Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ غَزْوَة الأَجْرَابُ عناصر الموضوع التعريف بغزوة الأحزاب ٢٠٠ أسباب الغزوة ٢٠٢ بداية الغزوة ٢٠٤ مشاهد من الغزوة في القرآن ٢١٢ ٢١٥ القيادة النبوية في الغزوة ٢١٧ ثناء القرآن على المؤمنين في الغزوة ٢١٩ موقف بني قريظة في الغزوة ٢٢٢ الدروس المستفادة من غزوة الأحزاب المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرفالغين التعريف بغزوة الأحزاب أولًا: أسماؤها: لقد سميت غزوة الأحزاب بذلك الاسم، بسبب اجتماع أحزاب وطوائف من المشركين فيها لمحاربة المسلمين، وعلى رأسهم قريش وغطفان ومعهم اليهود (١)، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى اسم الأحزاب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وسميت أيضًا بغزوة الخندق؛ لأنه عندما علم المسلمون بقدوم الأحزاب استشار رسول الله صلی الله عليه وسلم أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه عليه بحفر خندق حول المدينة يحول بينهم وبين الأحزاب ففعلوه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢). وقد وردت هذه التسمية على ألسنة الصحابة رضي الله عنهم، حیث روي عن عبد الرحمن وهو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، أن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: ((أول يوم شهدته يوم الخندق))(٣)، وعن (١) انظر: حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٢ /٤١٣. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤١٠٧، أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يحدث، قال: ((لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلی الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه))(٤). ثانيًا: حكمة تسمية سورة باسمها: لما تحزب المشركون من قريش وغطفان وبعض العرب ويهود بني قريظة، واجتمعوا لغزو المسلمين في المدينة، وقد رد الله كيدهم وكفى الله المؤمنين القتال في غزوة الأحزاب، ذكر الله سبحانه وتعالى تفاصيل هذه الغزوة وقصتها في سورة سميت بسورة الأحزاب، ولما كانت غزوة الأحزاب حدا فاصلا لمرحلة جديدة، أعلن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يأتي أحد بعد هذه الغزوة ليغزو المسلمين، بل هم سيقومون بغزو أعدائهم، حیث روي عن سلیمان بن صرد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (نغزوهم، ولا يغزوننا)(٥). ونصر الله سبحانه وتعالى في الغزوة كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ١١٠/٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤١٠٦، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ١١٠/٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤١٠٩، كتاب المغازي، بآب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ١١٠/٥. ٢٠٠ عَبُ النَّسِيَّة جوية القرآن الكريم غزوة الأحزاب نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأيدهم بجنوده من الملائكة الكرام والريح والخندق. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَاً وَكَانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. فكانت غزوة الأحزاب معجزة الرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك سميت سورة باسمها تأييدًا للنبي صلى الله عليه وسلم وتخليدًا لهذه الغزوة، وبیانًا لأحداثها، ولما فيها من دروس وعبر للمؤمنين، وهذا من أعظم مقاصد القرآن الكريم(١). ثالثًا: زمان الغزوة ومكانها: فأما زمان الغزوة: فذهب جمهور أهل السير والمغازي على أن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة (٢)، وذهب إلى هذا القول ابن سعد، وابن إسحاق، والواقدي، والطبري، وابن کثیر (٣)، وغيرهم. (١) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين ٦/ ٦٦،٦٣. (٢) انظر: حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٤٠٨/٢، السيرة النبوية، الصلابي، ٢٥٧/٢. (٣) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢/ ٥٠، المغازي، الواقدي ٢/ ٤٤٠، تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢/ ٥٦٤، السيرة النبوية، ابن كثير ٣/ ١٨١. وذهب طائفة من العلماء إلى أنها في السنة الرابعة من الهجرة، منهم الزهري، ومالك بن أنس، وموسى بن عقبة (٤)، وابن حزم، والنووي(٥). والذي يرجح هو رأي الجمهور، وهو ما رجحه ابن القيم فقال: ((وكانت سنة خمسة من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، وهو سنة أربع، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي))(٦). وأما مكان الغزوة: فحدثت غزوة الأحزاب على مشارف المدينة المنورة، وقد حفر المسلمون الخندق على مشارفها وتحصنوا في المدينة للدفاع عنها، وكان حفر الخندق بإشارة من سلمان الفارسي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المشورة تم حفر الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، حيث هذه المنطقة (٤) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ٤ /١٠٧. (٥) انظر: جوامع السيرة، ابن حزم ص١٤٧، شرح صحيح مسلم، ١٧٧/٨، فتح الباري، ابن حجر، ٢٧٨/٥. (٦) زاد المعاد، ٢٤٠/٣. www. modoee.com ٢٠١ حرفالغين هي المنطقة الوحيدة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة؛ إذ أن جهات المدينة الأخرى محاطة بالبساتين الكثيفة والعوارض الطبيعية الأخرى، وذلك يحول دون إمكان إجراء القتال بقوات كبيرة في أطراف المدينة عدا الشمالية منها (١). وقد تجمعت جيوش الأحزاب حول المدينة، وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع استعدادًا للقاء الأعداء والخندق .(٢) بینهم(٢). (١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٢٢٤/٢، السيرة النبوية، أبو حسن الندوي، ٣٤٧/١، الرسول القائد، محمود شيت خطاب، ٢٢٨/١. (٢) انظر: غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، السيد الجميلي، ٧٦/١، الرسول القائد، محمود شيت خطاب، ١/ ٢٢٨. أسباب الغزوة إن تحركات المسلمين المتواصلة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، وتحديهم المستمر لقريش، وتهديدهم لطرق تجارتها، قد هيأت الظروف لتحالف المشركين مع اليهود لاجتثاث المسلمين من قاعدتهم المدينة، فإن قريشًا كانت تفکر بحملة عسكرية ضد الوجود الاسلامي، وتود لو أتيحت لها الفرصة للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، وقد أتتهم الفرصة حينما اتصل بهم زعماء يهود بني النضير داعين قريشًا لحرب المسلمين (٣). وكان يهود بني النضير وبني قينقاع الذین أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مغيظين، خرجوا وهم يحملون معهم أحقادهم على المسلمين، فما أن استقروا بخيبر حتى أخذوا يرسمون الخطط للانتقام من المسلمين ويسعون بكل ما في وسعهم للقضاء عليهم، فاتفقت كلمتهم على التوجه إلى القبائل العربية المختلفة لتحريضها على حرب الإسلام، وكونوا لهذا الغرض الخبيث وفدًا يتكون من سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، ونفر من وائل (٣) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين ٣٢٣/١. ٢٠٢ جوسين الْقُرْآن الكَرِيمِ غزوة الأحزاب وتوجهوا إلى قريش. وقد نجح الوفد نجاحًا کبیرًا في مهمته حیث وافقت قریش التي كانت تنتظر الفرصة بعد الحصار الاقتصادي المضروب عليها من المسلمين، ووافقت غطفان طمعًا في خيرات المدينة وفي السلب والنهب، وتابعتهم قبائل أخرى، فتعاقدوا جميعًا، والتقى قصد قوى الشر في القضاء على الإسلام، وقد شهدوا أن الشرك خير من الإسلام، حتى نزلت في حقهم الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ) أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن ◌َّجِدَ لَهُ نَصِيًا﴾ [النساء: ٥١-٥٢](١). القول بأن ذلك خبر من الله سبحانه وتعالى عن جماعة من أهل الكتاب من يهود، وجائز أن یکون حییًا وآخر معه إما کعبًا وإما غيره(٢) . وقد بين الطبري في تفسيره أن هذه الآية وصف من الله سبحانه وتعالى للذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظیمهم غير الله بالعبادة، وتفضيلهم أهل الكفر بالله على أهل الإيمان به، وقولهم أن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوب من دین أهل التصدیق لله ولرسوله. وذکر آراء العلماء في سبب نزول الآية، وخلص إلى (١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٢١٤/٢، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد بن سويلم أبو شهبة، ٢٧٥/٢، السيرة النبوية، علي الصلابي، ٢٥٨/٢، حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٢/ ٤١٢. (٢) انظر: جامع البيان، ٤٦٨/٨. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الغين بداية الغزوة أولًا: مجيء الأحزاب وحصارهم المدينة: لقد تجمعت الأحزاب لحرب المسلمين، فخرجت قريش وغطفان وغيرهم من القبائل، وقد تولى قيادة جموع الأحزاب أبو سفيان، وكان عددهم عشرة آلاف مقاتل، بينما كان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف فقط، وخرجت يهود بني النضير ونقضت بني قريظة العهد، وقد تفاجأت الأحزاب بالخندق، وما كان أمامهم إلا أن يرابطوا أمامه، وأصبحت المدينة واقعة تحت حصار جموع الأحزاب(١). ولقد تحدث القرآن الكريم عن خروج الأحزاب وحصارهم المسلمين، ووصف الحالة التي أصابت المسلمين من فزع وجزع وخوف في تلك المحنة الرهيبة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَاْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِبْرًا ) إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَتَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْفُّنُونَاْ هُنَالِكَ أَبْتُلَى (١) انظر: الطبقات، ابن سعد، ٥١/٢، السيرة النبوية، ابن هشام، ٢١٥/٢، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد بن سويلم أبو شهبة، ٢/ ٢٧٦. الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: ٩-١١]. الآيات تشير إلى خروج قوات الأحزاب ومحاصرتهم المدينة، فقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ تَكُمْ جُنُودٌ﴾ أي: جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان وبني النضير وغيرهم، ونکر لتفيد الكثرة، حيث جاؤوهم جـ إلى المدينة من فوقهم أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، ومن أسفل منهم أي: من بطن الوادي من قبل المغرب، فحاصر العدو المسلمين، حتى أصاب المسلمين الخوف والرعب، وتنوعت الظنون، وكثرت الهواجس. ووصفت الآيات حالهم بتصوير بديع للهول الذي أصابهم، بأن زاغت الأبصار أي: عدلت عن مقرها وشخصت، وزالت القلوب عن أماكنها حتى بلغت الحناجر والحلقوم من شدة الخوف والفزع، فمن المعلوم أن من خاف وجبن تنتفخ رئته فترفع القلب الى الحنجرة، فزلزلوا واضطربت قلوبهم، وبلغوا غاية الضيق والشدة، وهذا ابتلاء واختبار من الله للمسلمين ولإيمانهم، وتمحيص للقوم؛ ليعرف المؤمن من المنافق، وراسخ الإيمان من المتزلزل(٢). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢١٤، لباب التأويل، الخازن، ٤١٦/٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ٩٣، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ١٤٧/٢. جَوَسُوع القرآن الكريمِ ٢٠٤ غزوة الأحزاب يقول سيد قطب في تصوير المشهد: قلة حلم))(٢). ((إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب، من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقیم والأسباب والنتائج، ومن ثم كان الابتلاء كاملًا والامتحان دقيقًا، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردد فیه»(١). وعلل الإمام الرازي هذا الابتلاء بقوله: ((عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق، والامتحان من الله ليس الاستبانة الأمر له، بل لحكمة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى عالم بما هم عليه؛ لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غيره من العبيد وغيرهم، فيأمره بأمر عالمًا بأنه يخالفه، فيبين الأمر عند الغير، فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه، حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من (١) في ظلال القرآن، ٢٨٣٧/٥. ثانيًا: موقف المؤمنين عند رؤية الأحزاب: لقد كان موقف المؤمنين مشرفًا، وكان ظنهم بالله قويًّا، حيث بين الله سبحانه وتعالى موقف المؤمنين حين لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. أي: وحين رأى المؤمنون وعاينوا جموع الأحزاب والكفار قد قدموا لمواجهة المدينة، ومحاربة الإسلام، لم يهنوا، بل قالوا على سبيل التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى، والتصديق بوعده ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ, وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب (٣). فمن یثبت ويصبر حين الابتلاء ينال نصر الله سبحانه وتعالى، هذا وعد الله للمؤمنين في كل زمان ومكان. إن الإيمان العميق والتربية النبوية جعلت المؤمنين يصمدون أمام الأخطار، فازدادوا إيمانًا، وأيقنوا أن نصر الله لابد أن يكون، (٢) مفاتيح الغيب، ٢٥/ ١٦١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣٦/٢٠، التفسير المنير، الزحيلي، ٢١/ ٢٦٠، حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٢/ ٤٨٧. www. modoee.com ٢٠٥ حرفالغين فاستحقوا شهادة الله لهم بصدق إیمانهم، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمََنَا وَتَسْلِيمًا﴾(١). قال الطبري: ((الذي وعدهم بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتَهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ اللّهِ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فأحسن الله عليهم بذلك من يقينهم، وتسليمهم لأمره الثناء، فقال: وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانًا بالله سبحانه وتعالى وتسليمًا لقضائه وأمره، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء)»(٢). وهذا شأن المؤمن دائمًا أن يزداد إيمانًا مع كل آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وأن يصدق بما وعد الله عباده المؤمنين، ويسلم لأمره وقضائه. هكذا بين لنا القرآن موقف المؤمنين حين مواجهة عدوهم، ورسم لنا صورتهم المشرقة في مواجهة الهول والخطر، صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من (١) انظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد بن سويلم أبو شهبة، ٢/ ٢٨٢، حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٤٨٨/٢. (٢) جامع البيان في تأويل آي القرآن، ٢٣٦/٢٠. جوبيبو القرآن الكريم خوف وبلبلة واضطراب، فكانوا نموذجًا فريدًا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير، فكانوا قدوة للمؤمنين في كل زمان ومكان، فعلينا ألا نيأس من أنفسنا ومن ضعف أمتنا، بل علينا أن نستمسك بالعروة الوثقى، عروة السماء، ونزيد من إيماننا، لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرًا بالنصر، فثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق، حتى نحقق النصر والعزة والرفعة(٣). ثالثًا: موقف المنافقين في الغزوة: لقد بين القرآن الكريم موقف المنافقين في غزوة الأحزاب، حیث کشفت الآيات صفاتهم ومواقفهم المخزية، وما تولد عن نفاقهم من جبن في القلوب وتخاذل في الميدان، وانعدام ثقة بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلی الله عليه وسلم، وفرار من الموت لضعف اعتقادهم، وتثبيط الآخرين لترك مواقعهم. ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتَ تَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ ١٢ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَنْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّنَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلََّّفِرَارًا ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٨٤٤،٢٨٤١/٥. ٢٠٦ غزوة الأحزاب لَتَوَّهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴾ وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْاللَّهُ مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اَللَّهِ مَسْئُولًا ﴿﴿ قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ اَلْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ١٦ ﴿ قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اَللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ مُوَهَا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَمْ مِن دُونِ اللَّهِ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُرُ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا ) وَالْقَيِنَ لإِخْوَِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّ قَلِيلًا ( أَشِحَةَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ اَلْنَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِنَةٍ حِدَادِ أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٦ يَحْسَبُونَ الْكَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِنِ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيِكُمُمَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِلًا﴾ [الأحزاب: ١٢ - ٢٠]. تفصل الآيات موقف المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، أصحاب القلوب المريضة والمليئة بالشبهات والشهوات، وتبين مقالتهم الشنيعة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: ما وعدنا الله إلا باطلًا من القول وخداعًا، ففي هذه المقولة تشکیك في وعد الله، واتهام للنبي بالخداع، وبيان كفرهم بإنكارهم وعد الله الصادق فيما وعدهم من النصر (١). (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢٢/٢١، روح فالمنافقون لم يكن لهم دافع للقتال لعدم إیمانهم، فمنهم من بدأ يثبط المؤمنین، ويطلب منهم الرجوع إلى المدينة، وقسم آخر يستأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم للرجوع إلى المدينة، ويسوق أعذارًا واهية وكاذبة بادعاء أن بيوتهم عورة أي: مكشوفة على الأعداء، وقد نفى القرآن أن يكون كلامهم صحيحًا فقال: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةِ﴾ وبين أن هدفهم هو سوق العذر أيًا كان بهدف الفرار من المعركة، وترك المسلمين في أشد الظروف وأحوجها(٢). قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ تَايِفَةٌ مِّنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]. ((ونستفيد من هذه الآية أن موقف المنافقين كان سلبيًا، بل كانوا مرجفين، فهم بدلًا من المساعدة قاموا بأشد مما قام به الأحزاب، حيث انسحبوا في أحلك الأوقات ناشرين الأراجيف في الجيش الإسلامي بأن لا مقام لهم، وأن بيوتهم مكشوفة، ومعروف أن الأراجيف لها أثر المعاني، الألوسي، ١١/ ١٥٦، حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بکر آل عابد، ٤٥٦/٢. (٢) انظر: تفسير المراغي، ١٤١/٢١، في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٨٣٨/٥، التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة المؤلفين ٠٨٩/٦ www. modoee.com ٢٠٧ حرفالغين کبیر في هزيمة الجيوش، وهي أشد من وقع السيوف؛ وذلك لأنها تهبط الحالة المعنوية للجيش فيصيبه الخور والضعف» (١). وتستمر الآيات في كشف وفضح المنافقين، وبيان صفاتهم، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَلَتَّقُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤]. (يخبر سبحانه وتعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ يُوتَّنَا عَوْرَةٌ﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لکفروا سریعًا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنی خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم))(٢)، وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم، فلا عجب من تراجعهم وتسللهم من المعركة، فهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود (٣). هكذا المنافقون سريعو الغدر والارتداد عن الدین، وترکهم للمسلمين بدون تردد، فغدرهم ونقضهم للعهود من صفاتهم المتأصلة، لذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ (١) حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٢/ ٤٦٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٣٩٠. (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٦٩/٢٩. جوبيه القرآن الكريم عَنْهَدُواْاللَّهَ مِن قَبْلٌ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اُللَّهِ مَسْئُولًا ﴾ [الأحزاب: ١٥]. فهم كانوا قد عاهدوا الله قبل المعركة ألا يهربوا منها، إلا أنهم خانوا العهد، وسيسألهم الله عن ذلك، وقد ذكر الطبري أن المقصود فعل بني حارثة في الخندق بعد أن هربوا يوم أحد، ثم عاهدوا الله ألا يعودوا، وقد عادوا (٤). ثم يقرر القرآن الكريم أن الأجل معلوم عند الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد أن يفر أو يهرب منه، ولا أحد يستطيع أن يعصم أحدًا أو يمنعه من وقوع قضاء الله عليه. قال تعالى: ﴿قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ اٌلْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوَّهَا أَوْأَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا تَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٦، ١٧]. ففي هذه الآيات أمر من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمنافقين بأن فرارهم من القتال لن يؤخر آجالهم، ولن يطيل في أعمارهم، ولن ينجيهم من الموت، وإن توهموا أنهم نجوا مؤقتًا فسیأتیهم أجل الله، ولا أحد يستطيع أن یمنع عنهم قدر الله، فقدره لابد آت، فمن الذي یمنعهم من الله إن أراد لهم سوءًا (٤) انظر: جامع البيان، ٢٢٨/٢٠، تفسير القرآن العظیم، ابن کثیر، ٣٩/٦. ٢٠٨ غزوة الأحزاب في أنفسهم -أي: شرًا وهزيمة- أو عافية وسلامة ونصرًا؟ لن يجد هؤلاء المنافقون إن أراد الله بهم سوءًا في أنفسهم وأموالهم من يليهم بالكفاية أو ينصرهم من الله فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء ذلك، فهذه دعوة لهم ليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولایته ونصرته، وليّ ولا ناصر ويقرر الله سبحانه وتعالى أنه عليم وبأفعالهم بالمرجفين من المنافقين وصفاتهم القبيحة، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْك وَالْقَيِنَ لِإِخْوَفِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّ قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ١٨]. فالحق سبحانه وتعالى يعلم المثبطين للمؤمنين عن القتال في سبيل الله، والقائلین لإخوانهم اتركوا ساحة القتال والتحقوا بنا في المدينة (٢). وتعالوا إلينا))(٣) . وهؤلاء لا يأتون البأس إلا قليلًا أي: لا یشهدون القتال إن شهدوا إلا تعذیرًا ودفعًا عن أنفسهم (٤). فالمنافقون لم يكتفوا بالانسحاب والفرار من المعركة، بل قاموا بالتثبيط والإرجاف في الجيش، والدعوة للتمرد والانسحاب عن الجبهة وترك النبي صلى الله عليه وسلم وحده(٥). وتتابع الآيات بيان صفاتهم القبيحة عند الخوف والأمن، ﴿أَشِحَّةَ عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَءُ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُّنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ لٌلْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩]. من صفاتهم أنهم أشحة (( والشح: البخل بما في الوسع مما ينفع الغير، وأصله عدم بذل المال، ويستعمل مجازًا في منع المقدور ((قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي صلى من النصر أو الإعانة، والمعنى: يمنعونكم ما الله عليه وسلم، وذلك أنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أکلة رأس، ولو کانوا في وسعهم من المال أو المعونة، أي: إذا حضروا البأس منعوا فائدتهم عن المسلمين لحمًا لالتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم ما استطاعوا، ومن ذلك شحهم بأنفسهم (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢٨/٢٠، لباب التأويل، الخازن، ٤١٧/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٠. (٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١١٩٦٨/١٩. (٣) فتح القدير، الشوكاني، ٣١٠/٤. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢٣٠. (٥) انظر: حديث القرآن عن غزوات الرسول، محمد بن بكر آل عابد، ٤٨٦/٢. www. modoee.com ٢٠٩ حرفالغين و کل ما یشح به))(١). المؤمنين، وخاصموهم بكلام مستكره، وقد بين القرطبي عدة معانٍ مقصودة وألسنة سلطة، طعنًا وذمًّا خاطبوهم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة (٤). من صفة الشح علی المؤمنین، ذكرت عند السلف وهي: البخل في حفر الخندق، وفي النفقة في سبيل الله، وبالقتال معهم، وبالنفقة على فقرائهم ومساكينهم، وبالغنائم إذا أصابوا(٢). قال الطبري: ((إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح، ولم يخصص وصفهم من معاني الشح، بمعنى دون معنی، فهم کما وصفهم الله به: أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين))(٣). والصفة الأخرى للمنافقين التي بينتها الآية السابقة وهي الجبن الشدید عند رؤية الأعداء، ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ فهم من خوفهم الشديد من القتال، وجبنهم الذي خلع قلوبهم، إذا أقبل العدو یصیبهم الهلع، فينظرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتدور أعينهم يميناً وشمالاً، كدوران عين الذي يغشى عليه من سكرات الموت حذرًا وخورًا ولواذًا. وإذا ما انتهى القتال وذهب الخوف آذوا (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٩٦/٢١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٠١٥٣/١٤ (٣) جامع البيان، ٢٣١/٢٠. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ لْنَوْقُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ((قال قتادة: ومعناه بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة، یقولون: أعطنا أعطنا، فإنا قد شهدنا معكم، فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانًا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم، قال النحاس: هذا قول حسن؛ لأن بعده: أشحة على الخير))(٥). فهم أشحة على الخير أي: هم بخلاء حريصون على مال الغنائم إذا ظفر المؤمنون، فيشاحون المؤمنين على الغنيمة ويطلبون منها (٦). يقول الزمخشري: ((فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة، نقلوا ذلك الشح عليكم إلى الخير - وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣١٠/٤، الكشاف، الزمخشري، ٥٣٠/٣، روح المعاني، الألوسي، ١٦٢/١١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ٩٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٠، محاسن التأويل، القاسمي، ٨/ ٥٧. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥٤/١٤. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢٣٢، لباب التأويل، الخازن، ٤١٨/٣، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ١٤٨/٢. ٢١٠ جوية القرآن الكريمِ غزوة الأحزاب واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم وینا نصرتم عليه))(١)، ولأن المنافقين لم يؤمنوا، وأظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، أبطل الله أعمالهم وأحبطها، وهذا الأمر سهل هين على الله(٢). ظن السوء، ولا يقاتل عن عقيدة، فينتهز أي فرصة للهروب من أي مهمة صعبة، وللتنصل من الواجبات، بل وتثبيط الآخرین، ويتصف بالشح وعدم حب الخير للآخرين، وخيانة العهود (٤). إن هذه الصفات التي ذكرها الله عن المنافقين تنطبق على منافقي كل زمان ومكان «فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان»(٥). ومن صفات المنافقين أنهم من شدة الخوف والجبن يحسبون الأحزاب لم فلنتعرف على صفاتهم لنحذر منها ونعرف عدونا، فالآيات الكريمة كشفت صفاتهم لتحذر منهم. يذهبوا لقتال المؤمنين، ويتمنوا أنه إذا أتى الأحزاب مرة أخرى وحاصروا المدينة أن يكونوا حينها قد خرجوا إلى البادية مع يقول سيد قطب: ((وبهذا الخط ينتهي الأعراب وليسوا في المدينة خوفًا من القتل، وحتى لا ينالهم أذى، ويتمنون أن يسمعوا رسم الصورة، صورة ذلك النموذج الذي أخباركم بهلاككم، ولو كانوا في المعركة ما كان عائشًا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة، والذي ما یزال یتکرر في کل قاتلوا معهم إلا قليلا لا وزن له، أي: تعذیرًا، لأنهم لا يقاتلون حسبة ولا رجاء ثواب. جيل وكل قبيل، بنفس الملامح، وذات السمات ينتهي رسم الصورة وقد تركت في قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِنِ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ اُلْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَايِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمُ مَّا قَتَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (٣). النفوس الاحتقار لهذا النموذج، والسخرية منه، والابتعاد عنه، وهوانه على الله وعلى الناس، ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف، هذه هي صفات المنافقين، فالمنافق مریض القلب والنفس، یظن بالله ورسوله وتلك كانت صورتهم الرديئة»(٦). (١) الكشاف، ٣/ ٥٣٠. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦٠. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٤٢/٢٠، تیسیر الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٠. (٤) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين ٦ / ٩٢. (٥) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٨٣٨/٥. (٦) في ظلال القرآن، ٢٨٤١/٥. www. modoee.com ٢١١ حرف الغين مشاهد من الغزوة في القرآن أولًا: وصف عام للغزوة: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَ قَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَاً وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. في هذه الآية الكريمة وصف عام للغزوة، حیث یذکر الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين بنعمته عليهم، ويمتن عليهم، إذ صرف عنهم أعداءهم، حین جاءت جنود الأحزاب وتجمعت لإبادتهم، والقضاء عليهم، واستئصال شوكتهم، فأرسل الله على الأحزاب ريحًا، وملائكة لم يروها، فزلزلتهم، وألقت الرعب في قلوبهم، وقلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وسفت التراب في وجوههم، فكان للملائكة دور كبير في نجدة المسلمين، وكانت الريح أبرز الجنود التي حسمت المعركة (١). عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)(٢). (١) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٨٠/٣، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٦٦/٢١، تفسير المراغي، ١٣٩/٢١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ١٠٣٥، کتاب الجمعة، باب قول النبي صلی الله علیه ((وفي هذه الآونة الشديدة وقع ثقل المقاومة على المؤمنين الخلص، الذين كانت قلوبهم عامرة بالإيمان، ونفوسهم في سبيل الدفاع عن الحق أشد من الصخرة صلابة وقوة، ولما وقف المؤمنون الموقف المشهود، ودافعوا دفاع الأبطال، وابتلاهم الله، فوقفوا وصبروا وصابروا أراد ربك أن يصرف عنهم السوء، وأن يتم نعمته عليهم ويكفيهم شر القتال على أحسن صورة وأكمل وضع، فألقى في قلوب المشركين الخوف)» (٣). وكان الله مطلعًا على المؤمنين، عليمًا بجميع أعمالهم، من حفر الخندق ومقاساة الشدائد، والاستعداد للقتال، والتحرز من العدو، وهو يجازيهم عليها (٤). يقول سيد قطب في بيان الآية السابقة: «يجمل في الآية الأولى طبيعة ذلك الحادث، وبدءه ونهايته، قبل تفصيله وعرض مواقفه؛ وسلم: (نصرت بالصبا)، ٢/ ٣٣. قال مصطفى البغا في تعليقه على الحديث: («الصبا هي الريح التي تهب من مشرق الشمس ونصرته بها - صلى الله عليه وسلم -كانت يوم الخندق إذ أرسلها الله تعالى على الأحزاب باردة في ليلة شاتية فقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وقلبت قدورهم كان ذلك سبب رجوعهم وانهزامهم. ((الدبور)) هي الريح التي تهب من مغرب الشمس وبها كان هلاك قوم عاد كما قص علينا القرآن الكريم. (٣) التفسير الواضح، حجازي، ٨١/٣. (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٦٦/٢١. جَوَبُور القرآن الكريم ٢١٢ غزوة الأحزاب لتبرز نعمة الله التي يذكرهم بها، ويطلب غنيمة أو أسر أو نصر، وكفى الله المؤمنين القتال؛ بأن أرسل على الأحزاب الريح إليهم أن یتذکروها ولیظهر أن الله الذي يأمر المؤمنین باتباع وحیه، والتو کل علیه وحده، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، هو الذي يحمي القائمين على دعوته ومنهجه، من عدوان الكافرين والمنافقين. والملائكة، فتفرقت جموعهم، وتشتت شملهم، وأوقع الرعب في نفوس الأحزاب، وثبت قلوب المؤمنين على الحق حتى جاءهم النصر من عند الله العزيز الحكيم، فالفضل بالنصر کله لله، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده(٢). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًاً لَّمْ تَرَوَّهَاْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. وهكذا يرسم في هذه البداءة المجملة بدء المعركة وختامها، والعناصر الحاسمة فيها مجيء جنود الأعداء، وإرسال ريح الله وجنوده التي لم يرها المؤمنون، ونصر الله المرتبط بعلم الله بهم، وبصره بعملهم»(١). ثانيًا: نهاية الغزوة: قال تعالى: ﴿وَرَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. لقد نصر الله المؤمنين وأعزهم، ورد الكافرين من قريش وغطفان واليهود والأحزاب جمیعًا، ردهم خائبین خاسرین بکربهم وغمهم وغیظھم، لم یشفوا صدرًا ولم يحققوا أمرًا، فلم ینالوا ما كانوا يأملونه من الظفر على المؤمنين، أو أي خير من (١) في ظلال القرآن، ٢٨٣٦/٥. وقد روي من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده)(٣). «الله أكبر وأعظم به من نصر، الله أكبر وأعظم بها من معركة، سلاحها الفتاك هو الريح والملائكة والرعب، فمن كان معه الله سخر له ما يشاء، نصر الله المؤمنين بالرغم من إتيان الأعداء من كل الجهات فحاصروا المدينة المنورة حصارًا شديدًا، أتى النصر من الله البصير بأعمال المؤمنين الصادقين في نصرة دينه، وذلك بعد أن اشتد الامتحان وعظم، فزاغت الأبصار واضطربت القلوب (٢) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٨٥/٣، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٧٧/٢١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٧١٦، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر مالم يعمل، ٤/ ٢٠٨٥. www. modoee.com ٢١٣ حرفالغين وخافت، وظن المؤمنون أنهم ممتحنون الله عليه وسلم بقوله: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم)(٢). فخافوا من الزلل، وظن المنافقون أن المسلمين سيستأصلون، ولكن خابت ظنون المنافقين ونصر الله عباده المتقين. واختبر المؤمنون اختبارًا عظيمًا، واضطربوا اضطرابًا شديدًا من هول الموقف، وبسبب خيانة المنافقين واليهود وهجوم الكافرين عليهم، إلا أنهم كانوا متيقنين بنصر الله سبحانه وتعالى، فحقق الله لهم وعده، ونصرهم على الأحزاب)»(١). إن القرآن الكريم ومن خلال آيات غزوة الأحزاب، يرسخ في القلوب والنفوس الاعتقاد الصحيح، والتصور السليم، بأن النصر كله بيد الله، وأن الله ينصر عباده المؤمنين المخلصين، فالمسلمون اليوم مطالبون بترسيخ هذه المفاهيم الصحيحة، والارتكاز إلى الإيمان الصادق، وأن يستمدوا العون من الله سبحانه وتعالى، وأن یردوا أمرهم کله لله. وإن من أهم نتائج الغزوة والآثار المترتبة على نصر المؤمنين وفشل الأحزاب، بأن كانت الغزوة بمنزلة حد فاصل لمرحلة جديدة، تمثلت في تغير ميزان القوى لصالح المسلمين، وانتقال الموقف من الدفاع إلى الهجوم، وذلك ما عبر عنه الرسول صلى (١) التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين، ٦/ ٨٣. وهذا يعكس التغير الجذري في سياسة الدولة الإسلامية من اتباع سياسة الدفاع عن المدينة، إلى مرحلة الهجوم والتهديد، وذلك يشير بوضوح إلى أن مناطق الصراع قد انتقلت في أعقاب هذه الغزوة إلى مناطق أخرى مثل مكة وما حولها، وتبوك، وغيرهما بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية(٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤١١٠، حديث سليمان بن صرد، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، ١١٠/٥. (٣) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين، ٣٢٨/١. مَوَسُو ◌َرَ التفسير القرآن الكريم ٢١٤ غزوة الأحزاب القيادة النبوية في الغزوة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قائد المسلمين في غزوة الأحزاب، خاضها بنفسه، فكان القائد الرباني، والجندي المثالي، والقدوة الكاملة، فهو محل قدوة للمؤمنين دائمًا، في الصبر على الشدائد، والثبات في الحروب، والصدق عند اللقاء، وفي غزوة الأحزاب بذل صلى الله علیه وسلم کل غالٍ لنصرة دين الله، حفر الخندق مع اخوانه، وجاع مثلهم، وصبر وجاهد، فكان الصابر المحتسب، والشاكر الراضي، فاستحق أن يقتدى به في جميع أفعاله وأحواله، لذلك قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمُالْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. هذه الآية أصل كبير وعظيم في وجوب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأمور، في أقواله وأفعاله وأحواله، واتباع سنته (١). فلابد من التأسي به، في صبره ومصابرته، ومجاهدته، ومرابطته، يقول البغوي: ((اقتداء حسن، أن تنصروا دين الله، وتؤازروا الرسول، ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما یصییکم کما فعل هو، إِذ کسرت رباعیته، وجرح وجهه، وقتل عمه، وأوذي بضروب (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣١٩/٦. من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضًا، واستنوا بسنته))(٢). قال بعض المفسرين: إن الخطاب في الآية السابقة عتاب للمنافقين، ودعوة للمتخلفين عن القتال للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم(٣)، وسواء كان الخطاب للمؤمنين أو لغيرهم، يبقى النبي صلی الله عليه وسلم حجة عليهم جميعًا، والقدوة لهم جميعًا بجهاده وجمیع أحواله، والذي يقتدي به ويتخذه الأسوة الحسنة هو المؤمن الذي يرجو ثواب الله ویخافه، ویدیم ذكره سبحانه وتعالى. وإن من أهم ما تميز به النبي في المعركة، وكان له الأثر الكبير على المسلمين، ما يأتي: ١ . استشارته لأصحابه وعبقريته. حيث استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما ينبغي عمله لمواجهة الخطر الداهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق شمال المدينة، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا الأخذ برأيه السديد، والأمر بالتنفيذ، ((وقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب لاجتياز (٢) معالم التنزيل، البغوي، ٦٢٤/٣. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣٥/٢٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤/ ١٥٥. www. modoee.com ٢١٥ حرف الغين الخندق والتغلب على المدافعين عنه))(١). فكان حفر الخندق عاملًا أساسيًا من عوامل نصر المسلمين في الغزوة، والقائد العبقري هو الذي يستخدم أسلوبًا جديدًا في القتال. ٢. اتصافه بالقوة والحزم والرشد والجندية. حيث ((قرر الرسول صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة المنورة، وأمر بحفر الخندق، وانتخب منطقة الحفر في السهول الكائنة شمال المدينة، ووزع أعمال الحفر بالتساوي بین أصحابه، وسيطر على العمل، فلا يستطيع أحد ترك واجبه إلا بأمر منه، حتى أنجز أعمال حفر الخندق قبل وصول المشركين الى المدينة المنورة، واشتغل هو بنفسه بالحفر کبقیة أصحابه تمامًا، بل استأثر دونهم بالأماكن الصلبة في منطقة حفر الخندق التي لم يستطع أصحابه التغلب عليها، كفلق الصخور القاسية !! ثم قسم واجبات حراسة الموضع بين أصحابه، بحيث لا يغفل أحد عن شبر من الخندق ليلا ونهارًا، على الرغم من برودة الطقس؛ وقد کان هو بنفسه لا يترك مقره إلا ليقوم بتفتيش الحراس والمواضع الدفاعية وليحرض المؤمنين على القتال، ويرفع من معنویاتھم، وأمن حرسًا قويًا للذراري الذین ترکهم في دور المدینة، وأهم من ذلك كله سيطرته على أصحابه عندما تأزم الموقف حين وصلت الأحزاب الى ضواحي المدينة بقوات متفوقة على المسلمين، وحين نكثت قريظة عهدها، فأصبح الخطر يهدد المسلمين من داخل المدينة وخارجها)) (٢). ٣. تأييد الله سبحانه وتعالى له بالمعجزات. فقد حصلت خلال مرحلة حفر الخندق ثلاث معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم وهي تكثير الطعام الذي أعده الصحابي جابر بن عبد الله للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن باركه صلى الله عليه وسلم، وأكل منه ألف صحابي حتى شبعوا وتركوا الكثير، ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يعمل معهم بأمر غيبي يتعلق بقتله رضي الله عنه، وقيامه صلى الله عليه وسلم بتفتيت صخرة عظيمة عجز الصحابة عن كسرها، فقد ضربها ثلاث ضربات وفتتها، ومع کل ضربة كان صلى الله عليه وسلم يعلن عن تسلمه لمفاتيح أقاليم كل من الشام، وفارس، واليمن، وهي بشارة تنبئ عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة، يواجهون المشاق (١) الرسول القائد، محمود شيت خطاب، ٢٣٥/١. (٢) المصدر السابق ١/ ٢٣٧. ٢١٦ جوسين القرآن الكريم غزوة الأحزاب والخوف والجوع والبرد القارص(١). ٤. الدعاء واللجوء إلى الله. في غمرة الشدائد والمخاوف كان النبي صلى الله عليه وسلم يديم الدعاء خلال الحصار، ولا ينفك هو وأصحابه عن التوجه إلى رب السماء. ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم)(٢). وفي رواية: (اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم)(٣). (١) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين، ٣٢٥/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤١١٥، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، ١١١/٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٣٠٢٤، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، ٤ / ٦٣. ثناء القرآن على المؤمنين في الغزوة لقد أثنى القرآن الكريم على المؤمنين في غزوة الأحزاب، ومدحهم مدحًا عظيمًا، فهم مؤمنون حقًا، صادقون مع الله، ومع أنفسهم، استحقوا الثناء، فكانوا قدوة للمؤمنين في کل مکان وزمان. قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْتَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. يرسم لنا القرآن صورة مشرقة لهؤلاء الرجال المؤمنين الصادقين، الذين أوفوا بالعهود، وصبروا على البأساء والضراء، فمنهم من نذر نفسه لله فاستشهد في سبيله كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وغيرهم من الصحابة الكرام، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. هؤلاء كاملو الإيمان، لم يغيروا عهدهم مع الله ولم يبدلوه كغيرهم من المنافقين الذين ينقضون العهود، والله سيثيب أهل الصدق بصدقهم ووفائهم لله بما عاهدوا، وسيعذب المنافقين بكفرهم ونفاقهم، إن شاء أو يتوب عليهم فيهديهم للإيمان والتوبة. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ www. modoee.com ٢١٧ حرفالغين أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا تَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤](١). والآيات الكريمة السابقة تدل على أن الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه هم من المؤمنين الذين سلموا من النفاق، إذ ليس كل المؤمنين على درجة واحدة في إیمانهم، بل هم درجات في الإیمان، کما أنهم درجات عند الله، ودل علی ذلك حرف الجر من للتبعيض، أي: بعض المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ إشارة إلى أنهم أناس قد كملت رجولتهم، وسلمت لهم إنسانیتھم، فكانوا رجالاً حقا، لم ينتقص من إنسانيتهم شيء، فالكفر والشرك والنفاق وضعف الإيمان، كلها أمراض خبيثة تغتال إنسانية الإنسان، وتفقده معنى الرجولة فيه، فالرجل كل الرجل، هو من تحرر عقله من الضلال، وصفت روحه من الكدر، وسلم قلبه من الزيغ، ثم لا عليه بعد هذا ألا يمسك بيده شيئًا من جمال الصورة، أو وفرة المال، أو قوة السلطان. وفي تنكير ﴿رِجَالٌ﴾ معنى التفخيم، والتعظيم، فمن هؤلاء الرجال من مات، وهو على إيمانه الوثيق بالله، وفي موقف (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤١/٢٠، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٢٩/٤، التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين، ٩٨/٦. الجهاد في سبيل الله، قد وفی بما نذره لله، وعاهد الله عليه، ومنهم من ينتظر قضاء الله فیه، موتًا، أو استشهادًا في میدان القتال، فهو على ترقب وانتظار لليوم الذي تتاح له فيه الفرصة للوفاء بنذره وعهده. ففي قوله: ﴿يَنَظِرٌ﴾ إشارة إلى أن المؤمن الصادق الإيمان، ينتظر لقاء ربه، وهو في شوق إلى هذا اللقاء، يعد له اللحظات، ويستطيل أيام الحياة الدنيا، في طريقه إلى ربه، شأن من ينتظر أمرًا محبوبًا هو على موعد معه. وفي قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُواْتَبْدِيلًا﴾ إشارة إلى أن إيمانهم بالله، ويقينهم بلقائه لم يزايل مكانه من قلوبهم لحظة، ولم ينحرف عن موضعه أيَّ انحراف، فهم علی حال واحدة من أمر ربهم، ومن الثقة بما وعدهم الله على يد رسوله، على حين أن كثيرًا ممن كان معهم ممن أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، قد بدلوا مواقفهم، وكثرت تحركاتهم بين الإيمان والكفر. فالمؤمنون الذين لم یبدلوا موقفهم، ولم يحيدوا عن طريقهم الذي استقاموا عليه- هؤلاء لهم من جزاء إيمانهم وإحسانهم، ما هم أهل له، من الإحسان والرضوان والذين بدلوا، ونافقوا، ولم يصدقوا في إيمانهم بالله- هؤلاء إما أن يعذبهم الله، إذا هم مضوا على نفاقهم، ولم تدركهم رحمة جوُوحَرَ النَّفْتَ القرآن الكريمِ ٢١٨