيا العقول،
وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر.
فهي من أعظم أسباب نهضة الأمة،
وسمو مكانتها، وارتفاع شأنها لما يلي:
أولًا: تحصيل العلم الشرعي:
القراءة تعد وسيلة مهمة لتحصيل العلم
الشرعي وإدراكه؛ من خلال تلاوة كتاب الله
عز وجل وفهم معانية، والقراءة في سنة النبي
صلى الله عليه وسلم، شرحًا وتعليقًا، ومن
سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به
طريقًا إلى الجنة.
وقد أثنى الله على أهل العلم ورفع
شأنهم وجعل لهم التكريم والتفضيل على
سائر الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ﴾
[الزمر: ٩].
يقول ابن جماعه : - معلقًا على قوله
صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة
الأنبياء) - ((وحسبك هذه الدرجة مجدًا
وفخرًا، وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا، فكما لا
رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف
وارث تلك الرتبة))(١).
فالعلم والتعلم سلم المجد، وباب
الترقي والنهوض، ولو نظرنا إلى واقع
الأمم الصاعدة والمتقدمة نجد أنها
اعتمدت التعليم أساسًا لتقدمها الحضاري،
فحرصت على إشاعة العلم وتيسير أسبابه،
وجعلت مفتاح ذلك: التشجيع على القراءة،
والتحريض عليها، وترويجها بين فئات
المجتمع المختلفة.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى:
﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَلْمُ الَّذِى عَلََّ بِاَلْقَلِ﴾ [القلم:
٣ - ٤].
((وأن من كرمه تعالى: أن علم الإنسان
ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو
القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على
الملائكة»(٢).
روى سعيد عن قتادة قال: ((القلم نعمة
من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم
دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال
كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا،
ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم،
ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من
المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو،
وما دونت العلوم، ولا قیدت الحكم، ولا
(١) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم
والمتعلم، بدر الدين بن جماعة ص ٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٣٧.
٣٦٠
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

القراءة
ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كان مغرمًا بجمع الكتب فحصل منها ما لا
كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها دهرًا
طويلًا سوى ما اصطفوه لأنفسهم(٣).
استقامت أمور الدين والدنيا))(١)
.
ثانيًا: توسيع المدارك وتعزيز الملكة
الفكرية:
القراءة وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات
وتعزيز الملكة الفكرية؛ لأن المرء حينما
يقرأ في علوم المقاصد وعلوم الوسائل،
ويقرأ في ما ألف قديمًا وما ألف حديثًا؛
فإن ذلك مدعاة لتوسيع مداركه وإثراء
عقليته، والاطلاع على الثقافات المختلفة
والحضارات المتنوعة، والتجارب المتباينة،
والتي يستفيد المرء من صوابها ويطلع على
فضائلها، بل تفتح له بابًا في مجال الاجتهاد
والتجديد، فباب الاجتهاد والتجديد إنما
يتحرك انفتاحًا أو انغلاقًا بمقدار القراءة
والاطلاع، فالقارئ الذي يتوغل بقراءته إلى
أعماق التاريخ، ویجول ببصره في رحاب
الواقع هو القادر على تقديم رؤى جديدة
تستوعب الرؤى السالفة وتأخذ بأحسنها، ثم
تضيف إليها(٢).
ولذلك نقل عن أعلام السلف - والذين
كان لهم إسهام في نهضة الأمة - كثرة كتبهم
وسعة اطلاعهم، فالحافظ ابن القيم الجوزية
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٢٠.
(٢) انظر: القراءة أولاً، محمد عدنان سالم ص
١٦.
ونقل عن الجاحظ قوله: ((ما وقع في
یدي کتاب إلا وقرأته من أوله إلى آخره، أي
کتاب كان»(٤).
بل نقل شغفهم بالکتب واهتمامهم بها،
يقول ابن المعتز في وصف الكتاب ((الكتاب
والج للأبواب، جريء على الحجاب، مفهمٌ
لا یفھم، وناطق لا یتکلم، وبہ یشخص
المشتاق إذا أقعده الفراق، فأما القلم فمجهزٌ
لجيوش الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل
الاستزادة، ويسكت واقفًا، وينطق سائرًا
على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء)).
ونقل الخطيب البغدادي عن محمد بن
علي النحوي، قال: ((ودع رجلٌ صديقًا له
فقال له: استعن على وحشة الغربة بقراءة
الكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة))(٥).
وفي المقابل فإن الشعوب التي لا تملك
بنية معرفية صحيحة، وسعة فكرية سليمة
فإنها تنعت بالتخلف، وتصبح في ذيل الأمم
معرفةً وصناعةً وسلوكًا، وما ذاك إلا نتيجة
طبيعية لانحسار ممارسة القراءة والعناية
بها، وتقدير العلم والتعلم.
(٣) انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة،
ابن حجر ١٣٨/٥.
(٤) تقييد العلم، الخطيب البغدادي ص ١٣٩.
(٥) المصدر السابق ص ١٢٠.
www. modoee.com
٣٦١

حرف القاف
موضوعات ذات صلة:
الأمية، التدبر، القرآن، الكتابة
ومن المؤسف أن ترى في العالم
الإسلامي من يستحوذ على ناشئة المسلمين
وشبابهم، بإشغال أفكارهم، واستمال
قلوبهم بسيل جرار من وسائل الترفيه،
واللعب، مع ما يصحب ذلك من استحواذ
الشاشات والفضائيات، وألعاب الكمبيوتر،
والمحادثات الفارغة عبر وسائل التواصل
كل ذلك على حساب الاستفادة من الوقت
تعلمًا وقراءة، حتى صار الداعون للقراءة
والمشتغلون بها غرباء في مجتمعهم(١).
ثالثًا: حفظ الوقت واستثماره:
القراءة وسيلة لاستثمار الوقت وحفظه،
فحفظ الوقت من أعظم النفائس، وأجل
الذخائر، وهو من أسباب رقي الأمة ونهضتها.
يقول ابن القيم: ((فالوقت منقض بذاته،
منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت
أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته))(٢).
ولقد ضرب عظماء المسلمين ممن
كانت لهم الريادة في رقي الأمة أروع
الأمثلة في الاستفادة من الوقت في القراءة
والتأليف، فقد نقل عن الخليل بن أحمد
الفراهيدي قوله: ((أثقل الساعات علي:
ساعة آكل فيها))(٣).
(١) انظر: الإضاءة في أهمية الكتابة والقراءة،
خالد النصار ص ٦.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٥٠.
(٣) قيمة الزمن عند العلماء، أبو غدة ص ٦٦.
٣٦٢
مُوسُق ◌َد
القرآن الكريم