Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
القَلْبُ
عناصر الموضوع
مفهوم القلب
٤٠٢
القلب في الاستعمال القرآني
٤٠٣
الألفاظ ذات الصلة
٤٠٤
أنواع القلوب في القرآن الكريم
٤٠٦
٤٤٥
سنة الله في أصحاب القلوب
المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ
حرف القاف
مفهوم القلب
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «القاف واللام والباء أصلان صحيحان: أحدهما: يدل على خالص شيءٍ
وشريفه، والآخر على رد شيءٍ من جهةٍ إلى جهة، فالأول القلب: قلب الإنسان وغيره، سمي
بهذا؛ لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه، وخالص كل شيءٍ وأشرفه قلبه))(١).
ومنه: قلب النخلة وقلبها: لبها وشحمتها، وأجود خوصها وأشده بياضًا، ويقولون: هو
عربي قلب، أي: محض خالص، ويقولون: القلب: تحويل الشيء عن وجهه، وقلب الأمور:
بحثها ونظر في عواقبها، وتقلب في الأمور وفي البلاد: تصرف فيها كيف شاء، ورجل قلبٌ
يتقلب كيف شاء وتقلب ظهرًا لبطنٍ وجنبا لجنبٍ: إذا تحول، والقلب: مضغةٌ من الفؤاد
معلقةٌ بالنياط، والجمع أقلبٌ وقلوبٌ (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((القلب: لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع
في الجانب الأيسر من الصدر تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، ويسميها الحكيم:
النفس الناطقة، والروح باطنه، والنفس الحيوانية مركبة، وهي المدرك، والعالم من الإنسان،
والمخاطب، والمطالب، والمعاتب)) (٣).
وقيل: هو محل النفس والعقل والعلم والفهم والعزم. وسمي قلبا لتقلبه في الأشياء
بالخواطر والعزوم والاعتقادات والإرادات (٤)، وقيل معناه: الروح. ولم يرتض الراغب هذا
التعريف فقال: فأما العقل فلا يصح عليه ذلك (٥).
فالقلب في المعنى الاصطلاحي يمكن أن يحمل على أصليه الصحيحين في اللغة.
(١) مقاييس اللغة ١٧/٥.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٧١٣/٥.
(٣) التعريفات ص١٧٨.
(٤) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي: ص٤٨٢.
(٥) المفردات: ص ٦٨٢.
٤٠٢
جوية
القرآن الكريمِ
القلب
القلب في الاستعمال القرآني
ورد (القلب) في القرآن الكريم (١٣٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
١٩
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ، قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
٣٧ ) ﴾ [ق:٣٧]
وَهُوَ شَهِيدٌ :
المثنى
١
مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]
وَسَنُلْقِى فِى قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ﴾ [آل
الجمع
١١٢
عمران: ١٥١]
وجاء القلب في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه (٢):
الأول: العقل: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧]. يعني:
عقل.
الثاني: الرأي: ومنه قوله تعالى: ﴿أَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّ﴾ [الحشر: ١٤]. يعني:
آراؤهم شتی.
الثالث: القلب بعينه الذي في الصدر: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُاَلّى فِي
الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. يعني: القلب الذي هو محل النفس.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٥٤٩ - ٥٥١.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٤٨٣، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٨٥.
www. modoee.com
٤٠٣
حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
العقل :
١
العقل لغةً:
هذه المادة تدل على حبسة في الشيء، ومنه العقل: وهو الحابس عن ذميم القول والفعل،
وهو نقيض الجهل، يقال: عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان
يفعله، وجمعه عقول. ورجل عاقلٌ وقوم عقلاء وعاقلون ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم
وافر العقل(١).
العقل اصطلاحًا:
قال الراغب: ((العقل: يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان
بتلك القوة عقلٌ))(٢).
وقيل: العقل آلة التمييز. وعرفه الجزائري: قوة باطنية يميز بها المرء بين النافع والضار،
والصالح والفاسد (٣).
الصلة بين العقل والقلب:
ذهب الشافعي وأكثر المتكلمين إلى أن محل العقل هو القلب، وهو مستعد لأن تنجلي
فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها (٤).
الفؤاد:
٢
الفؤاد لغةً:
التفؤد: التوقد. والفؤاد: القلب لتفؤده وتوقده، وهو مذكرٌ لا يأتي مؤنثًا(٥).
الفؤاد اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الفؤاد كالقلب لكن يقال له: فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد، أي: التوقد))(٦).
الصلة بين الفؤاد والقلب:
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٥٦.
(٢) المفردات ص ٥٧٧.
(٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ٥٠.
(٤) انظر: الكليات، أبو البقاء الكفوي ص٦١٩.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٨/٣.
(٦) المفردات ص٦٤٦.
جَوْسُور
القرآن الكريم
٤٠٤
القلب
قيل: الفؤاد هو باطن القلب، وقيل: هو غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه، كما أن
الفؤاد الرقيق تسرع إمالته، والقلب الغليظ القاسي لا ينفعل لشيء(١).
فالأفئدة توصف بالرقة، والقلوب باللين؛ لأن الفؤاد غشاء القلب إذا رق نفذ القول فيه
وخلص إلى ما وراءه(٢).
الصدور:
٣
الصدور لغةً:
جمع (صدر) وصدر كل شيء: أوله، وصدر السهم: ما جاز من وسطه إلى مستدقه،
وسمي بذلك؛ لأنه المتقدم إذا رمي. والصدر: الطائفة من الشيء، والصدرة من الإنسان: ما
أشرف من أعلى صدره (٣).
الصدور اصطلاحًا:
قال المناوي: ((الصدر: مسكن القلب، يشبه رئيس القوم، والعالي المجلس؛ لشرف
منزلته على غيره من الناس)) (٤)
٠
الصلة بين الصدور والقلب:
يتبين أن القلب جزء من أجزاء الصدر وأعضائه.
(١) انظر: الكليات، أبو البقاء الكفوي ص٦٩٦.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٣٣.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٧٠٩/٢.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢١٣.
www. modoee.com
٤٠٥
حرف القاف
أنواع القلوب في القرآن الكريم
أولًا: القلب السليم.
ويتصف هذا القلب السليم بعدة صفات،
منها:
١. الاطمئنان .
وردت آيات متعددة تحمل وصف
الاطمئنان لقلوب المؤمنين، من هذه الآيات
قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنَزَهِمُ رَبِّ
أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَىّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى
وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلْبٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
ومعنى الآية الكريمة: اذكر يا محمد
صلى الله عليه وسلم حين طلب إبراهيم
علیه السلام من ربه کیفیة البعث، حيث سأل
مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية ﴿رَبِّ آَرِبِ
كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ فكان يريد أن يعلم
بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان؛ ولهذا
خاطبه ربه سبحانه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أي:
أو لم تصدق بقدرتي على الإحياء، قال: بلى
آمنت ولكن سألتك لأزداد يقينا على يقيني،
وعلما لا مجال فيه لتشکیك، ولیسکن قلبي
بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال برؤية
ذلك فکان ما کان من أمر الله عز وجل له.
والطمأنينة والاطمئنان: السكون بعد
الانزعاج (١).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٠٧.
جوية
القرآن الكريمِ
يقول القرطبي - رحمه الله تعالى -
الطمأنينة: اعتدال وسكون. فطمأنينة
الأعضاء معروفة، وطمأنينة القلب هي أن
يسكن فكره في الشيء المعتقد.
فاليقين في شأن خليل الرحمن موجود
کائن، ولکنه صلی الله عليه وسلم يريد
سكون قلبه بمضامة العيان إلى الإيمان
والإيقان بأن الله قادر على ذلك، إذن
فالقلب المطمئن هو الذي امتلأ سكونًا
وهيبة من عظمة الله عز وجل، قال سبحانه
وتعالى: ﴿ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَينُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
اللَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ
٢٨
[الرعد: ٢٨] (٢)
فبمعرفة الله والإكثار من عبادته يكتسب
القلب سكونه، يقول الإمام الغزالي:
«الطاعات تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقًا
ونورًا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق
وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب
في الدين، وهذا القلب هو الذي يستقر
فيه الذكر))(٣). واستشهد بالآية الكريمة
السابقة [الرعد ٢٨].
من معاني طمأنينة القلب في القرآن
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٣٠٠.
(٣) إحياء علوم الدين ٣/ ١٢.
قال بعض السلف: دواء القلب في خمسة
أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن،
وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة
الصالحين.
انظر: القلوب، البيانوني ص١٤١.
٤٠٦
القلب
الکریم:
١. يقين النفس.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ
يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
الْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ ( بَلَىْ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
وَيَأْتُوَكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٣) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ
إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُّكُمْ بِهُ وَمَا النَّصْرُّ
إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)
[آل
عمران: ١٢٤ - ١٢٦].
٢. الطمأنة والطمأنينة.
السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت
هنا ليقين النفس بحصول الأمر تشبيهًا للعلم
الثابت بثبات النفس أي: عدم اضطرابها (١).
٣. السكون مع الیقین بالنصر.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَتَبِكَةِ مُنْدِفِينَ ﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا
بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا
مِنْ عِندِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[الأنفال: ٩- ١٠].
قال الطبري: «لتسكن قلوبکم بمجيئها
إلیکم، وتوقن بنصرة الله لكم))(٢).
٤. عدم تغيير العقيدة.
قال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٨/٤.
(٢) جامع البيان، ٩/ ٢٥٥.
بَعْدٍ إِيمَنِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُظْمَيْنٌ
بِاَلْإِيمَنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ [النحل: ١٠٦].
ومعنى ﴿وَقَلْبُهُ مُظْمَنٌ بِالْإِیمَنِ﴾: لم
تتغیر عقيدته، وفيه دليل على أن الإيمان هو
التصديق بالقلب (٣).
٢. السكينة.
من صفات القلوب السليمة ((السكينة»
وقد وردت في القرآن في مواضع متعددة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ
السَّكِينَةَ فِى قُلُوبٍ أَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَّا مَّعَ
إِيمَنِمُ وَإِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِِّ وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: ٤].
هذه الآية الكريمة تتحدث عن حدث له
أهميته في حیاة الإسلام والمسلمين، حیث
معونة الله ونصرته لعباده الصادقين وقت
الشدائد والمحن، وذلك أنه لما منع صلى
الله عليه وسلم هو ومن معه من المسلمين
من دخول مكة معتمرين كادت صفوف
المسلمين تتفكك، وتذهب ريحهم لعظم
أمر احتباسهم من المشركين والحيلولة
دون دخول مكة. (فجاء عمر فقال: ألسنا
على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا
في الجنة وقتلاهم في النار؟! قال: بلى،
قال: فقيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٦٥٧/٥.
www. modoee.com
٤٠٧
حرف القاف
یحکم الله بيننا؟ فقال: يا ابن الخطاب إني
رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا، فرجع
متغیظًا فلم یصبر حتى جاء أبا بكرٍ فقال: یا
أبا بكرٍ ألسنا على الحق وهم على الباطل؟!
قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولن يضيعه الله أبدًا فنزلت سورة
الفتح) (١).
فأصل السكينة: الطمأنينة والوقار
والسكون الذي ینزله الله في قلب عبده عند
اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج
بعد ذلك لما يرد علیه، بل يوجب له زيادة
الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر
سبحانه بإنزالها على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع
القلق والاضطراب نحو:
يوم الغار: قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا
◌َّحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَّلَ اَللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ
لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ
الشُفْلى
الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِى الْمُلْيَأُ وَاَللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٤٠].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط،
باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل
الحرب، ٢٦٤/٥.
يوم حنين: قال تعالى: ﴿لَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
فَلَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ
وَلَّيْتُم مُدْبِينَ ، ثُمَّ أَنَزَلَ اللهُ سَكِينَتَّهُ
عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ
جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْكَفِرِينَ
[التوبة: ٢٥- ٢٦].
يوم الفتح: قوله تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ
رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ
اُلسَّكِينَةَ عَلَِهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا
١٨
[الفتح: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَميَّةً
الْجَهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَنَهُ, عَ رَسُولِهِ.
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى
وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَاْ وَكَانَ اَللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الفتح: ٢٦].(٢).
أما السكون: فثبوت الشيء بعد تحرك.
وقد فسر الضحاك السكينة: بالرحمة.
وقيل السكينة: الوقار، وقيل: الملائكة، وهي
بحسب ورودها تنتظم كل هذه المعاني.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل
(٢) انظر: المفرادت، الراغب الأصفهاني ص
٢٣٧.
جَوَسُولَةُ التَفيمـ
القرآن الكريم
٤٠٨
القلب
سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي
في البقرة ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ
بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً قَالُواْ أَنَّى
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَغَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ
مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَتُهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ
وَالْجِسْمِّ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ(®) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ
فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا
تَرَّكَ ءَالٍ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ تَحْمِلُهُ
الْمَلَبِكَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم
[البقرة: ٢٤٧-٢٤٨](١).
٢٤٨
مُؤْمِنِينَ
وقد فسرت بزوال الرعب وهذا لا يبعد
عن الطمأنينة.
٣. الخشوع والإخبات.
من صفات القلب السليم ((الخشوع)) قال
تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الَْقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [الحديد: ١٦].
الآية الكريمة ((تحمل عتابًا مؤثرًا من
المولى الكريم الرحيم، واستبطاء للاستجابة
الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها
من فضله، فبعث فيها الرسول يدعوها إلى
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٦٤/١٦.
الإيمان بربها، ونزل عليه الآيات البينات
ليخرجها من الظلمات إلى النور، وأراها من
آیاته في الکون والخلق ما یبصر ويحذر.
عتاب فيه الود، وفيه الحض، وفيه
الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله،
والخشوع لذكره، وتلقي ما نزل من الحق
بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية
والطاعة والاستسلام، مع رائحة التنديد
والاستبطاء في السؤال: ﴿أَلَّ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا
أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ مَا نَزَّلَ مِنَ الْتَنِّ
وإلى جانب التحضيض والاستبطاء
تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن
الاستجابة، وبيان لما يغشى القلوب من
الصدا حین یمتد بها الزمن بدون جلاء، وما
تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل
عن ذكر الله، وحین لا تخشع للحق
يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ
الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكِرُمِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ وليس
وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج))(٢).
و﴿یَأَنِ﴾ کیحن: آن يئين، كحان يحين
لفظًا ومعنى»(٣).
﴿َنْشَعَ﴾: أي: تلين، وتسكن، وتخضع
تضرع وتذل، وتطمئن لذكر الله.
والخشوع الخوف الدائم في القلب،
ومصدر الخشوع هو القلب (٤).
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤٨٩/٦.
(٣) انظر: حاشية الشهاب ٩/ ٩٩.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦٤.
www. modoee.com
٤٠٩
حرف القاف
في ظلال هذه الآية يقول أديب العربية وموته، وما تقسو الحياة قسوتها على الناس
إلا بھم، وما ترق رقتها إلا بالمؤمنین.
مصطفي صادق الرافعي: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ هذه
الكلمة حث وإطماع وجدال وحجة، وهي
في الآية تصرح أن خشوع القلب الذي
تلك صفته هو كمال للإيمان، وأن وقت
هذا الخشوع هو کمال العمر، و کیف یعرف
المؤمن أنه سيأتي له أن يعيش ساعة أو ما
دونها ؟!
قبل ألا يكون آن، أى: البدار ما دمت في
نفس من العمر فإن لحظة بعد ((الآن)) لا
يضمنها الحي.
وإذا فني وقت الإنسان انتھی زمن عمله
فبقى الأبد كله على ما هو، ومعنى هذا أن
الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، وإن هو
إلا اللحظة الراهنة من عمره التي هي ((الآن))
فانظر ۔ ویحك - وقد جعل الأبد في يدك،
انظر کیف تصنع به.
تلك هي حكمة اختيار اللفظة من معنى
((الآن)) دون غيره.
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَءامَنُوا﴾ وهذا كالنص
على أن غير هؤلاء لا تخشع قلوبهم لذكر
الله ولا للحق، فلا تقوم بهم الفضيلة، ولا
تستقيم بهم الشريعة، وعالمهم وجاهلهم
سواء، لا يخشعان إلا للمادة، وكأن إنسانهم
إنسان ترابي، لا يزال يضطرب على مكر
الليل والنهار بين طرفين من الحيوان عيشه
وجعل الخشوع للقلوب خاصة، إذ كان
خشوع القلب غير خشوع الجسم، فهذا
الأخیر لا یکون خشوعًا، بل ذلًا، أو ضعة،
أو رياء أو نفاقًا، أو ما كان.
إذن فالكلمة صارخة تقول: الآن الآن كأنه يقول: إنما القلب أساس المؤمن،
أما خشوع القلب فلن يكون إلا خالصًا
مخلصًا محصن الإرادة، واشترط القلب
وإن المؤمن ینبع من قلبه لا من غيره، متی
كان هذا القلب خاشعًا لله وللحق، فإن لم
يكن قلبه على تلك الحال، نبع منه الفاسق
والظالم الطاغية وكل ذي شر.
ما أشبه القلب تتفرع منه معاني الخلق
بالحبة تنسرح منها الشجرة، فخذ نفسك من
قلبك کما شئت، حلوًا من حلو، ومرّا من مر.
وخشوع القلب لله وللحق معناه السمو
فوق حب الذات، وفوق الأثرة والمطامع
الفاسدة، وهذا يضع للمؤمن قاعدة الحياة
الصحيحة، ويجعلها في قانونين لا قانون
واحد.
ومتى خشع القلب لله وللحق، عظمت
فيه الصغائر من قوة إحساسه بها، فيراها
كبيرة وإن عمي الناس عنها، ويراها وهي
بعيدة منه بمثل عين العقاب يكون في لوح
الجو ولا یغیب عن عينه ما في الثرى.
وقد تخشع القلوب لبعض الأهواء
صَوْسُو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤١٠
القلب
خشوعًا هو شر من الطغيان والقسوة فتقيد
خشوع القلب ((بذكر الله)) هو في نفسه
نفي لعبادة الهوى، وعبادة الذات الإنسانية
في شهواتها، وما الشهوة عند المخلوق
الضعيف إلا إله ساعتها)(١).
ومما يورث الخشوع: ترقب آفات النفس
والعمل ومطالعة عيوب ونقائص النفس من
العجب والكبر والرياء، وضعف الصدق
وقلة اليقين(٢).
ونحوه في سورة القمر: ﴿خُشَّمًا
الخشوع - بصفة عامة - في القرآن على أَبْصَرُمْ﴾ [القمر: ٧].
الإخبات:
أربعة أوجه:
الأول: التواضع؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ
[البقرة: ٤٥]. يعني:
إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ (@)﴾
المتواضعين.
الثاني: الخوف؛ لقوله تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ﴾﴾
[الأنبياء: ٩٠]. يعني: خائفين.
الثالث: سكون الجوارح ورمي البصر
إلى موضع السجود؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْأَفَلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
[المؤمنون: ١- ٢].
(١) انظر: وحي القلم ١ / ١٩٦،١٩٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ٣١٦/١،
بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/ ٥٤٢.
الرابع: الذل والتذلل؛ لقوله تعالى في
سورة طه: ﴿يَوْمَيِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَّ لَا عِوَجَ
لَهُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا
[طه: ١٠٨] يقول: ذلت كقوله تعالى
في سورة الغاشية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ خَشِمَةٌ
٥)﴾ [الغاشية: ٢].
مثلها في سورة القلم: ﴿خَشْعَةٌ أَبْسَرُ﴾
[القلم : ٤٣].
ورد لفظ الإخبات في آيات ثلاث في
القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ إِلَّا إِذَا
تَمَنّ ◌َأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمَِّيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا
يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللَّهُ
◌ِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ
علیُ حَكِيمُ ﴾)
فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِن رَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ
وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[الحج: ٥٢ -٥٤].
٥٤
يتحدث الحق جل وعلا عن حملة وحيه
((الرسل)) الذين يتمنون إيمان الناس بربهم
وإسلامهم الوجه لله عز وجل، ويتحدث عن
الشياطين وما جبلوا عليه من كراهية طريق
www. modoee.com
٤١١
حرف القاف
الله عز وجل ووقوفهم وقفة الأعداء في
وجه المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَأَلْجِنِّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ (
[الأنعام: ١١٢].
جاءت هذه الآية تسلية للرسول صلى
الله عليه وسلم تقول له: ((لا تحزن يا محمد
على معاداة قومك لك فهذه سنة المرسلین،
ثم یبین المولى عز وجل سنته أيضًا حیال
مكر الشياطين، وأنه يبطله ثم يثبت آياته
الدالة على وحدانيته، ويجعل وساوس
الشياطين فتنة المنافقين والكافرين الذين
لا تلين قلوبهم لذكر الله، وإن الكافرين
لفي عداوة شديدة لله ولرسوله، ولیعلم أهل
العلم أن القرآن هو الحق الحقیق بالإيمان
فيؤمنوا به فتخبت له أي: «تخشع وتسكن
قلوبهم» بخلاف من في قلبه مرض، وإن
الله لمرشد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.
والإخبات: نزول الخبت وهو المكان
المنخفض، وتفسيره بالإخلاص؛ لأنه لازم
للتواضع والتذلل(١).
وإخبات القلوب: يكون بالانقياد
والخشية للقرآن على التخصيص، ولكل
أوامر الله على التعميم (٢)، قال تعالى:
(١) حاشية الشهاب ٦/ ٥١٧.
(٢) روح المعاني، الألوسي: ١٧/ ١٧.
جَبُور
القرآن الكريم
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ
٣٤
﴿وَشْرِ الْمُخْبِتِينَ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّينَ عَلَى مَّا أَصَابَهُمْ
وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوِ وَهُمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ )
[الحج: ٣٤ -٣٥].
ولقد ورد عن السلف تفسيراتٌ متعددة
للمخبتین کلها ترجع إلى ما ذكرنا سابقًا وإن
اختلفت العبارة.
قال سفيان: هم الراضون بقضاء الله،
وقال الكلبي: المجتهدون في العبادة، وقال
عمروبن أوس: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا
لم ينتصروا (٣).
هذا وقد وصف الله تعالى المخبتين
بصفات ذكرها في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ
إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَِّنَ عَلَى
مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِىِ الصَّلَوَةِ وَهَّا رَزَقْنَهُمْ
يُنفِقُونَ ﴾
والإخبات ورد في القرآن على وجهين:
الأول: الإخلاص ومنه قوله تعالى
في سورة هود: ﴿وَأَخْبَتُّواْ إِلَى رَيِّهِمْ﴾
[هود: ٢٣].
يعني: أخلصوا ومثلها في سورة الحج
﴿وَبَشْرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤].
يعني: المخلصين، والإخلاص محله
القلب.
الثاني: الإخبات بمعنى القبول ومنه
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٥٩/١٢.
٤١٢
القلب
قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ المعاصي وقاية تحول بينه وبينها من قوة
قُلُوبُهُمْ ﴾ [الحج : ٥٤].
یعني فتقبل له صدورهم(١).
٤. التقوى، الوجل، والإنابة،
والخيرية، والطهر، والاهتداء.
التقوى:
من صفات القلوب السليمة ((التقوى))
وهي كنز عزيز إن ظفرت به فكم تجد فيه
من جوهر شريف، وعلقٍ نفيس، وخير
كثير، ورزق كريم، وغنم جسيم وملك
عظيم، فهي الخصلة التى تجمع خير الدنيا
والآخرة، وعليها مدار القبول، وبها وصى
سبحانه الأولين والآخرين فقال تعالى:
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ
وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُواْ اللَّهُ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِمَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا
[النساء: ١٣١].
ومن هنا علمنا أنها الغاية التى لا متجاوز
عنها؛ لجمعها محض النصح والدلالة
والإرشاد والتأديب والتعليم والتهذيب(٢).
والتقوى مشتقة من الوقاية وهي حفظ
الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال: وقاه وقيّا
ووقاية: صانه.
والتوقية: الصيانة والحفظ.
والمتقي: هو من جعل بينه وبين
(١) الوجوه والنظائر، الدامغاني ٣٢٦/١.
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢٦١/٥.
عزمه على تركها، وتوطين قلبه على ذلك؛
فلذلك قيل له: متق.
وتعريفها شرعًا: حفظ النفس عما
يؤثم، وذلك بترك المحظور وبترك بعض
المباحات(٣).
وقد ذكر أهل التفسير أن التقوى في
القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: التوحيد، ومنه قوله تعالى في
سورة النساء: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ أَتَّقُواْ اللَّهُ وَ إِن تَكْفُرُواْ
فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ
غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾
[النساء: ١٣١].
وفي الحجرات: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَ
اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ﴾
[الحجرات: ٣].
والثاني: الإخلاص، ومنه قوله تعالى في
الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا
مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: ٣٢] أراد من
إخلاص القلوب.
والثالث: العبادة، ومنه قوله تعالى في
النحل: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَ
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوَّمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَأَتَّقُونِ ﴾ [النحل: ٢].
وفي المؤمنين: ﴿إِنَّ هَذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٥٣٠.
www. modoee.com
٤١٣
حرف القاف
وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
[الأنبياء: ٩٢].
وفي الشعراء: ﴿وَإِذْ نَادَىِّ رَبُّكَ مُوسَى أَنِ أَنْتِ
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ
١١
[الشعراء: ١٠-١١].
والرابع: ترك المعصية، ومنه قوله تعالى
في البقرة: ﴿﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ
اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَتَّقَرَأُ
وَأَتُوَأْ اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَاً وَأَتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٩].
والخامس: الخشية، ومنه قوله تعالى في
سورة النساء: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَبِدَقِ﴾ [النساء: ١].
وفي الشعراء: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُهُمْ نُوعُ أَلَا
تَثَّقُونَ ﴾ [الشعراء: ١٠٦] وكذلك في قصة
هود وصالح وشعيب(١).
ومحل التقوى هو القلب؛ لقوله تعالى:
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَتَّبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى
الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: ٣٢].
بالتقوى، أن حقيقة التقوى في القلب وهو
منشؤها؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:
(التقوى هاهنا وأشار إلى صدره).(٢)
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي
٢٥٧/٥، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي
ص٢٢٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
جوبيه
القرآن الكريم
أو للإشارة إلى أن التقوى تنقسم إلى
قسمين: تقوى القلوب، وتقوى الأعضاء.
وتقوى القلوب: المراد بها التقوى
الحقيقية الصادقة التى يتصف بها المؤمن
الصادق وهى المثبتة هنا، وتقوى الأعضاء
المراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي
يتصف بها المنافق الذي كثيرًا ما تخشع
أعضاؤه وقلبه ساه لاه، وما في الآية شديد
الشبه بقولهم: العفو من شيم الكرام، فمتى
فهم منه كون العفو من أعظم أبواب الشيم
فلیفهم من ذلك کون التعظیم لشعائر الله من
أعظم أبواب التقوى (٣).
الوجل:
وردت صفة الوجل في آيات كثيرة من
القرآن العظيم، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[الأنفال: ٢].
الوجل: استشعار الخوف، يقال: وجل
يوجل وجلّاً فهو وجلٌ (٤).
والوجل في الاستعمال القرآني لا يكون
والنكتة في تخصيص القلب في الآية إلا للقلب قال تعالى في شأن المؤمنين حقًّا:
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: ٢].
باب تحريم ظلم المسلم وخذله، ٤ /١٩٨٦،
رقم ٢٥٦٤.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٧/ ١٥١.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٥٥.
٤١٤
القلب
يقول الشيخ زاده: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
الوجل هو الخوف والفزع وهو ههنا متفرع
على مجرد ذكر الله تعالى وملاحظة عظمته
وجلاله، فإن هذا الخوف لا یزول عن قلب
من ذكر الله تعالى عالمًا بنعوت جلاله
وصفات كماله، سواء أكان ملكًا مقربًا أم
نبيًا مرسلا أم مؤمنًا تقیًا، فإن كل واحد منهم
عند ذكر الله تعالى يلاحظ عظمة الله تعالى
واستغناءه عن جميع ما سواه ويعلم احتياجه
إليه في جميع مهماته، فلا جرم يهابه ویقشعر
جلده، وتغلب عليه الدهشة بحيث يكاديفنى
وجوده))(١)
وقال تعالى في شأن المتواضعين لربهم
المبشرين على لسان نبيهم صلى الله عليه
وسلم: ﴿اَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَالصَّبِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَوة
﴾ [الحج: ٣٥].
وَهَارَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ )
وقال تعالى في شأن المشفقين من خشية
الله: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ أَنَّهُمْ
إِلَى يَهِمْ رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِّ
وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ٦٠-٦١].
وقال تعالى في شأن ضيف إبراهيم عليه
السلام حين دخلوا عليه فسلموا، فرد عليهم
السلام، ثم قدم لهم الطعام فلم يأكلوا، قال:
﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: فزعون. ﴿إِذْ دَخَلُوا
٥٢
عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
(١) حاشية زاده على البيضاوي ٢٩٥/٢.
قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُكَمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾
[الحجر: ٥٢ - ٥٣].
وقد شبه الوجل في القلب باحتراق
السعفة، فعن شهر بن شوحب، عن أبي
الدرداء رضي الله عنه قال: الوجل في القلب
كاحتراق السعفة أما تجد له قشعريرة؟ قال:
بلى. قال: إذا وجدت ذلك في القلب فادع
الله، فإن الدعاء يذهب بذلك(٢).
وقال سفيان الثوري سمعت السدي
يقول في الوجل -بالكسر -: هو الرجل يريد
أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية. فيقال له: اتق
الله فیجل قلبه))(٣).
فالمؤمن الوجل هو المؤمن حقا كما
قال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَتَهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يُهدِی پهِ، مَن
يَشَلَةُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ )﴾
[الزمر : ٢٣].
والوجل من الله ينقسم إلى قسمين:
* الخوف من عقابه سبحانه وهذا
للعصاة.
# الخوف من عظمته وجلاله سبحانه
وتعالى، وهذا لا یزول عن قلب أحد
من المخلوقین، سواء أكان ملكًا مقربًا
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٨/٩.
(٣) انظر: تفسير القرآن، العظيم، ابن كثير
٢٩٧/٢، الدر المنثور، السيوطي ١٧٦/٣.
www. modoee.com
٤١٥
حرف القاف
أم نبيًا مرسلاً.
وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل والمراد نفي الشرك بعامة ونفي الشرك
الموجودات، وما سواه من الموجودات
فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر الملك
الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة
من العقاب بل مجرد علمه بكونه غنيًا عنه،
وکونه محتاجًا إليه يوجب تلك المهابة،
وذلك الخوف(١).
الخطوات الموصلة إلى الوجل:
في سورة ((المؤمنون)) يبين الحق تبارك
وتعالى الخطوات الموصلة إلى الوجل،
فيقول عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةِ
وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رِمْ
٥٧
رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ )
يُؤْمِنُونَ
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَرِلَةٌ أَنَهُمْ إِلَى رَتِهِمْ
رَجِعُونَ ﴿ أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيََّتِ وَهُمْ لَهَا
سَبِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
فالخطوة الأولى فهي: الإشفاق من
جلال الله وعظمته والخوف من عذابه.
وذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ
رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ ومثله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
أما الثانية فهي: التصديق بآيات الله
القرآنية والكونية فكلها براهين على وجود
الله عز وجل ينطق بذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمِئَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ١٢٢.
أما الثالثة فهي: عدم الإشراك بالله تعالى
الخفي بصفة خاصة، وذلك بالإخلاص في
عبادة الله طلبًا لرضوانه ينطق بذلك قوله
تعالى: ﴿وَأَّذِينَ هُرِبِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾
أما الرابعة فهي: البذل والعطاء بسخاء،
وذلك بإعطاء حق الله في الزكاة وغيرها
بالتقرب بكل أنواع القربات مع الخوف أن
لا يقبل الله منهم، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجَِّةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ
رَجِعُونَ﴾
فالخوف يبعث على الاجتهاد لإزالة
أسبابه مع الحذر من التقصير والإخلال،
روى الترمذي أن عائشة رضي الله عنها
زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
(سألت رسول الله صلی الله عليه وسلم عن
هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَانَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَسِلَّةٌ
قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر
ويسرقون ؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا
يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون
ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون أن
لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في
الخيرات)(٢).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة المؤمنون، ٣٠٥/٥، رقم
٣٠٩٩.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١/ ٣٠٤، رقم ١٦٢.
٤١٦
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
القلب
يقول الفخر الرازي: وهذا الترتيب في ولا على طريقتهم.
غاية الحسن؛ لأن الصفة الأولى دلت على
حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز
عما لا ينبغي، والصفة الثانية دلت على ترك
الرياء فى الطاعات، والصفة الثالثة دلت على
أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي
بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير،
وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقنا
الله سبحانه الوصول إليها. آمين (١).
والإمام القرطبي له ملحظ جدير بي أن
أنقله يخص أدعياء ظنوا أنفسهم أنهم من
الوجلين الخائفين وهم واهمون في حالهم.
يقول الإمام القرطبي عن الخوف في
الآية: فهذه حالة العارفين بالله الخائفين من
سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام
والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن
النهاق الذي يشبه نهاق الحمير.
فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك
وجدٌّ وخشوع: إنك لم تبلغ أن تساوي حال
رسول الله صلی الله علیه وسلم، ولا حال
أصحابه في المعرفة بالله تعالى والخوف
منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك كانت
حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء
أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة
کتابه، ومن لم یکن کذلك فلیس علی هدیھم
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣ / ١٠٧-١٠٨.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَكَّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ
اَلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبيَّنَاَ ءَامَنَا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ
[المائدة: ٨٣].
(٨٣
فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم،
فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى أحوال
المجانين والجنون فهو من أخسهم حالًا،
والجنون فنون(٢).
مسألة یوهم ظاهرها الاختلاف والتناقض
هي:
أنه جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ اَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ
اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨] جاء
في هذه الآية الوصف للمؤمنين بالاطمئنان
وهو السكون والراحة، وجاء في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
الوصف بالوجل والخوف، وهو أيضًا
للمؤمنين، فهل هناك اختلاف وتناقض؟
الجواب: إن المؤمنين إذا علموا ما أعده
الله لهم في الجنة - دار الكرامة- مما لا عين
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب
خوفًا من الله، وكذلك وصف الله تعالى بشر - إذا علموا ذلك- استبشروا وفرحوا
واطمأنوا وتهيؤوا للنعيم المقيم، وعند هذا
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٥٩/١٢،٣٦٦/٧
www. modoee.com
٤١٧
حرف القاف
تكون الطمأنينة والسكينة.
مقارها، والإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه
وعلى المقابل: إذا علموا ما أعده الله بالتوبة وإخلاص العمل (١).
العاصين والظالمين في النار، التي ترمي
بشرر كالقصر، وفيها من أصناف الإهانة ما
فيها: المهل، والصدید، والمقامع من حديد،
والتميز من الغيظ، والطمع في المزيد حتى
يقول الله لها: هل امتلأت وتقول هل من
مزيد ؟ فهي ممزوجة بغضب الجبار، أعاذنا
الله منها.
إذا علم المؤمن ذلك خاف واقشعر
واضطرب والتجأ إلى جناب الرحمن
الرحيم ليقيه الشر والعذاب، وهنا يكون
الوجل، والمؤمن الذي يحمل بين جنبيه قلبًا
يطمع في رحمة الله ويخشى عذابه هو مؤمن
تحققت فيه غاية أو صاف المؤمنين المتقين.
وقد جمع الله عز وجل هذه الأوصاف
في قوله سبحانه وتعالى: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ
جُدُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَّ ذَلِكَ هُدَى الَّهِ يَهْدِى
بِهِ، مَن يَشَلَةٌ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
[الزمر: ٢٣].
الإنابة:
من صفات القلوب السليمة ((الإنابة))
وهي كما يقول الراغب: ((النوب: رجوع
الشيء مرة بعد أخرى، يقال: ناب نوبًا
ونوبة، وسميت النحل نوبًا لرجوعها إلى
ووصف القلب بالإنابة التي هي الرجوع
إلى الله تعالى؛ لأن الاعتبار بما ثبت منها في
القلب (٢).
يقول الفخر: القلب المنيب هو القلب
الخالي من الشرك، ومن سلم قلبه من الشرك
ترك غیر الله، ورجع إلى الله وحده فكان
منيبًا. ومن أناب إلى الله برئ من الشرك
فكان سليمًا (٣).
ولم تقترن الإنابة بالقلب في الاستعمال
القرآني إلا مرة واحدة، في قوله تعالى:
﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (١) هَذَا مَا
تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ { مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ
بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٧)﴾ [ق: ٣١-٣٣].
والمعنى: وقربت الجنة للمتقين إكرامًا
واحتفاءً بهم على سبيل المبالغة، ويقال
لهم: هذا الذي ترونه من النعيم هو ما وعده
الله لكل أواب رجاع إلى الله، حافظ لعهده،
خائف مطيع طاعة متيقن، يعلم أن الله حري
بذلك، وجاء هذا الخائف ربه بقلب خاضع
خاشع لله مقبل على طاعته مخلص، فلا
یشوب توحيده شائبة.
وعلامة القلب المنیب کما يقول أبو بكر
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٥٠٨.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ١١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ١٧٧.
٤١٨
جوب
القرآن الكريم
القلب
الوراق: أن يكون عارفًا لحرمة الله، ومواليًا الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين
خرجوا من مكة إلى بدر، وكان قد خرج
له، ومتواضعًا لجلاله وتارگًا لهوی نفسه(١).
إذن فالرجوع الدائم لجناب الحق عين
الإنابة التي هي صفة عظيمة من صفات
القلب السليم.
ومعه عشرون أوقية من ذهب؛ ليطعم بها إذا
جاءت نوبته فكانت نوبته يوم الوقعة ببدر،
فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا فلم يطعم
شيئًا وبقيت العشرون أوقية من ذهب معه.
الخيرية:
من صفات القلب السليم ((الخيرية»،
والخير: ما يرغب فيه من المستحسنات
كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع
والخير يقابل به الشر مرة، والضر مرة
أخرى، فمن الأول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا بَرَهُ ن وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَهُ
[الزلزلة:٧-٨].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ
اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَسَْسْكَ
بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: ١٧].
والخير يفسر على وجوه منها الإيمان
كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَن ◌ِّ
أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ
خَيْرًا يُؤْيِّكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
﴾ [الأنفال: ٧٠].
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال ابن عباس: إن يعلم الله في قلوبكم
إيمانًا وتصديقًا یؤتکم خيرًا مما أخذ منكم،
نزلت في العباس بن عبد المطلب عم رسول
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢١.
فلما أسر أخذت منه، فكلم رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين
أوقية من فدائه، فأبى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وقال له: (أما شيءٌ خرجت
به لتستعين به علينا فلا نتركه لك). وكان
العباس قد فدى أخاه عقيل بن أبى طالب،
ونوفل بن الحرث، فقال العباس: يا محمد
تتركني أتکفف قریشًا ما بقيت؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (فأين الذهب
الذي دفعته لأم الفضل وقت خروجك من
مكة به وقلت لها: إني لا أدرى ما يصيبني
في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهذا
المال لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل
وقثم، يعنب بين بنيه). فقال العباس: وما
يدريك يا ابن أخي؟ قال: (أخبرني به ربي).
فقال العباس: أنا أشهد أنك صادق وأشهد
أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، فإني
أعطيتها إياه في سواد الليل، ولم يطلع عليه
أحد إلا الله، وأمر ابني أخيه عقيلًا ونوفل
الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد العشرة بن الحرث فأسلما، فذلك قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيَّ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: الذين
www. modoee.com
٤١٩
حرف القاف
أسرتموهم وأخذتم منهم الفداء ﴿إِن يَعْلِم
اللَّهُ فِ قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ يعني: إيمانًا وتصديقًا
﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من
الفداء، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ يعني: ما سلف منكم
قبل الإيمان ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يعني:
لمن آمن وتاب من کفره ومعاصیه، رحیم
بأهل طاعته.
قال العباس: فأبدلني الله خيرًا مما أخذ
منی عشرین عبدًا کلهم تاجر يضرب بمال
كثير، أدناهم يضرب بعشرين ألفًا مكان
العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب
أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر
المغفرة من ربي عز وجل (١).
الطهر:
الطهارة في الأصل: الوضاءة والنظافة.
يقال من ذلك: تطهر يتطهر فهو متطهرٌ
ومطهر، والطهور: الماء، ويقال: فلان طاهر
الثياب إذا كان نقيا من الدنس والوسخ.
وقد ذكر أهل التفسير أن الطهارة في
القرآن على ثلاثة عشر وجهاً:
منها ما يتعلق ((بطهارة القلب من الريبة.
ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُمُ
النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ
إِ﴿ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكُمْ
أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
٢٣٢
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣/١٠.
[البقرة: ٢٣٢] يريد أطهر لقلب الرجل والمرأة
من الريبة. وفي الأحزاب: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ
لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنُهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ
فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ
◌ِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْزِى النَّبِىِّ فَيَسْتَجِيء
مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ،
ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ
لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُوا
أَزْوَجَهُ، مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدَاً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ
عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
أي: وإذا سألتم نساء رسول الله صلى
الله عليه وسلم حاجة من أواني البيت
ونحوها فاسألوهن من وراء ستر؛ ذلكم
أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الريبة والدنس؛
فالرؤية سبب الفتنة؛ لأن العين روزنة القلب،
أي: موصل صورة الأشياء إلى القلب. فإذا
لم تر العين لا يشتهي القلب، فالقلب عند
عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر،
ومن هنا كان فرض الحجاب، فالإسلام
حريص على تجنيب أبنائه مخاطر الاختلاط
إبعادًا لهم عن الريبة والتهمة، وذلك أحسن
للحال، وأحصن للنفس (٢).
وحيث إن الآية السابقة قد احتوت على
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤/ ٢٢٧، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٦/٢٦.
٤٢٠
جوسين
الْقُرْآن الكَرِيْمِ