Indexed OCR Text
Pages 21-40
الفرح اْآَخِرَةِ إِلََّ مَتَحٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. إن في الدنيا أشياء مفرحة تغري بالإنسان، ويبش لها؛ ولكنها قليلة زائلة، يخالطها الكدر والشوائب، وهي لا شيء إذا ما قیست بما في الآخرة من نعیم مقیم یفرح، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن كتب الله الخلود على أهل الجنة، لماتوا فرحًا)(١). في الدنيا على حساب الآخرة، وما نعيم الدنيا إلا مجرد ذوق، كما أشارت الآيتان السابقتان ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ﴾(٢). وفي قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، نموذجان لفرح المؤمن وفرح الكافر: لقد فرح أهل سبأ بهديتهم التي حملت إلى سلیمان، وهي شيء تافه إذا ما قیست حتی بنعیم الدنيا، وقد ظنوا أن نبي الله سليمان مُرْسِلَة وَان سيفرح بالهدية كما فرحوا: ٣٥ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَآءُ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمُِّ ونَنِ يِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَآ ءَاتَنَّكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِّيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ [النمل: ٣٥-٣٦]. (١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب، ومن سورة مريم، ٣١٥/٥، رقم ٣١٥٦. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٢٥/٢، رقم ٧٩٩٨. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٥/٢٢ أجابهم سليمان عليه السلام: أنتم وحدكم الذين تفرحون بمثل هذه الأشياء، أما نحن، فإنا نفرح بما آتانا الله من إيمان؛ فهو مصدر الفرح الحق. فالفرح بالرحمة مأمور به، وفرحوا برحمة الله، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفا على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير إن فرح الكافر مذموم، حين حصره به، ولو أعطى الملك فقيرا غير ملتفت إليه رغيفًا أو زبدية طعام أيضًا يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بکون ذلك رغيفًا وزبدیة (٣). إن الفرق ظاهر بين حال الكافر في فرحه وحال المؤمن، فارتباط فرح الكافر بالنعمة ذاتها یفسر عدم توازنه؛ لأنه يفرح بها فرح البطر إذا أقبلت، ويحزن حزنًا شديدًا إذا فقدها؛ لافتقاره للضابط المكتسب، الذي یکبح انفعالاته. أما المؤمن، فإنه حين ترتبط النعمة عنده بالله تعالى؛ فإنه يفرح بها فرح المقر بفضل الله الوهاب لها، فلا يبطر؛ لأن المعطي فوقه يرقب فعله، وإن نزعت منه النعمة، أو فاته الحصول عليها يصبر؛ لاعتقاده أن ما حصل کان بقضاء الله وقدره، وقد تعود إليه، ويظفر بها مرة أخرى ما دام أمرها بيد الله تعالی. هذا التوازن هو الذي يفتقر إليه الكافر؛ (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٠١. www. modoee.com ٢٢٣ حرف الفاء إعجابًا منه بما هو عليه، وتجاهلًا لأي صوت آخر؛ ولهذا كان فرحه فيما لا ينبغي، وعلى الوجه الذي لا ينبغي. إن هذا المسلك الذي ارتضاه الكافرون أغرى بهم، فجعلهم يعرضون عن دعوة الرسل فرحًا بما عندهم وقناعةً به، وزهدًا بما وراءه، ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [غافر: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوْ أَقْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرَاً [المؤمنون: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَمِحُونَ )﴾ ٥٣]. ويلحظ في الآية قوله تعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُمْ﴾، وفي الآية الثانية ﴿يِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فهذا الذي يفرحون به من بدعهم هم، أو مما توارثوه واعتادوا عليه، وهو لا يغني من الحق شيئا، أما المؤمنون فإنهم يفرحون بما جاءهم من عند الله؛ فهو الرحمة والشفاء. ناسب أن يأتي بعد قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِغَمْرَتِهِمْ حَّ بِينٍ (٦)﴾ [المؤمنون:٥٤]. وذلك تمثيل لحال اشتغالهم بما هم فيه من الازدهار وترف العيش، عن التدبر فيما يدعوهم إليه الرسول لينجيهم من العقاب بحال قوم غمرهم الماء، فأوشكوا على الغرق، وهم يحسبون أنهم يسبحون(١). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨/ ٧٣. فأبواب التيه والخسران في الدنيا والآخرة فتحت على الكافرين، و کان سببها الفرح الباطل المذموم. ٤. فرح المترفين. إن فرح المترفین أمثال قارون ومن على شاكلته، جعله نموذجًا لكل المترفين أمثاله، الذين صدر منهم الفرح المذموم؛ فقارون من اليهود الذين عرف عنهم حب المال وعبادته، وتقديم الفرح به على كل شيء. فعن قتادة قوله: «كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولکن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله))(٢). وفي القرآن الكريم إشارة إلى كفر قارون، منها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَا يَئِنَا وَسُلْطَنِ مُبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ [غافر: ٢٣- ٢٤]. فکفر قارون ظاهرٌ، لا إشکال فیه. يبدو من خلال المحاورة بين قارون وقومه أنه كان مؤمناً، كقولهم له: ﴿وَابْتَغْ فِيمَآ ءَتَنْكَ اَللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ الَّهُإِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ()﴾ [القصص: ٧٧]. فقارون تنقل بسبب فرحه ومرحه من (٢) انظر: فسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٣/٦. جَوْسُو ◌َرَ التفسير القرآن الكريمِ ٢٢٤ الفرح حالة إلى أخرى أسوأ منها، وهذا من آثار على ما أعطاهم (٣). الفرح المذموم، الذي يستدرج صاحبه، ویغري به حتی یورده النار. إن ترف قارون ومرحه جعله أنموذجًا لكل أصناف الفرح المذموم؛ فقارون عرف عنه حب المال وعبادته، وتقدیم الفرح به على كل شيء. وقد كان من بني إسرائيل، قوم موسی، فآتاه الله تعالی مالًا کثیرًا، فرح به فرحًا جعله يتجاوز الحد، فتطاول على قومه، وأعرض عن الاعتراف بفضل الله، وتجاهل الحقوق الواجبة عليه، فاستحق بذلك ما استحق (١). فقارون بغى على قومه، وانحاز إلى فرعون، فاستدرجه الله تعالى بأن آتاه مالًا کثیرًا، فلما فتن به وفرح، أهلكه الله. فالفرح أمر قد وقع، فالمعنی: لا يظهر علیهم بر کته، ولا یعمهم رحمته. ولما نھوه عن الفرح المطغى، أمروه بأن يطلب، فيما آتاه الله من الكنوز وسعة الرزق، ثواب الدار الآخرة، بأن يفعل فيه أفعال البر، وتجعله زادك إلى الآخرة(٢). ونقل الطبري عن ابن عباس: الفرحين: المرحين، وعن مجاهد: المتبذخین، الأشرين، البطرين الذين لا يشكرون الله (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب ٣٨٣/١٠. (٢) انظر: البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٣٢٥/٨، إن أصحاب الفرح الباطل فتنةٌ لغيرهم من الناس، بخاصة أولئك الذين تعلقت نفوسهم بالدنيا ومتاعها، فكانوا بحاجة إلى تقريع يعيد لهم صوابهم، وهو ما قامت به الفئة المؤمنة، التي تستحق الوصف بالوصف المتقدم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ [القصص: ٨٠]. كان هلاك قارون مؤذنًا بأن الترف لا ينجي من عذاب الله تعالى، وكان في هلاکه وعید شدید، لمن هم على شاكلته من المترفين المنحرفين، وتسلية للمؤمنين. فالفرح المذموم له آثارٌ سلبية، فهو يجعل صاحبه يسيء الظن بالله؛ لأنه يخشى أن ينزع الله منه الأشياء المفرحة، والفرح المذموم - الذي لا ضابط له - يؤدي إلى حزن مذموم لا ضوابط له عند فوات نعمة، أو حصول نقمة، وهذا الشعور يفضي إلى التسخط، وعدم الرضا بالقضاء والقدر؛ وهذا هو الخسران بعينه. والفرح المذموم يلهي عن شكر المنعم؛ لانشغال صاحبه بالفرح وآثاره المتمثلة بالمرح بأنواعه، ولاعتقاده بأن لا فضل لأحد علیه، ولقد قالها قارون من قبل حین دعي إلى الشكر: ﴿إِنَّمَا أُوِيِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ [القصص: ٧٨]. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦٢٣. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الفاء إن عدم الشکر سبب مباشر لنزع النعم، ولعذاب الله ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ومن آثار الفرح المذموم الركون إلى الدنيا، والرضا بها، والحرص عليها؛ خشية أن يفوته بعض ما فيها من وسائل الفرح ودواعیه، وهذا یشغلہ - ولا شك - عن الآخرة والعمل لها. يورث الفرح المذموم صاحبه العجب؛ بسبب حصوله على ما يفرح، والعجب مدعاة للاستهزاء بالآخرين، والبغي عليهم، كما فعل قارون. ثالثًا: الفرح المباح: الفرح لا تكاد تخلو منه نفس بشرية؛ فإنها تفرح، وتبدي سرورها ورضاها، حین تباشر ما من شأنه أن يفرحها في العادة، على اختلاف في الأشياء المفرحة بين إنسان وآخر، فقد يطير إنسان ما فرحًا بشيء، لا يحرك هذا الشيء نفسه ساكنًا عند آخر، ولا عجب، فإن المفرحات أشياء مكتسبة، بخلاف الفرح نفسه، هذا مع الإقرار بوجود أشياء يفرح عامة الناس بها؛ كالمال، والنجاح، والحياة، والتميز، وما شابه ذلك. إن الفرح مباح، معفو عنه؛ كونه انفعالًا، ما لم يطرأ عليه مؤثر خارجي يحيله إلى فرح محمود، أو مذموم، ومن هنا وجه الشرع عنايته إلى تهذيب الفرح وضبطه. إن المسلم أولى الناس بهذا الفرح؛ فإن فيه إظهارًا لنعمة الله تعالى عليه، وانسجامًا مع طبيعة النفس السوية. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك ضحك الفرح عندما يرى ما يسره، وكان يضحك مما يضحك الناس، وكان يتعجب مما يتعجب من مثله، ويستغرب وقوعه (١). فلما قدم جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه من الحبشة إلى المدينة، يوم أن فتح الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر، فتلقاه الرسول صلی الله علیه وسلم وقبل جبهته، وقال: (والله ما أدري بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)(٢). فالرسول صلى الله عليه وسلم يفرح، ويسعى؛ ليفرح أصحابه معه، فقد جاء في حدیث الدجال قوله صلى الله عليه وسلم: (لكن تميمًا أتاني، فأخبرني خبرًا منعني القيلولة؛ من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم) (٣). (١) انظر: زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم ١ / ١٧٥. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، ٢/ ٦٨١، رقم ٤٢٤٩. (٣) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج، ومأجوج ٢/ ١٣٥٤ رقم ٤٠٧٤. وصححه الألباني ٢٢٦ جَوَسُو القرآن الكريمِ الفرح وكان الصحابة الكرام إذا رأوا الغيم، فرحوا (١)؛ استبشارًا بنزول المطر وإنبات الأرض، وما يتبع ذلك من خيرات تتمناها النفس، وتفرح بها. إن توبيخ الله تعالى للكافرين بقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِ﴾ [غافر: ٧٥]- دليلٌ على أن الفرح بالحق ممکن أن یکون محمودًا أو مباحًا جائزًا. فالفرح المباح قد يشتد، فيوقع صاحبه في أخطاء غير مقصودة، في أثناء تعبيره عن هذا الفرح، أي: تجاوز الصواب، وهو قول العبد الذي أضل راحلته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)(٢)؛ فلما اشتد عليه الفرح منع صاحبه من إدراك البدیھیات، فضلًا عن غيرها. في صحیح الجامع، ٤٩١/١، رقم ٢٥٠٨. (١) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (فلما رأوه عارضًا مستقبل أو ديتهم)، ٦/ ١٣٣، رقم ٤٨٢٨. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، بابٌ في الحض على التوبة والفرح بها، ٢١٠٤/٤، رقم ٢٧٤٧. دوافع الفرح راعي الإسلام طبيعة الفطرة الإنسانية: فنجد أن هناك فرحًا مشروعًا شاملًا لجميع حاجات ودوافع الإنسان التي تتطلبها جوانبه المختلفة مثل (الروح، والعقل، والجسد) مما يدل على أن من خصائصه العموم والشمول ومراعاة الفطرة. لقد خلق الله الإنسان من طين، ونفخ فيه من روحه، وجعل لكل من الجسد والروح مطالبه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيُرُ ١٤ ﴾ [الملك: ١٤]. والإنسان نفس ومزاج وأعصاب وإحساس، وهي وإن لم تكن ظاهرة إلا أن لها الدور الأعظم في صحة الجسد، وانتشاله من كثير من الأمراض، ولو تأمل الإنسان القرآن العظيم الذي ما فرط في شيء، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ رِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. فالقرآن ذكر أمورًا وأشياء تدخل السعادة علی النفس، إضافة إلى أمور أخرى تنبع من داخل النفس والذات الإنسانية. وهذه الدوافع على أنواع نتناولها في النقاط الآتية: أولًا: دوافع فكرية: الفرح من الانفعالات الإنسانية الفطرية التي لابد أن تنتاب كل أحد منا في فترة من www. modoee.com ٢٢٧ حرف الفاء الفترات، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُهُوَ أَضْحَكَ وَأَتَگئ ﴾ [النجم : ٤٣]. لقد بين لنا القرآن الكريم المنهج السليم الذي يجب أن يقوم عليه الفرح لدى الفرد، فالفرح أمر نسبي يتوقف على أهداف الإنسان في الحياة، فمن كان هدفه الحصول على شيء من متاع الدنيا فقط وهذا حال الكثيرين ومنهم الكفار، كان نجاحه في تحقیق أهدافه باعثا على فرحه وسروره قال تعالى: ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَةِ الدُّنْيَا وَمَا ◌َلْوَةُ الدُّنْيَافِ اْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَحٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. وهذا النوع لا ينعم في الواقع بالحياة السعيدة المطمئنة المستقرة، فإذا أنعم الله عليه بنعمة الصحة وسعة الرزق ووفرة المال شعر بالفرح والسعادة، وإذا ما أصابه ضرر أو بلاء وفقد بعض النعم التي كان يتمتع بها أو عجز عن تحقيق هدف يأمل به تملكه الاكتئاب واليأس والاضطراب وجحد بالنعم الأخرى (١). والدوافع الفكرية تنقسم إلى قسمين: دوافع فكرية حسية. وتأثير اللون في حياة البشر اليومية لا دوافع فكرية غير حسية. وهذا ما سيتم الحديث عنه في النقاط يخفى على أحد، فهناك ألوان تبعث السرور في النفس، وتشيع السعادة في حياة الفرد، ومنها ما ينفر منه المرء، وتشعره بالكآبة الآتية: ١ . دوافع فكرية حسية. الدوافع الفكرية الحسية الخارجية (١) انظر: القرآن وعلم النفس، نجاتي ص٨٦. للفرح، مثل: النظر في الألوان. قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. [البقرة: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَاْ وَمِنَ اَلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيِضٌ وَحُمْوٌ تُخْتَلِفٌ أَلْوَتُهَا وَغَابِيبُ سُودٌّ ﴾ [فاطر: ٢٧]]. ﴿ يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَتَخْشُرُ وقال تعالى: [طه: ١٠٢] وقال الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُّقًا () تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ﴾ [يس: ٨٠]. ٨٠ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ فَ ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ وقال سبحانه يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَغْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ ﴾﴾ [البقرة: ٦٩]. من دوافع الفرح الفكرية النظر إلى الألوان لما لها التأثير على فرح لإنسان، فهي تعالج النفس، وتعدل الطبع والمزاج، وتسمو بالأرواح، وتغذي الأعصاب وتفيد الإحساس بالراحة (٢) . (٢) انظر: مجلة العلم عدد ٢٨١، فبراير ٢٠٠٠، ص ٢٢. ٢٢٨ مَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريمِ الفرح والملل والاضطراب النفسي، وهناك ألوان الجنة أشد بياضا من اللبن)) (٢). ترفع معنويات الفرد، وأخرى تثبطها، ومنها ما يوحي بدفء المشاعر، ومنها ما يوحي ببرودها وجمودها. وذكر القرآن الكريم في مواضع عديدة الألوان وهي: الأبيض والأخضر والأصفر والأحمر والأسود واللون الأزرق. [آل فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُّرُونَ فاللون الأبيض، ذكر للصفاء، والقلوب الطيبة التي لا تخفی أضغانا، کالمرآة تعکس ما يقع عليها، لذا كان علامة على وجوه أهل السعادة يوم القيامة، وهو لون شرابهم وكؤوسهم وأنهارهم، ولون نسائهم، هو اللون العاكس لحال السعداء. قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينِم ٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ ﴾ [الصافات: ٤٥- ٤٦]. ﴿بَيْضَآءَ﴾ مثل قوله تعالى: قوله: ﴿قَوَارِيرً مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا نَقْدِيرً ﴾ [الإنسان: ١٦] أي: قوارير كأنها في بياضها من فضة، فهن إضاءات صافيات الغلائل فيها أنها في طيب الرائحة وسطوعها، وأرجها كأرج المسك والكافور(١). قال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ ((أي خمر جارية ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ قال الحسن خمر (١) انظر: الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي ٢٩٣/١. وأما اللون الأسود: ورد ذكره في القرآن الكريم في جزاء الفرح المذموم، وحال الكفار في عرصات يوم القيامة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَنْيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَةُ وُجُو فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ عمران: ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِ ﴾ [الزمر: ٦٠]. ٦٠ جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْمُتَكَِّنَ فللون الأسود في تلك الآيات الكريمة، لون الحزن والهم والغم والكآبة في الدنيا، وكذلك هو لون جهنم، كما في حديث أبي هريرة قال: (أوقد على النار ألف سنةٍ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنةٍ حتی ابیضت، ثم أوقد عليها ألف سنةٍ حتى اسودت فهي سوداء مظلمةٌ)(٣). وأما اللون الأزرق: قال تعالى ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا (١)﴾ [طه: ١٠٢]. يقول أبوالسعود: ((يحشر المجرمون (٢) معاني القرآن، أبو جعفر النحاس ٢٤/٦. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة جهنم عن رسول الله صلی الله عليه وسلم، ٧١٠/٤، رقم ٢٥٩١. وصحح الترمذي وقفه على أبي هريرة. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ٣/ ٤٧٠، رقم ١٣٠٥. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الفاء زرقًا أي: حال كونهم زرق العيون وإنما ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاوِ مَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب فإن الروم الذين كانوا أعدى عدوهم زرقٌ ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد وأصهب السبال وأزرق العين أو عميًا لأن حدقة الأعمى تزرق»(١). بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُنْ أَنْ تُنِبِتُواْ شَجَرَهَاْ أََِهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [النمل: ٦٠]: ((حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة، ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية، وتأمل يأتي اللون الأخضر في الجمال في المرتبة الثانية فقبله الأبيض ثم الأخضر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَأَخَجْنَا بِهِ نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩]. هذه البهجة والجمال الناضر والحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب، وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب، وأن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر، وأن تموج الألوان، وتداخل الخطوط، وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها وعند العرب الأخضر يطلق على كل جميل فيقال: الأخاضر للذهب واللحم ويكنى عن المرأة السوداء بالخضراء تفائلًا، وكذا عن الحسناء. عبقرية الفن في القديم والحديث، فضلًا عن معجزة الحياة النامية في الشجر وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر)) (٢). وقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ [يس: ٨٠]. ٨٠ واللون الأخضر لون النباتات والزروع التي نشاهدها يوميًا والتي تدخل على النفس كثيرًا من البهجة والسرور، ولون الخضرة يقوي النظر ويزيد في حاسة البصر، وسبب ذلك فيما يقوله أهل الطب أن الأخضر یجمع الروح الباصر جمعًا رفيقًا مستلذًا غير عنیف. يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤١/٦. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ وأما اللون الأصفر: قال تعالى: ﴿قَالُوا أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ. يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَغْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ ﴾ [البقرة: ٦٩]. طلبوا من موسى عليه السلام زيادة في التعنت وكثرة السؤلات وصفًا آخر لهذه البقرة التي أمروا بذبحها، فقالوا: ﴿اَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ فأجابهم الله (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٥٦/٥. ٢٣٠ الفرح تعالى على لسان موسى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ﴾ أي صفراء اللون: وهذا أجمل لون؛ كشعاع الشمس الذهبي عند الغروب. قال ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض وقوله: ﴿تَسُرُّ اَلنَّظِرِينَ﴾: أي: تعجبهم من حسن منظرها وجمال لونها (١). قال ابن عباس: ((من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله تعالى: ﴿قَسُرُ اَلنَّظِرِينَ﴾))(٢). قيل: ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ شديد الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، وقيل: صافية اللون، وهي تسر الناظرين، لأنك إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها (٤). وأما الدافع الفكري الثاني للفرح هو الحلي والأحجار الكريمة. فقد تعددت الآيات الكريمة التي تحدثت عن تحلي المؤمنين يوم القيامة بألوان الحلي (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٤/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١٣٨/١. (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٠١٦٤/٢ (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١١٥/١. المختلفة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، إضافةً إلى الآيات التي أكدت على كون الذهب والفضة من شهوات الحياة الدنيا المحببة إلى النفس، والتي تدخل الفرح في من اقتناها. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَاَلْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]. الذهب مؤنث، ولذلك يصغر على ذهيبة، ويجمع على أذهاب وذهوب، واشتقاقه من الذهاب، ويقال: رجل ذهب يقول الكسائي: فقع لونها إذا خلصت صفرته وعن كون اللون الأصفر باعثًا بكسر الهاء- رأى معدن الذهب فدهش و ((الفضة)) تجمع على فضض، واشتقاقها من للسرور (٣). انفض إذا تفرق(٥). قال القرطبي: ((والذهب مكيالٌ لأهل اليمن، قال: واشتقاق الذهب والفضة، يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود)»(٦). والذهب والفضة: إنما كانا محبوبين يبعثان على الفرح لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء(٧) . (٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب، بن عادل ٧٦/٥. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢/٤ (٧) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٧٦/٥. www. modoee.com ٢٣١ حرف الفاء وأما الأحجار الكريمة فقد ذكرت في والنفسية. أكثر من موضع في القرآن الكريم، على سبيل وصفها مصدرًا للجمال، ومصدرًا للفرح، وعلى أنها باعثة على البهجة والانشراح والمتعة. قال تعالى واصفًا الحور العين في الجنة: [الرحمن: كَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ ٥٨]. أي: کأنهن یشبهن الياقوت والمرجان في صفائهن وحمرتهن قال قتادة: كأنهن في صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكًا ثم نظرت إليه لرأيته من ورائه(١). وقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الكُلُِّالْمَكْتُنِ ﴾ [الواقعة: ٢٣]. جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُواْ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [فاطر: ٣٣]. الأساور: جمع أسورة التي هي جمع سوار فالأساور جمع الجمع، وهي حلية تلبسها النساء الآن في معاصمها، ولؤلؤًا هو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف(٢). ترتبط الأحجار الكريمة في أذهان الناس بالفرح والجمال، ويعتقد البعض أن لها أثرًا علاجيًا في العديد من الأمراض الجسدية (١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢٨٣/٣. (٢) انظر: التفسير الواضح، الحجازي ٢/ ٥٦٧. ٢. دوافع فكرية غير حسية. الدوافع الفكرية غير الحسية للفرح، مثل: الفرح بما عند الإنسان الجاهل من العلم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣]. بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ أخبر الله تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل، وماذا حل بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئا، ولا رد عنهم ذرة من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قبل لهم به (٣). فحين جاءتهم الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة والزراعة، واغتروا بتلك القشور التي كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شيء من العلم الديني، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ١٦٠. ٢٣٢ القرآن الكريمِ الفرح العبادة لله، واعتقدوا- لغبائهم- وانطماس والسعادة الحقة ذلك الذي يكون نتاج بصائرهم- أنه لا علم أنفع من علومهم العمل الصالح. وأن تمسك الإنسان ففرحوا بها (١). ذكر الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ قال فيه وجوه: الأول: أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم في قوله تعالى: ﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ﴾ [النمل: ٦٦]. وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب. والثاني: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. والثالث: فرحوا بعلمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْأَخِرَوَهُمْ غَفِلُونَ ﴾[الروم: ٧]. فلما جاءهم الرسل بعلوم الدیانات، لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به (٢). ثانيًا: دوافع نفسية: لقد بين القرآن أن الفرح والسرور (١) التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ٣١٧/١٢. (٢) الكشاف ٤/ ١٨٢. بالإيمان والتقوى والعمل الصالح هو السبيل للحصول على السعادة في الحياة الآخرة والأمن والطمأنينة والسرور والفرح الدائم. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرِ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) [النحل: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَّكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِنْ زَيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَّى ٠٠٠,٪ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِه ورَحَمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: ٥٧-٥٨]. كثيرًا ما نسمع من يقول عن شخص ما: نكدي، وآخر مرح، فلو ملك الأول المال والعقار وحصل الوضع الاجتماعي المناسب. هل يتغير طبعه، ولو تعرض الثاني لمتاعب الزمان هل يتغير طبعه؟ أم الفرح يورث كالمال تمامًا! فالقرآن الكريم وضح أن الفرح والشقاوة تورث كالصفات والأخلاق والأحاسيس والتدين والكفر كما تورث الصفات الحسية من طول أو قصر أو لون بشرة أو لون شعر؛ لنرى. قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُحُ رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى www. modoee.com ٢٣٣ حرف الفاء اَلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ ٢٧ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْ إِلََّ فَاجِرً كَفَّارًا [نوح: ٢٦ -٢٧]. لو تأملنا في قوله تعالى الآية الكريمة ﴿وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ نجدها تشير إلى أن الكفار يضلون غيرهم من عباد الله، إضافة إلى أنهم يلدون الفجار الكفار أمثالهم. فقد أشارت الآية أن مواليدهم الخارجة من بطون أمهاتهم فجارًا كفارًا، فجرهم و کفرهم معهم مصاحبًا لهم، موروثًا عن آبائهم وأجدادهم يسري في عروقهم لا ینفك عنهم، بل هو من أصل خلقتهم كلون بشرتهم، أو عیونھم أو هيئة شعرهم لذلك لا خیر فیهم، ولا يستحقون البقاء الذي لا ينتج إلا أمثالهم، فلا بد من استئصال بذور الشر التى فقدت الغاية من سبب وجودها على هذه الأرض. وجاء في الأمثال «تكاد المرأة أن تلد أخاها)» دليلٌ على توارث الصفات الخلقية. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: للرجل الذي سأل عن غلامه الذي ولد أسودًا، فقال له: (هل لك من إبل. قال: نعم، قال: ما ألوانها. قال: حمر، قال: هل فيها من أورق قال: نعم، قال: فأنى ذلك. قال: لعله نزعه عرق، قال: فلعل ابنك هذا نزعة)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، جوسين القرآن الكريم وعن مريم عليها السلام نجد القرآن الكريم يصفها بحسن المنبت قال تعالى: فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. وفي هذا يقول الإمام علي: ((إذا كرم أصل الرجل كرم مغيبه ومحضره)» (٢) أي: من كان ينتمي إلى نسب عريق في الفضائل. فالفرح: يشمل كل ألوان الخير والراحة والرفاه والبركة. والشقاء: يشمل جميع صنوف القلق والضيق والشدة. وجينات يرثها الإنسان بتقدير الله وإرادته مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا أو أربعين ليلةً ثم يكون علقةً مثله ثم یکون مضغةً مثله ثم ببعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلماتٍ فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أم سعيدٌ ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما یکون بينها وبينه إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب باب إذا عرض بنفي الولد، ٥٣/٧، رقم ٥٣٠٥. (٢) انظر: غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي ص ١٤٤ ٢٣٤ الفرح فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)(١). وعن سعد ابن أبي وقاصٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق)(٢). مما سبق يتبين أن الصفات التي لها قابلية الانتقال من الآباء إلى الأبناء عديدة مثل لون البشرة والعين والشعر، وكذلك السجايا الخلقية والصفات الحميدة كالشجاعة والكرم والبشاشة والتفاؤل، أو الرذيلة كالكفر والفجور والكآبة والشقاء والتشاؤم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين)، ٩/ ١٣٥، رقم ٧٤٥٤. (٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٩/ ٣٤٠، رقم ٤٠٣٢. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٢٨٢. أساليب القرآن في الحديث عن الفرح أولًا: الحديث عن الفرح الممدوح: القرآن الكريم سيبقى المعجزة الخالدة الدائمة في اللفظ والمضمون والأسلوب، فقد كانت معجزات الأنبياء السابقين متفوقةً عاليةً على تحديات عصورهم وأممهم. أما القرآن فهو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين، الخالدة الباقية على البشرية وعلى العالمين على مر العصور والدهور. فأساليب القرآن الكريم في عرض الفرح، تعد عنايةً فائقةً بتنوع أساليب النصوص القرآنية وتدبرها وتأملها، واستنباط الأسلوب الذي يسري في نسقها، وجوانب الجمال الذي تتسم به. ١. الأسلوب القصصي. فأشار القرآن الكريم إلى أن القصص القرآنية وسيلةٌ من الوسائل الكثيرة إلى تحقيق الهدف الأصيل، والعناصر في القصة القرآنية تابعةٌ للهدف منها، وللعبرة التي سیقت من أجلها. وقصة فرح قريش بنصر فارس على الروم وفرح أصحاب رسول الله صلى الله علیه وسلم بنصر الله. قال تعالى: ﴿الَّ ) عُلِبَتِ الرُّومُ ) فِيِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ www. modoee.com ٢٣٥ حرف الفاء فِي بِضْعِ سِنِينٌَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَّيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ )) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [الروم: ١ -٥]. ٢. الأسلوب المباشر والأسلوب غير المباشر. عرض القرآن الكريم الفرح بالأساليب المباشرة وغير مباشرة فمن الأساليب المباشرة فرح المؤمنین بما من الله عليهم من الهداية ومعرفة الحق. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]. ومن الأساليب غير مباشرة فرح مؤمني أهل الكتاب، کعبدالله بن سلام بما أنزل علی النبي صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. فقد ذكر الله تعالى فرح الذين آتيناهم الكتاب ولم يذكر من هم بالأسلوب المباشر إنما کنی عنهم. والأسلوب غير المباشر هو ذكر الشيء بذکر لوازمه، للتعبير عن المعنى، وهي باب من أبواب المجاز، وقد استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أبي الجهم حين استشارته فاطمة بنت قيس في خطبة أبي الجهم لها؟ فقال صلى الله عليه وسلم عنه: (أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه)(١)، كناية عن کثرة ضربه للنساء. ٣. أسلوب الوعد. وهو فرح المؤمنين في الجنة بما أكرمهم الله به من الرضوان والنعيم المقيم. قال تعالى: ﴿فَرِحِينَبِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. ١٧٠ وقال سبحانه: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبُرُونَ (١٠) ﴾ [الزخرف: ٧٠]. فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وقال تعالى: وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ [الروم: ١٥]. ٤. أسلوب الترغيب. القرآن الكريم ربى الأمة الإسلامية من خلال الترغيب في ثواب الله وجنته ورضوانه، رباهم على التخلص من الشح، وأن ينفقوا في سبيل الله، ويؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن خلال الترهيب من غضب الله وعذابه، رباهم على التخلص من شهواتهم، وقد سلك في آياته أساليب متعددةً لتحقيق أهدافه، واتخذ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، ١١١٤/٢، رقم ١٤٨٠. مَوَسُولَةُ النَّسِية القرآن الكريمِ ٢٣٦ الفرح وسائل متنوعةً للوصول إلى غاياته. ومن اساليب الترغيب، قوله تعالى: ﴿ُلّ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يُجْمَعُونَ [يونس: ٥٨]. ففضل الله ورحمته: القرآن والإيمان، من فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه، ووضع الفرح في غير موضعه (١). والفرح الإيماني هو فرح أهل الإيمان بما بعث الله به رسوله من الهدى والحق، كما قال تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦]. وهذا الفرح يعد من أعمال القلوب المطلوبة، ومن أعظم مقامات الإيمان. يقول ابن تيمية: ((أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦])) (٢). ومما يدخل في هذا الفرح فرح المؤمن بالطاعة إذا عملها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن)(٣). (١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/ ٤٩. (٢) المصدر السابق. وصححه الألباني في صحيح الجامع، والمتأمل في الشريعة يرى أنها ربطت الفرح بالطاعات، فكان عيد الفطر بعد الفراغ من صيام رمضان وقيامه، وكان عيد الأضحى عقب أداء مناسك الحج. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنةٌ، وللصائم فرحتان: فرحةٌ حین یفطر، وفرحةٌ حین یلقی ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ربح المسك)(٤). ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن هذا الفرح: ((وهذا فرح محمود غير مذموم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ (١) [يونس: ٥٨]. ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن، وهو يحب من عبده أن يفرح بذلك ويسر به، بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها، وأن يسر بها، وهو في الحقیقة فرح بفضل الله حیث وفقه الله لها، وأعانه عليها، ويسرها له، ففي الحقيقة إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته. ومن أعظم مقامات الإيمان الفرح ١/ ١٦٤، رقم ٦٠٠. (٣) أخرجه أحمد فى مسنده، ٤٧٩/٣٦، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام ٢٢١٦٦. الله)، ٩/ ١٤٣، رقم ٧٤٩٢. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الفاء بالله، والسرور به، فیفرح به إذ هو عبده ومحبه، ويفرح به سبحانه ربًا وإلها ومنعمًا ومربیًا))(١). ثانيًا: الحديث عن الفرح المذموم: ١. الأسلوب القصصي. ﴿﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ قال تعالى: مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمَّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ. لَنَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: ٧٦]. هذه هي قصة المال والغرور بالعلم وكيف كان مآلهما بعد قصة الملك والسلطان و کیف کانت نهایتهما. قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم مع أنه منهم، وعاش معهم ولكنه لم يرع لذلك کله حرمة أو جوارا، وبغی علیھم حتى جمع ذلك المال الوفير، وبغى عليهم بتكبره وطغیانه وظلمه لهم. وآتاه الله من الأموال المنقولة والثابتة ما إن علمه والإحاطة به والمحافظة عليه لتنوء به العصبة من أولى العلم والقوة وكان قارون من قوم موسى، وكان ذا مال وفير، فقال له الصالحون من قومه لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنیا، وأحسن کما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. (١) مدارج السالكين، ابن القيم ١١١/٣. جَوْبُو حَرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ لا تفرح بدنياك فرحا مصحوبا بالبطر والأشر، والفتنة والغرور فالدنيا عرض زائل، وعارية مستردة پربح فيها من عرفها، ويخسر من اغتر بها لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاکم. إن الله لا یحب الفرحین. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة نعم فالدنيا طريق الآخرة، هي المزرعة للباقية من زرع فيها الخير حصد، ومن أضاع عمره فيما لا یرضی ربه ندم والعاقل من طلب بدنياه آخرته، ومن ابتغى فيما آتاه الله الدار الآخرة والله سبحانه لا يطالبك بأن تعطى مالك كله، بل إن تنفق القليل طلبا لرضا الرب الجليل، ترجع بالخير الكثير والجزاء الجزيل. ولا تنس نصيبك من الدنيا نعم فهذا هو الطريق الوسط والرأي الرشد، أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وتعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، فليس من الدین الزهد في الدنيا حتى تتركها وتعيش عالة على غيرك، بل الدين يطالبك بالعمل والجد والغنى من طريق الحلال، فإذا جمعت المال فأعط حق الله فیه، ولا تنس نصيبك من الدنيا، أي: تمتع ببعضه بلا إسراف ولا تقتير، انظر إلى هذا النظام المحكم الدقيق الذي وضعه الحكيم البصير! وأحسن كما أحسن الله إليك والإحسان هو الإتقان في العمل، وهو يقتضى إعطاء كل ذي حق حقه. ولا تبغ الفساد في الأرض بالظلم أو ٢٣٨ الفرح العسف أو الكبر أو الإضرار بالناس فكل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها، إن الله لا يحب المفسدين بأي شكل كان. انظر إلی قارون وقد أبی أن یقبل هذا النصح- لأنه غير موفق- بل زاد عليه بقوله: قال: إنما أوتيته على علم عندي !! بمعنى أنه أوتى هذا المال لفضل علمه وكمال استحقاقه له، أو المعنى أنه أوتيه على علم عنده بوجوه الكسب وطرق الزيادة، وإنماء المال، كأنه قال إنما أوتيت هذا المال لفضل علمي وتمام مجهودي وتجاربي، فليس لأحد حق له في هذا المال، وكأنه ينكر إنعام الله عليه بتلك الأموال لاستحقاقه لها عن جدارة فهو حر التصرف. ولقد رد الله علیه أبلغ رد حیث بین له حقيقة الأمر. أعنده مثل هذا العلم الذي افتخر به وتعاظم، ورأى نفسه مستوجبة لكل نعمة، ولم يعمل به حتی یقي به نفسه مصارع السوء التي أهلك الله بها الطغاة المتجبرين الذین هم أشد منه قوة، وأكثر مالا وعددا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، وهكذا يجب على الإنسان ألا يغتر بماله، وأولاده وجموعه مهما كانت، فإن الله إذا أراد شيئا قال له: کن فیکون، وليعلم المسلم أن الأيام دول، وأن الدهر قلب، وليعتبر بما حصل في الماضي، ولیحصن ماله بالإنفاق. هذا حال قارون مع ماله، وموقفه ممن وعظه، وغروره بنفسه واستمع إلى الناس، وقد انقسموا إلى فريقين: فريق ينظر نظرة سطحية، فتعميه الدنيا وزخارفها عن الوضع السليم والطريق المستقيم وآخر قد نور الله بصيرته فهو ينظر إلى الدنيا بعين العبرة والعظة، عين الرجل الفاهم للحقائق الذي لا تخدعه المظاهر الخلابة. وقد جاءت نهاية قارون مؤيدة لما ذهب إليه أهل العلم والبصر بالدنيا والآخرة فخسف الله بقارون وبداره وبماله وبجموعه الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ويمنعون عنه بأس الله وبطشه، حيث لم يعمل عملا صالحا يقربه إلى ربه، ولم يحصن ماله بالصدقة والزكاة، ولم يتقرب إلى الله وإلى الناس بترك الكبر والغرور والغطرسة، ولهذا كله كانت النتيجة أن ضاعت دنياه، وخسف الله به الأرض، والله علی کل شيء قدير، وبعباده خبير بصير(١). ٢. الأسلوب المباشر والأسلوب غير المباشر. من الأسلوب المباشر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِنِ تُصِبْهُمْ سَفِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم: ٣٦]. ٣٦ وقوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَمِن قُصِيبَةٍ فِي (١) انظر: التفسير الواضح، الحجازي ٨٤٨/٢. www. modoee.com ٢٣٩ حرف الفاء الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن تعالى: ﴿فَرِعَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]. قَبْلٍ أَن تَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرٌ ) ◌ِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَّاً ءَاتَّنكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢- ٢٣]. ٢٣ من الأسلوب غير المباشر قوله تعالى ﴿اَللَّهُ يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وقال سبحانه: وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِلَلَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَا اَلْيَةُ الدُّنْيَا فِىِ اْأَخِرَةِ إِلَّ مَتَحُ ﴾ [الرعد: ٢٦]. وإذا رسخ في قلب المسلم الاعتقاد الذي تقرره هذه الآية الكريمة والآيات الأخرى التي في معناها فلن يفرح فرح أشر وبطر بحصول النعمة ولكن فرح شكر وامتنان واعتراف بالفضل لمن أسداها وهو المولى سبحانه وتعالى، ولن يأسى على فوات أو زوال النعمة أسىّ يذهب به كل مذهب، ويجعل الدنيا تضيق عليه بما رحبت، ولكنه سوف يسلم لله ويرضى بما قضاه، ولنفسه العزاء الأكبر. ٣. أسلوب الوعيد. توعد الله الذين يفرحون بالباطل، فقال سبحانه: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (سَا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وهناك نوع آخر من الفرح المذموم، وهو أحد العلامات الدالة على النفاق، قال وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَغَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِّ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣)﴾﴾(١). ٤. أسلوب الترهيب. استخدم القرآن الكريم اسلوب الترهيب للدلالة على الفرح المذموم، وأهله أولئك المعاندون للرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي هذا النوع من الفرح. يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَافَ ﴾ [غافر: ٨٣]. ٨٣ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ فَتَقَطَّعُوْاْ أَمْرَهُم ويقول سبحانه: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا)، ٦/ ٤٠، رقم ٤٥٦٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين، ٤/ ٢١٤٢، رقم ٢٧٧٧. ٢٤٠ جَوَسي القرآن الكريمِ الفرح بَيَهُمْ زُبُّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: ٥٣]. ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣١-٣٢]. ٣٢ وفي هذه الآيات يخبر المولى عز وجل عن المعاندين لرسله، وكيف أنهم أعرضوا عما جاءت به الرسل من الحق فرحین بما عندهم من العلم الذي هو في حقيقته جهل، وبما لديهم من شبهات وأباطيل يعارضون بها دعوة الحق التي جاء بها الأنبياء عليهم له إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون (٢). الصلاة والسلام (١). هذا أسلوب من نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم للإسلام والمسلمين، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرا، أو كان غنيمة، أو كان انقيادا من بعض ملوك الأطراف لك، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك، والاجتماع ٥. الإخبار بحال الكافرين والمنافقين. أخبر القرآن الكريم عن فرح الكافرين والمنافقين بما يصيب المؤمنين من مصائب الدنیا. قال تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤَّهُمْ وَإِن تُصِبِّكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْبِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقال سبحانه: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمِّ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٥٠]. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٣/٦، (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٦/١٦، الموسوعة القرآنية، الإبيارى ٢٣/١٠ ١٥٩/٧. www. modoee.com ٢٤١ حرف الفاء ضوابط الفرح الأصل في الفرح الإباحة: لقوله صلى الله عليه وسلم (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًا، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤])(١). فالأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم (٢). وأما الضوابط الشرعية في الفرح: أولًا: ألا يكون الفرح فيه استهزاء بالدین: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله کفر یکفر به صاحبه بعد إيمانه ويجعله مرتدًا عن الإسلام (٣). قال الله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ) لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِبِمَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥- ٦٦]. فبعض المسلمين يطلقون نكتة أو (١) أخرجه الدارقطني في سننه، ١٣٧/٢، والحاكم في المستدرك، ٢/ ٣٧٥. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يتعقبه الذهبي. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٢١/١. (٣) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٢٧٣/٧ .. نادرة فيها استهزاء ببعض شعائر الإسلام وفرائضه، أو يتمازح وهو في معصية دون أن يعلم أن ذلك جرمٌ عظيمٌ قد يؤدي به إلى الكفر والعياذ بالله، مثل الاستهزاء ببعض السنن على سبيل المزح، وببعض الأحكام الشرعية كتقصير الثوب وإعفاء اللحية أو الصلاة والصوم وغيرها. یقول ابن عباس رضي الله عنهما: ((من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو ییکي»(٤). ثانيًا: أن يكون صادقًا في إفراح الناس ولا يكذب عليهم: اعتاد بعض الناس ذكر الطرائف الكاذبة بقصد إضحاك الناس. قال رسول صلى الله عليه وسلم: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له)(٥). وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه پھوي بها في النار أبعد من الثريا)(٦). (٤) انظر: الحلية، أبو نعيم ٤ / ٩٦. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب فى التشديد في الكذب، ٤ / ٤٥٤، رقم ٤٩٩٢. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١١٩٩/٢، رقم ٧١٣٦. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، ١٢٠/١٥، رقم ٩٢٢٠. وحسه الألباني في التعليقات الحسان ٢٢٣/٨. ٢٤٢ جوبيبو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ