Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الفَوَاحِشِ عناصر الموضوع مفهوم الفواحش ٨ الفواحش في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ تنزيه الله تعالى عن الأمر بالفواحش ١٢ أنواع الفواحش ١٤ ٢٦ أسباب ارتكاب الفواحش ٣٤ الوقاية من الوقوع في الفواحش ٤٥ أثر انتشار الفواحش في المجتمع ٤٨ الإعجاز التشريعي في تحريم الفواحش المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ حرف الفاء مفهوم الفواحش أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (فحش): تدل على قبح في شيءٍ وشناعةٍ (١). و((الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال))(٢). يقال: فحش الأمر فحشًا: جاوز حده، فهو فاحشٌ، وفحش القول أو الفعل فحشًا وفحاشةً: اشتد قبحه، والفاحشة مؤنث الفاحش القبيح الشنيع من قولٍ أو فعلٍ، والجمع: فواحش (٣). وقيل: ((المتفحش الذي يتكلف سب الناس ويتعمده، والفحش والفاحشة هو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي)» (٤). والفاحش: السيئ الخلق المتشدد البخيل (٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الجرجاني: ((الفاحشة هي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة)) (٦). قال ابن فارس: ((كل شيءٍ جاوز قدره فهو فاحشٌ، ولا يكون ذلك إلا فيما يتكره))(٧). وقال الراغب: فَحُشَ فلانٌ: صار فاحشًا، والمتفحش الذي يأتي بالفُحش))(٨). قال ابن الأثير: ((وكثيرًا ما ترد الفاحشة بدلالة الزنا، ويسمى الزنا فاحشةً)) (٩). وقال الغزالي: ((الفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز؛ فيذكرون ما يقاربها ويتعلق بها)»(١٠). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٨/٤. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٧٣. (٣) المعجم الوجيز ص ٤٦٣. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٣٣٥٥/٥. (٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٨/٤. (٦) التعريفات، الجرجاني ص ١٧١ . (٧) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٨/٤. (٨) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٧٣. (٩) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ص ٤١٥. إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ١ / ١٠١. (١٠) ٨ مُؤْتُبُوالَةُ النَّسِيّة جوبيبو الْقُرآن الكَرِيْمِ الفواحش الفواحش في الاستعمال القرآني وردت مادة (فحش) في القرآن الكريم (٢٤) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ الاسم ٢٤ [الأنعام: ١٥١] وجاءت الفاحشة في القرآن الكريم على أربعة أوجه (٢): الأول: المعصية: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيَّهَا ءَابَآءَنَا ﴾ [الأعراف: ٢٨] يعني: المعصية. الثاني: الزنا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] يعني الزنا. الثالث: اللواط: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا [العنكبوت: ٢٨] يعني: إتيان الرجال. سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ الرابع: نشوز المرأة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأَتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] يعني: العصيان والنشوز(٣). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ٨٦٧ -٨٦٨. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٦٦-٤٦٧. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٧/٨. www. modoee.com ٩ حرف الفاء الألفاظ ذات الصلة الإثم: ١ الإثم لغةً: هو الذنب (١)، وقيل: أن يعمل ما لا يحل له. الإثم اصطلاحًا: الإثم: استحقاق العقوبة(٢). والإثم ما يجب التحرر منه شرعًا وطبعًا. ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ الصلة بين الفاحشة والإثم: أن كل فاحشةٍ إثمٌّ، وأن فاعلهما يستحق العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة. الذنب: ٢ الذنب لغةً: الإثم والجرم والمعصية، وعلى هذا يكون الذنب مرادفًا للإثم والفاحشة. الذنب اصطلاحًا: لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. الصلة بين الفاحشة والذنب: أن الفاحشة والذنب كليهما يشعران المرتكب لهما بالخزي والبعد عن رضا الله. الزنا: ٣ الزنا لغة: الزنا معناه الفجور، يقال: زنا يزني زنًا: فجر. الزنا اصطلاحًا: عرفه الحنفية بأنه وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته)). الصلة بين الفاحشة والزنا: الزنا إحدى الفواحش التي يعاقب فاعلها في الدنيا والآخرة. (١) لسان العرب، ابن منظور ٢٨/١. (٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت ٢٥٠/١. جوبيع القرآن الكريم ١٠ الفواحش المنكر: ٤ المنكر لغةً: خلاف المعروف، والمنكر: الأمر القبيح، وأنكرت عليه فعله إذا عبته ونهيته(١). المنكر اصطلاحًا: ما ليس فيه رضا الله من قولٍ أو فعلٍ ، وهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها، وقيل: هو الشرك. الصلة بين الفاحشة والمنكر: أن المنكر أعم من الفاحشة؛ لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل. الكبائر: ٥ الكبائر لغة: الكبائر جمع كبيرةٍ، وهي لغةً: الإثم. الكبائر اصطلاحًا: كل ذنبٍ عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود، وهي ما كان حرامًا محضًا شرع عليه عقوبة محضة بنصٍ قاطع في الدنيا والآخرة (٢). قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَجْتَِّبُونَ كَبَِّرَالْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾ [الشورى: ٣٧]. ﴿كَبَبِرَالْإِثْمِ﴾ هي الآثام العظيمة التي نهى الشرع عنها، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة، نحو القذف، وقيل: «الكبائر هي کل ما توعد فیه بالنار، وقال الضحاك: أو کان فیه حدٌّ من الحدود. وقال علي وابن عباس: هي كل ما ختمه الله بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذابٍ))(٣). (١) لسان العرب، ابن منظور ٤٥٣٩/٦. (٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٩٣. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩/٥. www. modoee.com حرف الفاء تنزيه الله تعالى عن الأمر بالفواحش لا يختلف العقلاء في أن الله سبحانه وتعالى جعل من أجل مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان في هذا النظام، ويشمل صلاح عقله وصلاح عمله، ومن يقولون بغير ذلك فلا خلاق لهم. قال تعالى: ﴿سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كبيرًا ﴾ [الإسراء: ٤٣]. بيد أن حصول الأخطاء وارد على الناس كافة، وهذه طبيعة من تكوين البشر، ومن الناس من يقر بالخطأ ويتوب إلى الله؛ فيتقبل الله توبته؛ وجاء في الحديث ((عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)(١). ومن الناس من يجيد تبرير الأخطاء، فكل خاطئ ییرر ما شاء له أن یبرر، ومن ثم يلقون باللائمة والخطأ على الغير، فترى هؤلاء الكفرة يدعون على الله الكذب ويقولون على الله ما لا يعلمون. قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء، رقم ٧٥٨. عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَلَهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُ بالْفَحْشَدَ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٢٨ [الأعراف: ٢٨]. قيل: (فاحشة): ((كانت النساء تطوف بالبيت عراة عليهن الرهاط)) وفي الطبري: («كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على قبلها النسعة)»(٢). فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم الطواف عرايا، ثم جاء الرد من الله فقد كذبهم الله؛ لأن الله لا يأمر بالقبيح من الأفعال. قال القرطبي: ((الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة، وقال الحسن: هي الشرك والكفر، واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها، وقالوا: لو کره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ﴾ بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا». وفيه كشف لباطل الكافرين، ونقض لدعواهم أن الله أمرهم بتلك الفواحش، ومما يدحض كذبهم أن الله طيب لايقبل إلا طيبًا، وفي الحديث: عن عبد الله بن (٢) النسعة: قطعة من الجلد مضفورة. والرهط جلد يقد سيورا عرض السير أربع أصابع أو شبر، تلبسه الجارية الصغيرة قبل أن تدرك، وتلبسه أيضا وهي حائض. ١٢ جوبير القرآن الكريم الفواحش مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلی الله علیه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل یحب أن یکون ثوبه حسنًا ونعله حسنة. قال: إن الله جمیل یحب الجمال، الکبر بطر الحق وغمط الناس)(١). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾ [النحل: ٨١]. قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ يعني: القمص، واحدها سربال، قوله تعالى: ﴿وَسَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: الدروع التي تقي الناس في الحرب)». فقد ذكر الله النعمة التي اختصهم بها، وهي ملابس تقيهم الحر، ثم بين نعمته عليهم بلبس الدروع التي تقيهم الجرح من السيف أو الرمح. وقال تعالى: ﴿يَبَقِىَّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿یَبَقِّءَادَمَ﴾ هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا، فإنه عام في كل مسجد، لأن العبرة للعموم لا للسبب. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر، رقم ٩١. وقال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. الفحشاء: الفحش، وهو كل قبيح من قول أو فعل، قال ابن عباس: هو الزنا. والمنكر ما أنكره الشرع بالنهي عنه، وهو يعم جميع المعاصي: الرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها، وقيل: هو الشرك، والبغي هو الكبر والظلم والحقد والتعدي، وحقيقته تجاوز الحد، وهو داخل تحت المنکر، ولکنه تعالی خصه بالذکر اهتماما به لشدة ضرره. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. قال: «لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت وعَيَّرهم المشركون نزلت هذه الآية، والفواحش: الأعمال المفرطة في القبح ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نكاح الأمهات في الجاهلية ﴿وَمَا بطنَ﴾ الزنا، وقيل: سرها وعلانیتها)). وقال الزمخشري: ((﴿اَلْفَوَحِشَ﴾: ما تفاحش قبحه، أي: تزايد، وقيل: هي ما يتعلق بالفروج»(٢). (٢) الكشاف، الزمخشري ٤٣٩/٢. www. modoee.com ١٣ حرف الفاء أنواع الفواحش تتعدد أنواع الفواحش التي یوسوس بها الشيطان للإنسان، فالشيطان لا ييأس من محاولة إغواء الإنسان لیقع فیما حرم عليه، ويتسرب إليه من خلال الشهوات الحيوانية الدنيئة والرذائل والقاذورات التي نهى الله عنها ليحيا المجتمع نقيًّا طاهرًا منها، وهي: (الزنا، واللواط، البذاءة، والقذف)، وغيرها مما ينكره الطبع السليم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. في الآية الكريمة نهي عن مقاربة أو ملابسة جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي، وقيل: ((قوله تعالى: ﴿مَاظَهَرَ﴾ نهي عن جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي، و﴿وَمَابَطَنَ﴾ ما عقد عليه القلب من المخالفة، وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له الأشياء))؛ لأن الله تعالى قد أمر خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه، وذلك سره وعلانيته، والإثم كل ما عصي الله به من محارمه، وقد يدخل في ذلك سر الزنا وعلانيته و کل معصية لله فيها أمر باجتنابها، فيكون الأمر عاما بالنهي عن كل ما ظهر أو بطن من الفواحش. والفاحشة: الفعلة الشديدة السوء، بهذا غلب إطلاقها، والجمع الفواحش، وتشمل: ١. الزنا. قال تعالى: ﴿وَأَلَِّ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. الفاحشة في هذا الموضع الزنا، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ﴾، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد. والزنا: الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة. لا شك أن الزنا فاحشة من أبشع الفواحش التي نهى الإسلام عنها وتوعد من يقترفها بالعذاب الشديد؛ لأنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب التي حفظها الإسلام، كما أنها تؤدي إلى كشف العورات التي أمرنا الله تعالى بسترها وعدم الاقتراب منها. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]. قال الزمخشري: ((﴿فَاحِشَّةً﴾ قبيحة زائدة على حد القبح، ﴿وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ وبئس طريقا طريقه، وهو أن تغضب على غيرك امرأته أو أخته أو ابنته من غير سبب»(١). في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلی الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا (١) الكشاف، الزمخشري ٥١٥/٣. البَشَّ جَوَسُبـ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٤ الفواحش يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)(١). فآفة الزنا فاحشة حرم إتیانها، ونھی الله عن الاقتراب منها في آيات القرآن الكريم والحديث الشريف. والإسلام حرم الانحراف عن السلوك القويم الذي يمثل خروجا عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وشرع العلاج لمن يرتكب الفاحشة وينتهك المحارم حتى ينتهي عن ذلك، ووضع لها الحدود الرادعة التي تتناسب وخطورة الذنب وقاية للمجتمع من الضياع والفساد. وقد حرم الله الزنا لمنع الإفساد واختلاط الأنساب، وجعل حد الزنا قاسيا لما يصيب المجتمع من الأمراض الأخلاقية والنفسية التي تهتك ستر المجتمع وتمزق أوصاله وتؤدي به إلى الهلاك، فكانت حكمة الله من تحريم الزنا وفرض العقوبات الرادعة لمقترفيها، فقال تعالى: ﴿الَِّيَّةُ وَالزَّانِ فَأَجْلِدُوا كُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَتَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ آَلَآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ آ أَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَائِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلََّّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، رقم ٥٧. [النور: ٢- ٣]. وَحُرِعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبکر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)(٢) . وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَهْتَنِبُونَ كُبَيْرَ أَلْإِئْمِ وَالْفَوَِّشَ إِلَّ اللََّمَ﴾ [النجم: ٣٢]. هذ نعت للمحسنین، أي: هم الذين لا يرتكبون كبائر الإثم، وهو الشرك؛ لأنه أکبر الآثام. والفواحش الزنا، وقال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد، ﴿آللم﴾: هي صغائر الذنوب التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه)». قال الزمخشري: ((الكبائر)» الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة، ((والفواحش)) (٣) مافحش من الكبائر ٠ وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَاَلْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. قال ابن عطية: ﴿اَلْفَحْشَآِ﴾ الزنا، قاله ابن عباس، وغيره من المعاصي التي شناعتها ظاهرة وفاعلها أبدا مستتر بها، وكأنهم خصوها بمعاني الفروج، والمنكر (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزنى، رقم ١٦٩٠. (٣) الكشاف، الزمخشري ٦٤٥/٥. www. modoee.com ١٥ حرف الفاء أعم منه؛ لأنه يعم جميع المعاصي والرذائل» وتشمل اللواطة، كما فى قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِيِّنَ اَلْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. قال ابن عطية: ﴿اَلْفَحِشَةَ﴾ هنا إتيان الله الناس عليها، وهي استمتاع الرجل الرجال في الأدبار، وروي أنه لم تكن هذه بالمرأة. المعصية في أمم قبلهم، وأنهم كانوا يأتي بعضهم بعضًا، وروي أنهم إنما كانوا يأتون الغرباء)»(١). ٢. اللواط. اللواط: إتيان الذكور في الدبر، وهو عمل قوم نبي الله لوط عليه السلام، وتعد أبغض الفواحش؛ لأنها تفسد الدين والدنيا معًا، وتهدم الأخلاق، وتمحق الرجولة، وتذهب الخير من حياة مقترفيها، ومن ثم يلحق مرتكبيها الخزي والعار؛ لأن اللواط ضرر عظيم للفرد والمجتمع، ومتى انتشرت هذه الآفة في مجتمع عاقبه الله بأمراض تنتشر فيه. وقد بين القرآن الكريم جريمة اللواط، وما حل بقوم لوط عليه السلام الذين فعلوا الفواحش. قال تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» أَتَأَّتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ٥٤ أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرَّحَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: ٥٤ -٥٥]. (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٤/٢. وفيها ينكر الله على قوم لوط إتيانهم للفاحشة، وعدم إنکارهم لها؛ فهم يبصرون المنكر، ولا ينكرونه، وهم يأتون الرجال شهوة، ويفسدون الفطرة السليمة التي فطر قال النحاس: ((أي: وأنتم تعلمون أنها فاحشة فذلك أعظم لذنبكم. وقيل: يرى بعضكم ذلك من بعض ولا يكتمه منه. وقيل: المراد بالبصر العلم بقبح هذا الصنيع. وقيل: كانوا يتناكحون أمام أنظار المشاهدين كما تفعل الكلاب والحمير؛ فالرؤية إذًا بصرية، أي: يرى بعضهم بعضًا دون خجل ولا حياء»(٢). وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِيِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ ﴾ [الأعراف: ٨٠-٨١]. فهؤلاء القوم أحدثوا فاحشة استمتاع الرجال بالرجال، فأمر الله لوطا عليه السلام لما نزل بقريتهم سدوم في رحلته مع عمه إبراهيم عليه السلام أن ينهاهم، ويغلظ عليهم، والإتيان المستفهم عنه والعمل، أي: أتعملون الفاحشة؟! وکني بالإتيان على العمل المخصوص، وهي كناية مشهورة، والفاحشة: الفعل الدنيء الذميم، والمراد (٢) معاني القرآن، أبو جعفر النحاس، ١٤٢/٥. فَضْو جَوَسُولَةُ التَّقِين لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٦ الفواحش هنا فاحشة معروفة، فالتعریف للعهد، وأنکر عليهم إتيان الفاحشة، وعبر عنها بالفاحشة التي لم تكن معروفة في البشر. وقوله تعالى: ﴿مِّن دُونِ النِّسَآءِ﴾ لتفظيع فعل هذه الفاحشة، وتسمية هذا الفعل فاحشة؛ لأنه يشتمل على مفاسد كثيرة، منها استعمال الشهوة في غير ما خلقت له؛ لأن الله خلق في الإنسان الشهوة لإرادة بقاء النوع؛ ولأن ذلك الفعل يجلب أضرارا للفاعل والمفعول بسبب استعمال محلين في غير ما خلقا له. وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴾ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيَكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٨- ٢٩]. قطع السبيل: الطريق، يفعلون هذا مع فساد أخلاقهم وانتکاس فطرتهم. قال ابن كثير: ((فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا)» (١). وقال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ [الشعراء: ١٦٥]. ١٦٥ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨/٧. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطْمَسْنَا أَعْيُّنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]. ((قوله تعالى: ﴿فَطَّمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ قال أبو عبيدة: مطموسة بجلد كالوجه. وقال ابن عباس والضحاك: استعارة، وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئًا، فجعل ذلك كالطمس» (٢). وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا مَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتْ تَعْمَلُ اٌلَْبَّيِتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ ٧٤ [الأنبياء: ٧٤]. ومما سبق من الآيات نجد أن قوم لوط، قد وصفوا بعدد من الأوصاف نوجزها فيما يلي: أنهم جاؤوا بفعل لم يسبقوا إليه، وأنهم مسرفون في ضلاهم؛ فقد جمعوا بين الشرك والرذيلة. وأنهم أصحاب فطرة فاسدة؛ فهم مفسدون ظالمون؛ الإتيانهم الرجال؛ ولأنهم صاروا يرون القبيح حسنا والحسن قبيحا، فهم قوم سوء فاسقون، بل قوم مجرمون فاجرون، فهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، فقد جمعوا بين أصناف المنكرات والرذائل، وهذه الأصناف كلها تدخل في إطار الفاحشة. وإتيان المرأة في دبرها، منهي عنه. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢١٩/٥. www. modoee.com ١٧ حرف الفاء قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ [العنكبوت: ٢٨]. حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قال ابن عطية: ((قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرّثٌّ لَّكُمْ﴾ قال جابر: سببها أن اليهود قالت: إن الرجل إذا أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول. وعابت على العرب ذلك، فنزلت الآية تتضمن الرد على قولهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشر كلام الناس، فنزلت الآية مبيحة الهيئات کلها، إذ كان الوطء موضع الحرث، فلفظة (الحرث) تعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة؛ إذ هو المزدرع))(١). تحريم فاحشة اللواط: إن اللواط أفحش فاحشة وشر رذيلة، وهو شر من الزناء لهذا حرمت النصوص الشرعية هذه الفاحشة، ورهبت منها ترهيبًا عظيمًا، إن الله لما ذكر الزنا: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ, كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]. فجاءت ﴿فَحِسَّةً ﴾ نکرة، ولما ذکر اللواط. أَتَأَتُونَ الْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [النمل: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٩٩/١. فتعريف الفاحشة في اللواط إنما يدل على أنه أفحش من الزنا. ولا خلاف أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا. قال ابن القيم: ((ومن تأمل قوله سبحانه: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾، وقوله تعالى في اللواط: ﴿لَتَأْتُونَ اَلْفَحِشَةَ﴾ تبين له تفاوت ما بينهما؛ فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، أي هو فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، أي: تأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غیرها)»(٢). والمسلم مأمور باجتناب الفواحش، فكل آية في القرآن تحرم علينا الفاحشة، فهي محرمة لفعل قوم لوط، وقد عاقب الله أهل هذه القرية بالهلاك، فجعل عاليها سافلها، قال تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، وكذلك قلبوهم، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم، فالجزاء من جنس العمل. قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرَاً فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ [الأعراف: ٨٤]. (٢) الداء والدواء، ابن القيم ص ٣٩٧. مَشَةُ الْتَفَرِ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٨ الفواحش وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا بالأمراض المهلكة، إذ تنتقل الأمراض عَلِيَهَا سَائِلَهَا وَأَقْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن مُسَوَّمَةً عِندَ رَيِّكٌّ وَمَا سِجِّلٍ مَّنضُودٍ هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٢﴾ [هود: ٨٢- ٨٣]. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن مقارفة هذه الفاحشة اللعينة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم دواعیها وما يؤدي إلى ملابستها، وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)(١). ففي الحديث تجد النهي عن نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وكذا نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، أما قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) وكذا المرأة مع المرأة؛ فھو نھي تحریم إذا لم یکن بينهما حائل، وفيه دليل على تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه؛ لأن ممارسة الفواحش (الزنا واللواط) تؤدي إلى الإصابة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب تحريم النظر إلى العورات، رقم ٣٣٨. التناسلية عن طريق الاتصال الجنسي غير المشروع، ومنها: الإيدز، الزهري، السيلان. الإيدز: يعني فقدان جسم الإنسان القدرة على مقاومة الأمراض، وينتقل المرض عن طريق الاتصال الجنسي المحرم بين الذكور والذكور (اللواط)، أو بين الذكور والإناث (الزنا). الزهري: وهو مرض خطير ينتج عن ممارسات الجنس الشاذة. السيلان: مرض ينتشر في أوساط الفسقة الفجرة لارتباطه بارتكاب الفاحشة، فهو غالبا ما يصيب الجهاز البولي والتناسلي للرجل والمرأة، وتنتقل العدوى من الشخص المصاب إلى السليم عن طريق المباشرة باللواط أو عند الزنا بالنساء، وغير ذلك. وأما حد جريمة اللواط: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الفاعل والمفعول به، ففي الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)(٢). (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط، ٤ /١٥٨، رقم ٤٤٦٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٢١/٢، رقم ٦٥٨٩. www. modoee.com ١٩ حرف الفاء ٥٣ وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ لـ [الزمر : ٥٣]. بقتل الفاعل والمفعول به؛ لأنه لا خير في بقائهما؛ لفساد طويتهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فلا حياء ولا كرامة ولا إيمان لهؤلاء. ولما كان الجرم شديدًا والعاقبة وخيمة وجب دعاء الله تبارك وتعالى والتضرع إليه؛ لأن الله لا يرد من طلب معونته بالصدق معه، والبعد عن أسبابها، وما يذكر المرء بها، والابتعاد عن أصحاب السوء، وأن يشغل المرء نفسه بالطاعة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فالعاقل من يفكر في كل عمل يقوم به، فيدرك أن النشوة المحرمة تعقبها منغصات وآلام وندم وقلق يلازمه دائمًا. ومن ثم فإن عليه المبادرة بالزواج، فإن لم يستطع فالإكثار من الصوم، فالصوم جنة؛ لأنه يكبح جماح الشهوات، والخشوع في الصلاة، والإقبال على الله؛ فإنها تنهى عن كل فاحشة وكل منكر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَّوَةَ تَنْهَيْ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ومن ثم فإنه يجب أن يدرك الناس أن الله يغفر الذنوب جميعا. قال تعالى: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، وهذا في حق التائبين خاصة. ٣. البذاءة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْمِدَّةٌ وَأَنَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ يُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِِّنَةٍ وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. قال ابن عطية: ((قال بعض الناس: الفاحشة متى وردت في القرآن معرفة فهي الزنا، ومتى وردت منكرة فهي المعاصي، يراد بها سوء عشرة الزوج، ومرة غير ذلك))(١). وقوله تعالى: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ◌ُبَيِنَةِ﴾ الفاحشة: الفعلة الشديدة السوء، بهذا غلب إطلاقها، وهي متى وردت منكرة فهي المعاصي، ووصفها ب﴿شية﴾ يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش، أي: فاحشة عظيمة، وقد اختلف في المراد من الفاحشة هنا، وفي معنى الخروج لأجلها، قال القرطبي: ((قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: هو الزنا، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٩٨/٥. مَِةُ التَّفسيد الْقُرآن الكَرِيمِ ٢٠ الفواحش أيضًا والشافعي أنه البذاء على أحمائها، الرهاط)) (٤). فيحل لهم إخراجها))(١). وقال ابن عطية: ((قال ابن عباس: ذلك النداء على الأحماء، فتخرج ويسقط حقها في السكنی))(٢). وقال تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ قُبَيِّنَةٍ يُضَعَّفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. يخاطب الله نساء النبي؛ لأنهن صون على عهد مع الله أن يؤتیهن أجرا عظيما، ويحذرهن من المعاصي، وجعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذابا مضاعفا، والمراد بالنساء هنا الحلائل، والفاحشة المعصية، وكلما وردت الفاحشة في القرآن نكرة فهي المعصية، وإذا وردت معرفة فهي الزنا ونحوه. وقال ابن عطية عن (الفاحشة): ((إذا وردت موصوفة بالبيان فهي عقوق الزوج وفساد عشرته، ولذلك يصفها بالبيان، إذ لا یمکن سترها)» (٣). عمومًا. قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا﴾ [الأعراف: ٢٨] قيل: (فاحشة) ((كانت النساء تطوف بالبيت عراة عليهن (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٨٨/١٠. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٩٨/٥. (٣) المصدر السابق ٢٩٨/٥. كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على قبلها النسعة، فتلك الفاحشة التي وجدوا علیها آباءهم الطواف عرايا. وقال القرطبي: ((الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة، وقال الحسن: هي الشرك والكفر)»(٥). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةِ﴾ [النساء: ١٩]. قال ابن عطية: ((واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو الزنا. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الفاحشة في هذه الآية البغض والنشوز. وقاله الضحاك وغيره»(٦). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. ((قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وقد تطلق الفاحشة على الأعمال السنية وطافوا بالبيت عيرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن، وعن مجاهد قال: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نكاح الأمهات (٤) معاني القرآن الكريم، أبو جعفر النحاس ٣/ ٢٥. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٤٢. (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٩٨/٥. www. modoee.com ٢١ حرف الفاء في الجاهلية ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا. وقال قتادة: مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم﴾، فصار حرامًا في سرها وعلانيتها)) (١). ٤. نكاح المحارم. من الإعجاز التشريعي في القرآن أن الله تبارك وتعالى أنزل فيه تحريم الزواج بين بعض الأفراد، وهذا المنع إما لشدة القرابة بين الذكر والأنثى، التي من شأنها أن تأیی علی کل واحد منهما أن يعاشر الآخر معاشرة الأزواج، لما في ذلك من منافاة للفطرة، ولما قد ینعکس عن ذلك من آثار غیر حمیدة على أبناء المجتمع، کما یکون له تأثير على النسل، إلى جانب ما يكون هناك من موروثات تنتقل من فرد إلى فرد من أفراد الأسرة القريبين من بعضهم كل القرب، ومن ثم نص القرآن على حرمة التزوج بالمحارم: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وهو ما يعرف بنكاح المحارم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ الْنِسَآءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَّ إِنَّهُ، كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]. يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَأَيُھا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٥٤٢. جوسين القرآن الكريمِ الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج؛ فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه (٢). وقيل: ((الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء، وقد کان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه(٣). وكانت في قريش مباحة مع التراضي، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: تقدم ومضى، أي: لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه، فإن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتَّاوَسَآءَ سَبِيلًا﴾ عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ قال تعالى: أُكَمَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُّكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِ فِي حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنِ لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤٣/٣. (٣) المصدر السابق ٣/ ٤٤٥. ٢٢ الفواحش عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْآَ يِكُمُ الَّذِينَ والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ ﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٣ -٢٤]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حرم من النسب سبع، ومن الصھر سبع، وتلا هذه الآية (١). وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فحرم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتکم، فقد بين في هذه الآية ما يحل من النساء وما یحرم، کما ذکر تحريم حليلة الأب، فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ففي الحديث: (عن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها؛ فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حدثني عن عائشة قالت: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب)(٢). فالسبع المحرمات من النسب: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، (١) المصدر السابق. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، رقم ٥١٠٨، ص ١٠١٤. أما قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فعطف على المحرمات المذكورات قبلها، وقد اختلف في تأويلها، فقيل: ((المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي: هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض المعركة، وفي قول آخر: هن ذوات الأزواج؛ ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنا. وقيل: يراد به العفائف، أي: كل النساء حرام، وألبسهن اسم الإحصان، من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج))(٣). والسبع المحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب: ابنة زوجه، وحلائل الأبناء -الحلائل جمع حليلة، وهي زوج الابن- والجمع بين الأختين، وألا يتزوج الابن امرأة أبيه، أي: من سبق للآباء الزواج منهن. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآپڪُمْ﴾ أي: اللاتي دخلتم بهن. وقوله تعالى: ﴿وَرَبِپُكُمُ الَّتِىفِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ أي: لا يحل له الزواج من ابنة زوجته التي دخل بها. وقال ابن عطية: ((اختلف العلماء في (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤٣/٣. www. modoee.com ٢٣ حرف الفاء معنى قوله: ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فقال ابن قال مالك في الرجل تكون تحته المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته ويفارقهما جميعا ویحرمان علیه أبدًا إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب الأم لم تحرم علیه امرأته وفارق الأم. عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء وقبل الوطء؛ فإن ابنتها له حلال. وقال جمهور من العلماء منهم مالك ابن أنس وعطاء بن أبي رباح وغيرهم: إن التجريد والتقبيل والمضاجعة التلذذ وجميع أنواع يحرم الابنة كما يحرمها الوطء)) (١). وقد جاء النهي صریحًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت)(٢). وعن مالك عن غیر واحد أن عبد الله بن مسعود استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم تكن الابنة مست فأرخص في ذلك، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتی أتی الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته. (١) المحرر الوجيز ٣٢/٢. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، ٣/ ٤١٧، رقم ١١١٧. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم ٢٢٤٢. (٣) أخرجه مالك في الموطأً، كتاب النكاح، باب ٢٠٤/٣. مَوَسُوبَةُ النَّني جوية القرآن الكريم وقال مالك في الرجل يتزوج المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبدًا، ولا تحل لأبيه ولا لابنه، ولا تحل له ابنتها وتحرم عليه امرأته. قال مالك: فأما الزنا فإنه لا يحرم شيئا من ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَائِكُمْ﴾ فإنما حرم ما کان تزویجًا ولم یذکر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه امرأته فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا(٣). وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ آزضعْنگُمْ﴾، وهي في التحریم نحو ما جاء في الحديث الشريف: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاء عمي من الرضاعة فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتی أسأل رسول الله صلی الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: إنه عمك فأذني له. ٢٤ الفواحش قالت: فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟! قالت: فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: إنه عمك فليلج عليك. قالت عائشة: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب. قالت عائشة: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)(١). فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت علیه؛ لأنها أمه، وبنتها؛ لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختْنِ﴾ أي: حرم جمع الزوجتين بعقد النكاح، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تعرضن علي بناتکن ولا أخواتکن) كما جاء في الحديث. عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: (يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان. فقال: أوتحبین ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شارکني في خیر أختي. فقال النبي صلى الله علیه وسلم: إن ذلك لا يحل لي. قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، رقم ٥١٠٨، ص ١٠١٤. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تکن رہيتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتکن. قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله علیه وسلم، فلما مات أبو لهب أریه بعض أهله بشر حییة. قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثویبة)(٢). ومن المحارم، كذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، فقد جاء فى الحديث: (عن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها، فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حدثني عن عائشة قالت: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب)(٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النكاح، باب (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف)، رقم ٥١٠٧، ص ١٠١٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، رقم ٥١٠٨، ص ١٠١٤. www. modoee.com ٢٥ حرف الفاء أسباب ارتكاب الفواحش تتنوع أسباب ارتكاب الفواحش تبعا لاختلاف الأفراد في المجتمع، فتجد لكل عاص أسبابه الخاصة التي تدفعه لارتكاب الفاحشة، فقد تكون هذه الأسباب بسبب عصيان أوامر الله أو اجتناب نواهيه، وكل عصيان لله يكون بتتبع خطوات الشيطان، واتباع هوى النفس بممارسة الفاحشة، أو تقليد أصحاب السوء؛ لذلك كان الأمر من الله تعالى بعدم الاقتراب من الفواحش على نحو ما سنبينه. أولًا: عصيان أوامر الله تعالى: المعصية: مخالفة الأمر قصدًا(١). وهي نوعان: إما أن لا تفعل أمرًا، فتتمرد عليه، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾. [الكهف: ٦٩]. وإما أن ترتكب أمرًا منهيا عنه، نحو قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [ المزمل: ١٦]. وهذه تحدث وقت صدور الأمر بافعل أو لا تفعل، ويقال لك: افعل فلا تفعل، أو يقال لك: لا تفعل فتفعل، ولا تسمى عاصيًا إلا إذا لم تطبق الأمر ساعة صدوره إليك، فقد خلق الله الكون لحكمة يعلمها، وخلق الإنسان (١) التعريفات، الجرجاني ص ٢٣٠. ليعبده ويمجده ويسبح بحمده ويفعل ما يأمره به، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ أَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. قال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية، فعبر عن ذلك بقوله ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ إذ العبادة هي مضمون الأمر(٢). لذلك فإن الإنسان إذا ما سولت له نفسه عصيان أوامر الله تعالى وطاعة الشيطان فلا يلومن إلا نفسه. قال تعالى: ﴿قُلٌ إِنْ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ [الأنعام: ١٥]. ١٥ رَبِّ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْلَكَ فَقُلْ إِ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [الشعراء: ٢١٦]. فقد حذرنا الله تعالى من مغبة المعصية وعواقبها الوخيمة، وحذرنا من التمادي فیها. قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]. قال: ((والمعنى: لو يسوي الله بهم الأرض، أي: يجعلهم والأرض سواء. تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ أنهم من التراب نقلوا))(٣). (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٨٣/٥. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٥٢/٢. ٢٦ جَوْسُو ◌َرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ