Indexed OCR Text

Pages 61-69

القتال
الرخيصة الذليلة، عند ذلك بدأ خط سيرها مرحلة ضعف لا نستطيع الجهاد والقتال.
في التاريخ يرجع القهقرى، وأصبحت الأمم وبدلًا من إزالة أسباب الضعف الذي يدعيه،
وبدلًا من الدعوة إلى الأخذ بأسباب القوة،
بدلا من هذا كله يدعو إلى ترك الجهاد (٢).
تتناوشها من كل جانب، فتضعف مكانتها
وتزول هيبتها، وتخور عزيمتها، وبدأت
ثالثًا: كسر شوكة الأعداء وشفاء
صدور المؤمنين:
تنسى رسالتها، ويتحقق فيها قول الرسول
الکریم صلی الله عليه وسلم فيما رواه ثوبان
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم
الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال
قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم
يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل،
ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة
منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)،
فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال:
(حب الدنيا، وكراهية الموت)(١).
وليس هذا فحسب، بل راح بعضهم
يحرف الكلم عن مواضعه، فيفسر الآيات
على غير وجهها ويبترها عن سياقها،
وأسباب نزولها لمواجهة الواقع، ويحرف
الوقائع التاريخية، ويحملها ما لا تحتمل،
كل هذا تسويغًا للقعود، وإمعانًا في التضليل
والتحريف، ثم يدعي الحكمة ويتبجح
بالتعقل لمواجهة الواقع، بحجة أننا في
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٨٢/٣٧، رقم
٢٢٣٩٧، وأبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب تداعي الأمم، ١١١/٤، رقم ٤٢٩٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٥٩/٢، رقم ٨١٨٣.
بعث الله تعالى رسله، وأنزل كتبه
وشرائعه، ليقوم الناس بالقسط والعدل،
وختم هذه الشرائع برسالة نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم التي اختصها الله تعالى
باسم ((الإسلام»، فكانت هي الدين الكامل،
والنعمة التامة، وجعلها مهيمنةً على سائر
الأدیان، موجهة للناس كافة. وقد وسعت
البشرية كلها بدعوتها إلى التوحيد، وحملت
مشعل النور إلى العالمين، وأعادت للإنسان
حريته وكرامته، وأرست دعائم الحضارة
الإنسانية التي تقوم على الإيمان والأخلاق،
والعلم والعمل، والحق والعدل.
ولكن القوم الكافرين- من وثنيين
وكتابيين وغيرهم - وقفوا من هذه الدعوة
ومن نبيها وأتباعه موقف العداء والصدود
والتآمر، منذ فجر هذه الدعوة. وقد حكى
الله تعالى في كتابه الكريم موقف القوم
وعداءهم للإسلام والمسلمين وتحالفهم
جميعًا لتحقيق مآربهم ومخططاتهم، ثم
(٢) منهج الإسلام في الحرب والسلام عثمان
ضميرية، ص ١١٥ - ١١٦.
www. modoee.com
١٤٥

حرف القاف
جاء الواقع التاريخي العملي - في القديم
والحديث - يؤكد ذلك ويصدقه. وما خبر
الحروب الصليبية عنا ببعيد! وفي العصر
الحاضر: العدوان الهمجي على المسلمين
في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان،
وفي الفلبين، وفي تايلند، وفي الهند، وفي
كشمير، وفي الصومال، وفي أفغانستان،
وفي العراق. وقبل ذلك: حرب الإبادة
الجماعية في الاتحاد السوفيتي، وفي الهند،
وفي كشمير أيضًا، وفي يوغوسلافيا، وفي
الحبشة وغيرها من الأصقاع التي يسيطر
فيها غير المسلمین، أو يتغلبون فيها عليهم،
سواء أ كانوا أقلية أو أغلبية أو أكثرية. وفي
العصور السالفة: محاكم التفتيش في إسبانيا
بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس،
وحرب التتار وهجومهم على دار الإسلام
والخلافة الإسلامية، وتآمر النصارى
الصليبيين والمغول(١).
(١) يقول المستشرق الأمريكي جون. ل. لامونت:
فرحت أوربا، وهللت لانتصارات المغول،
ولما كان المغول - بصورة عامة - مسالمين
للنصارى، ولما كان بينهم عدد كبير من
النساطرة ... فقد اعتبر البابا وحكام أوربا
الغربية المغول حلفاء لهم في صراعهم
المشترك ضد الإسلام، وكان البابا يحلم
طوال سنوات عديدة بإنشاء حلف عظيم
بين المغول و أوربا يسحق الدولة الإسلامية
سحقًا.
انظر بحث الكاتب المذكور عن الحروب
الصليبية والجهاد في: كتاب دراسات إسلامية
بقلم مجموعة من المستشرقين، ترجمة
وفي العصر الحديث: يتعاون أهل الكتاب
مع الملحدين أيضًا في المعسكر الشيوعي،
ليواجهوا الإسلام، وليضربوا كل حركة
إسلامية صادقة؛ فهم يتناسون كل خلاف
يمكن أن يقوم بينهم إذا ما واجهوا الإسلام
والمسلمين، فهم دائمًا متعاونون ضدنا،
ومع ذلك يحاولون الخداع بالشعارات
الزائفة والدعاوى العريضة الكاذبة(٢).
وهذا الصراع بين الحق والباطل، بين
الإيمان والكفر، سنة قديمة وواقع غير
منكور، وعندما يكون الأعداء غالبين فإنهم
يستعبدون الناس ويفسدون في الأرض،
فكان من الخير للبشرية كسر شوكتهم
وقوتهم، وما يكون ذلك إلا بقتالهم لخضد
هذه الشوكة والقوة الغاشمة، وفيها شفاء
صدور قوم مؤمنين.
الله تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا
نَّكَنُوا أَيْمَنَهُمْ وَهَنُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ
د. أنيس فريحة وزملائه من أساتذة الجامعة
الأمريكية في بيروت، ص ١٣٥ .
(٢) قال الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد
نيكسون حين عاد من جولة قام بها في
أفغانستان لدراسة الأحوال هناك، فسألّه
الصحفيون: ماذا وجدت هناك؟ فقال: وجدت
أن الخطر هو الإسلام! ويجب أن نصفي
خلافاتنا مع روسيا في أقرب وقت، فروسيا
-على أي حال- بلد أوروبي، والخلاف بيننا
وبينها قابل للتسوية، أما الخلاف الذي لا يقبل
التسوية فهو الخلاف بيننا وبين الإسلام. انظر:
رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، ص
١٦١.
جَوَسُوع
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٤٦

القتال
وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ
فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمٌ
مُؤْمِنِينَ
وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءٌ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ١٣ - ١٥].
وهذه الآيات الكريمة في سياق
التحضيض على قتال الكفار وأئمة الكفر،
وفيها بيان ثلاثة بواعث تبعث على قتالهم.
أولها: نکثهم لأیمان عهدهم الذي کان
بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم
الذي كان في صلح الحديبية، عندما عاونوا
حلفاءهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي
صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: تآمرهم وهمهم بإخراج النبي
والمؤمنين من مكة؛ لئلا يبلغ دعوة ربه تبارك
وتعالى.
وثالثها: بدؤهم بالفتنة، والفتنة أشد من
القتل، وبدؤهم بالقتال، إذ هاجموكم في
بدر من غير ضرورة تلجئهم، ولا حاجة
تدفعهم إلا أن تكون كراهة لدینکم(١).
وفيها أمر قطعي بقتال الكفار مع وعد
صادق بإظهار المؤمنين عليهم أكمل
الظهور وأتمه، وهذا الوعد من أخبار
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ١٧٤-
١٧٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٣٣٠، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٢٤٦/٦.
الغيب التفصيلية في حال معينة، فهو ليس
كالوعد العام المجمل في نصر الله لرسله
وللمؤمنين الذي يراد به أن العاقبة تكون
لهم، ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالاً
لتربية المؤمنين، وقد صدق وعده تعالى
مجملًا ومفصلًا. فقوله: ﴿قَتِلُوهُمْ﴾
معناه: باشروا قتالهم كما أمرتم فإنكم إن
تقاتلوهم یعذبهم الله بأیدیکم بتمكينها
من رقابهم قتلًا، ومن صدورهم ونحورهم
طعنًا، يعقبهم في قلوبهم يأسًا، لا يدع في
أنفسهم قوة ولا بأسًا (٢).
قال البقاعي رحمه الله: قاتلوهم لله
لا لغرض غیره، یعذبهم الله -الذي أنتم
مؤمنون بأنه المتفرد -بأیدیکم، بأن تقتلوهم
وتأسروهم وتهزموهم، ویخزهم بالذل في
الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى.
ولما كان ذلك قولًا لا يقتضي النصر الذي
هو علو العاقبة، قال تعالى:
عَلَيْهِمْ﴾ أي: فترضوا ربكم بذلك لإذلاله
من يعاديه بكم(٣).
وبعد هذا تجدر الإشارة إلى أن الله
سبحانه وتعالى بين ثمرات القتال، وذكرت
الآيات منها:
١. كسر شوكة الأعداء بما يحل فيهم من
عذاب الدنيا بالقتل.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ١٧٧.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ٣٩٦/٨-٣٩٧.
www. modoee.com
١٤٧

حرف القاف
وفيه أيضًا رد عاديتهم عن المؤمنين.
قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
◌ِأَيْدِيكُمْ﴾ وذلك بالإثخان فيهم.
وصرح بقوله ﴿أَبْدِيكُمْ﴾، أي:
إنها عذاب لهم تتولونه أنتم، فقوله
﴿بَأَيْدِيكُمْ﴾ يراد بأنفسكم، وهذا
مجاز مرسل علاقته الجزئية، وعبر بالأيدي؛
لأنها هي التي بها البطش، وهي التي تحمل
السيوف والرماح والنبال.
وكان العذاب في الدنيا بأيدي أهل الحق
لردع أهل الباطل، و کسر شوکته، ولكيلا
يستشري الشر، وتستعلى الرذائل وتنخفض
الفضائل، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِعْضِ لَّدِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].
لهذا كان لا بد من عذاب الدنيا، ولهم في
الآخرة عذاب عظيم.
٢. الخزيٌ لهم والإذلال لكبريائهم.
قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾ أي: يخزهم
بالأسر والاسترقاق، والتتبع في الأرض،
وذهاب سطوتهم وقوتهم، وانخلاع العرب
من ريقتهم، وذهاب سلطانهم المادي
والأدبي بالأسر، فيجتمع في حقهم العذاب
الحسي والمعنوي.
وفيه أيضًا نصر للمؤمنين: ﴿وَنَصُرّكُمْ
وَلِيَنصُرَنَّ
عَلَيْهِمْ ﴾، فإن النصر بيد الله،
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠].
ونصرة العبد لله بإطاعة أوامره، ومنها
الأمر بالقتال، وجعل كلمة الله هي العليا،
وكلمة الكفر هي السفلى، ولا يكون النصر
من الله إلا إذا أُتُّخِذَت أسبابه من العبد
واحتسب النية.
٣. شفاء صدور قوم مؤمنين وإذهاب غيظ
قلوبهم.
فترتاح النفوس وتسكن وتغمرها
الثقة والطمأنينة: ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ﴾. ذلك أن قلوب المؤمنين إذا
رأت الكفر ناتئ الرأس، ولم يكن من يقمعه،
ويرد كيده في نحره عراها الشك أو التردد،
أو محاولة تعرف الحكمة في إهمال الكفر،
وتركه في عنفوانه وإيذائه، فإذا نصر الله
المؤمنین شفیت صدور قوم مؤمنين، وخرج
ذلك التردد، وذهبت عنها تلك الحيرة، فالله
-بقتال المؤمنين لأهل الكفر - يشفي تلك
الصدور المؤمنة من تلك الحيرة الممضة
التي قد تثير الريب، ومن ذلك الحزن
والموجدة، وفيه إشارة إلى الوعد بالفتح(١).
(١) والقوم المؤمنون هنا هم: خزاعة حلفاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن
قريشًا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمعونتهم بكرًا على
خزاعة. قاله مجاهد، والسدي. وذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم حين قاضى المشركين
يوم الحديبية، أدخل بني كعب بن خزاعة
معه في القضية، وأدخل المشركون بني بكر
صَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
١٤٨

القتال
﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ والضمير في الكريهة، من شأنها أن تجعل النفوس
في قوله تعالى ﴿غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ يعود تفكر فيما هي عليه، وفيما عليه الذين
إلى الذين تحتاج صدورهم إلى شفاء
بنصر مؤزر يدفع الباطل ويزهقه، ويرفع
الحق ويعليه. والغيظ انفعال النفس بالألم
من رؤية الباطل عاليًا والحق مستكينا أو
مستخذيًا، فإذا انتصر الحق وعلا، ذهب
ذلك الغيظ، واستقامت النفس على سواء
الصراط، وارتاحت الضمائر المؤمنة.
وعبر الله في الغيظ بقوله تعالى:
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لأن الغيظ بن أبي جهل وسهيل بن عمرو. أي: أنهم
يحسون بقوة الحق، وضعف ما هم عليه
من كفر، وضلال في الأوثان فيتوبون أي
یرجعون إلى الله بعد أن بعدوا عن الإيمان.
والآية تشير إلى أن هذه التوبة فيضٌ من الله
عليهم وصلوا إليها بعد أن ذهب غرورهم
بما هم عليه من عبادة الأصنام.
ليس داءً، ولكنه حال عارضة من أمر قابل
للزوال، والنصر يزيله. وفيه إشارة إلى
حصول الوعد وتحققه. أما التردد والحيرة،
وبوادر الشك، فأمراض تلازم النفوس
المريضة، فعبر عن زوالها بالشفاء؛ لأنها
أمراض الإيمان، والله هو الذي يشفيها،
ويودعها الاطمئنان.
وإن الحرب التي تختبر فيها النفوس،
ويذهب فيها غرور الذین یغترون بأصنامهم،
ويحسبون أنها تنصرهم في الشدة وتغيثهم
بن كنانة معهم في القضية، ثم إن المشركين
أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب،
قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي صلى
الله عليه وسلم لذلك فقال: والله لأنتصرن
لهم، فنصره الله عليهم يوم الفتح، وشفى
صدور بني كعب.
انظر: الهداية إلى بلوغ الغاية، مكي ابن أبي
طالب ٤ / ٢٩٤٤.
يحاربونها، فيعرفون الغث من السمين،
والحق من الباطل، ويتعرفون ما عليه آلهتهم
التي يزعمونها، وما نصر به الإله الحق أولياءه
المؤمنين، فيهتدون بعد ضلالة، ولذا قال
الله إن من آثار الحرب التي يدك فيها الشر
أن يتوب الله على من يشاء من عباده، فقال
تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ فيهديه
إلی الإسلام، کما فعل بأبي سفيان وعكرمة
وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ يعلم النفوس وما
يهديها، وما يوجهها إلى الحق، حكيم يضع
الأمور في مواضعها، ویدبرها بحكمته، وهو
العزيز الحكيم (١).
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٣٤٤٧.
www. modoee.com
١٤٩

حرف القاف
رابعًا: دفع الفتنة وانتشار الأمن في
المجتمع :
ومن ثمرات القتال والجهاد دفع الفتنة
ومنع الفساد في الأرض، وهذا يقتضي
انتشار الأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي
والمادي في المجتمع.
والفتنة في أصلها اللغوي تدل على
ابتلاء واختبار. وأصل الفتن: إدخال الذهب
النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في
إدخال الإنسان النار.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ
[الذاريات: ١٣].
١٣
وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب
فيستعمل فيه، نحو قوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ
سَقَطُواْ﴾ [التوبة: ٤٩].
وتارة في الاختبار نحو: ﴿وَفَتَّكَ فُونًا﴾
[ طه: ٤٠].
وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما
يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة
ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنىّ وأكثر
استعمالاً(١).
وما ورد في القرآن الكريم من تفصيل
عن معنى الفتنة يمكن إجماله فيما يلي:
فقد جاءت الفتنة بمعنى ظلم الضعفاء
(١) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان،
ص٦٣، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٧٢-
٤٧٣، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص
٦٢٣.
وسلب حقوقهم المشروعة، وسلب بيوتهم،
وإيذاؤهم. كما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ
رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ
ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ
عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:
٢١٧].
وجاءت أيضًا بمعنى الاستعلاء بالقهر
والاستبداد، ومنع الناس من قبول الحق،
والصد عن دين الله تعالى، كما في قوله:
﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى
خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَن يَفْتِنَهُوَّ وَإِنَّ
فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
﴾ [يونس: ٨٣].
٨٣
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ﴾ [الأنفال: ٣٦].
ثم جاء البيان بعدها بأن هذا فتنة يجب
منعها ومجاهدة الكفار الذين يفتنون
المؤمنين: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّ لَا تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[الأنفال: ٣٩].
كما جاءت الفتنة بمعنی محاولة إضلال
الناس، واستخدام الخداع والغش والطمع
والإكراه ضد الحق، كما في قوله تعالى:
﴿وَإِن كَادُوْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
١٥٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

القتال
إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَةٌ، وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ
خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣].
وقوله: ﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَقْتِنُوكَ عَنْ بَعْضٍ
مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [المائدة: ٤٩].
وجاءت أيضًا بمعنى غلبة الباطل وأهله
على أتباع الحق، كما في قوله تعالی:
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ
كَبِيرٌ﴾ [الأنفالـ
وتلك المعاني للفتنة يندرج فيها الفساد
والإفساد في الأرض، والصد عن دين الله
الذي أنزله؛ لیکون منهجًا لتحرير الإنسان
من العبودية للإنسان والهوى والشيطان؛
لیکون عبدا لله تعالى وحده. ولذلك أمر
الله تعالى بالقتال والجهاد لإزالة هذه الفتن
والفساد واستئصالهما بالقوة، لإقامة دين
الله تعالی وشرعه في هذه الأرض، وعندئذ
تنعم البشرية بالخير والسعادة والاطمئنان
والاستقرار، وتصان الحقوق والحريات
بأدق المعايير الربانية (١).
ومما يدل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنْنَهَوْاْ فَلَا عُدْ وَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
قال الإمام شيخ المفسرين أبو جعفر
الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه
محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقاتلوا
(١) انظر: شريعة الإسلام في الجهاد والعلاقات
الدولية، أبو الأعلى المودودي، ص٧٦-٨٨.
المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون
فتنة = يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله،
وحتى لا يعبد دونه أحدٌ، وتضمحل عبادة
الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة
والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام
والأوثان، كما قال قتادة ومجاهد والسدي
وابن عباس والحسن وابن زيد وأما ((الدين)»
الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة
والطاعة لله في أمره ونهيه(٢).
وهو الذي ذهب إليه الإمام البغوي،
وزاده بيانًا فقال في تفسير هذه الآية: وقاتلوا
المشركين حتى لا يكون شرك. يعني
قاتلوهم حتى يسلموا، فلا يقبل من الوثني
إلا الإسلام، فإن أبى قتل، ويكون الدين:
أي: الطاعة والعبادة لله وحده فلا يعبد شيء
دونه.
قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر - رضي
الله عنهما- في فتنة ابن الزبير فقال: ما
یمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله تعالى
قد حرم دم أخي. قال: ألا تسمع ما ذكره
الله عز وجل ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]؟ قال يا ابن أخي:
لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي
من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل
فيها: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾
[النساء: ٩٣].
(٢) جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٧٠-٥٧١.
www. modoee.com
١٥١

حرف القاف
قال: ألم يقل الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ
فِئْنَةٌ﴾؟ قال: قد فعلنا على عهد رسول الله
صلی الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا،
وكان الرجل يفتن في دينه؛ إما يقتلونه أو
يعذبونه، حتی کثر الإسلام فلم تکن فتنة،
وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا
حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
وعن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن
عمر: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل
تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه
وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول
علیهم فتنة ولیس بقتالکم على الملك.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنِ أَنْنَهَوْا﴾ عن الكفر
وأسلموا ﴿فَلَاَعُدْوَنَ﴾ أي: فلا سبيل ﴿إلَّا
عَلَى النَّلِينَ﴾ قاله ابن عباس. يدل عليه قوله
تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَنَ
[القصص: ٢٨].
عَلَىَّ﴾
وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، أي:
إلَّا
فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل ـ
عَلَى الَّلِينَ﴾ الذين بقوا على الشرك. وما
يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون
ظلمًا، وسماه عدوانا على طريق المجازاة
والمقابلة، كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ
فَأَعْتَدُ واْعَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وكقوله تعالى: ﴿ وَحَزَّوْاْ سَيِّئَةٍ سَبِنَّةٌ
مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وسمي الكافر ظالمًا؛ لأنه يضع العبادة
في غير موضعها(١).
ثم جاء هذا المعنى نفسه في سورة
الأنفال، فقال الله تعالى: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ
لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وهذا أمرٌ من الله عز وجل فرض به على
المؤمنين أن يقاتلوا الكفار لمنع الفتنة. قال
ابن عباس وغيره: معناها الشرك - كما تقدم
آنفًا -. وقال ابن إسحاق: معناها حتى لا
يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل
بمکة بمن أسلم کبلال وغيره. وهو مقتضى
قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك
ابن مروان حين سأله عن خروج رسول الله
صلی الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا. وأما
قوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أي:
لا یشرك معه صنمٌ ولا وثن، ولا یعبد غیره.
وقال قتادة: حتى تستوسق كلمة الإخلاص
لا إله إلا الله.
قال القاضي أبو محمد بن عطية (٢):
«وهذه المعاني تتلازم کلها)).
وقال الحسن: حتی لا یکون بلاء، وهذا
يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة
الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال
يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣١٤/١-٣١٥.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٥٢٨.
١٥٢
ـَ النََّّ
جوبيه
القرآن الكريم

القتال
قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أما
نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت
وأصحابك فتريدون أن نقاتل حتى تكون
فتنة !.
قال القاضي أبو محمد(١): فمذهب ابن
عمر أن ((الفتنة)) هي الشرك في هذه الآية.
وهو الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى
الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على
الله) (٢).
[انظر: الجهاد: مقاصد الجهاد]
موضوعات ذات صلة:
الثبات، الجهاد، الحرب، الدفع، السلم،
القتل
(١) المصدر السابق.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة: ٧٥/١، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ١/ ٥٣.
www. modoee.com
١٥٣