Indexed OCR Text

Pages 21-38

الفقى
لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨].
أي: الله هو الذي أنشأكم من نفس
واحدة هو آدم عليه الصلاة والسلام، فلكم
استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض
واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض أو
موضع استقرار واستيداع، فمنكم قار ومنكم
مستودع، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع،
قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ذكر مع ذكر
النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر، ومع ذكر
تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من
نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة
دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة
وتدقیق نظر (١).
وقال الله تعالى وهو يحدثنا عن نوح عليه
السلام وهو يدعو قومه للتوحيد: ﴿أَرْتَرَوْا
كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًا ( ٥) وَجَعَلَ اَلْقَمْرَ
فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ
اْأَرْضِ تَبَاتًا ، ثُمَّيُعِيذُكُمْفِيَهَا وَتُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُواْ
١٨
مِنْهَا سُبُلًاً فِجَاجَانَ﴾ [نوح: ١٥-٢٠].
«ما لكم لا تخشون الله وقدرته علی کل
شيء؟ وما لكم لا ترهبون سطوته فتؤمنوا به
وتصدقوا برسله؟ وهو القادر على كل شيء،
وهو الذي خلقكم في أطوار مختلفة وفي
أحوال تكاد تكون متباينة، ألم يخلقكم من
(١) انظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي
٢/ ١٧٤.
تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة
ثم أخرجکم أطفالا ثم کنتم شیوخا، أليس
صاحب هذا بقادر على كل شيء فما لكم لا
تخافون عظمة الله؟ ولا تؤمنون بيوم القيامة!
ثم لفت نظرهم إلى هذا الكون بعد أن نبههم
إلى ما في أنفسهم من آيات فقال: ألم تروا
السماء كيف خلقت؟ لقد خلقها الله سبع
سموات طباقا، ما ترى فيها من نقص ولا
تفاوت، وجعل القمر في إحداهن نورًا،
وجعل الشمس في أخری سراجًا وهاجًا.
يا سبحان الله لقد جعل الحكيم العليم
للقمر نورًا، وللشمس سراجًا، لأن الدنيا
ستصبح بنور الشمس على أنه نور قوى
شديد، ونور القمر بسيط يضيء في الليل
نوعا ما، وهو نور منعكس ليس من ذات
القمر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ، مَنَازِلَ
لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ
ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
﴾ [يونس: ٥].
وقد توصل العلم إلى بعض الحقائق
الثابتة في كتاب الله ثم لفت نظرهم إلى
أنفسهم فقال: والله أنبتكم من الأرض نباتًا
نعم هو خلقنا من تراب، فعناصرنا المادية
تراب مخلوط بماء، ثم كانت النطفة،
والنطفة خلاصة الدم، والدم من الغذاء
والغذاء من الأرض، فالله سبحانه أنبت
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الفاء
الإنسان من الأرض نباتا كالشجر، ولكنه لاختلطًا وامتزجًّا، وهذا من أكبر الأدلة
على قدرة الله تعالى، ورحمته بعباده، إذ
ميزه عنه بالحياة الحيوانية، ثم كمله بالعقل
والتفكير، وشرفه بالرسالات الإلهية، فما
لکم لا تؤمنون، لأی سبب تکفرون.
أبقى الله تعاليالمالح على ملوحته، والعذب
على عذوبته، لينتفع الناس بكل منهما في
مجال الانتفاع به فالماء العذب ينتفع به في
الشراب للناس والدواب والنبات والماء
الملح ينتفع به في أشياء أخرى، كاستخراج
الملح منه، وفي غير ذلك من المنافع ومن
بديع صنع الله في هذا الكون، أنك تشاهد
البحار الهائلة على سطح الأرض، والأنهار
الكثيرة، ومع ذلك فكل نوع منهما باق
على خصائصه، مع أن كلا منهما قد يلتقي
وقال الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ (
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَضِيَانِ ، فَأَيِّ ءَالَوَرَبُّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٢)﴾ [الرحمن: ١٩-٢١].
بالآخر. والمراد بالبرزخ بينهما: الفاصل بين
الماءين: الحلو والملح بحيث لا يغير أحد
البحرین طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما
في كل منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط
الآخر به وهذا من مسائل الثقل النوعي (٢).
قال سيد قطب في تفسيره: ((والبحران
المشار إليهما هما البحر المالح والبحر
العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات،
ويشمل الثاني الأنهار. ومرج البحرين
أرسلهما وتركهما يلتقيان، ولكنهما لا
يبغيان، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر،
ووظيفته المقسومة، وبينهما برزخ من
طبیعتهما من صنع الله.
وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤ / ١٣٦.
٣٨٦
جوبيه
القرآن الكريم
ثم بعد هذا يعيدكم إلى الأرض أمواتا،
ثم يخرجكم منها إخراجا للبعث والجزاء
ثم لفت نظرهم إلى الأرض التي أقلتهم
فقال: لقد جعلت لكم الأرض بساطًا، فهي
ممهدة للعيش، ميسرة سهلة للانتقال،
لتسلكوا منها طرقا واسعة توصلكم إلى
أغراضكم»(١).
والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر
الملح. والبرزخ: الحاجز الذي يحجز
بينهما، بقدرة الله تعالى. والمعنى: خلق
الله تعاليالبحرين، وأرسلهما بقدرته في
مجاريهما، بحيث يلتقيان ويتصل أحدهما
بالآخر، ومع ذلك لم يختلطا، بل يبقى
المالح على ملوحته. والعذب على عذوبته،
لأن حكمة الله قد اقتضت أن يفصل بينهما،
بحواجز من أجرام الأرض، أو بخواص في
كل منهما، تمنعهما هذه الخواص وتلك
الحواجز، من أن يختلطا، ولولا ذلك
(١) التفسير الواضح، محمد حجازي ٣/ ٧٥٤-
٧٥٥.

الفقى
الأرضية لم يجئ مصادفة ولا جزافا. فهو ولا يغمر مجاريها بمائه الملح، فيحولها عن
مقدر تقديرا عجيبا. الماء الملح يغمر نحو وظيفتها ويبغي على طبيعتها! وبينهما دائما
هذا البرزخ من صنع الله. فلا يبغيان))(١).
وقال تعالى: ﴿،َأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًّا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ
٢٨
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا
٢٧
ضُعَنِهَا وَاْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَاَ ن أَخْرَجَ
مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْ عَنَهَا وَالْجِبَالَ أَرْ سَنَهَا مَنَعًا
لَكُ وَلِأَنْعَمِكُ ﴾ [النازعات: ٢٧-٣٣].
ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل
بعضه ببعض ويشغل اليابس الربع. وهذا
القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم
بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائما
صالحا للحياة. وعلى الرغم من الانبعاثات
الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها
سام-فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع-
ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود
الإنسان وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك
الكتلة الفسيحة من الماء-أي المحيط-ومن
هذه الكتلة الضخمة الواسعة تنبعث الأبخرة
تحت حرارة الشمس وهي التي تعود فتسقط
أمطارا يتكون منها الماء العذب في جميع
أشكاله. وأعظمها الأنهار.
والتوافق بين سعة المحيط وحرارة
الشمس وبرودة طبقات الجو العليا،
والعوامل الفلكية الأخرى هو الذي ينشأ عنه
المطر الذي تتكون منه كتلة الماء العذب.
وعلى هذا الماء العذب تقوم الحياة، من
نبات وحيوان وإنسانوتصب جميع الأنهار-
تقريبا في البحار. وهي التي تنقل إليها
أملاح الأرض، فلا تغير طبيعة البحار ولا
تبغي عليها. ومستوى سطوح الأنهار أعلى
في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم
لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه،
أي: أبعثكم - أيها الناس- بعد الموت
أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ رفعها
فوقكم كالبناء، وأعلى سقفها في الهواء لا
تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب
شمسها، وأبرز نهارها بشروقها. والأرض
بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها
منافعها، وفجر فيها عيون الماء، وأنبت فيها
ما يرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال
أوتادًا لها. خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة
لكم ولأنعامکم.
إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على
الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله
هين يسير (٢).
خامسًا: الأحكام الشرعية:
تعتبر الأحكام الشرعية مجال من
مجالات الفقه والفهم والتدبر لما تضمنته
(١) انظر: في ظلال القرآن ٦/ ٣٤٥٢ - ٣٤٥٣.
(٢) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص٥٨٤.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الفاء
من حکم وفوائد وعلل.
ففي فريضة الصلاة: قال الله تعالى:
أَثْلُ مَّا أُوجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ
اُلْضَلَوَّةٌ إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ
اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكُرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُّ وَاَللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
أي: اتل ما أنزل إليك من هذا القرآن،
واعمل به، وأد الصلاة بحدودها، إن
المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن
الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ وذلك
لأن المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها،
يستنير قلبه، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في
الخير، وتقل أو تنعدم رغبته في الشر، ولذکر
الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل
من کل شيء. والله يعلم ما تصنعون من خيرٍ
وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء
وأوفاه(١).
وفي فريضة الصيام: قال الله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ (١٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]
أي:يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم
الصيام كما فرض على الذين من قبلكم
حيث كان الصوم مفروضًا على من تقدمنا
من الأمم لعلكم بسبب هذا الصيام تتقون الله
تعالى، وتخشون غضبه، وتعملون بأوامره؛
(١) انظر: المصدر السابق ص ٤٠١.
ومن هذا يعلم أن الصيام يبعث على الإيمان
الصادق، ويرقق القلب، ويصفي النفس،
ويعين على خشية الله تعالى؛ ولذا استعان
به الأنبياء في تحقيق مآربهم، والأولياء
في تهذيب نفوسهم، والخاصة في شفاء
قلوبهم، والعامة في شفاء جسومهم(٢).
وفي حكم القصاص قال الله تعالى:
﴿ وَلَكُمْ فِ اَلْقِصَاصِ حَوَةٌ يَتْأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٣)﴾ [البقرة:١٧٩]
أي: وفي شرع القصاص لكم-وهو قتل
القاتل- حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المهج
وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف
عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس.
وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل.
فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح،
وأبلغ، وأوجز(٣).
وفي مجال تحريم الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ◌ٌلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ
رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
﴾ [المائدة: ٩٠]
أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله
وعملوا بشرعه، إنما الخمر: وهي كل
مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار،
وذلك يشمل المراهنات ونحوها، مما
(٢) انظر: أوضح التفاسير ص ٣٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٢/١.
٣٨٨
بَرُ النَّفِيَة
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الفقه
فيه عوض من الجانبين، وصدٌ عن ذكر في تحقيق طلب الإذن، والاستجابة بالإذن
الله، والأنصاب: وهي الحجارة التي كان فعلًاً.
المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما
ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي
القداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام
على الشيء، أو الإحجام عنه، إن ذلك كله
إثمٌّ من تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه
الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة(١).
وفي مجال آداب الاستئذان: قال الله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا
غَيِّرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَى
أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
[النور: ٢٧].
النداء للذين آمنوا، وفي ذلك إشارة إلى
ما يطلبه سبحانه من خواص أهل الإيمان،
وهو من الأدب الذي يناسب إيمانكم
وهو عدم التهجم على الأسر، وتكشف
أستارها، وتحاشى إزعاجها، فعليكم أن
تطلبوا الأنس بأهلها وتزيلوا الوحشة التي
تحدثها المفاجأة، والسين والتاء للطلب،
وقيل حتى تستأذنوا ونقول:الاستئناس أدق
في التعريف وأدل على الاستعلام، لأن
الاستئذان الإذن المجرد، وتتحقق الإجابة
بالإذن، أما الاستئناس فطلب الأنس وإزالة
الوحشة، وذلك لا يتحقق بمجرد الإذن بل
لابد لتحققه من إيجاد الألفة، وهو يتضمن
(١) انظر: التفسير الميسر ص ١٢٢.
وإن هذا يتضمن في معناه ومغزاه النهي
عن التجسس والتحسس، وظن السوء، وأنه
یجب أن یظن خيرًا.
وإنه من تمام الاستئناس السلام، ولقد
کان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن
يدخل بيتا سلم ثلاث مرات، ولا يكتفي
بسلام واحد إعلامًا لمن يدخل عليهم،
واستئناسًا لهم، وإزالة لوحشة المفاجأة (٢).
كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (الاستئذان ثلاثٌ، فإن أذن لك، وإلا
فارجع)(٣).
وفي مجال أحكام القتال: قال الله
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُهُ
تعالى:
الَّذِينَ كَفَرُواْ نَحْفًا فَلَا تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ
وَمَن يُوَلَّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِثَالٍ أَوْ
مُتَحَيِزَّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾
[الأنفال: ١٥- ١٦].
أي: إذا لقيتم أعداءكم الكفار مجتمعين
كأنهم لكثرتهم يزحفون زحفًا فلا تنهزموا
أمامهم بل اثبتوا واصبروا ومن يولهم يوم
اللقاء ظهره منهزمًا إلا في حال التوجه إلى
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠ / ٥١٧٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب الإستئذان، ١٦٩٦/٣، رقم ٢١٥٤.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الفاء
قتال طائفة أخرى، أو بالفر للکر بأن يخيل
إلى عدوه أنه منهزم ليغره مكيدة وهو من
باب «الحرب خدعة)» أو منضمًا إلى جماعة
المسلمين يستنجد بهم فقد رجع بسخط
عظیم ومقره ومسکنه الذي یأوي إليه نار
جهنم وبئس المرجع والمآل (١).
وسائل تحصيل الفقه
وسائل تحصيل الفقه متعددة وكثيرة
يمكن تلخيصها في الآتي:
١. التعلم على أيدي الراسخين في
الفقه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿﴿ وَمَا كَانَ
اٌلْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلًا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
[التوبة: ١٢٢].
أي: وما كان ينبغي للمؤمنين في غير
النفير العام أن يخرجوا جميعًا للقتال،
فلولا نفر وخرج للقتال من كل فرقة كبيرة
كالقبيلة أو البلد جماعة قليلة يقدر عددها
بقدر الظروف والملابسات، وذلك ليتأتى
للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين
والوقف على أسرار التنزيل، فیکون حول
النبي صلى الله عليه وسلم جماعة يتعلمون
منه الأحكام، ويأخذون عنه القرآن حتى إذا
ما رجع المجاهدون من المیدان بلغوهم ما
نزل من القرآن وأوقفوهم على ما جد من
الأحكام، وذلك كله رجاء أن يحذروا عقاب
الله ویخافوا بطشه.
ومن هنا نعلم أن الآيات تشير إلى
وجوب الجهاد العام إذا ما خرج النبي صلى
الله عليه وسلم وكذا الحاكم العام للغزو،
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٤٦١.
٣٩٠
القرآن الكريم

الفقه
أى: في حالة النفير العام وهذه تقدر بظروفها الحربي أكثر مما تعتمد على السلاح(١).
أما في غيرها فيخرج للجهاد بعض الشعب
لا کله، وتشير الآية إلی أن تعلم العلم أمر
واجب على الأمة جمیعًا وجوبًا لا يقل عن
وجوب الجهاد والدفاع عن الوطن واجب
مقدس، فإن الوطن يحتاج إلى من يناضل
عنه بالسيف وإلى من يناضل عنه بالحجة
والبرهان، بل إن تقوية الروح المعنوية،
وغرس الوطنية وحب التضحية، وخلق جيل
يرى أن حب الوطن من الإيمان، وأن الدفاع
عنه واجب مقدس. هذا أساس بناء الأمة،
ودعامة استقلالها.
وتشير الآية الكريمة إلى أن غاية طلب
العلم هو التفقه في الدين، وفهم أسراره
فهما تصلح به نفس العالم حتی یکون ربانيًا
وقرآنيًا، وأن أثر ذلك في الخارج هو الدعوة
إلى الله، وإنذار قومك إذا رجعت إليهم،
فتعلمهم، وتثقفهم، وتهدیهم، وتربيهم على
حب الخير، وعلى حب العمل والجد، وأن
الله يحب المؤمن القوى في نفسه وعقله
وخلقه وعلمه وبدنه، وهذه هي مهمة الرسل
الكرام.
وإن وضع الآية التي تشير إلى العلم
والتعلم في وسط آيات الجهاد والقتال لمن
المعجزات التي كشف عنها هذا العصر،
فإن الحروب اليوم تعتمد على العلم والفقه
وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه
لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين
ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من
مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته
عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها،
لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون
وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا
واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم،
ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب،
فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من
الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور (٢).
دلت الآية على الأحكام التالية:
١. الجهاد فرض کفایة، ولیس فرض عین،
إذ لو نفر الكل لتعطلت مصالح الأمة،
وتضررت الأسر والأولاد، فليخرج
فريق من المسلمین للجهاد، ولیقم فريق
يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم،
ویصونون مصلحة البلاد، حتى إذا عاد
النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه
من أحكام الشرع.
٢. وجوب طلب العلم، والتفقه في القرآن
والسنة، وهو فرض على الكفاية
لا على الأعيان بدليل قوله تعالى:
﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(١) انظر: التفسير الواضح، حجازي ٢/ ٣٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٥٥.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الفاء
[النحل: ٤٣]، وعن أنس بن مالكٍ شريفة لا يوازيها عمل، عن معاوية بن أبي
سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله
علیه وسلم وهو يقول: (من يرد الله به خيرًا
يفقهه في الدين) (٢).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (طلب العلم فريضةٌ على كل
مسلمٍ)(١). والطائفة وإن أطلقت على
الاثنين والواحد في اللغة، فلا شك
إن المراد بها هنا جماعة لقوله تعالى:
﴿لَيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِِّنِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ ﴾
فجاء بضمير الجماعة، ولأن العلم لا
يتحصل بواحد في الغالب.
٣. يجب أن يكون المقصود من التفقه
والتعلم دعوة الخلق إلى الحق،
وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط
المستقيم لأن الآية أمرت بإنذارهم إلى
الدين الحق، وعليهم أن يحذروا الجهل
والمعصية، ويرغبوا في قبول الدين،
فغرض المعلم الإرشاد والإنذار،
وغرض المتعلم اكتساب الخشية.
وطلب العلم ينقسم قسمين:
فرض على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة
والصيام.
وفرض على الكفاية؛ كتحصيل
الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين
الخصوم ونحوه.
وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، باب فضل العلماء
والحث على طلب العلم، رقم ١،٢٢٤ / ٨١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٧٢٧/٢، رقم ٣٩١٣.
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول
الله صلی الله علیه وسلم يقول: (من سلك
طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى
الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً
لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في
السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في
الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل
القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة
الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا
درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ
بحظٍ وافٍ) (٣) (٤).
٢. التفكر والتدبر.
ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ
مُبَرَةٌ لِيَتَّبَُّواْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
٢)﴾ [ص:٢٩].
القرآن فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه
کل هدی من ضلالة، وشفاء من داء، ونور
يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
النهي عن المسألة، رقم ٢،١٠٣٧ / ٧١٨.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم،
باب ما جاء في فضل العلم على العبادة، رقم
٥،٢٦٨٤/ ٤٨.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١/ ٧٨-٨٠.
٣٩٢
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

الفقى
إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على
كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق
العالم منذ أنشأه الله.
أنزله الله لیتدبر الناس آیاته، فیستخرجوا
علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه
بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر
فيها مرة بعد مرة، تدرك بر کته وخيره، وهذا
يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه
من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة
على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا
يحصل بها هذا المقصود.
وأولو العقول الصحيحة، يتذكرون
بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا
على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل
له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب (١).
٣. الجد والاجتهاد.
ومنه قوله تعالى: ﴿بَيَحْى خُذِ الْكِتَبَ
بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (٢﴾ [مريم: ١٢].
أی: یا یحي خذ الكتاب بجد واجتهاد،
وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح، وتطبيق
ما اشتمل علیه من أحكام وآداب، فإن بركة
العلم في العمل به، وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا
فهم الكتاب، والعمل بأحكامه(٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُلَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧١٢.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الطنطاوي ٩/ ٢٠.
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[العنكبوت: ٦٩].
أي: الذين هاجروا في سبيل الله،
وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم
في اتباع مرضاته، لنرشدهم إلى الطرق
الموصلة إلينا.
دلت الآية على أن أحرى الناس بموافقة
الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن
فیما أمر به أعانه الله ويسر له أسباب الهداية،
وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم
الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة
على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة
عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن
طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل
الله، بل هو أحد نوعي الجهاد، الذي لا يقوم
به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول
واللسان، للكفار والمنافقين، والجهاد على
تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين
للحق، ولو كانوا من المسلمين (٣).
٤. الدعاء.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلُِّ
اَلْحَقُ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى
إِلَيْكَ وَحْيُةٌ، وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا !
[طه: ١١٤].
ولما كانت عجلته صلی الله عليه وسلم
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦٣٦.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الفاء
على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على [الكهف: ٦٥].
محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله
تعالی أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير
وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله والطريق
إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله
والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت(١)،
قال صلی الله عليه وسلم لابن عباس رضي
الله عنهما: (اللهم فقهه في الدين) (٢).
٥. التخلي عن الذنوب والمعاصي.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
أي: واتقوا الله في جميع ما أمركم به
ونهاكم عنه، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه
صلاح حالكم في الدارين وحفظ أموالكم،
ولولا هدیه لکم لم تعلموا شیئا، وهو العليم
بكل شىء، فإذا شرع شيئًا من الأحكام فإنما
يشرعه عن علم محيط بأسباب درء المفاسد،
وجلب المصالح لمن اتبع شرعه وهداه(٣).
جاء في تفسير الماتريدي: (( علم
الموهبة، ويقصد به العلم اللدني الرباني،
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ
رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
(١) انظر: المصدر السابق ص ٥١٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب وضع الماء عند الخلاء، ١/ ٤١، رقم
١٤٣.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٣/ ٧٧.
الذي يورثه الله تعالى لمن عمل
بما علم، ويفتح قلبه لفهم أسراره، قال
تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فهو ثمرة التقوى والإخلاص، ولا ينال
هذا العلم من كان في قلبه بدعة أو کبر أو
حب للدنيا أو ميل إلى المعاصي، قال
تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَقَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
وما أجمل قول الشافعي رحمه الله: قال
الإمام الشافعي رضي الله عنه ورحمه:
شکوت إلی و کیع سوء حفظي فأرشدني
إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا
یھدی لعاصي)»(٤).
(٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١/ ٢٧٥.
٣٩٤
جَوَبُو حَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم

الفقى
موانع الفقه
لا شك أن الفقه نعمة من الله عز وجل
لا يعطاها إلا من أخلص العبادة لله والتزم
الطاعات واجتنب المحرمات، ولهذا ينبغي
لمن أراد الحصول على الفقه والفهم أن
يبتعد عن كل أسباب وموانع الفقه وهي
كثيرة ومتعددة يمكن أن نجملها في الأمور
الآتية:
١. الكفر.
إن أعداء الإسلام من كفار ومشركين
في كل زمان ومكان قد حرموا من نعمة
الفقه والفهم؛ لأنهم يعادون الله ويحاربون
أوليائه ظنًا منهم أنهم بهذا يحققون السعادة
لأنفسهم من خلال استغلال ثروات بلاد
المسلمين واستعمارها، وقد غفل هؤلاء
أن الحرب على الله ورسله هي حرب
خاسرة وأن معيشتهم ستکون ضنكا، كما
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ
لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
(١٢٤) ﴾ [طه: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُن مِّنَكُمْ عِشْرُونَ
صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَّيْنَّ وَإِن يَكُنْ يِّنكُم
مِائَةٌ يَغْلِيُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٥].
يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال،
وحثهم علیه حثًا شديدًا حتى يبذلوا النفس
والنفيس في سبيل الله طيبة نفوسهم بهذا،
وذلك ببيان فضيلة الجهاد وأنهم ينتظرون
في الجهاد إحدى الحسنيين: إما الشهادة،
ويا لها من شرف !! وإما الغنيمة والنصر.
واعلموا أن الواجب عليكم أن الواحد يقاتل
عشرة من الكفار، إذ هناك فرق شاسع بين
من يقاتل عن عقيدة ثابتة ونفس مطمئنة،
وبين من يقاتل مكرها أو مأجورا أو لغرض
دنیوی بسيط.
إن یکن منكم عشرون صابرون محتسبون
أجرهم عند الله يغلبوا مائتين، وإن يكن
منكم مائة صابرة على هذا الشرط يغلبوا
ألفًا من الذين كفروا بالله ورسوله، ولم
يؤمنوا بالبعث والجزاء، ذلك بسبب أنهم
قوم لا يفقهون الأسرار الحربية ونظامها
الذي یکفل النجاح، وهم قوم لا يفقهون عن
عقيدة وحجة، ثم هم لا يؤمنون بالبعث(١).
ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى في الآية
التي تليها: ﴿الْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ
مِأْتَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ
[الأنفال: ٦٦].
F
اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ
فأصبح على المجاهد أن يثبت أمام اثنین.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمّ
كَفَرُواْ فَطِيعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾
(١) انظر: التفسير الواضح، حجازي ١/ ٨٤٣.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الفاء
[المنافقون: ٣].
تبین الآية کیف أن المنافقین حین ارتدوا
عن الإيمان وأصبحوا كافرين حرموا من
نعمة الفقه، أي: ما نعي عليهم من مساوئهم
بأنهم آمنوا، أي ظاهرًا ثم کفروا، أي سرًا
(فطبع على قلوبهم) أي: ختم عليها بما
مرنوا عليه من التلون والتذبذب ورسوخ
الهيئات المنكرة، فحجبوا عن الحق فهم لا
يفقهون، أي: حقية الإيمان، وحكمة الرسالة
والدين(١).
٢. النفاق.
إن ظاهرة النفاق من أخبث الظواهر
وشرها لما يشكله المنافقون من خطر على
الإسلام من حيث مشابهتم للكفار في
كفرهم والزيادة عليهم في أنهم يخادعون
الله والذين آمنوا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا
هُم بِمُؤْمِنِينَ ) يُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ
[البقرة: ٨-٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُمُّ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا
تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ
وَلِلَّهِ خَزَآَيْنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [المنافقون: ٧].
وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى
الله عليه وسلم، والمسلمين لما رأوا
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٢٣٥.
اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم
في مرضاة الرسول صلی الله عليه وسلم،
قالوا بزعمهم الفاسد: لولا أموال المنافقين
ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين
الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى
هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس
على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل
هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا
علم له بحقائق الأمور فبين تعالى أنه يؤتي
الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر
الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء،
ولكن المنافقين لا يفقهون فلذلك قالوا تلك
المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في
أيديهم، وتحت مشيئتهم(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَ إِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنكُم مِّنْ
أَحَدِثُمَّ أَنصَرَفُوْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لَّا يَفْقَهُونَ (٢٧)﴾ [التوبة: ١٢٧].
وإذا أنزلت سورة قرآنية فيها فضيحة
أسرارهم، تعجبوا وتأملوا وتسللوا من
مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وتلفتوا
متغامزين قائلين: هل يراكم الرسول أو
المؤمنون إذا خرجتم؟! ثم ينصرفون عن
طريق الاهتداء، ويتولون عن الحق، فهذا
حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٦٥.
٣٩٦
جَوَسُو ◌َ النَّقِين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الفقى
يقبلونه ولا يفهمونه، ولا يفهمون شيئًا عن أي أنه بهذه الحال وأخواتها، مما فروا
فيها من الجهاد فرار الجبناء، فسدت
نفوسهم، وأغلقت قلوبهم عن حب الخير
والعيش الكريم، وبني للمجهول للإشارة
إلى الأسباب المتراكمة التي توالت على
نفوسهم، وطبعتها على النفاق، فطبع مع
النفاق الذلة والاستهزاء والكذب، وإخلاف
الوعد، وإن مدوا أعناقهم للذلة.
الله ولا عن رسوله، ومن أعرض عن ساحة
الإيمان والخير، أعرض الله عنه، وصرف
الله قلوبهم عن الحق والإيمان، وعن الخير
والنور، وهذا إما دعاء علیهم به، أو إخبار
عن أحوالهم، وذلك الصرف الإلهي بسبب
أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها،
ولا یریدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى
يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم ونفور
منه(١).
رَضُواْ بِأن يَكُونُوا
وقال الله تعالى:
مَعَ الْخَوَالِفِ وَطيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَفْقَهُونَ (٧﴾ [التوبة: ٨٧].
وإذا كان أولو الطول والسعة والقوة في
أبدانهم قد قالوا ﴿ذَرْنَانَكُنْ مَّعَ اَلْقَاعِدِينَ ﴾،
ولا تستنفرنا في جهادك الذي بعدت فيه
الشقة، وعظمت فيه المشقة، فقد﴿رَضُواْ
بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾، والخوالف جمع
خالفة، وهي المرأة المتخلفة عن الجهاد،
ويطلق على ما لا خير فيه، أي أنهم رضوا
أن يكونوا كالنساء القاعدات في البيوت،
والأشياء التي لا خير فيها ولا منفعة، أي
رضوا بحياة الدعة والاسترخاء ولو كان
معها الذلة، وتركوا حياة الكد والتعب ولو
كان فيها العزة.
وقال تعالى: ﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٩٣٤.
إن النفاق يولد الجبن، والجبن يولد
المذلة والكذب وكل قبائح النفس، ولذا
قال تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ و(الفاء)
تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن طبع
القلب على النفاق يفسد الفكر، فلا ينظر إلى
عواقب الأمور، ولا ما تنتهي إليه، وأعيد
الضمير في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ﴾ لتأكيد
وصفهم، وثبوت حالهم، والفقه کما ذکرنا
هو العلم بلباب الأمور وغايتها، فهم لم
يعرفوا أن موقفهم لو سلك المؤمنون مسلكه
لذلوا، ولذهبت ربحهم، ولم يدركوا أنهم
بما يفعلون يقون أنفسهم من مشقة الجهاد،
ولكن يكونون مهينين في الدنيا، وتنالهم
جهنم وبئس المصير (٢).
٣. الطبع على القلوب.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ
وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَاَ حَّى إِذَا جَاءُوَ
(٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧ / ٣٤٠٣.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الفاء
يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ
﴾ [الأنعام: ٢٥].
٢٥
الْأَوْلِينَ
والمعنى والمقصد من هذه الآية أن
مشركي مكة كانوا في أعجز موقف، حين
حاولوا رد الحق القرآني بالدعوى المجردة،
ومنهم فريق كانوا يستمعون للنبي صلى
الله عليه وسلم وهم في أشد حالات الغباء
وصمم الآذان، يرون الآيات الناطقة بالحق
فلا يؤمنون بها، وإذا جاؤوا للمجادلة أي
المقابلة في الاحتجاج، قابلوا بدعوى
مجردة فارغة من البرهان المقبول، والعقل
السليم لأن الله تعالى- بسبب عنادهم
وإصرارهم على شركهم-جعل على قلوبهم
أغطية لئلا يفقهوا القرآن، وفي آذانهم ثقلا أو
صمما عن السماع النافع لهم.
فمهما رأوا من الآيات البينات والبراهين
الصادعة بالحق لا يؤمنوا بها، وصاروا بلا
فهم ولا إنصاف، وإذا جاؤوا يحاجون النبي
ويناظرونه في الحق وفي دعوته، قالوا قولًا
تافهًا: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من
أخبار الأولين وأقاصيصهم التي تسطر
وتحکی ولا تحقق کالتواريخ، وما هي إلا
نوع من خرافات وأباطيل القدماء، وهم
بهذا الموقف اللاعقلاني والدعائي بمجرد
الأقاويل المبطلة، ينهون الناس عن اتباع
الحق الأبلج وتصديق الرسول صلى الله
عليه وسلم والانقياد للقرآن، ويبعدون هم
عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين، لا
ينتفعون، ولا یترکون غیرهم ينتفع (١).
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ مَاذَانِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى
الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهْ نُفُورًا !
[الإسراء: ٤٦].
أي: صيرنا وأنشأنا أكنة تكون غلافا
مانعا قلوبهم عن أن تدرك وتصل إلى النور،
وفي آذانهم صمما وثقلا فيها يمنعها من أن
تستمع إلى القرآن الحق، فالأكنة تمنع أن
يفقهوه؛ لأن غلافا وضع بينها وبين النور،
فلم تفقه أي لم تدرك وتتدبر في بلاغته،
ومعانيه، وقصصه، وعبره، وما فيه من نور
الحق فلا تراه، وجعلنا في آذانهم وقرا عن
سماع القرآن وتذوق ألفاظه ونغمه، وجمال
عباراته و نسق بيانه.
وإذا ذكرت ربك الذي خلقك وخلقهم
وربهم وحده من غير ذكر آلهتهم على أنه
المتفرد وحده بالألوهية اعتراهم إعراض
أشد، فأعرضوا سائرين على أدبارهم نافرين
من الحق، يسارعون بالتولي والإعراض
نافرين مدبرين، سائرين بظهورهم لا
بإقبالهم، وهذا النص يصور شخصًا رأى
شيئًا فهاله ما رأی فولی مدبرًا، رجع مدبرًا
نافرًا کأنه رأی شیئا مخيفًا، اقشعر له بدنه،
وهذا يصور مقدار نفورهم من التوحيد
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٥٣٩.
٣٩٨
جوي
القرآن الكريمِ

الفقى
الحق، وإقبالهم على الوثنية الباطلة،
فالأوهام التي استكنت في نفوسهم صورت
لهم الحق مخوفا مرهوبا، والباطل طيبا
حسبوا فيه السلامة وما وراءه إلا الحسرة
والندامة وساء ما كانوا يصنعون(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ
بِثَايَتِ رَيْهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا
جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّ ءَانَانِمْ
وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوَاْ إِذَا أَبَدًا
[الكهف: ٥٧].
٥٧
أي: لا أحد أشد ظلمًا ممن وعظ بآيات
ربه الواضحة، فانصرف عنها إلى باطله،
ونسي ما قدمته يداه من الأفعال القبيحة فلم
يرجع عنها، إنا جعلنا على قلوبهم أغطية،
فلم يفهموا القرآن، ولم يدركوا ما فيه من
الخير، وجعلنا في آذانهم ما يشبه الصمم،
فلم يسمعوه ولم ينتفعوا به، وإن تدعهم إلى
الإيمان فلن يستجيبوا لك، ولن يهتدوا إليه
بدًا (٢).
٤. عجمة اللسان.
قال الله تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ
وَجَّدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًاً
[الكهف: ٩٣].
٩٣
قال المفسرون: ذهب ذو القرنين متوجهًا
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤٣٩٣.
(٢) انظر: التفسیر المیسر، مجمع الملك فهد ص
٣٠٠.
من المشرق، قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما
بین السدین، وهما سدان، كانا سلاسل جبال
معروفین في ذلك الزمان، سدًا بين يأجوج
ومأجوج وبین الناس، وجد من دون السدین
قومًا، لا يكادون يفقهون قولًا لعجمة
ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد
أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية،
ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم،
وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر
يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من
بني آدم(٣).
قال الشعراوي في تفسيره: (( أي: لا
يعرفون الكلام، ولا يفقهون القول؛
لأن الذي يقدر أن يفهم يقدر أن يتكلم،
وهؤلاء لا یقولون کلامًا، ولا يفهمون ما
يقال لهم، ومعنى: ﴿لَّايَكَادُونَ﴾ لا يقربون
من أن يفهموا، فلا ينفي عنهم الفهم، بل
مجرد القرب من الفهم، وكأنه لا أمل في
أن يفهمهم، لكن يكف نفى عنهم الكلام،
ثم قال بعدها مباشرة: ﴿قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ﴾
[الكهف: ٩٤]. فأثبت لهم القول؟
يبدو أنه خاطبهم بلغة الإشارة، واحتال
على أن يجعل من حركاتهم كلامًا يفهمه
وينفذ لهم ما يريدون، ولا شك أن هذه
العملية احتاجت منه جهدًا وصبرًا حتى
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٨٦.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الفاء
یفهمهم ویفهم منهم، وإلا فقد كان في وسعه
أن ينصرف عنهم بحجة أنهم لا يتكلمون
ولا يتفاهمون، فهو مثال للرجل المؤمن
الحريص على عمل الخير، والذي لا يألو
جهدًا في نفع القوم وهدايتهم.
والإشارة أصبحت الآن لغة مشهورة
ومعروفة، ولها قواعد ودارسون يتفاهمون
بها، كما نتفاهم نحن الآن مع الأخرس)) (١).
ولهذا ينبغي على الداعية أن يحسن
الكلام، وأن يكون الكلام مطابقًا لواقع
الحال كما هو مفهوم البلاغة.
ولهذا نجد أن نبينا صلى الله عليه وسلم
قد أوتي جوامع الكلم كما جاء في الحديث
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (فضلت على الأنبياء بستٍ:
أُعطیت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب،
وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض
طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافةً،
وختم بي النبيون) (٢).
(جوامع الكلم): القرآن، جمع الله تعالی
في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة
و كلامه صلى الله عليه وسلم كان بالجوامع
قليل اللفظ كثير المعاني (٣).
(١) تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٩٨٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب المفاتيح في اليد، ٣٦/٩، رقم ٧٠١٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة،، ١/ ٣٧١، رقم ٥٢٣.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ٥/ ٥.
أثر الفقه الصحيح على الفرد والأمة
ما من شك في أن للفقه الصحيح أثرًا
كبيرًا وفعالًا على الفرد والأمة، ولهذا نجد
أن أول آيات القرآن نزولًا، كانت دعوة
صريحة للقراءة والعلم والتعلم، كما قال
تعالى ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ
مِنْ عَلَقٍ آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَّمِ
٥ عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَالَوْ يَعْلَمْ ﴾﴾ [العلق: ١ -٥].
وما يستتبع ذلك من تطبيق لما نتعلمه
ونتوصل إليه، وآثار ذلك على الفرد والأمة.
ومن هذه الآثار:
١. الاستقام والمسؤلية الفردية، قال الله
تعالى: ﴿مَنِ آَهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ،
وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ
رَسُولًا (٥﴾ [الإسراء: ١٥].
٢. عدم الاغترار بالدنيا والركون إليها، قال
الله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَلَهُوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاءٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُّفِى
اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
نَبَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ
حُطَمَاً وَفِ الَْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلََّ مَتَحُ
الْفُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]
٣. تبني مجتمعًا موحدًا ومتماسكًا
ومستقيمًا، قال الله تعالى: ﴿نُيَحُ
٤٠٠
القرآن الكريمِ

الفقى
لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ وَإِن
مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمُّ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
[الإسراء: ٤٤].
٤. الفقه الصحيح يشعر الإنسان أن
الكون كله مسبح لله مما يدفعه إلى
التمسك بهذا الدين، قال الله تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا
نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾
[الإسراء: ٤٤]
٥. ترسخ مفهوم القضاء والقدر، كما
قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكُمُ
الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوجِ مُشَّيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوأَهَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌ مِّنْ
عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
حَدِيثًا ()﴾ [النساء: ٧٨].
٦. الفقه الصحيح يشعر الإنسان أن
ما أخطأہ لم یکن یصیبه، وما أصابه لم
يكن ليخطؤه فلا يجزع، قال الله تعالى:
﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
لَنَا هُوَ مَوْلَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: ٥١]
٧. ترسخ مفهوم المساواة، كما قال
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسِ
وَحِدَةٍ فَسُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعُ قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَّتِ
◌ِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨].
٨. الفقه الصحيح يرسخ مفهوم
المساواة بين الشعوب من حيث
الإنسانية فكلنا خلقنا من آدم عليه
السلام، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَثَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَّ
مِنْهَازَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَنَّقُواْ
اللَّهَ اُلَّذِى تَسَلَّلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: ١]
٩. الصبر والثبات عند ملاقاة الأعداء،
كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرِضِ
اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ
عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِأَتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ
مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ )﴾
[الأنفال: ٦٥].
١٠ . الفقه الصحيح يزرع في نفس الإنسان
الشجاعة والصبر والثبات عند ملاقاة
الأعداء، قال الله تعالى:
يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا
فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ ﴾﴾ [الأنفال: ١٥]
١١. الفقه الصحيح يحذر من التخلف،
والتقاعس عن فريضة الجهاد، ومحاربة
أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿فَرِحَ
الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ
اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِ الْخَرَّ قُلْ نَارُ
جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
٨١
www. modoee.com
٤٠١

حرف الفاء
[التوبة: ٨١]، وقال تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَن
يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: ٨٧].
١٢. البذل والعطاء بلا خوف ولا وجل،
كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَلَا
تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى
يَنْفَضُّواْ وَلَّهِ خَزَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
[المنافقون: ٧].
١٣ . الفقه الصحيح يدفع صاحبه إلى البذل
والعطاء في سبيل الله دون خشية من
فقر أو عوز، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ
سُنْبَكَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١]
١٤. نشر العلم بين أبناء المجتمع، كما
قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةِ
مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِتُنْذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
•[التوبة: ١٢٢].
١٢٢
١٥ . الفقه الصحيح يدعو إلى العلم والتعلم،
وبيان فضل العلماء وعظیم أجرهم عند
الله، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١].
موضوعات ذات صلة:
الجاهلية، الحكمة، السؤال، العلم
٤٠٢
بَرُ النَّفِيَّة
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ