Indexed OCR Text
Pages 21-33
الغلو
سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيدٍ هذه الخطوط هلك.
عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائلٍ عن عبد
الله قال: (خط لنا رسول الله صلی الله علیه
وسلم يومًا خطًا طويلًا، وخط لنا سليمان
خطًا طويلًا، وخط عن يمينه وعن يساره،
فقال: هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطًا
عن يمينه ويساره وقال: هذه سبلٌ وعلى
كل سبيلِ منها شيطانٌ يدعو إليه ثم تلا هذه
الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ
وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ يعني الخطوط ﴿فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾)(١).
قال بكر بن العلاء: «أحسبه أراد شيطانًا
من الإنس، وهي البدع، والله أعلم)).
وعن عمر بن سلمة الهمداني؛ قال: ((كنا
جلوسًا في حلقة ابن مسعودٍ في المسجد
وهو بطحاء قبل أن یحصب، فقال له عبید
الله بن عمر بن الخطاب، و کان أتی غازيًا:
ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن؟
قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك
حتى دخل الجنة.
ثم حلف علی ذلك ثلاث أيمانٍ ولاءً،
ثم خط في البطحاء خطًا بيده، وخط بجنبيه
خطوطًا، وقال: تر ککم نبيكم صلى الله عليه
وسلم على طرفه، وطرفه الآخر في الجنة،
فمن ثبت عليه، دخل الجنة، ومن أخذ في
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٠٨/٧، رقم
٤١٤٢، والنسائي في الكبرى، ٩٥/١٠، رقم
٠١١١٠٩
وفي روايةٍ: ((يا أبا عبد الرحمن! ما
الصراط المستقيم؟ قال: تركنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في
الجنة، وعن يمينه جوادٌ وعن يساره جوادٌ،
وعليها رجالٌ يدعون من مر بهم: هلم
لك! هلم لك! فمن أخذ منهم في تلك
الطرق؛ انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى
الطریق الأعظم؛ انتھی به إلى الجنة، ثم تلا
ابن مسعودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَِّعُوهُ ﴾ الآية كلها.
وعن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنَّبِعُوا
السُبُلَ﴾، قال: البدع والشبهات.
وعن عبد الرحمن بن مهدي: قد سئل
مالك بن أنسٍ عن السنة؟ قال: هي ما لا
اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى
مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
قال بكر بن العلاء: يريد إن شاء الله
حديث ابن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه
وسلم خط له خطًا))، وذكر الحديث.
فهذا التفسير يدل على شمول الآية
لجمیع طرق البدع، لا تختص ببدعةٍ دون
أخرى.
ومن الآيات قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اَللَّهِ
قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآِرٍ وَلَوْ شَآءَ ◌َدَنِكُمْ
أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: ٩].
www. modoee.com
٢٧
حرفالغين
سواه جائزٌ عن الحق؛ أي: عادلٌ عنه، وهي
طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من
سلوكها بفضله، وكفى بالجائر أن يحذر منه،
فالمساق يدل على التحذير والنهي.
وذكر ابن وضاح ؛ قال: ((سئل عاصم
بن بهدلة، وقيل له: أبا بكر !، هل رأیت قول
الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا
جَرّ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[النحل: ٩]؟ قال: حدثنا أبو وائلٍ عن عبد
الله بن مسعودٍ ؛ قال: (خط عبد الله خطًا
مستقيمًا، وخط خطوطًا عن يمينه وخطوطًا
عن شماله، فقال: خط رسول الله صلى الله
عليه وسلم هكذا، فقال الخط المستقيم:
هذا سبيل الله، وللخطوط التي عن يمينه
وشماله: هذه سبلٌ متفرقةٌ، علی کل سبيلٍ
منها شيطانٌ يدعو إليه ؛ والسبيل مشتركةً؛
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهُ﴾ إلى آخرها).
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ
دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍّ إِنَّمَا
أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُكَبِّثُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٥٦)
[الأنعام: ١٥٩].
هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث
من طريق عائشة رضي الله عنها، قالت:
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا عائشة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَمًا.
من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال:
هم أصحاب الأهواء، وأصحاب البدع،
عن التستري: ﴿قَصْدُ اَلسَّبِيلِ﴾: طريق وأصحاب الضلالة؛ من هذه الأمة، يا عائشة
إن لكل ذنبٍ توبةً، ما خلا أصحاب الأهواء
والبدع، ليس لهم توبةٌ، وأنا بريءٌ منهم وهم
مني برآءٌ.)(٢).
السنة، ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾؛يعني: إلى النار،
وذلك الملل والبدع)).
وعن مجاهدٍ: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي
المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك
يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر،
وكلاهما من أوصاف البدع(١).
قال الشاطبي: ((قال ابن عطية: هذه الآية
(٢) نوادر الأصول، الحكيم الترمذي ٢٤٥/٢.
والحديث ذكره الدارقطني في العلل،
٢/ ١٦٣، وابن الجوزي في العلل المتناهية
في الأحاديث الواهية، ١/ ١٣٧.
(١) الاعتصام ١/ ٧٦.
مُؤْشَوَالَرُ الْتَفْسَيْ
جوسيق
القرآن الكريمِ
٢٨
فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما وكلام الشاطبي هنا فيما قرره واضح
في أن أهل البدع هم أهل الغلو والجور
والانحراف عن قصد السبيل، وقد أيد ذلك
بما نقله عن الصحابة والتابعين من أهل
العلم، قال: ((وعن علي رضي الله عنه أنه
كان يقرؤها أي ﴿وَمِنْهَا جَآِرٌ﴾: (فمنكم
جائٌ) ؛ قالوا: يعني هذه الأمة، فكأن هذه
الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنّی
واحدٍ.
الغلو
تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع
وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال
والخوض في الكلام، هذه كلها عرضةٌ
للزلل ومظنةٌ لسوء المعتقد.
ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع
ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم
الرأي من ((كتاب العلم)) له))(١).
وحاصل الأمر أن المبتدع يغالي فيشق
على نفسه ويلزمها ما رفعه الله تعالى عنه من
الحرج والتكليف بما فيه مشقة زائدة؛ قال
الشاطبي: ((وحاصله أن الشارع طالبه برفع
الحرج، وهو يطالب نفسه بوضعه وإدخاله
على نفسه وتكليفها ما لا يستطاع، مع زيادة
الإخلال بكثيرٍ من الواجبات والسنن التي
هي أولى مما دخل فيه، ومعلومٌ أن هذه بدعةٌ
مذمومةٌ))(٢).
ثالثًا: الاعتداء على الناس وأموالهم:
فهم يعتدون على جميع الناس، غلوا
منهم وتشددا ورغبة في الانتقام منهم،
وتعجيل عقوبتهم بدلا من الصبر على
دعوتهم والترفق بهم لهدايتهم، وحالهم في
إِذَا
ذلك حال من قال الله تعالى فيهم:
تَوَلَّى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُّهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
[البقرة: ٢٠٥].
(١) الاعتصام ١/ ٧٦.
(٢) المصدر السابق ١ /٤١٥.
وإذا كانوا كذلك مع الناس جميعا فإنهم
لشططهم وغلوهم تجدهم مع أهل الإسلام
أشد غلوا وعداوة، منا قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام
ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم
لأقتلنهم قتل عادٍ)(٣).
رابعًا: ادعاء العلم والتدين:
المبتدعة يدعون لأنفسهم علما لدنيا
باطنيا يتميزون به عن الأمة؛ وذلك حتى لا
يكون لأحد عليهم حجة؛ لأن العلم الظاهر
الذي أنزله الله على رسوله وجعل فيه
الحجة - لا يشهد لهم في شيء مما هم عليه
من الباطل، وهم لا يستجيبون لما جاء به
الله ورسوله فيما لا يوافق أهواءهم؛ وأخبر
تعالى أنه لا يمنع من اتباع الهدى إلا اتباع
الهوى، وأن عدم الاستجابة للهدی دلیل
على اتباع الهوى.
قال تعالى: ﴿فَإِنِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِتَنِ أَتَبَحَ
هَوَنُهُ بِغَيْرِ مُدَى مِنَ اْلَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: ٥٠].
لذا لجئوا - كذبا وزورا منهم وافتراء
علی الله ورسوله - إلى ادعاء علم مؤداه أن
الله تعالى قد اختصهم به دون خلقه جميعا
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قوله تعالى: (وأما عاد فأهلكوا
بريح صرصر)، ٤ / ١٣٧، رقم ٣٣٤٤.
www. modoee.com
٢٩
حرفالغين
بما في ذلك أشرف الخلق محمد صلى الله سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة ثبتت
علیه وسلم.
يقول أحد محققيهم(١): ((لقد فنى
الصوفيه في حب مولاهم وتخلقوا بأخلاقه
وتأدبوا بآدابه وتربوا في محاربيه وعاشوا في
ذكره ومناجاته فعلمهم وطهرهم وزكاهم
واصطفاهم واجتباهم وأحبهم ورضى عنهم
ففتح لقلوبهم ملكوت السموات والأرض
يريهم عجائب كونه وبدائع قدرته وبدائع
قدرته وأسرار خليقته وأفاض عليهم هداياه
وعطاياه علوما وأذواقا أو كما يقول الصوفيه
أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا
من الحي الذي لا يموت.
ومن هذا الفناء جاءهم الخلود وبهذا
التخلق أصبحوا ائمة يهدون إلى الله بأمره
ويقفون حراسا على آياته ومشاهده مبشرين
بكلماته متحدثین عن حضراته داعین إلى
محبته ومناجاته مترنمین في آفاقه وجدا
وشوقا بتسبيحه وذكره.
يقول العلامة الإمام الكلاباذي واصفًا
لمقاماتهم وأحوالهم سبقت لهم من الله
الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف
بنفوسهم عن الدنيا صدقت مجاهداتهم
فنالوا علوم الدراسة وخلصت علها
معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثه وصفت
(١) التعرف لمذهب أهل التصوف، الكلاباذي
الحنفي ص ٥.
أقدامهم وزكت أفهامهم أنارت أعلامهم
فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا
عما سوى الله خرقت الحجب أنوارهم
وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند
ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون
العرش ابصارهم فهم أجسام روحانیون وفي
الأرض سماويون ومع الخلق ربانيون)»(٢).
وهذا الذي ذكرناه قطرة من بحر ما
ورد عن الصوفية من ادعاء باطل للعلم لا
ينازعون فيه أهل العلم وحدهم؛ بل ينازعون
في ذلك رب العرش العظيم في صفة علام
الغيوب.
ولا يقصر أهل التشيع عن هذا الغلو
الصوفي بل يزيدون عليه ويتجاوزونه
بمراحل كبيرة تطفح بها كتبهم المعتمدة
لديهم، وليس المجال مجال النقل عنهم في
ذلك (٣).
وكذلك بقية الفرق من الخوارج
والمرجئة وغيرهم ممن اختص ببدعة في
دين الله تعالى إنما يدعون جهلا واتباعا
للهوى علما تميزوا به عن سائر الخلق.
خامسًا: الغلو في المحبة:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ وَالَّذِينَ
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: أصول الكافي ص ١٥٨،١٣٤ -١٥٩.
٣٠
جَوَسُولَهُ النَّهِ
القرآن الكريمِ
الغلو
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ باهلة إلهها من حيس، عام المجاعة))(١).
الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعَذَابِ ﴾ [البقرة: ١٦٥].
«من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا
أي: أمثالا . مع أن الآيات منعت من أن یکون
له ند واحد فضلا عن جماعتها يسوون
بينهم وبين الله إذ يحبونهم کحب الله أي:
يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله
والخضوع له.
والأنداد: إما الأوثان التي اتخذوها آلهة
لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا منها النفع
والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها
النذور وقربوا لها القرابين. وإما رؤساؤهم
الذین یتبعونهم فیما یأتون وما یذرون، لا
سيما في الأوامر والنواهي. ورجح هذا،
لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ
أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦].
وذلك لا یلیق إلا بمن اتخذ الرجال أندادا
وأمثالا لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم
والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد
لله تعالى والذين آمنوا أشد حبًا لله من
المشركين لأندادهم، لأن أولئك أشركوا
في المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلها لله،
ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ومنه،
ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف
المشركين فكانوا يعبدون الصنم زمانا ثم
يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه، كما أكلت
ومثل هذا الذي ذكره القاسمي ما يفعله
العامة الذين قصدوا قبور الأولياء من ألوان
الغلو فيهم؛ حيث رجوا منها النفع والضر،
وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور
وقربوا لها القرابين، وغير ذلك مما دعاهم
إليه مغالاتهم في محبتهم باعتقاد ما لا يجوز
فیهم ووصفهم بما لا يصح إلا لله تعالى؛
فدعاهم هذا الغلو الاعتقادي إلى غلو في
السلوك ينافي ما أمرهم الله تعالى به من
توحيده وعدم الإشراك به.
وفي هذه الآيات بين الله تعالى أن الغلو
في محبة المتبوعين يفضي إلى الاتباع بغير
هدى من الله، وهو يفضي بصاحبه إلى الشرك
بالله؛ لأن مرجعه إلى الإشراك في محبة الله
تعالى؛ بله الغلو في محبة المتبوعين أکثر من
محبته سبحانه، وبین ما يؤول إليه أمرهم في
الآخرة من تبرؤ المتبوعين من أتباعهم، وما
آل إليه أمرهم من العذاب والحسرات التي
لا تنقضي، والأمنيات الباطلة بأن يعودوا
إلى الدنيا فيتبرئوا من هؤلاء المتبوعين كما
تبرئوا منهم، ثم بين حالهم في الدنيا، وكيف
أنهم كانوا يتركون اتباع ما انزل الله تعالى
لاتباع ما وجدوا علیه آباءهم بغیر دلیل ولا
بينة معرضين عن هدي الله تعالى تقليدا
لآبائھم وأولیائھم.
(١) محاسن التأويل، القاسمي ١/ ٤٦١.
www. modoee.com
٣١
حرف الغين
٢٦
علاج الغلو
١. ترك اتباع الهوى والتجرد لطلب
الحق.
التجرد في طلب الحق أصل مكين من
أصول الهداية، وذلك أن الهوى هو الميل
النفسي إلی الشيء؛ فإن وافق الهدى، وإلا
هوی بصاحبه.
قال الراغب: ((الهوى: ميل النفس إلى
الشهوة. وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي
بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة
سفل))(١).
قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا
قَالَهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
﴾ [النساء: ١٣٥].
١٣٥
وقال تعالى: ﴿﴿ وَهَلْ أَتَنْكَ نَبُواْ الْخَصْمِ
إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ ﴾ [ص: ٢١] الآيات
إلى قوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَِّعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلٍ
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٥٤.
جوية
القرآن الكريمِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
[ص: ٢٦].
فهذا حوار جرى بين نبي الله داود عليه
السلام وهذين الخصمين، وعاتبه الله تعالى
فيه لميله لأحد الخصمين مأخوذا بقوة حجته
فسارع إلى الحكم له بقوله ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾
دون استماع للخصم الآخر، ((والقضية كما
عرضها أحد الخصمين تحمل ظلمًا صارخًا
مثیرًا لا يحتمل التأويل.
ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر
سماعه لهذه المظلمة الصارخة؛ ولم يوجه
إلى الهاوية، والهوي: سقوط من علو إلى إلى الخصم الآخر حديثًا، ولم يطلب إليه
بيانًا، ولم يسمع له حجة. ولكنه مضى
ولذا نهى الله تعالى في كتابه في نصوص يحكم: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ.
كثيرة عن اتباع الهوى.
وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَآِ﴾ (أي الأقوياء المخالطين
بعضهم لبعض) ﴿لَتْفِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ﴾.
ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه
الرجلان: فقد كانا ملکین جاءا للامتحان!
امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر
الناس، ليقضي بینھم بالحق والعدل، ولیتبین
الحق قبل إصدار الحكم)» (٢).
فیمکن أن يقال: إن الله عد تسرع داود
علیه السلام بالحكم دون سماع حجة الآخر
من الهوی - وهو وإن كان میلا غير مقصود
بتأثير عارض سحر بيان الخصم - فإنه مما
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٢٠٨.
٣٢
الغلو
لا يتسامح فيه في حق الأنبياء والمصطفين
الأخيار؛ فإن حسنات الأبرار سيئات
المقربين (١)؛ فحذر الله تعالى نبيه من اتباع
الهوى لما يفضي إليه من الضلال عن الحق.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَمْ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
[الجاثية: ٢٣].
وأخبر تعالی أنه لا يمنع من اتباع الهدى
إلا اتباع الهوى، وأن عدم الاستجابة للهدى
دلیل على اتباع الهوى.
قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكَ فَأَعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ
هَوَهُ بِغَيْرِ مُدَّى مِنَ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: ٥٠].
وترك اتباع الهوى يقتضي الإخلاص
والتجرد لله في طلب الحق والانصياع له،
﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٌ
قال تعالى:
أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَىْ ثُمَّ تَنَفَكَّرُواْ
مَا بِصَاحِبِكُ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌلَّكُمْ بَيْنَ
يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: ٤٦].
(١) هذا هو ما ندين الله به مما يليق بحق الأنبياء،
لا ما ورد في كثير من كتب التفسير من
الإسرائيليات من أن القصة تعريض بنبي الله
داود عليه السلام من أنه أراد أن يتزوج بامرأة
أوريا فقدمه في الغزو وعرضه للقتل ليتزوج
امرأته، فمثل هذا لا يصح به أثر بحمد الله
تعالی.
انظر: لباب التأويل، الخازن ٥/ ٢٨٧.
((والقيام في قوله: ﴿وَأَن تَقُومُواْ ﴾ مراد
به المعنى المجازي وهو التأهب للعمل
والاجتهاد فيه كقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُومُواْ
لِلْيَتََّى بِالْقِسْطِ ﴾ [النساء: ١٢٧].
واللام للتعليل، أي لأجل الله ولذاته،
أي جاعلين عملكم لله لا لمرضاة صاحب
ولا عشيرة، وهذا عكس قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَّخَذْتُم ◌ِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةً بَيْنِكُمْ﴾
[العنكبوت: ٢٥].
أولأجل معرفة الله والتدبر في
صفاته))(٢).
٢. ترك التقليد بغير دليل.
ترك التقليد بغير بينة أصل مكين كذلك
من أصول الهداية في القرآن الكريم؛ ومن
أجل ذلك نعى الله على أولئك الغلاة الذين
يتبعون آباءهم أو علماءهم أو أحبارهم
ورهبانهم أو سادتهم ورؤساءهم دون هدی
من الله.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ
الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
٢٦٥)
اٌلْعَذَابِ
أَتَّبَعُواْ وَرَأَوَأُ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
m
﴾ [البقرة: ١٦٥- ١٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهٌ أَتَّبِعُوْمَآ أَنْزَلَ
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٤٢١.
www. modoee.com
٣٣
حرفالغين
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ
كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
[لقمان: ٢١].
فبين الله تعالى في هذه الآيات أن الاتباع
بغير هدى من الله يفضي بصاحبه إلى الشرك
بالله؛ لأن مرجعه إلى الإشراك في محبة الله
تعالى.
٣. ترك التكلم بغير علم.
من وسائل الهداية كذلك لترك الغلو:
ترك التكلم بغير علم، قال تعالى: ﴿قُل لَّآ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآيِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ
أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَّ قُلْ
هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَنَفَكَّرُونَ
﴾ [الأنعام: ٥٠].
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله
تعالى أن يخبر محاوريه بذلك، ويبين لهم
أنه لا یتکلم بشيء من قبل نفسه بل يتبع ما
يوحى إليه.
قال تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِنَ الضَّأَنِ
آثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنُّ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ
حَرَّمَ أَمِ الْأُنَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ
اَلْأُنْثَيَيْنِّ نَّبِعُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنِ﴾
(١٤٣)
[الأنعام: ١٤٣-١٤٤].
وقال تعالى: ﴿قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِـ
اْلأُنْثَيَبْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِّ
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّنكُمُ اللَّهُ
بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا
لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَّمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
اٌلَّالِمِينَ ﴿ قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً
أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ
أَوْ فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ
بَاغِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[الأنعام: ١٤٤ - ١٤٥].
فعظم سبحانه إثم من يحل أو يحرم من
قبل نفسه فيضل الناس بغير علم، وأمر نبيه
صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه أن
یعلم محاوريه بوقوفه صلى الله عليه وسلم
عند حدود ما أنزل الله إليه فلا یحرم إلا ما
حرم الله تعالی.
ولذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم أن یحاج محاوریه بسؤالهم عن دليل
قولهم فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَُّواْلَوْ
شَآءَ اَللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِن شَحْءٍّ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
حَقّ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمِ
فَتُخْرِجُوهُ لَنَّّ إِن تَشَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا تَّخْرُصُونَ (٥٠) قُلْ فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَّةُ فَلَوْشَآءَ
لَهَدَ لَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا
تَشْهَدْ مَعَهُدَّ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: ١٤٨ -١٥٠].
مُؤْسُو ◌َرَ النَفسِيرِ موضوع
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٣٤
الغلو
٤. ترك الأخذ بمجرد الظن والشك.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّبِثَقَهُمْ
وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَيٍّ
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّفٌ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ
فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ()
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا
عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا (٦)
اْنَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيِّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى
شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عٍِّ إِلَّا أَنِبَاعَ الظَّنَّ وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِيَنًا ، بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا (٥٨)﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٨].
فنعى الله سبحانه على أهل الكتاب
اعتقادهم قتل المسيح وصلبه بمجرد الظن
دون بينة يكونون بها على يقين من أمرهم.
وربط تعالى بين اتباع الظن والوقوع في
الضلال واتباع الهوى، فقال تعالى: ﴿ وَإِن
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ
اَللَّهِّ إِن يَتَّبِعُونَ إلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍّ.
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِشَايَيْهِ مُؤْمِنِينَ (١٥) وَمَا لَكُمْ
أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ
لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ وَإِنَّ كَثِيرًا
أَيُضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأنعام: ١١٦-١١٩].
فبين سبحانه أن ضلال أكثر الناس من
الغلاة إنما هو بسبب اتباع الظن، واتباع
الهوى بغير دليل ولا بينة.
ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا
◌َّا إِنَّ الََّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ
﴾ [يونس: ٣٦].
٥. الالتزام بالكتاب والسنة النبوية.
الالتزام بالكتاب والسنة هما طريق
النجاة الأوكد، وسبيله الأوحد فعن أبي
هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (إني قد تركت فيكم
شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي،
ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)(١).
عن العرباض بن سارية، قال: (وعظنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد
صلاة الغداة موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون
ووجلت منها القلوب، فقال رجلٌ: إن هذه
موعظة مودع فماذا تعهد إلینا یا رسول الله؟
قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة،
وإن عبدٌ حبشيّ، فإنه من یعش منکم یری
اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور
فإنها ضلالةٌ فمن أدرك ذلك منكم فعليه
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين،
عضوا عليها بالنواجذ) (٢).
(١) أخرجه الحاكم في
الصحيحين، ١٧٢/١.
المستدرك على
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦٧/٢٨،
والترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء
في الآخذ بالسنة، ٥/ ٤٤، رقم ٢٦٧٦.
قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
www. modoee.com
٣٥
حرفالغين
فالالتزام بالكتاب والسنة هما سبيل اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ
النجاة من الغواية ومن كل غلو وإفراط أو وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ
وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ
تفريط.
٧٧ ﴾ [ المائدة: ٧٧].
٦. سؤال أهل العلم.
قال تعالى: ﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إنما شفاء العي السؤال) (١)
وقديما قالوا: ((السؤال نصف العلم))؛
فمن ثم وجب على كل من التبس عليه شيء
في دين الله تعالى أن يسأل عنه أهل العلم
المشهورین العاملین به.
٧. محاورة الغلاة والرد على
شبهاتهم.
قال تعالى مقررا مبدأ الحوار والجدال
لأ
تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِأَلَِّ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن:
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمٌّ وَقُولُوَاْءَامَنَا بِأَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَّيْنَا
وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَغَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ
:[العنكبوت: ٤٦].
وقال تعالى معلمًا المؤمنين ما ينصحون
به أهل الكتاب في محاورتهم: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٩٩/١، رقم ٢٥٤٩.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب
في المجروح یتیمم، ١/ ٩٣، رقم ٣٣٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٠٥/٢، رقم ٤٣٦٣.
وإذا كان ذلك مع المخالف من أهل
الملل الأخرى فلا شك أنه مع الموافق في
الدين والعقيدة أولى وأنجع، وقد أمر الله
تعالى عباده المؤمنين بالتناصح والتشاور
والتخاطب بالتي هي أحسن؛ فقال عز من
قائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ
فَقّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ
وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْيِّ فَإِذَا عَهْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكَلِينَ ()﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّمِبَادِى يَقُولُواْ أَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: ٥٣].
ولا شك أنه لا بديل للحوار الجاد الذي
تصدق فيه النوايا إلا المزيد من التباعد
والفرقة؛ وذلك أن الحوار هو المتنفس
الطبيعي لإخراج ما تكظمه الصدور، ومن ثم
فإن انقطاع الحوار يؤدي حتما إلى الانفجار
الرافض لتكميم الأفواه أو صمم الآذان عن
الاستماع إلى الآخر ومحاورته وتفهمه، وما
تلك الثورات التى عجت بها المنطقة العربية
كلها أخيرا إلا نتيجة حتمية لضعف الحوار
بين أولي الأمر وطوائف الشعب.
٣٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الغلى
٨. الاعتبار بحال الغلاة والمخالفين
للكتاب والسنة ومصيرهم.
ينبغي على أهل العلم أن يلفتوا هؤلاء
الغلاة للاعتبار بحال ومآل من سبقهم من
الغلاة والمخالفين في الكتاب والسنة؛
فيتأملون ما نزل بأهل الكتاب قبلهم من
سخط الله وغضبه بسبب غلوهم، وكيف
كان التشديد سببا لتشديد الله عليهم فقد
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق
بني إسرائيل والبقرة (لو اعترضوا أدنى بقرة
لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم) (١)
٩. استثمار الوقت بالعمل الصالح.
وذلك أن من أسباب وقوع الغلاة فيما
هم فيه من الغلو والتشديد والتنطع ما يعانيه
(١) قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف
٦٦/١: ((قلت غريب، وأخرجه الطبري في
تفسيره موقوفا على ابن عباس ... وكذلك
أخرجه أيضا من كلام أبي العالية، وأخرجه
عبد الرزاق في تفسيره من كلام عبيدة
السليماني، وعزاه ابن كثير في تفسيره لابن
مردويه في تفسيره عن سرور بن المغيرة عن
زاذان عن عباد بن منصور عن الحسن عن
حديث أبي رافع عن أبي هريرة قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لولا أن بني إسرائيل
قالوا وإنا إن شاء الله لمهتدون ما أعطوه أبدا
ولو أنهم اعترضوا ... إلى آخره .. وروى البزار
في مسنده من حديث عباد بن منصور عن
الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال أن بني إسرائيل لو
أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم. انتهى.
والأظهر: وقف الأثر على ابن عباس، رضي
الله عنه.
البعض منهم من فراغ يحدو بعضهم إلى
زيادة التعمق فيما لا يجب عليه، والبحث
عما لم يوجب ربنا علينا علمه من المتشابه،
أو الميل إلى المزيد من التعبد بما لم يأت
به الشرع، ونحو ذلك مما هو من آفة فراغ
العقول.
وعلاج ذلك أن يعلم العبد أهمية الوقت،
وأنه قد خلق لأمر عظيم وغاية شريفة، وهي
ما أخبر الله تعالى عنه في کتابه حيث قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٩].
ومما يدل على أهمية الوقت كثرة إقسام
الله تعالى به في كتابه الكريم؛ ككقسمه
تعالی بالفجر، والضحى، والليل، والعصر.
والعبادة ليست منحصرة في الصلاة
والصيام والزكاة والحج وتلاوة القرآن، بل
تشمل سائر الفروض والواجبات التي أمرنا
الله تعالى بها.
وجملة القول في ذلك، أن تعلم أن
العبادة منهج شامل للحياة كلها، يقتضي أن
تکون حياتك کلها وفق منهج الله تعالى،
وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
وليس وفق ما تهواه نفسك.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى
قال تعالى:
وَيَحْيَاىَ وَمَعَاقٍِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لا
١٦٢
شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُتَلِمِينَ
١٦٣
[الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
www. modoee.com
٣٧
حرفالغين
فما من لحظة من لحظات حياتك إلا
ولله تعالى عليك فيها أمر أو نهي فالتكليف
شامل للأوقات کلها وللعمر کله، لا تخلو
لحظة من لحظات الحياة عن تكليف لله
تعالى كلفنا به إما على سبيل الوجوب أو
على سبيل الندب والاستحباب، وإن كنا قد
صرنا في زمان قد وجبت علينا فيه واجبات
کثیرة، تکاد تمنع المرء من فعل كثير من
المستحبات، فضلًا عن أن ينشغل عنها
بالمباحات أو المكروهات، وأعاذنا الله من
المحرمات أن نقع فيها ونتلھی بها عما أمرنا
به من الطاعات وما أحله لنا من المباحات.
فالعجب كل العجب بعد ذلك لمن
يبحث عن مزيد من الواجبات لم يوجبها
الشرع، أو استحباب أمور متكلفة زائدة على
ما استحبه الشرع الحنيف.
فاعلم يا عبد الله أنك لن تزول قدماك
يوم القيامة من عند ربك حتى يسألك عما
عملت في هذه الأوقات.
قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٩٢
﴾ [الحجر: ٩٢- ٩٣].
١٣
عَمَّا كَانَوْ يَعْمَلُونَ
وقال أيضًا: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءُ وقَالَ أَكَذَّبْتُم
بِشَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْبِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ(٥
٨٤
[النمل: ٨٤].
وقال سبحانه في بيان سؤاله المجرمين
عن مدة لبثهم في الأرض وما عملوا فيها:
﴿قَلَ كُمْ لَيِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
قَالُواْ لَيْنَا يَوْمًّا أَوْ بَّضَ يَوْرٍ فَسْتَلِ الْعَآدِينَ
١١٣)
قَكلَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْتُمْ تَعْلَمُونَ
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ
إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَفىّ
لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيرِ
[المؤمنون: ١١٢- ١١٦].
فسوف يسأل الله سبحانه عباده لا محالة
عن أعمارهم وأوقاتهم وما عملوا فيها، ففي
الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن ابن
مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما ابن
آدم يوم القيامة من عند ربه، حتی یسأل عن
خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما
أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه،
وماذا عمل في علمه)(١).
فليسأل كل نفسه: ماذا أعد لهذا السؤال؟
وبماذا سوف يجيب يومئذ وهو موثق
بالأغلال أمام ذي الجلال، فيومئذ لن ينفعه
غلوه وتنطعه، ولن ينفعه إلا ما وافق فيه
هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم قال
تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ رَحِينَةُ (٢٥) إِلَّ أَعْطَبَ
اليمين {٣٩
[المدثر:٣٨-٣٩].
وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب يوم القيامة
والرقائق والورع، باب في القيامة، ٦١٢/٤،
رقم ٢٤١٦.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١٢٢٠، رقم ٧٢٩٩.
٣٨
مَوَسُولَبُ النَّسَيد
القرآن الكريمِ
الغلو
(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)(١). أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع
١٠. البيئة الصالحة التي ينشر فيها إلى أرضك، فإنها أرض سوءٍ)(٢).
العدل والحق ويؤخذ على يد الظالم.
بعد كل ما سبق، وقبل كل ما سبق
تأتي قيمة البيئة الصالحة؛ فلا شك أن من
أسباب انتشار الغلو ما يعانيه الغلاة من
شعور بالتناقض بين ما ينبغي أن يكون في
مجتمعاتهم من معاني الإسلام السامية وبين
ما هو واقع فعلا من مخالفات جسيمة تعم
كافة المجالات والمستويات؛ فينشأ لديهم
من جراء ذلك ردة فعل عنيفة تدعوهم إلى
المبالغة في كل ما فرط فيه أبناء مجتمعاتهم،
حتی یؤول أمرهم إلى الغلو والتشدد واعتياد
ذلك في كل شيء من قول أو فعل أو اعتقاد.
وليس أدل على أهمية عامل البيئة
الصالحة وأثرها في تقويم أهلها، ومساعدة
الناس على لزوم الجادة من حديث النبي
صلی الله علیه وسلم فیما یحکیه عمن سبقنا
من قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين
نفسا، وراح يسأل عن توبة فدله العالم على
ضرورة الانتقال إلى بيئة صالحة تعينه على
التوبة. (فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين
التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا و كذا، فإن بها
(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب
الاعتصام، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم
فأخطأ، ٩/ ١٠٧، وأخرجه موصولًا مسلم في
صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام
الباطلة، ١٣٤٣/٣، رقم ١٧١٨.
وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَالْبَلَدُ
الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِهُ وَالَّذِى خَبُثَ لَا
يَخْرُ إِلَّا تَكِدَأْ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ
يَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٨].
موضوعات ذات صلة:
الاستقامة، الطغيان، الهداية، الوسطية
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
قبول توبة القاتل، ٢١١٨/٤، رقم ٢٧٦٦.
www. modoee.com
٣٩