Indexed OCR Text

Pages 21-25

غزوة الأحراب
الله، فتخرجهم من هذا النفاق، وتعيدهم
إلى الإيمان، وإما أن تنالهم رحمة الله،
فيتوبوا من قريب، ويدخلوا في المؤمنين
الصادقين(١).
((وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج
من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة
الإيمان، في مقابل صورة النفاق، والضعف
ونقض العهد من ذلك الفريق؛ لتتم المقابلة
في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن))(٢).
موقف بني قريظة في الغزوة
إن موقف يهود بني قريظة في غزوة
الأحزاب موقف غدر وخيانة ونقض للعهود،
فقد نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وانضموا إلى الأحزاب من
المشرکین عونًا لهم على رسول الله صلى
الله عليه وسلم والمؤمنين، وكانوا يسكنون
العوالي في جنوب شرق المدينة مما يمكنهم
من طعن المسلمين من الخلف، وكان لهذا
الموقف أثره على المؤمنين بأن اشتد تأزم
الوضع عليهم في ظل محاصرة الأحزاب
للمدينة، ولكن الله ردهم هم والأحزاب
خائبین مهزومین.
وكان نقض بني قريظة لوثيقة العهد التي
أبرموها مع الرسول صلى الله عليه وسلم
عند حصار قوات الأحزاب للمدينة في
غزوة الخندق، وإصرارهم على خيانة الله
ورسوله صلی الله علیه وسلم والمسلمين،
وتعريضهم أمن وسلامة المسلمين ودولتهم
للخطر، سببًا في غزو المسلمين لهم،
فقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم بقتالهم بعد انسحاب الأحزاب
وانتهاء الحصار والخطر وعودته بالمسلمين
من الخندق ووضعهم السلاح، فأمر النبي
صلی الله عليه وسلم أصحابه بالتوجه إلى
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب، ١١ /٦٨٠.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٨٤٤/٥.
www. modoee.com
٢١٩

حرفالغين
ديار بني قريظة ومحاصرتهم (١).
فکان القصاص سريعًا وحاسمًا، روي
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أصيب
سعدٌ يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريشٍ يقال
له ابن العرقة رماه في الأكحل، فضرب عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمةً في
المسجد یعوده من قریب، فلما رجع رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع
السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض
رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟
والله ما وضعناه اخرج إليهم، فقال رسول
الله صلی الله علیه وسلم: (فأين؟) فأشار
إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم فنزلوا على حكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى
الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعدٍ، قال:
فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى
الذرية والنساء، وتقسم أموالهم)(٢).
والله سبحانه وتعالى بين أن بني قريظة
الذين ظاهروا الأحزاب وكانوا عونًا لهم
على المسلمين، قد أنزلهم من حصونهم
الممتنعین فیها، وقذف في قلوبهم الرعب،
وبین عاقبة غدرهم بأن سلط عليهم المؤمنین
(١) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين،
٣٢٦/١، أيسر التفاسير، الجزائري، ٢٦٠/٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٦٩،
كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتل من
نقض العهد، ١٣٨٩/٣.
فأبادوهم.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾
[الأحزاب: ٢٦].
((أنزل الله سبحانه وتعالى بقدرته وأمره
يهود بني قريظة -الذين عاونوا الأحزاب،
ونقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه
وسلم- من حصونهم التي كانوا يتحصنون
بها، وألقى في قلوبهم الرعب الشدید، حتى
نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله
عنه، الذي حكم فيهم قائلًا: آن لسعد ألا
تأخذه في الله لومة لائم، إني أحكم فيهم
أن تقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء،
وتقسم الأموال)»(٣).
يقول الطبري: ((عن قتادة، قوله: ﴿ وَأَنْزَلَ
الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ وهم: بنو
قريظة، ظاهروا أبا سفيان وراسلوه، فنكثوا
العهد الذي بينهم وبين نبي الله، قال: فبينما
رسول الله صلی الله علیه وسلم عند زينب
بنت جحش یغسل رأسه، وقد غسلت شقه،
إذ أتاه جبرائيل، فقال: عفا الله عنك؛ ما
وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة،
فانهض إلى بني قريظة، فإني قد قطعت
أوتارهم، وفتحت أبوابهم، وتركتهم في
(٣) حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن
بكر آل عابد، ٢/ ٤٩٥.
٢٢٠
القرآن الكريم

غزوة الأحزاب
الله عليه وسلم، ثم سلك سكة بني غنم،
فاتبعه الناس وقد عصب حاجبه بالتراب؛
قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فحاصروهم، وناداهم: (يا إخوان القردة)،
فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشًا، فنزلوا
علی حکم ابن معاذ، وكان بينهم وبين قومه
حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، وأوما
إليهم أبو لبابة إنه الذبح، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ
أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
زلزال ويلبال؛ قال: فاستلأم رسول الله صلى من يهود بني قريظة، كما أورثهم ديارهم
ومزارعهم ومساكنهم وأموالهم جزاءً لهم.
﴿وَرْضًا لَّمْ تَطَفُوهَا﴾ اختلف المفسرون
في تعيين هذه الأرض على أقوال: فقيل:
خيبر، وقيل: حنين، وقيل: مكة، وقيل:
فارس والروم، وقيل: كل أرض تفتح إلى
يوم القيامة، والراجح القول الذي يشمل
جميع الأقوال، أي: کل أرض تفتح إلى يوم
(٢)
القيامة، وفى هذا بشرى من الله للمؤمنين
.
فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن
تسبى ذراريهم، وأن عقارهم للمهاجرين
دون الأنصار، فقال قومه وعشيرته: آثرت
المهاجرين بالعقار علينا؟ قال: فإنكم كنتم
ذوي عقار، وإن المهاجرين كانوا لا عقار
لهم. وذكر لنا أن رسول الله صلى الله
علیه وسلم کبر وقال: (قضی فیکم بحكم
الله))(١).
يختم سبحانه وتعالى الآيات التي
تتحدث عن غزوة الأحزاب وبني قريظة
ببيان النعم الجليلة التي مَنَّ بها على
المؤمنين بعد أن نصرهم عليهم، ﴿ وَأَوْرَقَكُمْ
أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَفُوهَا وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾[الأحزاب: ٢٧].
فالله أورث المؤمنين أرض أعدائهم
(١) جامع البيان، ٢٤٣/٢٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢٥٠،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤ / ١٦١.
www. modoee.com
٢٢١

حرفالغين
الدروس المستفادة من غزوة الأحزاب
لقد كان لغزوة الأحزاب حکم و دروس
کثیرة، نذكر بعضھا فیما يأتي:
١. إن النصر الحاسم للمسلمين على
المشركين في غزوة الأحزاب، وعلى
يهود بني قريظة ناقضي العهد، نعمة
عظيمة تستوجب الشكر والحمد لله؛
لأنه نصر بتدبير الله سبحانه وتعالى،
بإرسال الريح والملائكة، وقد صدقت
فيه عزيمة المؤمنين على خوض
المعركة، والدفاع عن مدينتهم عاصمة
الإسلام.
٢. إن القائد المثالي هو من يشاور أصحابه
وخاصته، فالنبي صلى الله عليه وسلم
شاورهم في أمر القتال، وقبل مشورتهم
في حفر الخندق، حيث أنزل الشورى
منزلتها، ورسخها في حياة الأمة، وإنه
بقدر قوة وحزم ورشد وعبقرية القيادة
یکون التفوق والنصر.
٣. إن موقف المؤمنين الصادقين
دائمًا نقيض موقف المنافقين، فهم
مصدقون، واثقون بوعد الله سبحانه
وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم،
ولم تزدهم المحنة والابتلاء والنظر إلى
الأحزاب إلا إيمانًا وتسليمًا.
٤. للمنافقين خصال اجتماعية وشخصية
قبيحة ومذمومة، فهم بخلاء على
المسلمين فيما يحقق المصلحة
العامة، بخلاء بأنفسهم وأموالهم،
مثبطين مرجفين، جبناء يخافون من
لقاء الشجعان، سليطوا اللسان يؤذون
غيرهم بالكلام والتفاخر بالكذب
والزور، فهم فئة لم يؤمنوا بقلوبهم،
وإن كان ظاهرهم الإسلام.
٥. إن تلاحق الشهداء وتوالیھم علی درب
الجهاد في سبيل الله، سواء بالاستشهاد
أو بانتظار الأجل، هذا أمارة خیر ودليل
استدامة الإخلاص جيلا بعد جيل(١).
٦. إن الدعاء سلاح هام في أيدي
المسلمين، فالرسول صلى الله عليه
وسلم كان كثير التضرع والدعاء،
والأمة اليوم بحاجة للجوء إلى الله
والتضرع وحسن التوكل عليه.
٧. إن القتال لا ينقص العمر، وتركه لا
يزيد في العمر، فالأجل مكتوب، ولن
يمنع حذر من قدر، فترك الجهاد خوفًا
من القتل عمل غير صالح، وهو من
صفات المنافقين.
٨. إن سوء الظن بالله تعالى وبرسوله
کفر ونفاق، وإن على المؤمن أن یکون
حسن الظن بالله دائمًا.
٩. إن من الواجب الاقتداء برسول
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٨٠/٢١.
٢٢٢
جوبيع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

غزوة الأحزاب
الله صلى الله عليه وسلم في كل أقواله
وأفعاله وأحواله، فهو القدوة والحجة.
١٠. إن المؤمنين الصادقين يستحقون
ثناء الله عليهم؛ لمواقفهم المشرفة،
ووفائهم بالعهود.
١١. التحذير من الغدر والخيانة ونقض
العهود وعاقبته، وهي صفات ملاصقة
لليهود، وهذا شأنهم على مدى التاريخ،
بغدرهم وخیانتھم للأنبياء، ولهذا كان
عاقبتهم السوء.
موضوعات ذات صلة:
غزوة أحد، غزوة بدر، غزوة تبوك، غزوات
الرسول مع اليهود
www. modoee.com
٢٢٣