Indexed OCR Text

Pages 21-38

الفطرة
[الأنعام: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ
لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاأَ فَأَلْيَوْمَ
نَنسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا
كَانُواْ بِعَايَِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف:
٥١].
٢. التربية على العقائد الباطلة.
وقد حكى القرآن الكريم عن ذلك في
معرض حديثه عن المشركين بأنهم اتبعوا
آثار آبائهم، وأنهم تمسكوا بذلك، واعتبروه
دينًا يعبد بلا حجة ولا برهان، واليوم في
وقتنا الحاضر اتبعت الشعوب الإسلامية
مناهج الملاحدة الوضعية، ومن هذه
المناهج (الشيوعية).
(إنها جناية كبرى ارتكبتها الشيوعية في
حق الأخلاق والقيم، وخالفوا الفطرة التي
جبل عليها البشر على امتداد تاريخهم من
حب الخير وبغض الشر، وما يتبعهما من
صفات وسلوك فاضل)) (١).
عن
و((إن الإنسان حينما يقف عاجزًا
معرفة سر هذا الكون، ويتفكر في خلق الله
والأرض والنجوم وسائر الأفلاك، وتتابع
الليل والنهار، والحياة والموت، وسائر ما
أوجده الله في هذا الكون، إذا فعل الإنسان
ذلك يجد نفسه عاجزًا عن إدراك كل هذا،
(١) المذاهب الفكرية المعاصرة، غالب عواجي
٠١١١٨/٢
وحينئذ يعرف بفطرته أن هناك موجد عظيم
لهذا الكون هو أقوى منه، يستحق أنه یخضع
له، وأن يعبده ویرجو ثوابه ويخاف عقابه،
لا أن يعتقد أن المادة خلقته؛ فإن التفكر في
كل ذلك يهدي إلى الاعتراف بخالق عظيم
قدیر حکیم، لا أن للمادة معه مشارکة؛ بل
هي مخلوقة له حدثت بعد أن لم تكن، وهذا
هو ما اعترف به الملاحدة في أنفسهم،
وجحدوه ظاهرًا تعصبًا لنظرياتهم الفاسدة،
وقد ذكر الله عز وجل كثيرًا من عجائب
هذا الكون، ورغب الناس في التفكر فيه
واستخلاص العبر)» (٢).
ونجد بأن «الفطرة التي فطر الله الناس
علیها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبرها،
ومن أنكر ذلك فإنما يغالط نفسه ويشقيها،
فالشيوعي - مثلاً - يعيش في هذه الحياة
تعسًا، ومصيره بعد الموت إلى النار، جزاء
تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم، ورباه
بالنعم إلا إن تاب إلى الله، وآمن به وبدينه
ورسوله)»(٣).
لذا «هكذا كانت البشرية الأولى على
الفطرة والتوحيد لقرب عهدها بربها تعالى،
ثم اختلطت بعد ذلك الينابيع وتضافرت
العوامل التي أدت إلى الانحراف عن
التوحيد، فكان ظهور الشرك طارئًا بعد ذلك
(٢) المصدر السابق ٢ / ١١٨٣.
(٣) دين الحق، عبد الرحمن آل عمر ص١٠.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الفاء
التوحيد، وكان انحرافًا عنه)» (١).
باب اتباع خطوات الشيطان، فضلًا عن كونه
((ففي الجانب الديني تجد الناس إما تقولًا وافتراءً على الله تعالى، وإنما نزل
فیھم» (٤).
أن ارتدوا عن الدین، أو خرجوا منه، أو لم
نهي مقصود ﴿وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيَطَنِ﴾ الضمير للناس لا محالة
وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه
دومًا، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير
والموعظة)» (٥).
يدخلوا فيه أصلا، أو وقعوا في تحريف
الديانات السماوية وتبديلها، وأما في
الجانب التشريعي، فإن الناس نبذوا شريعة
الله وراءهم ظهريًا، واخترعوا من عند
أنفسهم قوانين وشرائع لم يأذن بها الله،
تصطدم مع العقل وتختلف مع الفطرة)﴾ (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَا أَلْغَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَاءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
[البقرة: ١٧٠].
١٧٠
٣. إتباع سبل الشيطان.
قال تعالى في ذلك: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِمَا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ ()﴾ [البقرة:
١٦٨].
((قال ابن عباسٍ: ﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾
((أعماله)) (٣)، لا تجعلوها تجركم.
«أي: لا تقتدوا بها في اتباع الهوى،
فإنه صريحٌ في أن الخطاب للكفرة کیف لا
وتحريم الحلال على نفسه تزهدا ليس من
(١) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، د.عثمان
جمعة ضمیریة ١/ ٢٢٠.
(٢) السيرة النبوية، عرض وقائع وتحليل أحداث:
١٦/١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٠٨.
ونجد بأن ((اتباع الخطوات)» معناه: أن
يتابع الإنسان غيره في عمله، كمتبع الأثر
الذي يتبع أثر البعير، وأثر الدابة، وما أشبهها.
و﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾ أي: أعماله التي
يعملها، ويخطو إليها؛ وهو شامل للشرك
فما دونه؛ فإن الشيطان يأمر بالفحشاء،
والمنكر (٦).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اُلَّغُوتِ
فَقَئِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطِنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا
[النساء: ٧٦].
٧٦
والمقصود ((أن كيد الشيطان كان ضعيفًا،
لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر
أولياءه، ولا شك أن نصرة الشيطان، لأوليائه
أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن
أهل الخیر والدین یبقی ذکرهم الجميل على
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٨٧.
(٥) التحرير والتنوير ١٠٢/٢.
(٦) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورتي
الفاتحة والبقرة ٢/ ٢٣٣.
٣٤٨
القرآن الكريم

الفطرة
وجه الدهر، وإن كانوا حال حياتهم في غاية
الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا
ماتوا انقرض أثرهم، ولا يبقى في الدنيا
رسمهم ولا ظلمهم، والکید السعي في فساد
الحال على جهة الاحتیال علیه یقال: كاده
يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة
الحيلة عليه. وفائدة إدخال كان في قوله:
كان ضعيفًا للتأكید لضعف کیده، يعني أنه
منذ كان موصوفا بالضعف والذلة)) (١).
((إنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده
في سبيل الله، وإخلاصه ومتابعته؛ فالجهاد
في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته
ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت
من شعب الكفر ومقتضياته، ومنها: أن الذي
یقاتل في سبيل الله ينبغي له ویحسن منه من
الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان
أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على
باطل، فأهل الحق أولى بذلك)» (٢).
(ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن
يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله:
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي إن كيده
للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله سبحانه
وتعالى للكافرین، ضعيف لا یؤبه به، فلا
تخافوا أولیاءه، فإن اعتمادهم على أضعف
شيء وأوهنه)) (٣).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٤٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٧.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٨٣ - ٨٤.
وقال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَآدَمَ لَا يَفْلِنَنَّكُمُ
الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاً إِنَّهُيَرَّكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ.
مِنْ حَيْثُ لَا تَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّة لِلَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ
ا﴾ [الأعراف: ٢٧].
خطاب مباشر ((﴿يَبَنِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ
الشَّيْطَنُ ﴾ لا یمحننکم بأن یمنعکم دخول
الجنة بإغوائكم. ﴿كَمَّا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ
اُلْجَنَّةِ ﴾ كما محن أبويكم بأن أخرجهما
منها، والنهي في اللفظ للشيطان، والمعنى
نهيهم عن اتباعه والافتتان به. ﴿يَزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَا﴾)) (٤).
(تحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو
المداجي یکیدکم ویغتالکم من حيث لا
تشعرون» (٥).
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ
عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ إِنَّهُمُ الَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآءَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
[الأعراف: ٣٠].
((تعليلٌ لخذلانه أو تحقيقٌ لضلالتهم
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيه دلالةٌ
على أن الكافر المخطىء والمعاند سواءٌ
في استحقاق الذم وللفارق أن يحمله على
المقصر في النظر)» (٦).
((والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ١٠.
(٥) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٩٤.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٢٤/٣.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الفاء
بالله المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت
عليه الضلالة: هم الكفار. قوله: ﴿إِنَّهُمُ
أَخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تعليلٌ
لقوله: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّلَلَةُ﴾ أي:
ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية
الله، ومع هذا فإنهم يحسبون أنهم مهتدون،
ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة ) وهذا
أشد في تمردهم وعنادهم» (١)
ثانيًا: نماذج قرآنية في الانحراف عن
الفطرة:
١. عبادة الشيطان.
قال تعالى: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴾ [مريم: ٤٤].
«أي: لا تطعه، فإن عبادة الأصنام هي من
طاعة الشيطان، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حين ترك ما أمره
به من السجود لآدم، ومن أطاع من هو عاصٍ
لله سبحانه فهو عاصٍ لله، والعاصي حقيقٌ
بأن تسلب عنه النعم، وتحل به النقم.
قال الكسائي: العصي والعاصي بمعنَّی
واحدٍ. ثم بين له الباعث على هذه النصائح
فقال: ﴿يَأَبَتِ إِِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ﴾ قال الفراء: معنى أخاف هنا أعلم.
وقال الأكثرون: إن الخوف هنا محمولٌ
على ظاهره لأن إبراهيم غير جازمٍ بموت
أبيه على الكفر، إذ لو كان جازمًا بذلك لم
يشتغل بنصحه، ومعنى الخوف على الغير:
هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير.
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا﴾ أي: إنك إذا
أطعت الشيطان كنت معه في النار واللعنة،
فتكون بهذا السبب مواليًا، أو تكون بسبب
موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية
حقيقية)) (٢).
ونجد بأن ((المراد بعبادة الشيطان عبادة
الأصنام؛ عبر عنها بعبادة الشيطان إفصاحًا
عن فسادها وضلالها، فإن نسبة الضلال
والفساد إلى الشيطان مقررة في نفوس البشر،
ولكن الذين يتبعونه لا يفطنون إلى حالهم
ويتبعون وساوسه تحت ستار التمويه، ففي
الكلام إيجاز لأن معناه: لا تعبد الأصنام
لأن اتخاذها من تسويل الشيطان للذين
اتخذوها ووضعوها للناس، وعبادتها من
وساوس الشيطان للذين سنوا سنن عبادتها،
ومن وساوسه للناس الذين أطاعوهم في
عبادتها، فمن عبد الأصنام فقد عبد الشيطان
وكفى بذلك ضلالاً معلومًا» (٣).
﴿﴿ أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِىّ
وقال تعالى:
ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُبِينٌ ﴾ [يس: ٦٠].
ويكون علاج هذا الانحراف بالرجوع
(١) فتح القدير ٢٢٧/٢.
(٢) المصدر السابق ٣٩٦/٣.
(٣) التحرير والتنوير ١٦/ ١١٦.
٣٥٠
جوسيق
القرآن الكريمِ

الفطرة
إلى الصراط المستقيم بدلالة قوله تعالی:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا
تَنَبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِّ ذَلِكُمْ
[الأنعام:
وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ )﴾
١٥٣].
((فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى وطريقه واحدة، وأما الباطل، فهو أباطيل
الله عليه وآله وسلم من دين الإسلام وهو
المنهج القويم والصراط المستقيم فاتبعوا
جملته وتفصيله، ولا تعدلوا عنه فتقعوا في
الضلالات» (١).
و((هو تعقيب على تلك النواهي والأوامر
التي أمر الله سبحانه النبى الكريم أن
يتلوها على الناس. فهذه المأمورات وتلك
المنهيات هي شريعة لله، وهى الصراط
المستقيم الذي دعا لله عباده إلى الاستقامة
عليه، فمن اجتنب المنهيات، وأتى
المأمورات، فهو على صراط الله، وعلى
شريعة الله، ومن انحرف عن هذا الصراط،
فقد ضل وغوى، وكان من الهالكين وفى
قوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُوهُ﴾ أمر بإتيان الأوامر
وفى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَبِعُوا السُّبُلَ﴾ نھی
عن إتيان المنهيات وفى التعبير عن سبيل الله
((الصراط)) والتعبير عن الطرق الخارجة عنه
بالسبل- إشارة إلى أن طريق الله ((صراط))
أي طريق معد ومهيأ للسالكين، تقوم عليه
منارات هدى، وإشارات هداية أما هذه
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٥/١٤.
السبل التي لا تستقيم على هذا الصراط، فهي
طرق لا معلم فيها، ولا شارة عليها، يركبها
الراكب فيتخبط، ويتعثر، ويضل ولهذا جاء
التعبير عن صراط الله بلفظ المفرد، لأنه
واحد لا غیر، إذ الحق حق وجهه واحد،
متعدد الوجوه، مختلف السبل» (٢).
٢. الغلو في الدين.
قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لَا
تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا
الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولٌ
اللّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوِحٌ مِّنْهُ
فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةُ أَنْتَهُواْ
خَيْرً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ:
أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
[النساء:
الأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا:
١٧١].
نلحظ أن «الغلو في الدين أن يظهر
المتدین ما یفوت الحد الذي حدد له الدین.
ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من
ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين. وغلو
أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه
دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتباع التوراة
ومحبة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة
الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام،
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٣٤٨/٤.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الفاء
والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا ولكن ينزل بقدرٍ بتقدير، ما يشاء كما اقتضته
مشيئته. إنه بعباده خبيرٌ بصیرٌ يعلم خفايا
فیه الحد إلی دعوی إلهیته أو کونه ابن الله،
مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم))(١).
أمرهم وجلايا حالهم؛ فيقدر لهم ما يناسب
شأنهم» (٤).
و((إنما معناه في الدين الذي أنتم
مطلوبون به فكأنه اسم جنس وأضافه إليهم
بیانا أنهم مأخوذون به، وليست الإشارة إلى
دینهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت علیه دون
غلو وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على
الإطلاق، وأن يوحدوا، ولا يقولوا على الله
إلا الحق، وإذا سلكوا ما أمروا به فذلك
سائقهم إلى الإسلام، ثم بين تعالى أمر
المسیح وأنه «رسول الله و كلمته» (٢).
٣. المبالغة في طلب الرزق.
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ
قال تعالى:
لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ
إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: ٢٧].
((معناه: وسع. وبسط الشيء نشره.
وبالصاد أيضًا ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ طغوا
وعصوا)) (٣).
(﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْاْ فِي
الْأَرْضِ﴾ لتكبروا وأفسدوا فيها بطرًا، أو
لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء،
وهذا على الغالب، وأصل البغي طلب
تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية.
(١) التحرير والتنوير ٦/ ٥١.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٦٣/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧/١٦.
جومبو
القرآن الكريمِ
٤. التمسك بالدنیا.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ الْنِسَدِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَشَابِ ﴾ [آل
عمران: ١٤].
لقد ((زين للناس حب الشهوات أي
المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء
على أنهم انهمکوا في محبتها حتى أحبوا
شهوتها)»(٥) .
((حب الشهوات: يعني المشتهيات لأن
الشهوة توقان النفس إلى الشيء المشتهى
من النساء.
إنما بدأ بذكر النساء لأن الالتذاذ بهن
أکثر، والاستئناس بهن أتم، ولأنهن حبائل
الشيطان، وأقرب إلى الافتتان، وقوله:
﴿وَالْبَنِينَ﴾ إنما خص البنين بالذكر لأن
حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى،
ووجه حبه ظاهر لأنه يتكثر به، ويعضده،
ويقوم مقامه. وقد جعل الله تعالى فى قلب
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٨١/٥.
(٥) المصدر السابق ٢ /٨.
٣٥٢

الفطرة
الإنسان حب الزوجة والولد لحكمة بالغة ذهبًا أو فضة، وقال القنطار من المال ما فيه
عبور الحياة تشبيها بعبور القنطرة المقنطرة
وهي بقاء التوالد، ولو زالت تلك المحبة لما
حصل ذلك.
أي المجموعة.
﴿وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾ جمع قنطار
وسمي قنطارا من الإحكام والعقد يقال:
قنطرته إذا أحكمته، ومنه القنطرة المحكمة
الطاق، واختلفوا في القنطار هل محدود أو
غير محدود؟ على قولين:
أحدهما: أنه محدود،
ثم اختلفوا في
حده، فروي عن معاذ بن جبل أن القنطار
ألف ومائتا أوقية. وقال ابن عباس: ألف
ومائتا مثقال وعنه أنه اثنا عشر ألف درهم
أو ألف دینار دیة أحدكم، وبه قال الحسن،
وقال سعيد بن جبير: هو مائة ألف ومائة من
ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم. ولقد
جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد
قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: هو
ثمانون ألفا وقال مجاهد: سبعون ألفا. وقال
السدي: هو أربعة آلاف مثقال.
والقول الثاني: إن القنطار ليس بمحدود.
وقال الربيع بن أنس: القنطار مال الكثير
بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه
حكي عن العرب أن القنطار وزن لا يحد،
وهو اختيار ابن جرير الطبري وغيره.
والأرض من مال.
وقال أبو نصرة: القنطار ملء مسك ثور
وقيل: المضاعفة لأن القناطير جمع
وأقله ثلاثة، والمقنطرة المضاعفة أن تكون
ستة أو تسعة، وقيل المقنطرة المسكوكة
المنقوشة من الذهب والفضة. إنما بدأ بهما
من بين سائر أصناف الأموال لأنهما قيم
الأشياء، وإنما كانا محبوبين لأن المالك
لهما مالك قادر على ما يريده، وهي صفة
كمال وهي محبوبة.
وقيل: سمي الذهب ذهبًا لأنه يذهب ولا
يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق.
﴿وَالْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل جمع لا
واحد له من لفظه كالقوم والرهط، سميت
الأفراس خيلا لاختيالها في مشيتها، وقيل:
لأن الخيل لا یر کبها أحد إلا وجد في نفسه
مخیلة عجبًا.
﴿وَاللّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَثَابِ﴾ أي:
المرجع، فيه إشارة إلى التزهيد في الدنيا
والترغيب في الآخرة.
وقيل: فيه إشارة إلى أن من أتاه الله
الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما
يكون فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة
وقال الحاكم القنطار ما بين السماء القصوى)) (١).
(١) لباب التأويل ٢٣١/١.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الفاء
الاستقامة على الفطرة
في هذا المبحث نجد بأن المفاهيم
تغيرت عن مفاهيم المبحث السابق
بخصوص الفطرة، فهناك تناولنا الانحراف
عن الفطرة: أسبابها، ونماذجها، وأثرها
في القرآن الكريم، أما هنا فنعالج وسائل
الاستقامة والمحافظة على الفطرة الإلهية
نقية طاهرة من الأدران، وأثر هذه الاستقامة
في بناء الإنسان مع بيان نماذج من وجوه
الاستقامة على الفطرة في العباد.
أولًا: وسائل الاستقامة على الفطرة:
على المسلم أن يحسن الظن بالناس،
ولا يستغرب وجود الاستقامة على الفطرة
فيهم؛ لأن «الفطرة السلامة والاستقامة)) (١).
و كذلك فإن الإيمان بالله سبحانه وتعالى
يوجب سلامة الفطرة الإنسانية وحسن
قصدها؛ ولكن هناك عدة وسائل للاستقامة
على الفطرة السليمة، تبدأ:
١. التربية الصالحة.
إن التربية الصالحة تنطلق من حسن
اختيار الزوجة الصالحة؛ لأن الزوجة
الصالحة تعد تربة طيبة لبذور صالحة، فإذا
وضعنا هذه البذور الصالحة في تربة صالحة،
نضمن بإذن الله تبارك وتعالى وجود ذرية
(١) التمهيد، ابن عبد البر ١٨/ ٧٠.
العضوي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
صالحة؛ ولذا لا نعجب من تركيز الإسلام
ممثلًا بخطابه القرآني على اختيار الزوجة
بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ
حَتَّى يُؤْمِنٌ وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوٍ
أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ
وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌمِنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَاَلْمَغْفِرَةِ
◌ِإِذْنِهِ، وَيُبَيْنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ
﴾ [البقرة: ٢٢١].
ونجد استمرار الحث على حسن اختيار
الزوجة في الخطاب النبوي الشريف؛ فقد
ورد ذلك في قول الرسول صلى الله عليه
وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها
وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت
يداك)(٢).
فهو يخاطب النفس الإنسانية بحسب ما
تفكر به، فالنفس ترغب بالمال والحسب
والجمال، وآخر شيء تفکر فیه الدین، ولكن
الرسول صلی الله علیه وسلم جعل الدین هو
المعيار فى الاختيار، وإن تآخر، فجعل الظفر
لا يكون إلا به بأسلوب التشكيل الاستعاري
في قوله: (تربت يداك) أي افتقرت، ثم بعد
ذلك يأتي دور التربية ابتداء من سن الطفولة
التي يقول علماء النفس وعلماء الاجتماع
عنها: إن السن السابعة هي السن المناسبة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب باب الأكفاء في الدين، ٧/٧، رقم
٥٠٩٠.
٣٥٤

الفطرة
لتربية الأطفال في البيت وفي المسجد أيضًا.
ويؤيد ذلك الحديث النبوي الشريف عن
عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن
جده، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا
بلغ عشر سنين فاضربوه عليها)(١).
ثم لا يزال يلزم الأب أن يتعاهد الذرية
تربية وإعدادًا وتجهيزًا وإصلاحًا حتى يأتي
سن العاشرة، فلابد من أن يزيد في أمره
لأولاده بالصلاة حتى يعيشوا مع الصالحين
في المساجد وإذا بلغ احدهم الحلم فلابد
أن یکون جاهزًا لیمیز المعیار الواضح بین
الكفر والإيمان.
فالأب مسؤول عن تربية أولاده، وإدامة
الفطرة السليمة فيهم بدلالة قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه
يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج
البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من
چدعاء)، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:
﴿فِطَرَتَ اَللَّهِ الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم:
٣٠](٢).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، ١٣٣/١، رقم
٤٩٤.
وصححه الألباني
في صحيح الجامع، ١٠٢١/٢، رقم ٥٨٦٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
فلا تترك الفطرة عرضة لهوى النفس،
فتضبط حاجاتها وغرائزها من الآباء ((فأخبر
أن أصل ولادتهم ونشأتهم على الفطرة،
وأن التهويد والتنصير والتمجيس طارئ
طرأ على الفطرة وعارضٌ عرض لها،
واقتضى هذا العارض الذي عرض للفطرة
أمورًا استلزمت ترتیب آثارها عليها بحسب
قوتها وضعفها، فالآلام المترتبة على ذلك
من جنس الآلام والعقوبات المترتبة على
خروج البدن عن صحته، وهو إنما خلق
على الصحة والاعتدال، فإذا استمر على
ذلك لم یعرض له المٌ.
وكذلك القلب فطر على الفطرة
الصحيحة، فلما عرض له الفساد ترتب على
ذلك العارض أثره من الآلام والعقوبات،
ولا ريب أن ذلك العارض ليس في أصل
الفطرة بحیث یستحیل زواله، بل هو ممکن
الزوال، والناس في زواله، فحين عاد إلى
موجب الفطرة أجاب الداعي من غير توقفٍ.
ومنهم من توقف لقوة العارض فاحتاج
مع الدعوة إلى موعظةٍ تتضمن ترهيبه
وترغيبه.
ومنهم من غلبت عليه المادة الفاسدة
فاحتاج مع ذلك إلى المجادلة.
ومنهم من كان العارض أشد من ذلك
باب باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى
عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام،
٩٤/٢، رقم ١٣٥٨.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الفاء
فعدل معه إلى الجلاد والمحاربة ونوع من
العقوبة، فأزال ذلك تلك المادة وأعاد الفطر
إلی صحتها.
ومنهم من كان فساد فطرته قد استحكم
وتمكن، فصار له بمنزلة الصفة الثابتة،
ولم یکن بدّ من أن يحتمي عنه لیزول ذلك
الخبث ويتخلص منه، ويعود على ما خلق
علیه أولًا؛ ولهذا لما خرج خبث الموحدين
من أهل الكبائر بسرعةٍ؛ تعجل خروجهم من
النار، وعاد إلى ما خلقوا علیه أولًا من کمال
النشأة وزوال موجب هذا العذاب، فلم يبق
لهم مصلحةٌ في التعذیب بعد ذلك.
وأما المشركون: فلما كان العارض
استحكم فيهم، وصار كالهيئة والصفة
استمروا في النار، تحمى عليهم أشد الحمو
لقوة ذلك الخبث)) (١).
٢. التمسك بالقرآن والسنة.
إن التمسك بالوحي هو أول أسباب
المحافظة على الفطرة ((فإن الفطرة -وهي
طريق صحيح ومصدر معتبر في ذلك-
قد يطرأ عليها ما يغشيها ويحرفها عن
صوابها، فتحتاج إلى ما يجلوها، ويصحح
مسارها، ويمنعها من الانحراف، وذلك
هو الوحي))القرآن والسنة)) الذي تكفل الله
تعالى بإنزاله هداية للناس ورحمة بهم» (٢).
من ذلك قول الله سبحانه وتعالى بعد
أن أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى
الأرض بعد أن وسوس الشيطان لهما فأكلا
من الشجرة: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَنْ تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٣٨].
أي: أي وقت وزمان جاءکم منئي - یا
معشر الثقلین - هدى، أي: رسول وكتاب
يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني،
ويدنيكم من رضائي، وفي موضع آخرٍ
نجد قوله تعالى: ﴿قَالَ أَهِْطَا مِنْهَا جَمِيعاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى
هُدَّى فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى
(١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣].
وقد رتب على هداه عدة أشياء: نفي
الخوف والحزن والفرق بينهما أن المكروه
إن كان قد مضی أحدث الحزن، وإن كان
منتظرًا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن أتبع
هداه، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن
التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن
اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو
الهدى والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
أما من ضل وكفر فتوعده الله بالعذاب
في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِعَايَتِنَّآ
أُوْلَكَ أَصْحَابُ النَّارِّ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
[البقرة: ٣٩].
(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢٥٧/١.
(٢) مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، د.عثمان
جوبيه
القرآن الكريمِ
جمعة ضميرية: ١ / ١٦٠.
٣٥٦

الفطرة
ملازمة الصاحب لصاحبه، والغریم لغريمه،
لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب،
ولا هم ينصرون (١).
ويطالعنا حديث نبوي شريف في السياق
نفسه فيه دلالة قاطعة على وجوب التمسك
بالله - عز وجل والخضوع له قول الرسول
صلى الله عليه وسلم: عن البراء بن عازب،
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا
أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة،
ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم
أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك،
وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا
ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت
بکتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت،
فإن مت من ليلتك، فأنت على الفطرة،
واجعلهن آخر ما تتكلم به). قال: فرددتها
على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما
بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت،
قلت: ورسولك، قال: (لا، ونبيك الذي
أرسلت)(٢).
إن من عواصم الفطرة من التغير
والانتكاسة لزوم شريعة الإسلام، وعدم
الحیدة عنها قليلا کان ذلك الحید أو کثیرًا؛
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب باب فضل من بات على الوضوء، ١/ ٥٨،
رقم ٢٤٧.
و(أصحاب النار) أي: الملازمون لها، فإن طريق النجاة في لزومها علمًا وعملًا،
ونظرية وتطبيقًا في الأمن والخوف، والسلم
والحرب، فالشريعة موضوعة لسير الناس
عليها بوصفها منهج حياة، وهي مستقيمة لا
تنحرف وواسعة لا تضيق، بدلالة قوله تبارك
وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ
فَأَتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَِّلِمِينَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ
١٩
[الجاثية: ١٨ - ١٩].
وَأَنْزَلْنَا
وقال الله سبحانه وتعالى:
إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ هُمْ عَمَّا جَآءََكَ مِنَ
اَلْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَّا
ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
جَمِيعًا فَيُكَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ()﴾
[المائدة: ٤٨].
إن إتباع شرع الله تعالى والتقيد بالمنهاج
الرباني، وترك ما سواه من السبل والمناهج
الجاهلية الإلحادية الخارجة عن الفطرة
السليمة التي أنكرت وجود إله قادر على
تدبير شئون عباده، أو أشركت معه غيره،
وقامت على مناهج عقلية وفلسفية قاصرة؟
لأن الكمال لله، وزعموا الاستغناء عن
خالقهم ومدبر شؤونهم فاستغنى الله عنهم.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الفاء
فجعلت الشيوعية شعارها (لا إله
والكون مادة)، ونفت بالكلية وجود الإله،
وتعتنق معظم الشعوب الرأسمالية عقيدة
التثليث والإيمان بثلاثة آلهة (الأب والابن
وروح القدس)، وتتخذ العلمانية منهج
حياة، أي تقر بوجود إله خالق للعباد ولكنه
عاجز عن تدبير شؤون عباده - حاشا لله،
وللأسف الشديد نجد کثیرًا من المجتمعات
الإسلامية التي تدعي الإسلام ادعاء تمارس
هذه المناهج وتتخذها منهج حياة.
لقد شرع الله عز وجل أفضل الشرائع،
وهدى الناس لأقوم السبل بدلالة قوله
تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَيِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ،
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )﴾
[الأنعام: ١٥٣ ].
ولا شك بأن الشريعة الإسلامية هي
وحدها الكفيلة بإصلاح الدين والدنيا،
وإسعاد الإنسان في الآخرة والأولى، وذلك
لما تنفرد به من العقيدة الصحيحة والشعائر
الجليلة والشريعة العادلة.
ونجد أن من أعرض عن هذه الشرعة
والمنهاج توعده الله بالعقوبة قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَِّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ) قَالَ
كَذَلِكَ أَنْتُكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى
in
وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَشْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ رَبِّهِ،ٌ
١٢٧:﴾ [طه: ١٢٤ -
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ
١٢٧].
ومن فطرة الإنسان أن يتبع ما يهديه
للحق، ويجلب له المصلحة، فمتى أبصر
طريقًا أيقن أو ظن بأنها موصلة إلى مقصود
لم يتركها إلى غيره، وقد أدرك السلف
الصالح بأن من الفطرة أن يلزم المسلم شرع
الله تعالی، ولا ینحرف عنه قيد أنملة، سواء
أکان ذلك الانحراف بسبب الجهل أم بداعي
التقصير، فمثلًا أداء الصلاة في وقتها من
الفطرة السليمة، والعقيدة الإسلامية تقضي
بأن توقيت العبادات من حقوق الله تعالى.
فجميع العبادات الزمانية والمكانية
كلها لله عز وجل والتقيد بوقتها مظهر من
مظاهر الفطرة. ويمكننا قياس ذلك على بقية
الشرائع التي جاء بها الإسلام، كالحدود
والمعاملات والمرافعات وغيرها، وهي
تنفع الناس، والله يعلم ما ينفعهم في الدنيا
والآخرة.
ودليل ذلك نجده في قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: ١٤].
«فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف
لا يعلمه؟)) (١).
٤. جهاد الشيطان.
إن الشيطان يلقي في القلوب من
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧٦.
٣٥٨
جَوَسُو
القرآن الكريم

الفطرة
الوساوس والخواطر الفاسدة ما لا يعلم والنبوة، وذكر شبهات المنكرين، وأجاب
عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين
والمحققين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ﴾ وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة
في سورة السجدة، والفرق بين الموضعين
أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة
ينزلون ويقولون ﴿أَلَّاتَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾
[فصلت: ٣٠].
خطورتها إلا الله تعالى، والمؤمن الموقن
هو من يدفع تلك الوساوس والوسائل
(الشيطانية) ويصون قلبه أن يدخله شيء من
تلك الوساوس والخواطر. وجهاد الشيطان
مرتبتان: إحداهما: الجهاد من خلال دفع
ما يلقى إلى العابد من الشبهات والريب
القادحة بالإيمان، والثانية: الجهاد المتمثل
في دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة
والشهوات، فإن الجهاد الأول يكون بعده
اليقين، والثاني يكون بعده الصبر (١).
وقال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَهُمْ أَيِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَاءَ
الصَّلَوْةِ وَإِنَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا عَيِدِينَ
[الأنبياء: ٧٣ ].
وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمِنَا
لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ
[السجدة: ٢٤].
ثانيًا: نماذج قرآنية في الاستقامة على
الفطرة
١. التوحيد والاستقامة :.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ فَلَاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
[الأحقاف: ١٣].
، ((اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد
(١) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ١٠.
وهاهنا رفع الواسطة من البين، وذكر أنه
﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فإذا
جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما
أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، وأن
الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضًا
من غير واسطةٍ، واعلم أن هذه الآيات دالةٌ
على أن من آمن بالله وعمل صالحا فإنهم
بعد الحشر لا ينالهم خوفٌ ولا حزنٌ، ولهذا
قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من
الأهوال)) (٢).
و (﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُوا﴾
جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة
العلم والاستقامة في الأمور التي هي منتهى
العمل، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل،
وتوقف اعتباره على التوحيد. فلا خوفٌ
علیهم من لحوق مكروه. ولا هم يحزنون
على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم
معنى الشرط ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/٢٨.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الفاء
١٤ ﴾ [الأحقاف: ١٤]. من
جَزَّآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
اكتساب الفضائل العلمية والعملية))(١).
٢. الإيمان والعمل الصالح.
إن للإيمان والعمل الصالح أثر في
الاستقامة على الفطرة في الخطاب القرآني؛
لذلك نجد اقترانهما في أغلب المواضع
القرآنية.
قال تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَثَّتٍ تَّجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ
رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ،
مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرٌَ وَهُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥].
و(«مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر
وعيد الكافرين المكذبين للرسول صلى
الله عليه وسلم ذكر وعد المؤمنين به،
فقال تعالى: ﴿وَبَشْرِ﴾ الآية، و((البشارة))
هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير
بشرة المخاطب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا
أخبر بما يسره استنار وجهه، وطابت نفسه،
وانشرح صدره؛ وقد تستعمل ((البشارة)) في
الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِرُهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
إما تهكمًا بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم
من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتسود
به وجوههم، وتظلم، كقوله تعالى في
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١١٣/٥.
عذابهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّصُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ.
مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩].
والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ﴾
إما للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أو لكل
من يتوجه إليه الخطاب. يعني بشر أيها
النبي؛ أو بشر أيها المخاطب من اتصفوا
بهذه الصفات بأن لهم جنات قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بما يجب الإيمان به
مما أخبر الله به، ورسوله.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم
أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته،
وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره
وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء
مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول،
وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان قوله تعالى:
﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي عملوا الأعمال
الصالحات. وهي الصادرة عن محبة،
وتعظيم لله - عز وجل المتضمنة للإخلاص
لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص
فیه فهو فاسد)) (٢).
إِنَّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيٌ
وقال تعالى:
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن
زَّيِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورتي
الفاتحة والبقرة ، ٩٠/١.
٣٦٠
صَوَسُو ◌َرُ النَّصِدْ
القرآن الكريمِ

الفطرة
مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًاً يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا
وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّا
اَلْفَسِقِينَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٦].
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَاتِ
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ
[البقرة: ٨٢].
٨٢
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
[البقرة: ٢٧٧ ].
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
اَلْضَلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الفَّلِمِينَ ﴾ [آل عمران: ٥٧].
٣. الإيمان والابتعاد عن سبل
الضلالة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [المائدة: ١٠٥].
((إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع
المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب
والترهيب لم ينتفعوا بشيءٍ منه بل بقوا
مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم
وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون
بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين
لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا
يضركم ضلالتهم وجهالتهم.
فلهذا قال: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيَّكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ ﴾
قوله ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي احفظوا
أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار
على الذنوب)) (١)
٠
٤. تلبية دعوة الله والرسول.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالى:
أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْيِهِ.
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤].
أن ((﴿أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾
على هذا المعنى كان هذا جاريًا مجرى
إيضاح الواضحات وأنه عبثٌ، فوجب حمله
على فائدةٍ زائدةٍ، وهي الوجوب صونًا لهذا
النص عن التعطيل، ويتأكد هذا بأن قوله
تعالى بعد ذلك ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ
جارٍ مجرى التهديد والوعيد، وذلك لا
يليق إلا بالإيجاب))(٢)، و((المعنى استجيبوا
للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي،
ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية)) (٣).
٥. اقامة الصلاة والإنفاق.
وقال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٤٨.
(٢) المصدر السابق ١٥ / ٤٧١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٩٣/٧.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الفاء
وَعَلَائِيَّةً مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ
[إبراهيم: ٣١].
٣١
«أي إن أهل مكة بدلوا نعمة الله بالكفر،
فقل لمن آمن وحقق عبوديته أن ﴿يُقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ ﴾ يعني الصلوات الخمس، أي
قل لهم أقيموا، والأمر معه شرطٌ مقدرٌ،
تقول: أطع الله يدخلك الجنة، أي إن أطعته
يدخلك الجنة، هذا قول الفراء)) (١)
وايقول تعالى آمرا عباده بطاعته والقيام
بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا
الصلاة، وهى عبادة الله وحده لا شريك
له، وإن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات
والنفقة على القرابات والإحسان إلى
الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة
على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها
وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق
في السر أي في الخفية والعلانية وهي
الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم
من قبل أن يأتي يومٌ وهو يوم القيامة لا بيعٌ
فيه ولا خلال أي ولا يقبل من أحدٍ فدیةٌ بأن
تباع نفسه» (٢).
٦. التقوى والقول السديد.
لقد قال تعالى في ذلك: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
[الأحزاب: ٧٠] ((يقول تعالى آمرًا عباده
(١) المصدر السابق ٣٦٦/٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ابن كثير ٤٣٨/٤.
جوبيع
القرآن الكريم
المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه
يراه، وأن يقولوا قولا سديدا أي مستقيمًا،
لا اعوجاج فیه ولا انحراف، ووعدهم أنهم
إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم
أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة،
وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع
منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، ثم
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير
إلى النعيم المقيم)) (٣).
و (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في
ارتكاب ما يكرهه فضلًا عما يؤذي رسوله.
﴿وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قاصدًا إلى الحق من
سد يسد سدادًا، والمراد النهى عن ضده
کحدیث زینب من غير قصد ﴿ يُصْلِحْلَكُمْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ يوفقكم للأعمال الصالحة، أو
يصلحها بالقبول والإثابة عليها. ﴿وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ويجعلها مكفرة باستقامتكم
في القول والعمل. ومن يطع الله ورسوله في
الأوامر والنواهي. فقد فاز فوزًا عظيمًا يعيش
في الدنيا حميدًا وفي الآخرة سعيد)) (٤).
ثالثًا: أثر الاستقامة على الفطرة:
إن التربية الإسلامية تسعى إلى تحقيق
غاية عظمى، تتمثل في استقامة النفس
(٣) المصدر السابق ٦/ ٤٣٠.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /٢٤٠.
٣٦٢

الفطرة
الإنسانية على نهج الإيمان الواضح
الصحيح الذي لا تشوبه شائبة؛ وذلك أمر لا
يمكن تحقيقه إلا بممارسة شرائع الإسلام
وإتباع تعاليمه، والانقياد لأوامره، والابتعاد
عن نواهيه؛ فالاستقامة إذن مرحلة ثانية
بعد الإيمان؛ لأنها أثر من آثاره، ونتيجة من
نتائجه، فهي بمثابة التربية النقية الضابطة
لكل متعلقات فطرة الله سبحانه وتعالى
تؤدي في المحصلة النهائية إلى تطهير القلب
والنية لترسم السلوك الإنساني.
فطهارة الخارج تدعو أولًا إلى طهارة
الداخل، وطهارة الإنسان الفرد مدعاة
لطهارة المجتمع عمومًا؛ لأنه صورة مصغرة
لهذا المجتمع، فالاستقامة على الفطرة تبني
إنسانًا مثاليًا کما أراده الله، وبخلافه نجد
إنسانًا تعلوه المعاصي وأوهام الدنيا وزينتها
الخداعة؛ لأنها زائلة ومتاعها غرور.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَحَابِ )﴾ [آل
عمران: ١٤].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ اَلْوْثِّ
وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ فَمَن
زُحْزِحَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا
الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلََّ مَتَعُ الْغُرُورِ
[آل
عمران: ١٨٥].
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفًاً وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء:
١٢٥].
فقد ((قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين
وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب
نبینا قبل نبیکم و کتابنا قبل کتابکم فنحن أولى
بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى
بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي
على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ
مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، ثم
أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم
من أهل الأديان)) (١).
وقد ورد عن سفيان بن عبد الله الثقفي،
قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام
قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك - وفي حديث
أبي أسامة غيرك - قال: (قل: آمنت بالله،
فاستقم) (٢).
فهذه الاستقامة الإيمانية لا تتحقق إلا من
خلال التفقه بالدين ومعرفة أموره، والاحاطة
بتعاليمه، ورعاية الأخلاق وتطبيقها في
الواقع، ليصبح بذلك قدوة صالحة وأسوة
(١) تفسير القرآن العظيم ابن كثير ٣٦٩/٢.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع
أوصاف الإسلام، ٦٥/١، رقم ٣٨.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الفاء
حسنة، ومن يتمتع بكل ما ذكرنا يحصل
على السعادة وعدم الحزن والبشرى بالجنة
بدلالة قوله مسلم تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَُّواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
[فصلت: ٣٠].
يقول تعالى في هذا السياق ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾ أي: أخلصوا
العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على
ما شرع الله من شريعة لهم ولم يشركوا به
شيئًا(١).
موضوعات ذات صلة:
الأسرة، الإسلام، الألوهية، التوحيد
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم ابن كثير ٧/ ١٦١.
٣٦٤
فَضْو
جُوَسُولَةُ النَّ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ